خطوط حمراء (سترتش) !!

حكم البابا

  

 إلى متى تفسّر المخابرات كلمة الرئيس الراحل حافظ الأسد (لارقابة على الفكر إلاّ رقابة الضمير) بالطريقة التي تعتبر نفسها أنها المقصودة بكلمة الضمير؟ وإلى متى يبقى همّ الصحافي السوري وهو يكتب مقالته (لا البحث عن تطوير نفسه وأدواته، أو اكتشاف مواضيع جديدة أو بُنى مبتكرة لما يكتبه) إنما الهرب من الوقوع في أيدي من لا يرحم ولايترك رحمة الله تنزل على عباده، فتصبح كتابة المقال لدى الصحافي السوري أشبه بحل شبكة معقدة للكلمات المتقاطعة؟ وإلى متى تبقى المخابرات هي الجهة المخولة باستدعاء الصحافي في أية لحظة، وبالطريقة التي ترتئيها مناسبة لارهابه وتخويفه وتذكيره على طريقة (نحن هنا)؟

 

مرت سنوات و(الإخوة الأعداء) لايزالون يمارسون عملهم بنفس الطريقة.. يكتب الصحافي مقالاً فيتم استدعاؤه، إمّا باتصال هاتفي أو بإرسال استدعاء مكتوب أو بإرسال دورية لاحضاره وذلك حسب المزاج والظرف. ما تطور قليلاً هو طريقة التعامل. فقبل سنوات كان التهديد والوعيد والشتائم هما لغة الحوار الوحيدة، واليوم صار

 

الكلام لطيفاً بتصنّع، وأصبحت اللغة القديمة تتم بالايحاء سواء في الحالة الانتظارية التي يوضع فيها الصحافي في مكتب قبل دخوله إلى الشخص المستدعى لمقابلته، أو بالتوريات والطباق والجناس والاستعارات والتشابيه التي يستخدمها الشخص ذاته للتحقيق مع الصحافي تحت إسم الدردشة. حتى لكأن كل رجال المخابرات تحولوا فجأة إلى خبراء في علوم اللغة العربية ودقائقها، لكن الجوهر بقي هو هو.. القلق الذي يسببه الاستدعاء للصحفي وعائلته ومحيطه ولغيره من الصحفيين، والرهبة من المكان الذي سيدخله الصحفي بقدميه (وهي تفوق رهبة نزول القبر بالنسبة لرجل مشرف على الموت)، والعبرة التي سيأخذها الصحافي من دخوله لهذا المكان، وهي عبرة لايقصد بها وحده وإنما تشمل زملاؤه من الصحفيين أيضاً!

     

ومع فنجان القهوة الذي على الصحافي تجرعه بالطريقة التي تجرعت فيها كيلوبترا السم، يسمع محاضرة في الوطن والظروف الخارجية والداخلية والأخطار المحيطة ومسؤولية الصحافي، حتى ليكاد يشعر بأن ما يكتبه هو سبب التهديدات، وترسم له خطوط حمراء (تختلف من فرع إلى آخر، ومن محقق إلى آخر)، ثم تقدم له تهديدات بصيغة نصائح معتمدة على رحابة صدر لغتنا العربية الجميلة وثراء مفرداتها .

      

مناسبة هذا الكلام هو استدعاء الصحافي الزميل شعبان عبود يوم الخميس 17/3/2005 لمقابلة رجل مخابرات. وقد تمت المقابلة وفق نفس السيناريو الذي ذكرته آنفاً، مع تنويه إلى مقال محدد كتبه الزميل عبود واستشف أنه سبب الاستدعاء، وهو مقال عن سطوة صحفية في جريدة الثورة السورية بسبب زوجها المتنفذ. وعلى ما يبدو أن تنفّذ الزوج وصل إلى حد استدعاء الصحفي، وليس للصدفة دخل في كون نفس رجل المخابرات هو الذي استدعاني بتهمة رمي جريدة البعث بإخبار من مديرها العام السابق ووزير الإعلام الحالي، مما يعني أن الخوف على الوطن ليس سبب الاستدعاء، وانما رغبة شخصية من رجل ما تربطه علاقة برجل مخابرات في احضار صحفي ما وشد أذنه حسب التعبير الشعبي السوري.

     

هل هناك من يهمه الأمر لأتوجه إليه وأذكره بأن مثل هذه التصرفات هي التي جعلت عشرات اللبنانيين يظهرون على الشاشات ويعقدون المؤتمرات الصحفية، ليتحدثوا عن سطوة المخابرات السورية، وأن مثل هذه التصرفات هي التي جعلتنا نشاهد على الفضائيات رجال المخابرات وهم يحملون معهم صور وتماثيل الرئيس الراحل معهم، وهم يغادرون مراكزهم في لبنان، لأن المخابرات تدمّر أية علاقة سوية بين حيين. وربما يكون الوصف الذي يوصف به الموت، بأنه يفرق بين الرجل وزوجته، والأب وابنه، والابن بأمه، ينطبق تماماً على

المخابرات مع إضافة هامة هي أنها تفرّق بين المواطن ووطنه!

   

ثم ما دخل المخابرات بنا كصحفيين وبموادنا المكتوبة، ولماذا لا تتولى جهة مدنية كوزارة الإعلام أو اتحاد الصحفيين أو حتى مجلس أعلى للإعلام يتم إنشاؤه، مناقشة الصحافي (وليس التحقيق معه وتهديده) بما يكتبه، بدلاً من أن نبقى أسيري أجهزة غامضة تسيّرها أهواء أو علاقات أو دوافع ربما تكون شخصية؟ ثم من يملك الحق بأن يحتكر الوطن في درج مكتبه، ويوزع شهاداته على من يريد، ويمنعها عمّا يريد، ويحدد الخطوط الحمراء التي لو سردت وبالأسماء ما يعتبره كل واحد خطاً أحمر، لوجدنا أن طريق المواطن من غرفة نومه إلى مطبخه مليء بالآلاف منها، وهي خطوط (سترتش) مطاطية تضيق وتتسع باختلاف الثانية والدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنه والنهار والليل والشخص والمكان والمكتب، ولوجدنا أننا نعيش في بلد مليء بالحكام العرفيين!

   

من جهتي أنا أعتبر نفسي صحافياً وكاتباً ومواطناً، له حقوق وليس فقط عليه واجبات كما يراد إفهامي بالذوق وبغير الذوق. وهذه الحقوق هي جزء من مواطنيتي، وجزء من شرعة حقوق الإنسان الدولية التي على ما أظن أن من يستدعونني للدردشة وشرب فنجان القهوة المرّ رغماً عني يحتقرونها. وما أكتبه هو رأيي (الذي حتماً يستهزؤون به) لكني أضع عليه إسمي وحدي، وما ينصحون الصحفيين بكتابته عليهم أن يكتبوه هم ويضعوا عليه أسماءهم، أو يضعوا أسماءهم بجانب أسماء بعض صحفييهم الذين ينطقون بلسانهم. ولا أظن أن مقالاً هنا أو هناك يزيد في الأخطار على الوطن. فالكتابة عن فساد هنا وخراب هناك يقوي البلد لا يضعفها، لأن السكوت عن ذلك هو الذي يهدد ويزيد المخاطر ويفيد العدو.

 

وكلمة الحق مناسبة وواجبة في أي زمان ومكان وظرف. ومن جهتي لا أعترف بكل خطوطهم الحمراء التي تريد أن تتستر على أحد ما أو تحميه، ممن عليه أن يُسأل عن أعماله التي يقترفها في العتمة، بدلاً من الصحفي الذي يكتب مقاله علناً وفي النور. ولا أعترف إلاّ بخط أحمر واحد ووحيد وواضح وعريض أنحني له احتراماً لا خوفاً، هو الخط الأحمر في العلم السوري.

        

hakambaba@hotmail.com