سوريا على مفترق الطرق!

أسئلة المواطن ...

أسئلة الوطن ...

إبراهيم اليوسف

ثمة دراسات كثيرة تناولت الواقع السوري، مؤخرا، تحت سطوة رؤى أحادية، عرجاء، لوقوفها أمام مفردات الداخل في البلاد، تستقرئها، وتجري من خلالها محاكمات ما، بهذا القدر أو ذلك من المسؤولية، متذرعة بأن كل ما تناولته عبارة عن وقائع، وحقائق. مقابل قراءة أخرى، يمكن اعتبارها قراءة الخارج، حيث تتكئ، بدورها، على مفردات خاصة، تنتقصها، سلباً أو إيجاباً، كي تبنى عبر رؤيتها، وتسوغ مشروعيتها.

ولعل من الضروري الإشارة هنا إلى انه لا يمكن تناول الحالة السورية، إلا ضمن لوحة الواقع من شتى جوانبها، بل ونقاط الرؤية، دون الاستغراق في أي بعد على حساب تجاهل الأبعاد الأخرى.

ضمن مثل هذا الفهم، تحديدا، لابد من اعتبار أن آلة الفساد، وكحامل استبدادي لهذه الآلة، التي بات الحديث عنها يدور على نطاق واسع، بعد أن كان  أسير دوائر ضيقة، غير رسمية، واقرب إلى الهمس غير المجدي، بيد أنه الآن تحول إلى محور أحاديث علنية، رسمية، يتم مناقشتها على أعلى المستويات، لا سيما حين يتم الحديث عن الإصلاح، الذي بات يراه المواطن السوري أشبه بغودوت تماماً.

وبديهي، أن استشراء الفساد، قادر على خلق خلخلة، بينة، من شانها نخر البنيان المجتمعي، لنكون بالتالي أمام واقع مزر، حيث ازدياد الهوة، يوماً بعد يوم، بين نموذجين من المواطنين، قلة قليلة ناهبة، متحكمة بارزاق الناس، وكثرة بائسة تعيش دون خط الفقر، تكاد لا تجد ثمن رغيفها، أو ثمن دوائها، وليس الحدود الدنيا من سبل الحياة الكريمة.

وتأسيسا على مثل هذه المعطيات، في ظل مثل هذه الآفة الفتاكة التي ستفرض بالتالي، نموذج، تفكير، لديمومة مصالحها في مواجهة مصالح العامة، سواء الجماهير "الغلابة" فهي ستسعى، إذا، لخلق آلة تصون عبرها مثل هذه المصالح، وذلك من خلال اعتبار أي مساس بها، مساسا بقضية كبرى، وهو تماماً ما سيفرز الأدوات التي ستحقق معادلتها الخاصة، ضمن المعادلة الوطنية، بل وعلى حساب قوتها، وسيادتها، وعلى حساب الأسئلة الوطنية الكبرى، المؤجلة.

ومن هنا، فإننا نشهد وعلى الدوام من يسعى إلى مصادرة رأي المواطن، بل والإساءة إليه، ومن خلال أمثلة غير مفهومة التسويغ، كالاستعداء على أصحاب الرأي، وممارسة الضغوط عليهم، بل واللجوء إلى مواجهته بأساليب قمعية معروفة، وهو ما يجد مسوغاته في ظل حالة سُريان الأحكام العرفية، والطوارئ، وغياب قانون الأحزاب، وعدم وجود حرية الصحافة، وعدم تعديل القانون الانتخابي، وهى عموما بعض العلامات المعروفة التي تنال من الديمقراطية، كممارسة، بل تغييبها نهائياً، رغم الاتفاق على أهميتها في ظل كل ما نشهده من تحديات مختلفة!

ولقد جاءت أحداث 12 آذار في القامشلى، كي تؤكد رداءة معالجة الأمور حتى الآن في سوريا، لا سيما إذا وضعنا بعين الاعتبار، الحالة الكردية، كما هي ضمن إطارها الوطني السوري، حيث المواطن الكردي، يعيش في ظل سياسة إنكار وجوده، رغم وجود اكثر من مليونين ونصف كردي في سوريا، حيث أن الأكراد هم ثان اكبر قومية في البلاد، ولا توجد أي إشارة دستورية لوجودهم، بل انه ومنذ عقود، نلحظ سياسات شوفينية واضحة لطمس هوية الكردي، إذ لا  مدارس يتعلم فيها الأكراد بلغتهم  الأم، وهناك عشرات الآلاف من المواطنين الأجانب رغم انهم سوريون أبا عن جد، ودافعوا عن تراب سوريا، وصنعوا استقلالها، جنبا إلى جنب، مع سائر اخوتهم الوطنيين في البلاد، وهى المشكلة التي يبدو أنها ستحل أخيرا وبعد مرور اثنين وأربعين عاماً على خلقها دونما مسوغ.

كذلك أن الكرد محرومون من مجمل حقوقه، الثقافية والسياسية، كمواطنين سوريين اصلاء، لا كضيوف طارئين على الفضاء السوري، كما راحت بعض الأقلام المغرضة تروج لذلك، مؤخرا.

ومن ابرز الأمثلة على تهميش الكردي من الحياة السياسية للبلاد، انه لا يوجد محافظ كردي واحد في سوريا منذ عقود، بل انه لم يعين وزير واحد على انه كردي.

ولا أريد الإشارة إلى القراءة الأولى الخاطئة، لهذه الأحداث، التي جاءت لتخون الكردي، وتدفعه ضريبة باهظة، آدت إلى الاعتقال العشوائي لآلاف المواطنين الأكراد السوريين الأبرياء، في المدن السورية، وتعذيبهم إلى درجة الموت، لمجرد انهم أكراد فحسب، ناهيك عن انه لم تتم حتى الآن محاسبة من قام بإطلاق الرصاص على عشرات الأكراد في القامشلى، وديريك، ومن ثم حلب، وعفرين، وكوبانى "عين العرب".

لا سيما بعد أن أكدت التحقيقات، زيف، الادعاءات المغرضة بحق الأكراد انطلاقاً من الذهنية التلفيقية التخوينية، فحسب، وهو ما أكده د. بشار الأسد في حديثة قناة الجزيرة الفضائية بتاريخ 1/5/2004 حيث تبقى الترجمة الفورية، لموقف السيد الرئيس، تجاه الأكراد السوريين عملاً وطنياً ملحاً لابد من تنفيذه، لا سيما في هذه الظروف العصيبة التي نحن أحوج فيها إلى الإجماع الوطني.

أن محاولة رصد، الأمثلة، في هذا الميدان صعبة، بكل تأكيد، خاصة في وقفة كهذه. إذ انه إزاء مجمل ما سبق، تبرز أهمية الحوار الوطني، سورياً، بأكثر من أي وقت مضى في رأس قائمة الأولويات، لا سيما إذا وضعنا قانون محاسبة  سوريا، بعين الاعتبار، حيث ثمة أخطار واقعية محدقة، هي ليست في مصلحة  كافة السوريين، عرباً وكرداً وسريان وارمن واشوريين وتركمان وشركس وشاشان ...الخ ممن يشكلون الطيف السوري المائز.

أن قراءة أبعاد قانون محاسبة سوريا، تستدعي قبل كل شئ اعتبار مناقشة، الشأن الوطني، حالة وطنية عامة، غير مقتصرة على نخب بحد ذاتها، مخولة للتفكير عن الجميع، وبدلا عنهم، وهو ما يجب أن يدفع الجهات العليا للعمل الجدي في حل إشكاليات المواطنة القائمة، بكل استحقاقاتها، لا القفز عليها تحت ذريعة وجود أولويات.

كما انه، وبتصور هذه الورقة، لابد من تكوين المناخ المطلوب لتفعيل أي مناقشة، سواء داخل البلاد أو خارجها، عبر "الغيارى الوطنيين" ممن كان ينظر إليهم شزرا لمدة طويلة، للأسف، بحكم الظروف،ودواع باتت معروفة، مادام أن الحرص على الوطن هو النقطة المجمع عليها من قبلهم جميعاً، دون أي حكم مسبق على طريقة التفكير، كما كان يتم، وللأسف، لا سيما في ظل التواشجية بين الداخل والخارج كعوامل تهديد للسيادة الوطنية، مقابل اعتبار الداخلي خارجياً، والخارجي داخلياً، ضمن لعبة غير مفهومة البتة.

وإذا كان الحوار مهمة وطنية أولى، في هذه المرحلة الأكثر حرصا في تاريخ سوريا، فهو في هذا الإطار ليس ترفاً، ولا يمكن أن يحقق مستواه الوطني دون مشاركة سائر الوطنيين السوريين على اختلاف مشاربهم، ورؤاهم، ماداموا ضمن البيت الوطني السوري، انتماءاً وروحاً، وهو ما يلغي أية مرتبة مفترضة بين متحاور وأخر، مادام تجسيد الوطنية علامة ومرتبة أي من هؤلاء.

اجل، وإذا كان الحوار كفيلا ضمن جملة شروطه الوطنية أن يجيب عن أسئلة كثيرة، ظلت معلقة منذ عقود، فهو قادر في الوقت نفسه أن يرسخ المفهوم الديمقراطي، كممارسة، لا شعار محنط، صوري، لا سيما وانه لا يقبل تقزيمه إلى مستويات دنيا، ومجرد حريات سياسية ذات محتوى اجتماعي، بل متكاملة، مركبة، ضمن دورة تؤصل إلية  توزيع الثروة بشكل عادل، من خلال الإجابة على أسئلة المواطن الصميمية دون أي إبطاء.

وحقا، إننا سمعنا في الآونة الأخيرة دعوات كثيرة إلى تأسيس عقد اجتماعي، أو مجلس وطني، وإن كان بعض قوى الفساد يرى في مثل ذلك، حلاً، لديمومتها، عبر شرعنة السلوك النهبوي، بمعزل عن دائرة الوطنية الواسعة!، لا تعالج أبه مسالة من هذا النوع إلا في ضوء مصالحها المعرقلة للمصلحة الوطنية العامة، لنكون أمام مصالحة السارق مع الضحية، والناهب مع المنهوب في اقل توصيف.