اسرائيل اللازمة لهم....حكم البابا

 

       طرح علي الصديق شعبان عبود سؤالاً افتراضياً هذا هو: ترى ماالذي كان سيحدث لنا لو لم تكن اسرائيل موجودة ؟! ووجدته سؤالاً مفاجئاً يستحق التفكير وعصر الدماغ وعناء الاجابة عليه ، وفيما يلي سلسلة من أفكار راودتني قد تكون مدخلاً أولياً للاجابة على مثل هذا السؤال الفذ، وهي قابلة للاستفاضة والإضافة بقدر عدد الأشخاص الذين سيقرؤون السؤال، وبقدر كمّ الأفكار التي ستمرّ في رؤوسهم، ولذلك فكل ما ستقرؤونه هنا غير مكتمل، وقابل للرؤية من جانب مختلف عن الجانب الذي سأنظر منه إلى هذا السؤال!

 

     من جهتي أرى أن هذا السؤال يمس جوهر حياتنا، فلو لم تكن اسرائيل موجودة، لربما كسدت تجارة الأقمشة التي تباع بالجملة لتكتب عليها الشعارات المناهضة لاسرائيل في المسيرات الجماهيرية التي تعتبر الجبهة الحقيقية الوحيدة المفتوحة على اسرائيل، والتي يتم من خلالها فقط تحقيق انتصارات عليها، ولربما قلّ عدد اللصوص الذين يسرقوننا باسم محاربة اسرائيل، وخف عدد الأحرار الذين يسجنون بدعاوى المعركة المستمرة مع اسرائيل، ولاختصرت عدد صفحات الجرائد إلى الربع، لأن ثلاثة أرباعها يذهب الآن هدراً في شتم اسرائيل والصراخ في وجهها، ولتقلصت مدة الخطب الرسمية المملة إلى خمس دقائق لأطول خطاب، لأن الموضوع الذي يستغرق ساعة من زمن أية خطبة يتحدث عن مؤمرات اسرائيل، ولنزل عدد الثورات التي تسلمت سلطات الوطن العربي إلى عشر ماهو موجود منها الآن، لأن تسعة أعشار الثورات _إن لم أقل عشرة أعشارها_ قامت على أكتاف اسرائيل لسحقها ومحقها من الوجود، ولأن كل شيء في حياتنا مؤجل بسبب اسرائيل، التنمية والديمقراطية والوحدة والمواطنة وكل شيء مؤجل بسبب هذه الإسرائيل، التي تبدأ معنا رحلة الحياة من لحظة الاستيقاظ وتمشي معنا كيفما!  تحركنا، وترافقنا كظلنا، وتدخل معنا حتى إلى أعمق لحظة في أحلام نومنا، اسرائيل التي تبدأ معنا رحلة وعينا منذ أول لحظة يدخل فيها النور إلى عقولنا وتستمر حتى لحظة لفظ أنفاسنا كما لو أننا وهي توأم سيامي لايمكن لأي جراح في الأرض أن يفصله، أباؤنا وأجدادنا قضوا أعمارهم في وهم مقارعة اسرائيل، وجيلنا قضى نصف عمره الأول في وهم من قال لنا بأنه سينتصر على اسرائيل، ويعيش نصف عمره الثاني في وحل من غيّر كلامه وبدأ يستجدي السلام مع اسرائيل، اسرائيل التي بدونها لم تكن لتتكدس باسم العداء لها ثروات وثورات، ولم تكن لتنتهك أعراض وتستباح دماء ويعتدى على حقوق وتصادر حريات وتقص ألسنة وتفشل حيوات وتفنى أعمار ملايين المواطنين.

 

      لماذا يحدث ذلك لنا نحن الذين نزيد على عشرين دولة تقف بمواجهة اسرائيل، ولايحدث لاسرائيل التي تواجه أكثر من عشرين دولة ومع ذلك فهي لاتتنازل لسكانها القادمين من أربعة أصقاع الأرض عن التنمية والديمقراطية والانتخابات ومحاسبة مسؤوليها ومحاكمتهم ، ولماذا يشعر الذي يأتي لاأعرف من أين ويحمل جنسية اسرائيل أنه مواطنها يتمتع بكل مزايا المواطنية، بينما يشعر ابن الأرض التي ولد عليها أباؤه وأجداده في الدول التي تزيد عن العشرين أنه جالية على أرضه ليس له من حق سوى دفع الأثمان الباهظة تحت بند وجود اسرائيل، والسؤال الأهم لماذا يأتي من يأتي من أية بقعة لكي يقيم في اسرائيل، بينما يزيد عدد المهاجرين من الدول العشرين العدوة لاسرائيل إلى كل بقعة من بقاع الأرض !؟!

 

     نحن لاتلزمنا اسرائيل في شيء، فباسمها سرقت أعمارنا وحياتنا، وقضت مضاجعنا، واغتيل فرحنا، وقيّدت حريتنا، ولم نتمتع بمواطنيتنا، ونهبت أحلامنا، لكن هناك غيرنا من تلزمهم اسرائيل ،لأنهم بدونها لن يركبوا ظهورنا، وبدونها لايجدون من يلصقون به جريمة، فلو تمت سرقة لايريدون الكشف عن فاعلها فاسرائيل جاهزة، ولو اغتيل أحد فاسرائيل حاضرة، ولو فشل مشروع فجسد اسرائيل يتحمل، ولو ضاعت شاة في أرض العراق فلن يسأل عنها عمر بل ستتقبل اسرائيل التهمة بكل ممنونية، وبعد ذلك يأتي شعبان عبود ليسألني ماالذي كان سيحدث لنا لو لم تكن اسرائيل موجودة ؟ بكل بساطة كانوا سيخترعونها لأنها تلزمهم، مستلهمين قول نزار قباني: الحب في الأرض بعض من تخيلنا/  لو لم نجده عليها لاخترعناه!! 

 

  hakambaba@hotmail.com