صـورة البـعثـي في عيـون السـورييـن

حـكـم البـابـا

     

       كف السوريون منذ زمن طويل عن النظر إلى حزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره حزباً سياسياً ينتسب إليه المؤمنون بأفكاره ومبادئه وأهدافه ويناضلون من أجل تحقيقها، مثله مثل أي حزب في المنطقة العربية والعالم، لأن التماهي الذي حصل بينه وبين السلطة بدلّ كل مفاهيمهم عن الأحزاب، فأصبح البعثي الذي لايزال يوصف في بعض أدبيات الحزب الورقية بـ(المناضل) يعتبر صاحب سلطة مهما كانت مرتبته الوظيفية، فلو وجد مستخدم بعثي في دائرة حكومية يديرها رجل لا ينتسب لحزب البعث (وهذا حدث افتراضي)

سنجد أن المدير يخفض صوته أو يغيّر حديثه عند دخول المستخدم البعثي لتقديم الشاي أو القهوة له، وسنرى مثل هذه الحالة تتكرر بتعبيرات أشد وضوحاً فيما لو كان البعثي يسكن في حي أو بناء ما، حيث نرى جيرانه يتحاشون الاحتكاك معه أو الاشتباك معه في أية قضية أو مشكلة، وكثير من السوريين من غير البعثيين يكتفون بالصمت فيما لو حصل بعثي يقلّهم كفاءةً على فرصة يعتقدون بأنهم أحق بها، ولا تعود مثل هذه التعبيرات الصامتة غالباً لهيبة يرونها في البعثي كتلك الهالة التي يرسمها صانعو الأيقونات في العادة حول رأس السيد المسيح أو السيدة العذراء، إنما لتماهيه مع السلطة أو مع أشد وجوهها رعباً والممثلة بأجهزة الأمن. فأغلب مواطني سورية يفكرون بالبعثي على أنه مخبر محتمل ومصدر قلق مؤكد، ولأن مثل هذه الحالة تعتبر ميزة وإمكانية لإثبات الوجود لكثير من ضعاف النفوس فقد زاد الاقبال على حزب البعث، ومرت على سورية سنين منح فيها البعثي رسمياً صورة علنية للسلطة والسطوة (إضافة لصورة المخبر السرية التي صنعها وهم الناس له بإيحاءات لاتخفى منه) من خلال ماسمي بالكتائب المسلحة أو المظليين والمظليات، وأصبح البعثي يمشي بمسدس بارز على خصره أو بدلة مموهة على جسده، ناظراً إلى الآخرين بعدائية متباهية، يبادلونه هم مثلها إنما بأسلوب أضعف الايمان !    .. ولأنني لم أعش مرحلة نشوء وعمل حزب البعث داخل المجتمع السوري في خمسينييات القرن الماضي، وكل معلوماتي عنها ليست أكثر من مجرد حكايات شفوية ومسامع إذاعية ومشاهد تلفزيونية، لاتستطيع في مجملها أن تجادل الصورة التي عشتها (وعانيتها) للبعثيين الذين أحاطوا بسنوات عمري وحكموا حياتي حتى اليوم، وعاملوني كمواطن منالدرجة الثانية، لأني لم أتدرج في مؤسساتهم التنظيمية من الطلائع إلى الشبيبة إلى الحزب نفسه،   فأعطوا (الرفيق) الجالس معي على مقعد الدراسة في الثانوية العامة كمية من العلامات المجانية فقط لأنه خضع لدورات في شبيبتهم الثورية، وسرقوا مني فرصاً وسدّوا في وجهي أبواباً لمجرد أني لست بعثياً، وحين كنت أجادلهم في طلب حقي كانوا يقولون بأن (غريمي) البعثي هو مناضل، وبعنادي الذي لايتقبل الأمر الواقع دون اعتراض كنت أبحث عن ماهية وشكل نضال من سرق فرصتي فأجد أنه لايزيد عن كونه يحضراجتماعاً، ويصمت ويوافق ويصفق ! أتحدث في اليوميات المعاشية التي يمشي فيها السوري على الصراط المستقيم في الدنيا قبل أن يمشيه في الآخرة بين جنة البعث أو النار، فكيف لو تحدثت في حقوق المواطنة الكاملة التي ينظر إليها السوري غير البعثي الذي يعيش وضعاً سبارتاكوسيا ً(نسبة إلى سبارتاكوس) بانكسار، حيث ليس من حقه حتى أن يفكر بأن يكون رئيساً للجمهورية أو للوزراء أو للبرلمان أو في أي موقع مسؤولية سيادي يكون فيه صاحب أمر ونهي وفاعلية حتى لو كان رئيساً لقسم أذنه ومستخدمين، دون أن أغفل جوائز الترضية من المناصب الشرفية القليلة التي تمنح لغير البعثيين من قبيل رسم الصورة التعددية .

 

    هل هذه هي صورة البعثي فقط ؟ لا أعمم وإن كانت الغالبية تعتبر البعث سلماً ينبغي صعوده إلى المنصب والسيارة والمال والصفقات والنساء وكل أشكال الترف النضالية الأخرى، فبالتأكيد هناك من البعثيين من انتسب إلى الحزب ليتدبر معيشته ويحمي أمنه الشخصي، ويبعد أذى كتبة التقارير عن حياته، ويضع في بند الأحزاب التي انتسب إليها في الاستمارة الأمنية اللازمة لكل طلب توظيف كلمة : حزب البعث العربي الاشتراكي .

 

وهناك تمايز بين بعثي مدعوم بسبب قرابة أو عائلة، وآخر منتوف لايصيبه من البعث إلاّ النقد الذي بدأ يوجه للحزب مؤخراً، وبين كل هؤلاء الذين لكل منهم أسبابه الخاصة في الانتساب للبعث، نتساءل أين بعثي خمسينيات القرن الماضي والذي بفضله وجدت صفة المناضل في أدبيات الحزب ؟ واليوم مؤتمر حزب البعث على الأبواب كما يقال وأمامه استحقاقات لاتحتمل التأجيل، فالبعض يطلب مناقشة مفهوم الوحدة في فكر الحزب بجعل الحزب سورياً مع مايشبه امتداداً عربياً غير وصائي، تلبية لظروف سياسية فرضها الحدث الخارجي، وهو أمر يمس فكرة وجود الحزب القومية أساساً . والبعض يطلب مناقشة مفهوم الاشتراكية في فكر حزب البعث، وإلغاءها في الاقتصاد مع الابقاء عليها في السياسة، مستفيداً من الخلطة الصينية، تلبية لشراكة لم يعد تجاهلها ممكناً مع الخارج، ولمطالب صار الوقوف بوجهها عبثاً من مليونيرات الداخل الجدد الذين ولدوا ونموا وترعرعوا داخل التربة الاشتراكية، لكني لم أسمع (أي بعض) يتحدث عن الاستحقاق الأهم والداخلي بامتياز، وهو إعادة البعث إلى حزب البعث والبعثيين، لنرى صورته في عيون السوريين على غير ماهي عليه الآن مليونير وشعاراتي ومرتشي وانتهازي وكاتب تقارير، ولتزال شعارات البعث من على أبنية المخابرات ومن فوق رؤوس ضباطها الذين يعطون الانطباع وهم ينكلون بالسوري الذي يقع بين أيديهم، أن حزب البعث هو من ينكل بهم .

 

hakambaba@hotmail.com