جماعة الإخوان المسلمين في سورية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا شك تختلط المشاعر في نفس الإنسان وهو يحاول التعبير عن سعادته باللقاء الوطني في أفق الحوار الرحب ، فتنغص عليه حقيقة أن هذا اللقاء يتم بعيدا عن أرض الوطن وليس تحت قبته المنيفة

أيها السادة:

إن أول حقيقة ينبغي أن نقتنصها من تجربة قرن مضى عبثاً في محاولات التحرر والتحرير والنهوض، هي أن نتوقف عن التفكير كفرقاء لننتقل إلى حالة التفكير الجمعي كفريق...والتفكير الجمعي كفريق لا يعني التخلي عن خصوصية الرؤية والفكرة والبرنامج، وإنما يعني بالتأكيد إعادة ترتيب الأولويات في أطرها الوطنية والقومية والحضارية. إن أمام العاملين المخلصين مضمارا بعيد المدى من الجهد المشترك للصيرورة إلى المناخ الذي تستثمر فيه الخصوصيات .

من هذه الرؤية المتقدمة أطلقت جماعتنا، جماعة الإخوان المسلمين ، ميثاق الشرف الوطني ، الذي أرادته أرضية وإطارا وليس أفقا للعمل الوطني.

إن التوافق على نبذ العنف، والمرجعية الديمقراطية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.. ينفي من حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، صوراً رديئة من فرض الوصاية والإقصاء، أو احتكار السلطة.

إن صندوق الاقتراع الحر والنزيه، هو الآلية الأكثر شفافية لتداول السلطة. الآلية التي تجعل التوجه إلى الجماهير، وتلبية تطلعاتها، والاهتمام بقضاياها، وبالتالي كسب ثقتها.. بوابة العبور إلى البرنامج الخاص الذي لا يمكن لأي فريق أن ينجح فيه ما لم يكتسب ثقة الأرضية الجماهيرية التي ستتعامل معه .

 

أيها السادة:

يشهد واقعنا الفكري والسياسي دعاوى كثيرة، يحاول أصحابها أن يصادروا الديمقراطية لمصالحهم، حين يدّعي البعض لأنفسهم حراسة الديمقراطية الفكرة والآلية، أو يدّعون على غيرهم بأنهم في الاحتكام إلى الديمقراطية ذرائعيون، يصادرون بذلك المطلوب الديمقراطي بطريقة تضجّ بالأنانية والغرور ...

الميثاق الذي أصبح ميثاقا وطنيا بعد لقاء آب 2002 ، ما يزال مطروحا للحوار ، وما يزال الموقعون عليه ينتظرون توسيع الدائرة ، بعيداً عن أشكال التشبث بالحرف والانغلاق على الذات.

إن الحالة العامة في قطرنا غنية عن التوصيف ، ونظن أن حجم التحديات الدولية والإقليمية والداخلية، أكبر من أن يستقلّ بها فريق ، وأخطر من أن يتجاهلها مخلص أو غيور .

أم الولد الحقيقية بين يدي سليمان لا تتشبث بحقوق أمومتها، وإنما تتشبث بسلامة وليدها وسعادته، وهذا هو المفتاح الذي يفسر الكثير من الأوراق التي يصر البعض أن يفسرها خطأ أو يفهمها خطأ .

يثير قلقنا اللامبالاة التي يتعاملون بها مع حالة التداعي المخيف، والتأخر حتى الآن عن إعلان النفير الوطني لجمع الصف ورصه لمواجهة التحديات .

لن ننسى أن كارثة السابعة الستين قد وقعت وخيرة ضباط الجيش العربي السوري بين مسرح ومشرد ... لتمر المأساة الملهاة أمام أعين الجميع ...هل نقول أن سيناريو السابعة والستين يعرض علينا من جديد ؟!.

حريق في العراق، وعمليات استئصال للحرث والنسل في فلسطين، والجولان محتل، والعقوبات الأمريكية بين واقع قائم وشر قادم، وفقر وبطالة وأمية وفساد وظلم ...وجهد مبدد، وطاقات مهدورة، ووحدة وطنية ممزقة، وزنازين تضم بين جدرانها ليس من أطلق عليهم يوما (عناصر الثورة المضادة)فقط، بل مثقفين وبرلمانيين وأكاديميين كل جريرتهم أنهم حاولوا أن يقولوا: (ولكن)، استدراكا على من استأثر بالسلطة والقرار .

أيها السادة:

 إن جوهر مشروع الميثاق الوطني قام على السعي إلى بناء سورية في إطاريها العربي والحضاري، دولةً حديثةً تقوم على التعاقدية والتعددية والتداولية والمؤسساتية، وعلى القبول بالديمقراطية منهجا وآلية لتداول السلطة، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع، وعلى الدعوة السامية إلى الحوار الوطني، الحوار الذي لا يفرض الوصاية، ولا يصادر الرأي، ولا يبادر إلى التهوين والتخوين والتكفير.

وعلى الدعوة إلى المساواة واحترام حقوق الإنسان وتوفير كرامته وإلى السعي
إلى
تحرير (المرأة) من ركام القرون، وحماية جوهر إنسانيتها من أهواء أصحاب الرغبات.

في هذا الإطار وعلى هذه الأرضية نسعى إلى طرح المشروع الحضاري بأبعاده الإبداعية والفكرية والاقتصادية لبناء دولة العزة ودولة الرفاه...دولة الرسالة.

للحوار حول هذه المعاني وفي إطارها نمد يدنا للجميع من غير حصر ولا انغلاق.

باريس في 28/5/2004                                 زهير سالم

                                            جماعة الإخوان المسلمين في سورية