الثقافة بين الجماعات الثقافية والمؤسسات الثقافية

 

ارتبط شيوع نظريات النقد الثقافي في النصف الثاني من القرن العشرين بالعودة إلى مناقشة الدور الاجتماعي لللأدب وتأثره بسياقاته الاجتماعية. من ناحية أخرى ارتبطت هذه النظريات بنمو الحركات الأدبية الطليعية التي شهدت في نشوئها ومسيرتها علاقات أكثر تعقيدا بالتشكيلات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المعاصر. تقوم هذه النظريات على تركيبة من مناهج مأخوذة من حقلي التاريخ الثقافي والنظريات الأدبية النقدية. وقد أدى تطبيق هذه النظريات الجديدة إلى افتراق ملحوظ عن المفاهيم النقدية الشائعة التي تقوم على النظر إلى النص الأدبي باعتباره إنتاجا جماليا مستقلا عن سياقه التاريخي والاجتماعي والاقتصادي. في استنباطهم لهذه النظريات التي تتضمن اعتبار النص الأدبي ممارسة ثقافية واجتماعية متواشجة بسياقاتها، قام المنظرون الثقافيون باستخدام وتعديل جملة من الطرائق والمناهج التي تم تطويرها أصلا لدراسة أشكال من الثقافة الشعبية والجماهيرية مثل الفيلم والتلفزيون والموسيقا. وبسبب تركيزها على دراسة المحيط الذي يتم فيه إنتاج هذه النصوص، أئبتت هذه النظريات، وبشكل خاص، نجاحها حين يتم تطبيقها على دراسة الحركات الأدبية، والجماعات الأدبية ونتاجاتها.  

يتركز جانب من هذه النظريات على مايسمى دراسة البيئتين الكبرى والصغرى للإنتاج الثقافي. في دراسة البيئة الكبرى والتي تسمى "البيئة الثقافية-الاجتماعية" يتم التركيز على العلاقة التكاملية والتنافسية بين الأدب وبين الأشكال والأنماط والممارسات الثقافية الأخرى في المجتمع. أما البيئة الصغرى فتسمى "البيئة المهنية المؤسساتية" وتتضمن دراسة الأدب باعتباره عملا ثقافيا يخضع لعوامل الأنتاج والإدارة والتنظيم التي تتواجد وتعمل في المجتمع  بمعناه الواسع. تم تطبيق هذه المناهج على الأدب الحديث في الغرب والذي يؤرخ له بظهور المدرسة الرومانسية في القرن الثامن عشر. لكن هذه المناهج شهدت انعطافات هامة عندما تم تطبيقها على الفترات التي تلت بداية القرن العشرين وذلك بسبب المعطيات الجديدة التي واكبت تطور علاقة الإنتاج الثقافي بالمحيط الاجتماعي والبنى التنظيمية التي يتواجد فيها الأدباء ويعملون. تتضمن هذه البنى نموذجين رئيسين هما "الجماعة الأدبية" و"المؤسسة الأدبية".

يتفق كثير من التعريفات الشائعة للجماعة الأدبية مع أحد التعريفين الذين قدمهما بيريت سترونغ وستيفن فريدمان للجماعات الأدبية في الغرب. في دراسته للجماعات الأدبية في فرنسا وإنكلترا وأمريكا اللاتينية، يعرف سترونغ الجماعة الأدبية بأنها "تجمع عفوي لأشخاص يفكرون بطرق متشابهة" أو "رد فعل عفوي على الظرف التاريخي". أما فريدمان الذي درس ظاهرة الجماعة الأدبية في أمريكا فيراها باعتبارها عملا أميل إلى التجمع الواعي منه إلى التشكل العفوي لكنه يشير إلى دوافع مشابهة لتلك التي لاحظها سترونغ. يعرف فريدمان الجماعة الأدبية بأنها شكل من "النفي الذاتي" ومحاولة لحشد مجموعة من "الآخرين الذين يفكرون بطرق متشابهة" داخل "شبكة من الدعم المتبادل" توخيا للتغلب على العزلة والقلق واستكشاف إمكانيات العمل الثقافي في المجتمع. في ضوء هذين التعريفين يمكن دراسة الجماعات الأدبية التي ارتبط تاريخها بنشوء حركات وتيارات كبرى في الأدب العربي مثل حركة شعراء وأدباء المهجر التي أسهمت في تطور الحركة الرومانسية في الأدب العربي والتي أسست لكثير من الأشكال الأدبية الحداثية. ينطبق هذا أيضا على جماعة أبوللو التي ساهمت في التأسيس لحركة الشعر الحديث وجماعة الشعراء التموزيين الذين ارتبطت حركتهم الشعرية بدخول موضوعات وأدوات جديدة مستقاة من الأسطورة وكذلك جماعة مجلة شعر البيروتية التي ارتبطت بمشروع الحداثة الشعرية العربية وبالتأسيس الرسمي لقصيدة النثر العربية والمناهج النقدية المرافقة لها .  

من جهة أخرى يعتمد كريستوفر بيتش تعريف فريدمان ويطوره في بنائه لدراسة ما يسميه "القوى الثقافية" في المجتمع المعاصر. في مقارنته بين الجماعة الأدبية والمؤسسة الأدبية باعتبارهما البنيتين الأساسيتن للإنتاج الأدبي يعرف بيتش الجماعة الأدبية على أنها مجموعة من الأدباء "الذين يشتركون في الاهتمامات والمصالح أوالأهداف أوالتوجهات أو الخلفيات الاجتماعية". أما المؤسسة الأدبية فيراها بوصفا شكلا من التنظيم الاجتماعي الذي يبنى ويتشكل عبر آليات تتواجد خارج نطاق السيطرة المباشرة للأدباء والتي تهدف عادة إلى خدمة أشياء أخرى غير الاحتياجات الخاصة للأدباء. تحت نموذج البنية الأولى يدرس سترونغ السورياليين الفرنسيين وجماعة أودن في أكسفورد وجماعة بورخيس في أمريكا اللاتينية ويدرس فريدمان جماعات الشعراء الذين كتبوا قصيدة النثر في أمريكا. أما بيتش فيقدم دراسة أشمل للبنى الاجتماعية والتنظيمية التي ترتبط بالإنتاج الثافي. ويختار بيتش في دراسته المفصلة والمقارنة لبنيتي "الجماعة" و"المؤسسة" حركات الكتابة الجديدة من جهة والجامعات من جهة أخرى ويركز بيتش على جماعة شعراء اللغة باعتبارها نموذجا للجماعة الأدبية، كما يركز على كليات الدراسات الأدبية ودورات الكتابة الأبداعية الجامعية باعتبارها نموذجا للمؤسسة الأدبية.

إلى جانب النماذج التي تمثل شكلا متكاملا للمؤسسة الثقافية تتضمن الدراسات التطبيقية الإشارة إلى مؤسسات ثقافية ذات أشكال أقل تعقيدا مثل وسائل الإعلام ودور النشر والمجلات الأدبية والنوادي الثقافية والهيئات التي تقوم بتمويل البحوث والدراسات الثقافية أو بالتحكيم ومنح الجوائز الأدبية أوإنشاء الموسوعات الثقافية. وبينما تتميز الجماعات الأدبية باكتفائها الذاتي وعزلتها والتفاف افرادها على بعضهم فإن المؤسسات ترتبط عادة ببرامج ثقافية وإيديولوجية وبتشكيلات اجتماعية وسياسية. بالإضافة لهذا تتطلب المؤسسات بكافة أشكالها محيطا واسعا مرتبطا بشروط التسويق وبالجمهور الثقافي.

تلعب المؤسسات دورا رئيسيا في إدارة الحياة الثقافية وتنظيمها كما تقوم بمهمة نشر الثقافة و تنشيطها. لكن هذه المؤسسات بدورها تقوم عادة عبر آليات تعتمد على التوزيع الوظائفي والروتين المكتبي. وقد تميز النصف الأول من القرن العشرين بتوتر حاد بين الجماعات الأدبية والمؤسسات الثقافية في الغرب. وبينما كانت المؤسسة الثقافية في شكلها النمطي والتقليدي الصارم تمثل الثقافة المهيمنة وتقوم بإعادة إنتاج الأشكال الثقافية السائدة فإن ظهور الجماعات الأدبية يرتبط تاريخيا بالتجارب الأدبية الرائدة وبأنماط الكتابة الجديدة والتجريبية. وبسياق مماثل ترافق ظهور الأشكال الشعرية العربية الحديثة بتوتر حاد في الساحة الثقافية وصل حد الصدام المباشر مع الأشكال الشعرية السائدة في الثقافة الرسمية وأنظمة حمايتها. في دراستها لجماعة أبوللو الشعرية تشيد سلمى الخضراء الجيوسي بتأثيرها الكبير على حركة الشعر العربي الحديث لكنها تشير إلى أن هجوم النقاد على مؤسسها أحمد زكي أبو شادي وعلى الأشكال التجريبية التي ارتبطت بالحركة و"الخيبات الأدبية" المتلاحقة أدت إلى إغلاق المجلة عام 1946 وتوقف الحركة. كما تحمل افتتاحيات مجلة شعرا سجلا حيا لتاريخ الحركة وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية العربية. تتضمن هذه الافتتاحيات تفاصيل علاقة المجلة المتوترة مع الإدارات الرقابية ومنع المجلة في بعض البلدان العربية وهجوم الجماعات والمجلات الأدبية الأخرى وخصوصا تلك المرتبطة بأشكال الثقافة الشعرية الرسمية المتمثلة بجماعات الشعر العمودي.

 تتجلى قدرة المؤسسات على التحكم بالإنتاج الثقافي وإدارته في الهجوم الحاد لبعض الكتاب الغربيين الطليعيين عليها، والذين يلخص بيتش آراءهم لدور المؤسسة الثقافية عبر تحليله لما يسمونه "الدور المزدوج للمؤسسة". يتضمن الدور المزدوج للمؤسسة حسب رؤية تنشيط الثقافة وتعزيز الإنتاج الثقافي ودعمه ولكن بشكل يترافق مع إحداث أثر تخريبي في الحياة الثقافية في الوقت نفسه. في هذا الصدد يورد بيتش رأي أدورنو حول دور المؤسسة الثقافية: "تعاني الثقافة ضررا عندما يتم التخطيط لها وإدارتها، ومن جهة أخرى فإن كل الأشكال الثقافية، عندما تترك وشأنها، تقع تحت تهديد ليس بفقدان أثرها الثقافي فحسب، بل بفقدان وجودها أيضا".

 

يرى بيتش في إصرار أدورنو على دور الإبداع الثقافي في تغيير العالم وعلى ضرورة الحفاظ على استقلاليته تجاه كل الأنظمة الاجتماعية تمثيلا للموقف التقليدي للجماعات الأدبية تجاه المؤسسة. يمثل هذا الموقف إحدى المعالم التي تميز القرن العشرين والتي يجب الاعتراف بوجودها في الأوساط الثقافية. في شرحه لهذه الرؤية يشير بيتش إلى قصيدة أدورنو التي تعلن "إن الشعر بأشكاله الأصيلة يمثل استجابة ونقدا واحتجاجا تجاه شرط اجتماعي عدواني وناء وبارد وقمعي يعيشه المرء". ويربط بيتش وجود هذه الرؤية لدى الشعراء بمثيلاتها لدى النقاد الذين ينظرون إلى الشعر كما يصفه كالفين باديانت باعتباره "نشاطا تاما في ذاته وغير قابل للإخضاع" وذلك لأنه "سر اللغة ذاتها".  ويبدي الناقد إعجابه بالقصيدة التي تسمي نفسها "الحلم بعالم تكون فيه الأشياء مختلفة" لكنه يؤكد أن من "السذاجة" الاعتقاد أن بإمكان الثقافة الاستمرار في حالة من الاكتفاء الذاتي التام.

وبينما يصف بعض النقاد التاريخ الأدبي للقرن العشرين باعتباره يتمثل بالعلاقة المتوترة بين المبدعين والمؤسسة، يرى بعضهم أن هذا التوتر كان إحدى آليات التجديد الأدبي وأن القرن العشرين بمجمله يمثل تطورا تدريجيا في العلاقة بين الطرفين يشير إلى تقاربهما. يتمثل هذا التقارب بتبني الجماعات الأدبية للأشكال المؤسساتية المختلفة. في هذا الصدد يرى النقاد الثلاثة أن تاريخ معظم الجماعات الأدبية التي شكلت الحركات الأدبية ودخلت التاريخ الثقافي للقرن العشرين ارتبط بالصحافة ودور النشر وكذلك بالمنظمات السياسية. امتلكت أغلب هذه الحركات صحافتها الخاصة والتي تمثلت غالبا بمجلة ولكنها أقامت علاقات قوية مع المؤسسات الصحافية الكبرى وتفاعلت مع الصحافة الرسمية.

من قراءة تاريخ الجماعات الأدبية العربية يبدو مدى ارتباطها الوثيق بالأشكال المؤسساتية المختلفة. في أمريكا ارتبط تطور حركة شعراء المهجر بجمعية الرابطة القلمية التي تأسست في نيويورك عام 1920 وكذلك بإنشاء العديد من المجلات الأدبية من أهمها مجلة "الفنون" التي تأسست عام 1912 والتي رأس تحريرها الشاعر الحمصي نسيب عريضة وكذلك مجلة "السائح". من جهة أخرى ارتبطت حركة الشعر الحر بمجلة الآداب البيروتية وقصيدة النثر بمجلة شعر.

 يرى سترونغ وبيتش أن أغلب الجماعات الشعرية ارتبطت بأشكال مؤسساتية أخرى أكثر تعقيدا وإثارة للجدل. تميزت أغلب هذه الجماعات الأدبية بتبنيها لبرامج اجتماعية وسياسية، وكذلك بعلاقاتها مع الأحزاب السياسية والتي تتراوح  ما بين التعاطف الفكري وبين الالتزام التنظيمي. في هذا الصدد يشير سترونغ إلى علاقة جماعة بورخيس باتجاهات دعم الثقافة القومية في الأرجنتين وعلاقة جماعة أوكسفورد بجملة من الحركات والاتجاهات اليسارية والمضادة للنازية وبعلاقة السورياليين الفرنسيين بالحزب الشيوعي الفرنسي الذي بلغ درجة الالتزام التام لدى بعض منهم مثل آراغون. ويرى الناقدان أن هذه العلاقة يتم توطيدها لدعم الحركة ومشروعها وذلك عبر تعزيز البنية المؤسساتية للجماعة الأدبية.

في هذا السياق تمكن قراءة علاقة الجماعات الأدبية العربية ببرامج وتيارات ثقافية وكذلك بأحزاب سياسية. آمنت جماعة شعراء المهجر بأهمية التغيير الثقافي والاجتماعي وعملت على المساهمة به وترافق مشروع أبوللو الشعري مع الإيمان بأهمية التجريب وإدخال أشكال جديدة على التراث الثقافي القومي. من جهة أخرى ارتبط معظم رواد المدرسة العراقية للشعر الحر باسم الحزب الشيوعي العراقي وارتبط معظم شعراء مجلة الآداب بالمد القومي العربي وتياراته وأحزابه وارتبط اسم جماعة شعر بالحزب القومي السوري. 

       يلاحظ النقاد الثقافيون تغيرا ملحوظا في علاقة الجماعات الأدبية والثقافية بالمؤسسة يتزايد باطراد مع التطور التكنولوجي والديموغرافي في مجتمعاتنا المعاصرة. ويبدو أن العلاقة تأخذ شكلا أكثر رسوخا واستقرارا في الربع الأخير من القرن العشرين بشكل خاص. يمكن رؤية الشكل المتطور للعلاقة بين الجماعة والمؤسسة في الدخول المتواصل للأشكال الثقافية الجديدة إلى مؤسسات الثقافة الرسمية وإجراء تحول جذري فيها مما يدل على تطور علاقة حيوية تبادلية بين الهوامش والمراكز الثقافية. بناء على ذلك دخلت الأشكال الأدبية التي ولدت على الهامش الثقافي إلى قلب المؤسسة الرسمية وأصبحت جزءا عضويا منها. وهكذا أصبحت الكتابات السوريالية وقصيدة النثر جزءا عضويا من المناهج التعليمية والبرامج الجامعية في الغرب وحظيت باهتمام دور النشر والدوريات الأدبية. كما تحولت الجيل الثاني من شعراء اللغة الذين خاضوا حربا ثقافية مع الثقافة الرسمية وأنظمتها إلى قائمين على إدارة وتدريس المناهج الأدبية في جامعات أمريكية كبرى كانت تمثل مراكز للثقافة الرسمية.

في سياق مشابه تطورت علاقات الأشكال الثقافية المجددة بمؤسسات الثقافة الرسمية في المنطقة العربية. في هذا السياق يمكن قراءة تاريخ حركة الشعر الحر التي بدأت باعتبارها نقيضا ثقافيا لشكل القصيدة التقليدية وتحولت إلى أكثر الأشكال الشعرية شعبية وتمثيلا للثقافة الرسمية. وكذلك يمكن قراءة تاريخ قصيدة النثر العربية التي توصلت الآن إلى تصدر قوائم دور النشر والدوريات الثقافية العربية.

في قراءتهم لهذه العلاقة التفاعلية يرى بعض النقاد ما يراه بيرنشتاين، أحد رواد حركة شعر اللغة والذي يقول "إن الكتابة الجديدة تحتاج مؤسسة جديدة" ويضيف النقاد تأكيدهم على أن تجديد المؤسسات الثقافية المركزية مثل الجامعة الوطنية والصحافة الرسمية يعتمد على التفاعل المستمر مع الحركات الثقافية الجيدة ونتاجاتها. في ضوء هذه العلاقة تصبح الجماعة الأدبية مرحلة انتقالية أولى في تاريخ نشوء المؤسسات الأدبية وتصبح المؤسسة الأدبية شكلا يرافق تطور الحركات الأدبية الجديدة. 

 

المصادر والمراجع

1. Christopher Beach, Poetic Culture, (Northwestern university press, Evanston, Illinois 1999).

2. Stephen Fredman, Poet’s prose: the crisis in American verse, 2nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1990).

3. Salma Khadra Jayyūsī, Trends and Movements in Modern Arabic Poetry, Vol 1-2. (Leiden, E. J. Brill, The Netherland, 1977).

 4. Berete Strong, The Poetic Avant-Garde The Groups of Borges, Auden, and Breton, (Northwestern/University Press/Evanstorn/Illinois 1997).