المحامي ميشال شماس - كلنا شركاء
منذ أن خرجت علينا اللجنة السرية في الخامس من شهر نيسان الماضي بمشروع لقانون الأحوال الشخصية السوري والضجة التي أحدثها هذا المشروع في أوساط واسعة في المجتمع السوري الرافضة له لم تهدأ أبداً، ليس لأن السوريات والسوريين يرفضون تعديل قانون الأحوال الشخصية أو تطويره، بل لأن هذا المشروع لا يعود بسوريا إلى الوراء مئات السنين وحسب، بل ويكرس الطائفية ويستعبد المرأة و يقضي في النهاية على طموح السوريين وأملهم في رؤية قانون حضاري عصري يساوي بين السوريات والسوريين على اختلاف انتماءاتهم وتلاوينهم.
فإذا كانت اللجنة السرية التي أعدت هذا المشروع لم تر أو تلحظ أي تطور حدث في سورية خلال الخمسين سنة الماضية، فما الداعي إذاً لهذا المشروع الجديد، إذا لم يلحظ ما حققته المرأة من انجازات مهمة خلال الخمسين سنة الماضية، حيث تمكنت من الحصول على الخدمات الأساسية في مجال التعليم والصحة، واقتحمت سوق العمل ومجالات التعليم الحديث ومواقع صنع القرار، فأصبحت جندية وشرطية ومدرّسة وموظفة ومديرة عامة وسفيرة ووزيرة وعضوة في مجلس الشعب ونائبة لرئيس الجمهورية، وهل يُعقل أنه لم يحدث في سورية أي تطور طوال الخمسين عاماً الماضية؟ وهل يُعقل أن نعود بتشريعاتنا إلى الوراء، نشرّع لمجتمعنا وكأنه لا يزال يعيش كما كان قبل نصف قرن؟ ؟ وهل يعقل أن يصدر قانون يمس بالصميم حياة السوريات والسوريين بمختلف انتماءاتهم السياسية والدينية، وأن يتم تغييب دور المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المعنية بدءاً من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والهيئة العامة لشؤون الأسرة والاتحاد النسائي ونقابة المحامين، والمثقفين؟ ولماذا الإصرار أيضاً على تغييب بقية أطياف المجتمع السوري عن تلك اللجنة ذات اللون الواحد، خلافاً لواقع سورية التي شكلت وما تزال مهداً للحضارات و مركز إشعاع للتسامح الديني؟
ومما يبعث على الارتياح أن هذا المشروع بنسختيه الأولى والثانية أدى إلى نشوء حراك قانوني وسياسي واجتماعي تمثلت فيه مختلف أطياف المجتمع السوري في مواجهة هذا المشروع الذي حاول معدوه إعادة المجتمع السوري إلى عهود ما قبل المدنية. فتحركت الجمعيات الأهلية والمنظمات النسائية والناشطين في الشأن العام والمواقع الالكترونية وبعض الصحف والإذاعات السوية الخاصة في حملة كبيرة لمواجهة هذا المشروع وإيقافه، حيث نجحت تلك التحركات بوقف النسخة الأولى السيئة الذكر من المشروع، بأن أعيد هذا المشروع إلى وزيارة لصياغته من جديد على أمل أن تكون الصياغة الجديدة قد أخذت بعين الاعتبار أن السوريين يطمحون إلى قانون عصري وحديث في قانون الأحوال الشخصية يتوافق مع الحياة العصرية ويواكب تطور المجتمعات نحو الحداثة، وينفتح على شخصية الإنسان بغض النظر عن أي انتماء ديني أو طائفي أو عرقي، ولنا في جارتنا تركيا و أشقائنا في تونس والمغرب مثالاً.
بيد أن الأمل سرعان ما تبدد بصدور النسخة الثانية من مشروع القانون في الخامس من الشهر الحالي الجاري التي وزعتها الدائرة القانونية في رئاسة الوزراء التي تبين أنها منسوخة عن القانون الحالي مع بعض التعديلات والإضافات الجديدة التي لم تخرج عن الإطار العام للقانون الحالي لاسيما في نظرته التمييزية تجاه المرأة والتمييز بين السورين على أساس طائفي.وقد جوبهت النسخة الجديدة من المشروع بحملة إعلامية نشطة قادتها بشكل فعّال المنظمات والناشطات والناشطون في الحقل العام ولاسيما في الحقل النسائي، أدت في النهاية إلى إيقاف العمل بالمشروع من قبل مقام رئاسة الجمهورية مشكورة والتي تبقى الضامن الأكبر في نظر المواطنين السوريين في مستقبل أكثر إشراقاً، مع أننا كنا نأمل أن يتم الإعلان عن إيقاف هذا المشروع بكافة نسخه بشكل رسمي.
إلا أن ما يلفت النظر في الحملة المناهضة للمشروع بنسخته الثانية انضمام شرائح واسعة من السوريات والسوريين لاسيما في أوساط المثقفين والفنانين السوريين الذين أصدروا بياناً هاماً "لا للعودة للوراء , نعم لعصرنة القانون" ناشدوا فيه السيد رئيس الجمهورية بإيقاف مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد .وتشكيل لجنة مؤلفة من هيئات حكومية وهيئات من المجتمع الأهلي والحقوقي والثقافي وناشطين وأعضاء يمثلون كافة الطوائف الدينية وبشكل معلن وبإشراف الهيئة السورية لشؤون الأسرة. من أجل العمل معاً على إصدار قانون أسره وطني يلبي حاجات العصر".
وقد لقي هذا البيان صدىً كبيراً في أوساط واسعة من السوريين لأنه دلّ بوضوح على أن نخبة المجتمع السوري لم تتخلّ عن دورها النهضوي والتنويري، وأنها مازالت حيّة وقادرة على الفعل والعطاء رغم كل الظروف الصعبة.
فتحية من القلب إلى كل من ساهم في مواجهة هذا المشروع وفي المقدمة منهم مثقفي وفناني سورية.


