تتمنى العودة إلى ماقبل اختراع الطباعة والكهرباء

كيف تواجه العقلية الإعلامية السورية الواقع؟

حكم البابا

 

لا يزال في أذني صدى كلام وزير الإعلام السوري الدكتور مهدي دخل الله الذي اعتبر قرار وقف بث تلفزيون (المنار) في فرنسا قبل أشهر (تطور خطير يتنافى مع مبادئ الديمقراطية الاعلامية والتسامح) ورأى (في جوهره عمل موجه ضد الحرية الاعلامية في العالم)، وكذلك سطور رئيس اتحاد الصحفيين السوريين الدكتور صابر فلحوط عبر بيان أصدره اتحاده ورأى أنّ القرار (شكل ضربة موجعة لمبدأ حرية الصحافة والاعلام.. وان الصحفيين في سورية ينظرون بقلق بالغ إلى هذا القرار غير المبرر).

 

ولكن التصريح والبيان السابقين يبدو انهما لا ينطبقان على الواقع الإعلامي في سورية صاحبة الوضع الخاص، كما يحب كل المسؤولين هنا أن يرددوا، مما يذكرني بدور الفنان أحمد زكي في مسرحية (مدرسة المشاغبين) الشهيرة الذي كان يرفض مشاركة زملاء فصله المشاغبة بسبب وضعه الخاص، ومما يذكرني أيضاً بالمصطلح الشهير في قاموس إعلامنا السوري حول الكيل بمكيالين. فمن يتدبر أمر الإعلام السوري، يعتبر صحفاً مثل (النهار) اللبنانية، و(القدس العربي) اللندنية موتورة وحاقدة ومرتبطة (وعلى مايبدو أن جريدة (المستقبل) اللبنانية قد ضُمت أخيراً إلى القائمة المعادية)! ولذلك فهم يتكفلون بحماية القارئ السوري من سمومها، وجاء استشهاد الرئيس رفيق الحريري ليضيف قائمة طويلة عريضة من الصحف اللبنانية والعربية إلى هذه القائمة السوداء بسبب مقال أو خبر منشور فيها، فاختفى عدد من هذه الصحف نهائياً من الأسواق السورية، وتأخر توزيع عدد منها لأيام وأيام، ولذلك أصيب كثير من السوريين بما يشبه دوار البحر، حين صاروا يشترون عدد السبت من جريدة ما يوم الإثنين، ودخلت أيام الأسبوع في بعضها فأصبح بعض السوريين يذهبون إلى عملهم يوم السبت (وهو يوم عطلة رسمية في سورية) لأن عدد الجريدة الذي اشتروه بعد خروجهم الصباحي من البيت هو عدد يوم الخميس (!!). وفي تقييم الإعلام السوري هناك قنوات تلفزيونية معادية، فـ(الجزيرة) كانت صهيونية ويهودية إلى أن تم تكليف مدير مكتب لها في دمشق يعتبر من الموالين، فهنا لا أحد يعبأ بالمهنة الصحفية. وتعرضت قناة (العربية) مؤخراً إلى هجوم علني في صحافة سورية، لأن أخبارها لم يقم بتحريرها السادة المبدئيون في دائرة الأخبار في التلفزيون السوري. وأفتى اتحاد علي عقلة عرسان للكتّاب بتحريم وبالثلاثة التعامل مع قناة (الحرّه).

 

وهذا ينطبق على شبكة الأنترنيت! فموقع جريدة (إيلاف) الالكترونية محجوب، وكذلك موقع (القدس العربي) وكل المواقع التي تقول بأن هناك حقوقاً للانسان. وللانصاف يجب أن أعترف إن كل المواقع المخصصة للدفاع عن حقوق الحيوان مفتوحة أمام مستخدم الأنترنيت السوري(!!).

       

هذه المعلومات يعرفها كما أعتقد كل مواطني العالم. فلو كنت ماشياً في شارع في كركاس الفنزويلية والتقيت بمواطن أمريكي لاتيني، وعرف بالصدفة أنك سوري لكان أول سؤال يوجهه لك: هل حُلت مشكلة الإعلام لديكم؟ وأعتقد أن ملاكي القبر الشهيرين أنكر ونكير يسألان المتوفي عندما يعرفان بأنه سوري: متى ستجدون حلاًّ لمشكلة الإعلام لديكم؟

 

أما الجديد والذي يعتبر آخر ابداعات الإعلام السوري فهو ايقاف مراسل تلفزيون (الحرّه) وراديو (سوا) الأمريكيين الزميل عمار مصارع عن العمل في سورية، بسبب (لايخفى على كفيف فكيف بالمبصرين) تغطيته للاعتصام الذي قامت به مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان السوريين في ساحة الشهداء في دمشق (أكرر ساحة الشهداء في دمشق وليس في بيروت)، للمطالبة بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سجناء الرأي والحريات العامة، وتصريح رافق التغطية للأستاذ رياض الترك عمّا تعرضت له التظاهرة من ضرب واعتداء من أشخاص صفتهم الرسمية الوحيدة انتماؤهم لحزب البعث، وفي حضور الشرطة والمخابرات المحايد والسلمي للغاية. وبغض النظر عن كون هاتين الوسيلتين أمريكيتين أو هندوراسيتين، فهما أولاً وأخيراً وسيلتي إعلام من واجب كل إعلامي التضامن معهما كي لا يتم أكله لاحقاً بعد الانتهاء من التهام الثور الأبيض. وطبعاً لم يدل وزير الإعلام السوري بتصريح استنكاري لهذا الاعتداء على الحرية الاعلامية، لأن وزارته هي التي قامت بهذه الخطوة، ولم يصدر رئيس اتحاد الصحفيين بياناً استهجانياً، رغم أن تصريحاته الأخيرة زوادت على كل الذين يطالبون بانفتاح الإعلام السوري، ولكن الدكتور فلحوط طلب مني أن أقول على لسانه (حين اتصلت به لأتأمل الطريقة التي سيزاود بها عليّ في موضوع الحرية الإعلامية) أنه يعتبر هذا القرار غلط.. غلط.. غلط، وبقي يكررها حتى ظننت أنه سيستقيل احتجاجاً من رئاسته الأبدية للصحفيين السوريين، أما معاون وزير الإعلام الأستاذ طالب قاضي أمين فقد اعتبر أن وزارة الإعلام لا مشكلة لها مع قناة (الحرّه) وراديو (سوا) الأمريكيين(!!)، ومشكلتها مع المراسل الذين يريدون تغييره، وحين قلت له: ألا يكفي أنكم تتحكمون بمن يظهر ومن يُلغى من على شاشاتكم، ومن يكتب ومن يمنع في صحفكم، فهل ستفرضون هذا على الآخرين، رد بايجاز بليغ ومعجز ورسولي: هذا هو القانون (!!).

    

ليست مشكلة الإعلام السوري في طرد مراسل، أو حجب موقع الكتروني، أو منع صحيفة، مشكلته الحقيقية أنه يريد العودة إلى عصر ماقبل اختراع الطباعة، حتى لايجد موتور أو حاقد أو عميل وسيلة يقول فيها رأياً مخالفاً، ولو قدّر له أن يعود بالتاريخ إلى ما قبل اختراع الأبجدية لعاد حتى إلى عصر ماقبل اختراع الكلام، ومشكلته أيضاً في أن الكهرباء موجودة ويكفي المواطن أن يشتري جهاز استقبال وصحناً لاقطاً وتلفزيونا ًليقوم بثورة عقلية تلغي حزام العفة الذي يريد الإعلام السوري فرضه على تفكير مواطنه!!