تجديد الخطاب السياسي

 

هيثم مناع

 

أصبح من المتفق عليه، أن السلطة التسلطية وصلت إلى الطريق المسدود الذي اقتادت نفسها والبلاد إليه. فقد تعفنت تجمعاتها المصلحية واحتضر مثقفها وتقرحت رموزها وانحسر إعلامها بتمجيد فرد أصبحت تهينه أجهزة الأمن كما تهين غيره من المواطنين. لم يعد استمرار السلطة بشكلها الحالي يعني شيئا آخر سوى إعادة إنتاج الأساليب القمعية في الحياة اليومية للناس. وإن كانت السياسة تتبسط في وازع وناظم ورادع، فقد اضمحل الوازع الكامن وراء السلطة الحالية، إيديولوجيا كان أم أخلاقيا. وتهّزل الناظم بإدمان حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية وموت صاحب "الدستور الدائم" قبل دخوله حيز التنفيذ. بل حتى قبل إلغاء "قانون حماية الثورة" سيئ الذكر حيث تحول بوفاته لأداة للخلافة العائلية وتوقف عند ذلك. كما يعبر قانون المطبوعات عن نية السلطة في الإبقاء على عقلية الطوارئ بقوانين دائمة. كذلك، المعاملة التي نالها أول صوتين يرتفعان من مجلس الشعب (رياض سيف ومأمون الحمصي) تعطي فكرة عن سقف السلطة التشريعية في مرحلة الانتقال بين جيلين! عين المصير لرواد المنتديات حيث يقبع حبيب عيسى وعارف دليلة وكمال اللبواني وفواز تللو ووليد البني وحبيب صالح في السجن لتنشيطهم من منازلهم نوافذ للنقاش العام. لا سلطة مضادة يسمح بها ولا رقابة على الأداء الحكومي ولا صحافة جديرة بالتسمية. لقد فشلت "عائلة الأسد"  في القيام بأي من وظيفتي الدولة الحديثة حتى بشكل نسبي:

-        تأمين التوزيع المتكافئ للحظوظ والفرص والحد الأدنى من الحقوق الوضعية. 

-        وتوفير الحريات الأساسية الضرورية للانتساب للعصر.

إن كانت الحداثة السياسية قد قامت، كما يلخص الصديق محمد حافظ يعقوب، على مفهوم السيادة (وهو مبدأ الدولة الحديثة) ومفهوم الشعب كمصدر للشرعية. فنحن وإن كنا على الصعيد العالمي نناقش ما بعد الحداثة السياسية، في المنطقة العربية نجتر ما قبلها. وما زلنا في نطاق السلطة بالمعنى اللغوي شبه البدائي: أي القدرة والاستطاعة لجماعة على الاحتفاظ بما صادرت وغنمت بالعهر والقهر.

لم تلد السيادة ديمقراطية، لكنها كانت ابنة عملية تاريخية تجعل من مصيرها يتوجه نحو الإرادة العامة للناس، لتصبح في مفهومها الأرقى: سيرورة تسلم الناس مقادير حياتهم بأنفسهم. ورغم أن هذه المفاهيم أخذت أبعادا غنية في الأزمنة المعاصرة، إلا أن جذورها مغروسة في الثقافات البشرية الكبرى وليس الغربية منها وحسب. فولاية الأمة سبقت ولاية الفقيه عند الشيعة الأوائل، واختصر النجدات من الخوارج الإمامة  "بتعاطي الناس الحق فيما بينهم".  إلا أن إعطاء سمة مقدسة للخلافة بعد الراشدية قد منح الاستبداد غطاءا لا يستحقه. ولم تجر حتى اليوم عملية غسل الدم الضرورية مع فكرة الخليفة المخلّص.

خلال قرابة نصف قرن، تكفل الاستبداد السلطوي بسحق الشخصية القضائية وقتل الشخصية الأخلاقية وإلغاء الخصوصية النوعية للكائن البشري. ومع التحطيم المنهجي للقدرات الذاتية للمجتمعات، تحولت المنطقة إلى البطن الرخو في حقبة عولمة حالة الطوارئ، والمختبر الأسهل لاستكمال بناء الإمبراطورية بشروط الأوضاع العالمية الجديدة. هل يمكن في وضع كهذا مواجهة الخطر الخارجي والقيام بالإصلاح الداخلي؟

 نعم وألف نعم لأن السيادة والشرعية إنما تم ضربهما في الصميم بابتعاد السلطة السياسية عن المجتمع وإبعادها له. بالتالي ليس بالإمكان الدفاع عن الوضع القائم باعتباره ضمانا من الخطر الخارجي، لأن هذا الوضع هو السبب الأساسي في جعل الخطر الخارجي قائما. ويحق لكل إنسان في هذه البقعة من العالم أن يتساءل: هل طرح مارتن لوثر على نفسه السؤال عن مخاطر صعود البعبع العثماني على برنامج الإصلاح المسيحي؟ وهل فكّر بركب بغال سليم الأول لاحتلال الفاتيكان؟ أو ليست خياراته في الإصلاح الذاتي هي التي هزّت مجرى التاريخ الأوربي؟

الدولة الراهنة بشكلها الحالي لم تعد تمثل طموحات أحد، وصورتها السلبية مزروعة عند الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع. لم يعد بالإمكان العودة إلى نواظم مشتركة عليا دون اعتبار المواطنة، وليس الحكومة، الجامع الوحيد للكيانات المحطمة والدافع الأوحد للاجتماع السياسي. لكن ما معنى المواطنة في غياب الحقوق الفردية والجماعية؟ ما هو مبناها في غياب تعريف واضح للأشخاص بغض النظر عن جنسهم ودينهم وقوميتهم؟ هل ارتقينا إلى قبول فكرة الفضاء السياسي والمدني الأوسع الرافض لكل استثناء واستقصاء؟ هل توافقنا على نزع القداسة عن الشأن العام لنتساوى أمام القانون في الوازع والناظم والرادع؟ هل بالإمكان جعل سلامة النفس والجسد شعارا ثقافيا-سياسيا عاما، أي زرع مناهضة التعذيب في الوعي الجماعي؟ هل وضعنا أسس إعادة الروح للسلطة القضائية المحتضرة تحت ضربات الأمن والمتنفذين؟ هل يمكن اعتبار قيام حركة مدنية واسعة شعارا سياسيا يبعث الروح في الحركة السياسية المعارضة والمجتمع الصامت أو المحيّد؟ كل هذه الأسئلة في صلب التجربة الصعبة التي نعيشها. حيث تتماسك أجهزة القمع دفاعا عن بقائها بالحفاظ على كل الخلايا السرطانية في تكوينها، أي تعجز عن التجاوز والخروج من العقل التسلطي والممارسات التسلطية.

نحن بحاجة إلى لقاءات واسعة لكل من يريد الخروج من المستنقع الراكد. ونحن ممن يعتقد أن أي مؤتمر وطني يتطلب لنجاحه تنسيق الحد الأدنى بين القوى المطالبة بالتغيير الديمقراطي في البلاد. من هنا إصرارنا على التجمع كلما كان هناك فرصة وضم الأصوات في حوار نقدي بناء وجاد كلما أطلت مبادرة. فالعالم لا يتوقف عند من يطلق صرخة وينتظر ماء السماء، وإنما تزرع لبنات غده بخطوات حكيمة وهادئة معززة بالحوار الجماعي الديمقراطي الجامع بين الشفافية والصدق والحرص على كرامة الإنسان والأرض.

 

 

مفكر ومناضل من أجل حقوق الإنسان