رؤية أولية في " ما العمل "؟

مشعل التمو  

 

من الواضح لنا جميعا أننا في الشرق الأوسط عامة، وفي سورية خاصة، نواجه أزمة حادة، ومفصلا تاريخيا في حياتنا ومصير مجتمعاتنا، فهناك خارج أمريكي قادم يمتلك منطق القوة والهيمنة ويتفرد بالقرار الدولي والفعل الدولي أيضا وبات على حدودنا أو يحيط بنا من كل الجوانب، وهناك داخل مهترىء ومحتقن هو نتاج تركة ثقيلة من الاستبداد لها منطقها الخاص وحاجاتها ومصالحها التي تعيق وتمنع أية عملية إصلاحية داخلية، وبديهي هنا ، انه لا يكون الخارج فاعلا إلا إذا كان الداخل مستعدا؟

في الواقع السوري الراهن، هناك هوة بين مكونات الواقع السياسية والاجتماعية والقومية، بحيث أن كل منها بات يشكل دائرة منعزلة إلى حد ما، وبالتالي انعدم التناسق والتشابك، وانعدمت الحركية المنظمة للمجتمع السوري، نظرا لان أي حراك مجتمعي هو حاصل الانسجام والتوافق بين مكونات المجتمع كافة. وفي هذا السياق اعتقد بأنه يجب عدم نسيان "شرعية" عدم التغيير التي تأسست وتراكم بنيانها عبر عهود طويلة على أرضية "مواجهة الخارج" و"تحرير الأرض" و"كل شيء للمعركة".. الخ.

هذه اللازمة التي طمرت التناقضات الداخلية وغيبت المجتمع وأهدرت طاقاته، باتت الآن ذات مرجعية ثقافية في المجتمع السوري هي مرجعية "عدم التغيير" التي تفصح عنها المقولة الشهيرة للكثير من القوى والفعاليات السورية "لن نغير ولن نتغير إلا بشروطنا" وعندما نسأل ما هي شروطنا لنغير ذاتنا ومجتمعنا ونحصنه، أو ما هي آليات وبرنامج عملنا الداخلي الذي يؤهلنا للمواجهة مع الخارج، تكون الإجابة أما مواربة أو حدية، تارة بأن "المرحلة حرجة ومصيرية" وتارة بأنه "يجب حشد كل الطاقات ضد الأمريكي القادم"، ومرة أخرى "كيف نحشد الطاقات، وعن أية طاقات نتحدث؟" في ظل تلف وضرر بالغين يعاني منهما المجتمع السوري والبنى الفكرية الناظمة له.

اعتقد بان اشد ما نعانيه هو انتهاء آليات الدفاع الذاتي للمجتمع، وهي النقطة الأكثر إحراجا من حيث انتفاء مفهوم السيادة الوطنية وتبعثر الانتماء الوطني وفقدان المرجعية الشعبية الشرعية. إن ما وصلنا إليه من تفكك مجتمعي حالة يرثى لها، تتشارك في أسبابها السلطة والكثير من القوى الحزبية خارج السلطة حتى لو كان الأمر بشكل نسبي، ولعل المشروعيات كافة تتحمل هي أيضا قسطا لا بأس به عندما تبنت الداخل بدلالة الخارج ، وليس الخارج بدلالة الداخل. بمعنى أن المنعة الداخلية وقوة الداخل هي أرضية المواجهة وتحرير الأرض ومقاومة اجتياح الخارج، بينما وفق المعادلة الأولى كان هناك تصدير للداخل وتعويم لتناقضاته.

وعلى الرغم من الواجهة الساكنة في سورية، هناك واقع متحرك وسريع التبدل في المجتمع، لم يعد السكون الشكلي يستطيع إخفاءه. وهو ما يجب أن يحفزنا جميعا لوضع آليات ميدانية فاعلة، قبل أن نصل إلى نقطة قد يكون الرجوع عنها صعبا وباهظ التكاليف، وازعم هنا بان ادعاء الاستقرار والأمن، بات يواجهه ويدحضه عنفوان وحقيقة الغليان الداخلي، ولم يعد وهم اختلاق الاستقرار يستطيع إخفاء حقائق مجتمعية تغلي من كل حدب وصوب؟

ما يهمنا هنا هو البحث عن توافقات وطنية وحلول سلمية، تدرجية، ديمقراطية، تشكل نقيضا لعقلية الطوارئ والحلول الأمنية العنفية الرسمية. وهذا الذي نسعى إليه يتطلب عقلية سياسية ورؤية موضوعية، خاليتان من المرتكزات العقائدية اليقينية، التي خبرنا حلولها. بمعنى إيجاد عقد وطني تكون لبنته الأساس الاعتراف المتبادل بالحقوق والحريات الأساسية. هذا الاعتراف المتبادل يؤمن مرتكز المصالحة الوطنية ويخلق فضاء حيويا لتوحد الفعلين السياسي والثقافي في المجتمع.

وفي هذا الصدد أتساءل، هل نمتلك نحن، واقصد الأطر والفعاليات التي تندرج تحت لائحة "المعارضة" والتي هي نتاج أو بقايا هزمها الواقع وأنهكها الاستبداد، وكبل فكرها وعي أصولي بكل تفرعاته، هل نستطيع، أو تستطيع هذه الأطر والفعاليات أن تمتلك آليات الديناميكية الداخلية لتتحول هي أولا إلى أطر ديمقراطية بما تمثله كمفهوم وممارسة؟ بحيث يكون الكل معبرا عن الإرادة العامة لمجموع المواطنين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم القومية والاثنية، بمعنى امتلاك الحق المتبادل، الحق الذي سيؤسس لوعي مدني، إنساني، قانوني، يساهم في صياغة شخصية وطنية تمتلك حريتها وحقها في المبادرة المساواتية الكاملة في الحق والواجب، وبالتالي يكون الكل جزء لا يتجزأ من الكل. نحن في الحقيقة نحتاج جميعا إلى إعادة تقييم لأنفسنا أولا لأن أي أصلاح ينبع من الذات، وأي تبنٍ للديمقراطية يتطلب الوعي بها وممارستها على الذات أيضا، عندها نمتلك الحق في المطالبة بها والنضال من أجلها.

أن كلمة الإصلاح لها دلالتها السياسية، ولها أيضا مقاصدها، التي تختلف باختلاف الجهة صاحبة المصلحة، إذ أن المفردة في كثير من الأحيان قد جُردت من مضمونها، وبالتالي أنا افهم الإصلاح على انه بناء القاعدة المادية للوعي بالديمقراطية، وعلى امتلاك الحريات الأساسية، وعلى اعتراف الكل بالكل، وهي قواعد مؤسسة للوحدة الوطنية، التي تتطلب أيضا الاعتراف بمجمل الإشكاليات المجتمعية الموجودة، وليس إنكار وجودها وتجاهل تداعياتها، ومنها إشكالية القضية الكوردية في سورية، عبر الاعتراف بوجودها علنا وصراحة، حتى يتسنى البحث حواريا في آليات حلها وتوفير مستلزمات وقواعد التشارك في الحياة الوطنية العامة، وبالتالي التشارك والتشابك الوطني وعلى كافة مستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والذي يجعل من  المسألة الكوردية جزءاً حيوياً من بناء الوحدة الوطنية السورية، بمعنى أن حل الإشكالية الكوردية، حلاً وطنيا، سوريا، خطوة أساس باتجاه التكامل والاندماج الوطني، الذي سيغتني بالتعدد الثقافي وسيصبح ذلك مصدر قوة ومتانة للوطن المشترك.

اعتقد بأن مسألة تطوير الأداء السياسي والاجتماعي والارتقاء به باتت ضرورة وطنية عامة، بحيث يتم ضمان أوسع مشاركة شعبية في قضايا الشأن العام، وخاصة قضية الديمقراطية والحريات العامة، وهذا يستوجب آليات تعاونية جديدة مبنية على أسس واضحة تكون بمثابة عقد وطني واجتماعي وبرنامج عمل مشترك لكل فعاليات وتعبيرات المجتمع السوري التي تمتلك إرادة التغيير وتؤمن به وتسعى إلى توفير ديناميته الداخلية بشكل سلمي وديمقراطي. واعتقد بأنه هناك جملة من الثوابت التي اصبحت قاسماً مشتركاً يمكن العمل والبناء عليها وصولا إلى توافق وطني يوفر الانسجام والتقارب والتلاحم السياسي والثقافي والاجتماعي. ومن وجهة نظري هناك بعض المبادئ الأساسيةفي هذا الصدد وهي:

1- أن سوريا لكل السوريين.

2- الاعتراف المتبادل بين جميع مكونات الطيف السوري السياسي والقومي والاثني.

3- الإقرار بان الداخل هو الدلالة، وأن تحصينه تحصين وحماية للوطن.

4- أن الفعل الميداني السلمي الديمقراطي هو أساس الارتقاء بالمطلب السياسي وذلك بالاعتماد على القوى الذاتية الداخلية وتفعيل دورها.

5- العمل من اجل إيجاد مرجعية وطنية تنبثق من مؤتمر وطني للمصالحة تحضره كل فعاليات المجتمع السوري دون إقصاء أحد.

6- التأكيد على أن هذه المرجعية الوطنية حريصة على الوطن ووحدته ومستقبله، وبالتالي ترفض الاستقواء على الوطن.

7- الإقرار بالتنوع والتعدد القومي والديني في سوريا، وبالتالي الاعتراف بالشعب الكوردي وقضيته الوطنية، وضرورة رفع الغبن التاريخي الذي لحق به، وتمتعه بحقوقه المدنية والسياسية والثقافية، في إطار الوحدة الوطنية السورية التي تشكل الأخوة العربية الكوردية أحد روافدها، وتعزيز هذه الأخوة بوصفها دعامة لتمتين البناء الوطني وتوفير مستلزمات المستقبل المشترك.

8- العمل من اجل تفعيل بنى المجتمع السوري وتقوية لحمته الوطنية وخلق مرتكزات المقاومة المدنية، لكل أنواع الاختراقات الخارجية من جهة، وإيجاد آليات نضالية جديدة من جهة أخرى، تستعاد عبرها الأرض السورية المحتلة ، عبر مفاعيل مجتمعية تؤسس لإطلاق طاقات شعبية، وطنية، تكون مصدرا لقوة المجتمع وحيويته ومرتكزا لمقاومة محاولات الهيمنة وطمس إرادة الشعوب.

 

*  كاتب كوردي ، ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا