كلمة الأحزاب الكردية

 

أيها الحضور الكريم

بداية، نشكر الاخوة على هذه المبادرة الطيبة التي نعتبرها، وخاصة في ظل ظروف كهذه وتطورات محلية وأقليمية ودولية بالغة الأهمية على طريق بلورة صيغة ديمقراطية للعمل الوطني المشترك تستهدف الدفاع بلا هوادة عن مصالح وأماني الإنسان ـ المواطن السوري بكافي تلاوينه وإنتماءاته القومية والدينية والمذهبية. إذ أننا كشعب وحركة كردية ظللنا نبحث دائما عن منابر نطل منها على أشقائنا وشركائنا في الوطن السوري، لنتمكن من تسليط بعض الضوء على معاناة شعبنا الكردي في سورية من جراء سياسة التمييز وأوجه الاضطهاد والحرمان الممارسة بحقنا كأكراد. تلك السياسة التي تسببت إلى حد كبير في عرقلة تطور شعبنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، وخلقت بين أوساطه حالة من الإحباط والاغتراب، وأحدثت خللا في نفسية الإنسان الكردي نتيجة عدم التوازن بين واجباته التي تصدى لها دائما، وحقوقه التي حرم منها على الدوام، إضافة إلى إخضاعه لجملة من المشاريع العنصرية والقوانين الاستثنائية التي لا يستطيع مشرعو سياسة التمييز هذه الدفاع عنها، والتي تعبر عن حالة شاذة في تعامل الدول مع مواطنيها.

إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية، بعيد الحرب العالمية الأولى جرى تقسيم ـ كما تعلمون ـ غير عادل للشرق بشعوبه وأوطانه والتي كانت حتى حينها جزءأً من تلك الإمبراطورية. وذلك بموجب اتفاقيات ومعاهدات ظلت بعيدة كل البعد عن أماني ورغبات وطموحات الشعوب المعنية، أهمها إتفاقية سايكس ـ بيكو(1916) ومعاهدة لوزان (23/7/1923) وغيرها. وطبعاً لم ينج الشعب الكردي الذي يعيش منذ اَلاف السنين على أرضه التاريخية من هذا التقسيم والتوزيع بين دول شُكلت حينها. إذ به جرى تقسيم الشعب الكردي وأرضه التاريخية كردستان (وطن الكرد) بين أربعة دول: تركيا والعراق وسوريا وإيران.

لقد رسمت الحدود الشمالية لسورية على ضوء اتفاقية بريان ـ بكر (20/10/1921) بين فرنسا كدولة منتدبة على سوريا والحكومة التركية. وقد تركت هذه الحدود المصطنعة، التي لم يكن للشعبيين الكردي والعربي شأن في رسمها، قسماً من الشعب الكردي وأرضه التاريخية في شمال وشمال شرقي سوريا ضمن الكيان السوري الناشئ. إلا أن الأنظمة والحكومات المتعاقبة تجاهلت ولا تزال تتجاهل واقع وحقيقة وجود تاريخي لثاني قومية في البلاد يشكل تعداده نسبة تنوف عن 12% من مجموع السكان يمثلها الشعب الكردي المتميز بذاته القومي ولغته الكردية الحية وثقافته الخاصة ويعيش أبناؤه في مناطقه التاريخية (الجزيرة ـ كوباني ـ كرداغ) أباً عن جد. ليس هذا فحسب بل وأقدمت تلك الأنظمة ولا تزال على انتهاج سياسة شوفينية واضطهاد قومي بحق شعبنا يستهدفان محو وجوده وطمس هويته وصهره في بوتقة القومية العربية. تجلت أهم مظاهر هذه السياسة في تخطيط وتطبيق تدابير استثنائية ومشاريع عنصرية كمشروع الحزام العربي الاستيطاني الذي بوشر بتطبيقه في خريف  1973، بطول 350 كم وعرض 10ـ15 كم تحت اسم "مزارع الدولة"، وقانون الإحصاء الاستثنائي الساري المفعول منذ عام 1962 في الجزيرة (محافظة الحسكة) وذلك بهدف طمس المعالم الديموغرافية للمناطق الكردية وصهر الشعب الكردي في بوتقة القومية العربية.

السادة الكرام

يواصل الاضطهاد والضغط على شعبنا إلى يومنا هذا وفق سياسة منهجية الهدف منها تشتيت الأكراد وطمس هويتهم الثقافية وشل قدراتهم لحملهم على التخلي عن لغتهم والتبرؤ من هويتهم وانتمائهم القومي، وصولاً إلى تعريبهم من خلال تدابير وإجراءات كثير، منها:

1. حرمانه من حقه الطبيعي في ممارسة لغته وثقافته القومية الكردية.

2. ضرب المشاعر القومية لدى الإنسان الكردي، عبر تغيير الأسماء التاريخية والحضارية لمئات القرى والبلدان الكردية واستبدالها بمسميات عربية، وكذلك أسماء الجبال والعديد من التلال والينابيع والمواقع الأثرية.

3. منع الموسيقا والأغاني الكردية ومحاربتها، في إطار السعي لطمس الفلوكلور والخصائص القومية للأكراد.

4. فصل ونقل تعسفيين بحق الكثيرين من الأكراد العاملين في دوائر ومؤسسات الدولة، وكذلك فصل الطلبة الأكراد من معاهد التعليم التابعة لأكثر من  وزارة.

5. ممارسة الإجراءات التمييزية بحق الشباب الأكراد وسحب الثقة منهم، سواءً بحرمانهم من القبول في الكليات العسكرية أو سد أبواب السلك الدبلوماسي في وجوههم مهما بلغت درجة مؤهلاتهم العلمية ومستوى تحصيلهم الأكاديمي.

6. إصرار الجهات المعنية على المضي في فرض سياسة التبعيث في المناطق الكردية وإرهاب الطلبة الناشئين من مغبة عدم الإنخراط في صفوف البعث، مما يخلق حالة ضغط وقلق وامتعاض، تؤثر سلباً على نفوس الأبناء والآباء ومستوى التعليم والأداء الوظيفي.

7. تعنت الحكومة والمعنيين في استمرار العمل بنتائج الإحصاء الاستثنائي، وتطبيقات الحزام العربي العنصري.

8. اعتقال كيفي متكرر بين الحين والآخر بحق الوطنيين الكرد وزجهم في السجون والمعتقلات وتعرضهم لصفوف التعذيب النفسي والجسدي، فضلاً عن القيام بالاستجوابات الأمنية شبه اليومية بحق المواطنين الأكراد. حيث لايزال العديد من أبناء شعبنا في سجون البلاد.

9. التعامل التعسفي القمعي الهمجي مع أي نشاط  يهدف إلى المطالبة برفع الاضطهاد القومي وإلغاء المشاريع العنصرية المطبقة بحق شعبنا الكردي مهما كان هذا النشاط ديمقراطياً وحضاريا.ً  كما حصل على سبيل الذكر لا الحصر للأطفال الأكراد يوم 20/06/2003 أثناء محاولتهم التجمع أمام مقر منظمة اليونيسيف بدمشق حاملين الورود ومذكرة خطية تتضمن معاناتهم والمطالبة بحق التعلم بلغتهم الأم ومراعاة الخصوصية القومية، والمطالبة بطفولة سعيدة خالية من التمييز والاضطهاد. إذ بادر رجال الشرطة وقوات حفظ النظام الذين فاقت أعدادهم عدد الأطفال وذويهم، إلى التصدي لهم بعنف وتعاملت معهم بوحشية ومنعتهم من الوصول إلى مقر المنظمة وفرقتهم بالقوة، واعتقلت سبعة أشخاص من ذوي الأطفال وهم لا يزالون رهن الاعتقال التعسفي، منتهكة بذلك وبشكل فظ حقوق الإنسان، وخارقة لأبسط مبادئ الديمقراطية، وضاربة عرض الحائط كل الشرائع والمواثيق الدولية التي وقعت عليها سوريا والتزمت بها من خلال إعلان جنيف لحقوق الطفل (1924) وإاتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها سوريا وساهمت في الترويج لها، والإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني 1959.

كذلك انتهجت السلطة ذات الأسلوب القمعي حينما تجمع عدة مئات من الأكراد سلمياً وبشكل حضاري أمام مبنى البرلمان السوري يوم 10/12/2002 بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان مطالبين برفع الاضطهاد وتأمين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا، حيث اعتقلت السلطة بعيد ذلك اثنان من أعضاء اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي.

وفي إطار الاستعدادات التي قامت بها المرأة الكردية في سوريا للقيام باحتفالاتها السنوية بعيد المرأة العالمي والإعراب عن مشاعر الاحتجاج حول قسوة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تعرض مرة أخرى أبناء وبنات شعبنا للقمع والملاحقة، وتعرضت المرأة الكردية خلال احتفالاتها إلى ضغوطات ومضايقات وأجواء مرعبة من قبل السلطات الأمنية ورجال الشرطة ومنعتها من ممارسة حقها الطبيعي في إحياء عيدها بشكل لائق والتعبير عن آرائها ومشاعرها بحرية. وعلى خلفية هذه الاحتفالات تم اعتقال مسؤول فرقة "ميديا" الفنية الفلكلورية السيد أكرم محمد. وفي صباح اليوم التالي (09.03.2004) داهمت عناصر الأمن السياسي عدداً من المنازل في مدينة القامشلي واعتقلت سبعة مواطنين أكراد آخرين.

 

ومع استعدادات شعبنا الكردي لاستقبال الربيع وعيده القومي نوروز وتحديداً في 12 آذار 2004 شهدت المناطق الكردية في سوريا أحداثاً مأساوية ومجازر نتيجة فتنة مفتعلة بتواطؤ من السلطات على خلفية مباراة لكرة القدم مستغلة في ذلك حالة الاحتقان لدى أبناء شعبنا الكردي في سوريا الناتجة عن السياسة الشوفينية والتدابير العنصرية المتبعة حياله، وعن تغييب الديمقراطية ودولة القانون بأبسط مفاهيمها، وسيادة الاستبداد وقانون الطوارئ والأحكام العرفية منذ ما يزيد عن واحد وأربعين عاماً. حيث أودت هذه المجزرة في اليوم الأول بحياة تسعة من الشبان، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة العشرات بجروح بليغة. وعندما أرادت جماهير شعبنا الغاضبة في اليوم التالي تشييع ما فقدته من أرواح بريئة قامت السلطات بإطلاق النار دون مبرر على المواطنين العزل، مما أودى بحياة العديد من الشبان وإصابة العشرات الأمر الذي كشف عن حقيقة خطة مسبقة ونية مبيتة من السلطات تستهدف للنيل من عدالة قضيتنا القومية وثني عزم شعبنا، كذلك اتضحت نية السلطة السورية القذرة ورغبتها في إشعال نار فتنة أهلية بين العرب والكرد وذلك لصرف الجماهير عن الحالة السياسية المزرية وكبح جماحها عن العمل معاً في سبيل حياة سياسية ديمقراطية وبناء دولة القانون ومجتمع حر لا مكان فيه للقمع والتفرقة والحرمان والاستبداد.

لقد امتدت تداعيات وتطورات أحداث الثاني عشر من آذار لتعم كافة المدن والمناطق الكردية بالإضافة إالى الأحياء الكردية في كل من حلب ودمشق حيث تم إطلاق النار (بما فيها استخدام الرصاص المتشظي الممنوع دوليا) دون مبرر على المواطنين الأبرياء، الذين أرادوا أن يتضامنوا مع الشهداء ويحتجوا على أسلوب قمعي بوليسي استفزازي دموي كهذا بأشد الأساليب ديمقراطيةً وهو التظاهر السلمي. وأدى ذلك إلى استشهاد العشرات من أبناء وبنات شعبنا المسالم وجرح المئات منهم، بالإضافة الى آلاف المعتقلين وتعرض محلات ومنازل الأسر الكردية للسلب والنهب والتخريب.

إن شهوة القتل التي مارست بها السلطات السورية قمعها ضد الشعب الكردي الأعزل، تعبّر عن سطوة الغل الشوفيني الأعمى على العقلية القومجية لهذه السلطات نتيجة التحريض المستديم، على مدى عقود من الزمن، ضد الشعب الكردي وتصويره، زوراً، ليس كجسم غريب عن النسيج المجتمعي السوري فحسب، بل وكمصدر خطر محتمل يهدّد وحدة البلاد، وذلك دون الإصغاء إلى كل الأصوات والمواقف الكردية التي يجمع الشعب الكردي وحركته الوطنية عليها النافية والمدحضة لهذا الزور، ودون التّحسب لمخاطر هذا التحريض وعواقبه المهدّدة فعلاً لهذه الوحدة التي يحرص الشعب الكردي عليها.

من جانب آخر جاء تحرك الشعب الكردي كرد فعل على الممارسة القمعية التي استرخصت دم أبنائه واستفزّت مشاعره، ليتحول رفض هذه الممارسة القمعية إلى رفض جماعي من قبل الشعب الكردي لكامل السياسة الشوفينية الممنهجة للسلطة التي تمارس منذ عقود ضدّه والقائمة على إنكار لوجوده وتنكّر لحقوقه ومشاريع عنصرية تستهدف وجوده وحملات تعريبه وتبعيثه وتجويعه وإذلاله. وليس كما تريد السلطة إبرازها ونعتها بـ "فتنة ومؤامرة خارجية" و"أعمال شغب".

جدير بالذكر بأن السلطة السورية، وبعد أن استتبت الأوضاع نسبياً، لا تزال تواصل استفزازاتها المترافقة مع حملات التضييق والاعتقال المستمرة، ولا تزال مستمرة في إجراءاتها القمعية وفي حجز الناس واعتقالهم وحتى قتلهم تحت وطأة الضرب المبرح. كما حصل يوم 22/03/2004 حيث تعرض خمسة جنود أكراد في الفرقة الثالثة ببلدة قطنا قرب دمشق للضرب بالعصي والقضبان وشتى أنواع التعذيب الوحشي، وذلك من قبل ضابط في الفرقة ذاتها يدعى عاهد حمود وهو برتبة كولونيل، حيث استشهد أحد الضحايا تحت التعذيب وهو المجند "خيري برجس جتو" من إحدى قرى ناحية عامودا. وذلك على خلفية الأحداث الأخيرة الدامية وبالتحديد لأنهم من أصول كردية. كما تم فصل سبعة عشر طالباً كردياً من جامعة دمشق بتاريخ 23/3/2004 بتهمة المشاركة في المظاهرات الكردية الأخيرة. وما زال قرابة ألفين من أبناء شعبنا الكردي قيد الاعتقال التعسفي. ولم يقتصر قمع السلطة على ذلك فقط، وإنما طال اعتقال بعض الشخصيات العربية المناصرة لقضية شعبنا الكردي العادلة، حيث قامت السلطات باعتقال المثقف العربي محمد غانم يوم 23/3/2004، اثر مقابلة تلفزيونية له ندد فيها بما تقوم بها السلطة من قمع واستفزاز. وكذلك اعتقال الناشط السوري في مجال حقوق الإنسان الأستاذ أكثم نعيسة لمجرد إعلانه عن حالات وفاة معتقلين أكراد تحت التعذيب، والكشف عن حالات اعتقال أخرى، والاستعداد لحضور اجتماع لجنة العمل التابعة للبرلمان الأوربي لمناقشة الموضوع الكردي.

بلا شك، إن منهجية كهذه في التعامل مع شعبنا الكردي متعارضة على طول الخط مع متطلبات العصر وروح التطور الحضاري. ليس هذا فحسب، بل متعارضة تماماً مع كل الدساتير والمواثيق الدولية، بما فيها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا تحترم مبادئ العدل والحرية والمساواة، التي باتت قيماً سامية يهتم بها كل فرد وكل جماعة بشرية، وأصبحت الشغل الشاغل لكل إنسان في كل مكان.


السادة الأعزاء،

ليس بخاف عليكم بأن البشرية قد دخلت عصراً جديداً عنوانه الأكبر هو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والشعوب والجماعات العرقية والثقافية في ظل قيم ومبادئ العدل والحرية والمساواة، بعيداً عن الظلم والحرمان والتمييز بسبب القومية أو الدين أو الجنس أو اللون أو أي اختلاف آخر. عصراًً لا مكان فيه للاضطهاد والاستغلال والتسلط وعصراً يفرض علينا منطقه الداعي لحل المشكلات والأزمات العالقة بالحوار والاعتراف المتبادل. ولكننا في سوريا نعيش حالة فريدة من نوعها، حالة عنوانها الأكبر العسف والحرمان جراء سياسة الحزب الواحد وحكمه الشمولي على قاعدة تمسكه بقانون الطوارئ بأحكامه العرفية وقضائه الاستثنائي منذ عشرات السنين وعجزه، أي السلطة، حتى الآن عن إصدار قانون عصري ينظم عمل الأحزاب والجمعيات، واستشراء ظاهرة الفساد والنهب في معظم دوائر ومؤسسات الدولة ومواصلة ترويع نشطاء حقوق الإنسان ورجال الفكر ودعاة المجتمع المدني وأصحاب الرأي الآخر، واعتماد كل الأساليب المتوفرة، وما أكثرها في دولة البعث، بغية إلحاق شلل تام بالحراك الثقافي ـالسياسي في البلاد.

أجل، فعلى الرغم من تميز عصرنا الراهن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب، فإن سلطة البعث لم تخط قيد أنملة في مجال المحافظة على الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، كما أنها لا تهتم البتة بالتغيرات والتطورات الكثيرة التي تحدث في هذا الميدان هنا وهناك، بل كثيراً ما نراها تقدم، دون شعور بالحرج، على خرق قواعد القانون الإنساني العالمي. فسوريا ما زالت بعيدة عن احترام أبسط حقوق الإنسان، وما زال شعبنا السوري، كرداً وعرباً وأقليات قومية أخرى، محروماً من حقوقه وحرياته الأساسية. فالفرد السوري مقموع ولا يستطيع التعبير عن معتقداته السياسية حتى بينه وبين نفسه، وهو محروم من الإدلاء بصوته بحرية في إنتخابات ديمقراطية، كما أنه محروم من المشاركة في اختيار الحكومة ومن ممارسة حقه في تقرير مصيره.

باختصار شديد، يمكننا القول: إن المسافة بين الفرد السوري من جهة وممارسته حقوقه وحرياته الأساسية من جهة أخرى بعيدة وشاسعة. مما بات يدعو، وأكثر من أي وقت مضى، إلى قلق عميق ويستجوب الإسهام النشط في العمل على عقد اجتماع وطني سوري عام للوقوف حيال المستجدات وقضايا المواطن والمجتمع في ضوء الإقرار بوجوب بلورة مشروع دستور حضاري جديد يضع حداً للاحتكار السياسي ونمط الحزب الواحد، وليعبر عن واقع وحقيقة وجود تعددية ثقافية ـ إثنية في مجتمعنا، ويضمن استقلالية القضاء وسيادة القانون على الجميع. وكذلك ضرورة تضمينه (أي الدستور) الاعتراف بحقيقة وجود ثاني قومية في البلاد تتمثل بشعبنا الكردي الذي ينوف تعداده على المليوني نسمة ويعيش على أرضه التاريخية أباً عن جد، ووجوب تمكينه بالتمتع بحقوقه القومية الديمقراطية المشروعة، لأن قضية شعبنا الكردي قضية وطنية ديمقراطية لا يمكن ولا يجوز القفز عليها.


السادة الكرام،

إننا كشعب وحركة كردية أعلنا وسنعلن دائماً بأننا أكراد وسوريون، وهذا التمسك بانتمائنا القومي الكردي والوطني السوري حق طبيعي لنا كأكراد، ولاينتقص هذا شيئا من كرامة العرب وحريتهم، ولايسيء إلى مصلحة سورية، بل على العكس تماما، فانه يضيف لونا جديدا إلى ألوان الطيف الوطني ويزيد من جمال اللوحة الوطنية، ويغني الثقافة الوطنية. 

 من جهة أخرى فإن سياسة الإنكار والإهمال المنتهجة بحق شعبنا الكردي والتي كرسته كل السلطات المتعاقبة ووقعت في فخها ـ وللأسف ـ أغلبية الشخصيات والقوى الوطنية والديمقراطية العربية يؤسس لشروخ عميقة في النسيج الاجتماعي ويؤدي إلى اشكالات وصراعات لا تحمد عقباها بفعل تبلور وجهات نظر متباينة، وحتى متناقضة، علميا وعمليا، حول أحقية او مشروعية القوى القومية المتعددة التي تشكل بنية هذا المجتمع، مما يتطلب اعتراف الجميع بالحقائق الراهنة والاحتكام إلى وقائع عمرها مئات السنين تؤكد ان لحمة هذا المجتمع هي خليط من قوميات مختلفة، عرب واكراد وأشوريين وغيرهم، ساهموا جميعا في صوغ تاريخه وإيصاله إلى ما وصل اليه اليوم، مما يعني ضرورة الإقرار الواضح والصريح بوجود الشعب الكردي كجزء عضوي وأساسي من تركيبة المجتمع والتاريخ السوريين، وبالتالي الإقرار بحضور مسألة سياسية نضالية ما زالت برسم الحل ترتبط بحقوقه القومية المشروعة كحق المواطنة وحقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية، لان غياب البديل الوطني الديمقراطي لحل القضية الكردية في سورية واستمرار بقائها في الظل، يزيد من حالة اليأس والارتباك في الصف الوطني الكردي، مما يهدد بنتائج وخيمة في المستقبل.

 

إن الشعب الكردي في سورية يشكل 12% من جسم المجتمع السوري، وان العيش التاريخي والمتداخل لابناء شعبنا مع اخوتهم العرب، منذ ما قبل نشوء الدولة السورية، في مناطق شبه منعزلة من بلاد الشام بدءا بـ "عين ديوار" في اقصى شمال شرق سورية (محافظة الحسكة – الجزيرة) إلى اقصى شمال غرب البلاد بجوار لواء اسكندرون (محافظة حلب – جبل الاكراد – عفرين) مرورا بمنطقة كوباني (عين العرب) وتل ابيض في الوسط الشمالي، إضافة إلى التجمعات الكردية في مدن حلب ودمشق وحماه والرقة وغيرها، يقودنا إلى الاقتناع تماما بأن الكرد والعرب في سورية مكونان أساسيان للمجتمع السوري، وبالتالي من المفترض أن يكون العرب والكرد شركاء في هذا الوطن والعلم من اجل منفعته وتطوره. ثمة اكثر من رابط يجمع الكرد والعرب في نضالهم من اجل مستقبل افضل تحترم فيه كرامة المواطن وحقوق الإنسان وتصان فيه خصوصية وحقوق الكرد القومية المشروعة في اطار وحدة البلاد وتطورها الحضاري. فالوطن وطننا جميعاً وكلنا شركاء فيه ومسؤولون عن مصيره وسوية مسيرته، كما كنا مسؤولين عن تحريره واستقلاله وحمايته. وعبثا تجهد الأوساط الشوفينية وخصوصاً منظرو حزب البعث الحاكم والقائمين عليه إلى دق الأسافين بين الحركة الوطنية الكردية وباقي القوى والفعاليات الوطنية الديمقراطية في سورية وتصنيف التنظيمات الكردية السورية على أنها "معادية تعمل على اقتطاع أجزاء من أراضي الدولة السورية والانفصال عنها. " وذلك سعيا من تلك الأوساط لزرع مزيد من الشكوك حول الحركة الكردية بغية فرض العزلة عليها والاستفراد والإيحاء للرأي العام العربي بأن ثمة "خطر كردي".

 

الحضور الكريم،

إن كل الذين تعز عليهم سمعة سوريا وكرامتها وقوتها مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الحوار وثم الحوار وذلك على طريق تأطير نضالات قوى شعبنا السوري بكل أطيافه وتلاوينه للإسهام النشط في دمقرطة المجتمع والدولة، والإتيان بدستور حضاري ينعم في ظله الفرد والمجتمع بالحرية والمساواة والعدالة.

وعلى هذا الأساس تنشط الحركة الكردية باتجاه توثيق العلاقات مع سائر الفعاليات والقوى الديمقراطية والمجتمعية وصولا إلى عقد مؤتمر وطني سوري عام على قاعدة أحداث التغييرات المطلوبة لإشاعة الديمقراطية، وإيجاد حل ديمقراطي عصري عادل ومناسب للقضية القومية الكردية في سوريا على أرضية عملية وقوانين موضوعية تشكل الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب عمادها،  بالإستناد إلى تعددية سياسية وثقافية وإثنية تعكس الوجه الحقيقي والواقعي لسورية، وتتفاعل وتتواصل وتعمل لخير سوريا ومستقبلها وتطورها الحضاري بما ينسجم مع روح العصر ومستلزماته وترسيخ مبادئ العدل والحرية والمساواة بين كافة المواطنين، من أجل المساهمة الحرة والفعالة للجميع في بناء وطن حضاري يواكب العصر وتحدياته، وطن للحرية والديمقراطية والمساواة.