اقطعوا البث: الثورة على الهواء مباشرة

حكم البابا

 

      مايجري في لبنان مربك لأي نظام استبداي في العالم والعربي منه خاصة، ليس لأن هناك مظاهرات وحشود تسقط حكومات، ولا لأن هناك شعارات عن الحرية تعلو، ولا لأن العالم كلّه ينفعل ويتفاعل فهذا يدلي ببيان وذاك بتصريح، فالأهم من هذا كلّه أن الثورة تنقل على الهواء مباشرة، وبكلمة أدق الثورة تقاد عبر الشاشات التلفزيونية التي لم تكن من وظيفة في السابق سوى تسلية المواطن العربي قليل الحيلة الذي سلّم أمره لله ولحكامه ولأمريكا .

 

      شيء خطير فعلاً على هذا المواطن المدجن الذي لايعرف من النقل المباشر على الهواء إلاّ فترات خطب زعمائه، ولم يتسن له سابقاً مشاهدة تهديد نظام واسقاطه لحظة بلحظة وكأنه يتابع مسلسلاً تلفزيونياً مشوقاً، ومنعه حاجز اللغة والجغرافيا من أخذ ثورات جورجيا أو أوكرانيا على محمل جد الحقيقة الواقعة، فاعتبرها نوعاً من المسلسلات المكيسكية المدبلجة التي يشاهدها لكنها (ومن الآخر) لاتمسه مباشرة، لكن هنا وفي لبنان وباللغة العربية الأمر مختلف، لنقل إذا أردنا الدقة معجز، فلأول مرة يقف نواب وزعماء أمام الشاشة وفي مواجهة عدد من الميكرفونات ليتحدثوا وبالصوت العالي عن المخابرات، للوهلة الأولى اعتبر المواطن المشاهد نفسه آثماً وقد يُحمّل مسؤولية لمجرد سماعه شتيمة للمخابرات. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فهناك بشر ينزلون إلى الشارع لتظاهروا، لاعلى طريقة المظاهرات التي يشاهدها المواطن العربي المستعبد في بلاده، والتي تشبه (في بؤسها وضعتها وتهافت شعاراتها وقلّة إيمان من يردد الشعارات بما يردده) تظاهرة مجموعة كومبارس في مسلسل تلفزيوني منتجه بخيل وكحته، فهنا الآن يصبح المتظاهرون الذين كانوا كومبارساً في! السابق أبطال المشهد يقودون الفعل، ويقولون كل الحوار، ويتحول نجوم السياسة التقليديين إلى كومبارس حقيقي مرعوب. ويضيف الهتاف الذي تتعانق فيه الكلمة بالصوت الذي ينطقها عناقاً إيمانياً، والشعار المكتوب بذكاء تنامى خفية في سنوات القهر والكبت، والأعلام اللبنانية النظيفة التي ولفرط نظافتها يمكن أن تستخدمها أية شركة تنتج مسحوق غسيل كدعاية لها، وأي بلد تحت الاستبداد كرمز للحرية، والبالونات الحمراء والبيضاء التي ترتفع في السماء مع الموسيقا المناسبة، وكأنك تشاهد عرضاً خارقاً لسوبر ستار النصر، والأغاني المختارة بعناية، والشالات التي تحيط الأعناق بأناقة.. يضيف كل ذلك الاكسسوار المناسب والموسيقا المصاحبة لتظهر أمامنا صورة فنية لثورة مكتملة نظيفة وكأننا أمام فيلم سينمائي بإبهار وقوة وعمق وتأثير عمل ميل غيبسون (قلب شجاع) ، وهنا تبدأ مشكلة المواطن العربي المستعبد الذي لايستطيع إلاّ أن يتماهى مع مايشاهده، وبالتوازي معه تبدأ مشكلة النظم الاستبداية التي تتماهى أيضاً مع نجوم السياسة التقليديين الذين يتم الهتاف ضدهم وإسقاطهم، ويصبح التلفزيون ساحة الصراع بين الفريقين، الأول يريد أن يفتحه ويتنقل بي من قنوات الحرية ليدقق في شعار لم يسمعه هنا، ويؤكد في لافته لم يرها بوضوح هناك، والثاني يريد إغلاقه أو عرض أفلام ثقافية عن الدلافين والأوابد الأثرية والمومياءات لتدخل الطمأنينة والسكينة إلى روع الفريق الأول، لكن هيهات فزمن القناة التلفزيونية (الوطنية) الرصينة الواحدة قد ولّى إلى غير رجعة، ولأن التلفزيون هو الذي هدم جدار برلين حين قدّم لمواطن ألمانيا الشرقية المناضل المنتوف، رفاهية ورغد عيشة مواطن ألمانيا الغربية المارق واللامنتمي إلى صفوف الحزب الثوري، فهو خطر على كل ما تبقى من أحجار جدار برلين الهشة داخل الوطن العربي، ولأن قناتي الفرفشة والشو الفني) المستقبل) والـ(LBCI) أصبحتا في هذه اللحظة الأكثر من تاريخية، لحظة انكسارالاستبداد، يمكنهما أن تنافسا بعضهما البعض الآن في دخول موسوعة غينس، بعدد كلمة )الحرية) التي قيلت على شاشتيهما، ولأن الشاشة الوطنية جداً لم يعد لها من مشاهدين إلاّ المراقب الفني والمراقب الأمني بحكم لقمة عيشهما، فقد أصبح التلفزيون خطراً والحل الأكثر سهولة وفي متناول اليد هو: اقطعوا البث.. الثورة على الهواء مباشرة،

 

وكلمة الحرية خطيرة ومعدية مثل الكوليرا!

 

جريدة القدس العربي اللندنية

hakambaba@hotmail.com