نحو إعلان مبادئ من أجل الإصلاح والتغيير الديمقراطي
رجاء الناصر

"الأخذ بالنهج الديمقراطي يعني بالضرورة

أن الديمقراطية لا تطلب لقوى معينة

وحدها بل هي ديمقراطية للمجتمع كله"

د. جمال الأتاسي


مقدمة أولى:
في أواسط القرن الماضي كان للفكر الشمولي بريقه في وطننا، بسبب ما أنجزه، أو على الأقل ما بدا أنه أنجزه من انتصارات لدفع حركة التاريخ إلى الأمام وحرق مراحل التطور. وقد أعتقد أنه أداة للتوحيد والجمع وراء أهداف وشعارات محددة، ويذكر الكثيرون من أبناء جيلنا ذلك "الولع" بالنظريات الجاهزة وبامتلاك الحقيقة من خلالها. لا يغير من ذلك كون تلك النظريات تقوم على المقدس الديني، أو المقدس التاريخي، أو المقدس الثوري أو غيره من المقدسات. في ظل تلك المقدسات رغم كل المماحكات التي كانت تجري بين المثقفين وأشباههم، كان الحوار معدوماً ولم يتعد في أحسن الحالات منهج المناظرات والمباريات الكلامية التي كان الهدف الأساس منها تحصين الذات ضد الآخر، وإثبات التفوق عليه ودحره. وعندما لم يكن دحر الآخر بالكلمات والمناظرات ناجحاً برزت وسائل أخرى لتكملة هزيمة الخصم وإخراجه من ساحة الصراع. وبعد ذلك انزاحت حروب الكلام وعلومه لصالح الإلغاء العنفي وحده ولتفرغ الساحة تماماً حيث لم يبق غير الاستئصال المادي والمعنوي والذي قوبل بدوره باستئصال نفسي مضمر لدى الطرف المقموع.
في السنوات الأخيرة وبعد عقود من فشل النظم الشمولية. ومن مأزق الفكر الاستئصالي، بدأت تطرح مسألة العودة إلى الحوار. لكن تلك العودة لم تكن سهلة وسلسلة فما هو مطلوب لم تكن عودة ولكنه تأسيس من جديد نظراً لافتقادنا لتراث الحوار منذ قرون طويلة ومن هنا اختلطت العودة بالتأسيس من جديد. هذا الاختلاط لمسناه بوضوح خلال الندوات واللقاءات التي تمت خلال السنوات القليلة الماضية سواء في داخل الوطن أو خارجه.. وأحسب أن مثل هذا الاختلاط طبيعي ومنطقي ولا يمكن إنكاره وتجاهله.


إن أي حوار جدي يجب أن يقوم ويتأسس على مجموعة من المقدمات.


أولها: الاعتراف بنسبية الحقيقة، وأن لا أحد في العالم الإنساني يملك تلك الحقيقة المطلقة فحتى الفكر الديني هو فكر إنساني وليس إلهي، وهو يختلف عن جوهر الدين أو أصله الذي يمثل الحقيقة الإلهية، فالفكر الديني هو قراءة الإنسان وفهمه للحقيقة الإلهية وليس الحقيقية الإلهية ذاتها.
ثانيها: الاعتراف بالآخر، والآخر المقصود هو الآخر المختلف، ولا يعتبر المتفق آخر، الاعتراف بالآخر المختلف هو جزء من الاعتراف بنسبية الحقيقة ذاتها، وبمشروعية الاختلاف والتباين، إن هذا الاعتراف يعني وبشكل مسبق الاستعداد لفهم الآخر والتعلم منه، والبحث عن تفاهمات مشتركة معه.
ثالثها: أن للحوار آدابه التي تبدأ من احترام الآخر، واحترام حقه برؤية الأشياء من منظور مختلف وبالتالي التوصل إلى نتائج مختلفة.
رابعها: أن لكل حوار أهدافه وغاياته وإلا عدنا بالحوار إلى أجواء المناظرات أو إلى العبث بالكلمات والهدف الأساسي هو التعرف على الآخر ومحاولة الوصول معه إلى توافقات أو تسويات.
مقدمة ثانية:
في البدايات وفي سنوات الأزمة الوطنية الكبرى خلال الثمانينات بدأ حوار ديمقراطي محدود بفعل طغيان النهج الاستئصالي والعنفي ولكنه صمد وأثبت فيما بعد أنه كان الخيار الوحيد، وجاء بعد ذلك الحوار الذي أنتج بيان الـ 99 وتوافقات الألف في ظروف مغايرة، وصولاً إلى حوارات ربيع دمشق، مروراً بحوارات الخارج وما نتج عنها من مواثيق وصولاً إلى الدعوة لمؤتمر وطني موسع والتي أخذت بالتبلور من خلال ندوات ملتقى ناصر ومنتدى الأتاسي للحوار الديمقراطي، ومن بعدها ندوة فندق بلازا في دمشق. لكن في جميع هذه الحوارات قال المتحاورون أنها مقدمات. وخطوات على الطريق ولم يسمح المنتدون لأنفسهم إعلان أنهم يمثلون الإجماع الوطني الديمقراطي، أو أنهم مهيئون لوحدهم إنتاج الميثاق الوطني أو حتى إعلانا لمبادئ ذلك الميثاق.
مقدمة ثالثة:
  ليكون الحوار منتجاً يجب أن يكون صريحاً وشفافاً، فالحوار الديمقراطي كما قال المفكر جمال الأتاسي هو جزيرة صغيرة نريد أن نلتقي عليها خروجاً بأفكارنا ومحاوراتنا من الغرف الضيقة، والأطر المحدودة والخاصة، لتوضع على محك الواقع وتتصدى بالصراحة والوضوح ليكون وضوحها هذا وديمقراطيتها وتوجهها العام سياج حمايتها، إن علينا أن نعمل على حماية هذه المنابر الضيقة المتاحة لنا لا بأسوار من العزلة وإنما بفتحها لمختلف التيارات الوطنية الديمقراطية وليس إلا الوضوح طريقاً للحقيقة.
في المصارحة والشفافية علينا أن نعترف بأننا ننتمي إلى أفكار ونتبنى استراتيجيات وأهداف مختلفة، كما أن علينا أن نبحث عن التوافقات فيما بيننا، مع احتفاظنا بحق الخلاف فيما عداها إننا لا نبحث عن تحالفات وتكتلات (براغماتية) ونحن لسنا مضطرين لإخفاء الخلاف والاختلاف فيما بيننا، ولا التستر على أخطاء بعضنا فنحن على سبيل المثال، نؤمن أن الديمقراطية ليست شعاراً ولا هي خطاباً سياسياً وإنما هي بالأساس تقوم على تحولات فكرية معاكسة للفكر الشمولي. ونحن على سبيل المثال أيضاً نرى أنه لا يمكن الفصل بين الفكر والممارسة، ولا بين الخطاب والممارسة، ونؤمن أن التحول الديمقراطي يقتضي القطيعة مع الفكر الاستئصالي، ومع الأنظمة الشمولية، ويتطلب مراجعة لتاريخ حركاتنا السياسية وقوانا السياسية، ولا أريد هنا أن أتوسع في هذه المسألة التي يمكن أن تطرح في متن الورقة.
الديمقراطية والإصلاح في سورية: قواعد ومداخل

 بعد تلك المقدمات نعود للحديث عن الديمقراطية وعن التطوير والإصلاح والتغيير في سورية منطلقين من أن الديمقراطية وحدها هي الحل النهائي لأزماتنا وما يعترض سبيل تقدم أمتنا، ولكنها رغم كل ذلك تبقى مدخلاً وطريقاً لابد منه بعد أن سدت جميع الطرق الأخرى. والديمقراطية التي نرى أنها مدخل لا تقوم على مجرد كونها منظماً لعمل سلطات الدولة ومؤسساتها العليا، وإنما تقوم على منظومة من الأفكار الأساسية في مقدمتها فكرة الحرية ذاتها، حرية الإنسان الفرد، وحرية الإنسان الجماعة وحرية الوطن أولاً. إن الإنسان كائن يستحق الحرية وهو مؤهل لها من حيث المبدأ، تلك القاعدة أساسية فلا يجوز تذويب شخصية الفرد وطمسها فيما يسمى بالهوية الجمعية للجماعات مهما كانت تلك الجماعات أحزاباً أو هيئات أو أوطاناً.
الاحترام للإنسان الفرد يستوجب اعتبار حقوق الإنسان الأساسية واحترامها من مقدسات الديمقراطية ومدخلها، واعتقد أننا في الوطن العربي نحتاج إلي تأسيس هذه المنظومة الفكرية في وجداننا وتفكيرنا وممارساتنا، إننا نفتقد إلي ما يمكن تسميته بأبسط حقوق الآدمية وهو حق الإنسان بالحياة فكثيراً ما تزهق حياة الإنسان دون مسوغ ودون أية محاكمة عادلة. ولن أستفيض هنا عن قتل الآلاف من الأبرياء في كثير من البلدان العربية في صراعات وعنف مضاد ومنظم في أحيان كثيرة، وعن حق الإنسان بالاجتماع الذي هو أحد مظاهر آدميته، وحق الكلام، والكلام هنا ليس مجرد حديث ونطق وإنما هو تعبير عن تبادل الأفكار. في بلداننا حق الاجتماع مفقود. مفقود ليس كفعل فحسب، وإنما أيضاً كفكرة. ولعل في الحكم على أربعة عشر ناشطاً ديمقراطياً بالسجن لمجرد نيتهم حضور محاضرة نموذجاً عن ذلك التحريم الذي وصل إلي حد التجريم والمحاسبة، وحق الكلام مفقود فمعظم قوانين المطبوعات لدينا هي قوانين عقوبات ومحظورات وكثيرون أدينوا بتهمة ترويج إشاعات كاذبة وهي مصطلح يوازي حق تبادل الرأي المخالف لرأي السلطان.
تتضمن مقدمات حقوق الإنسان التي نفتقدها في وطننا حق المساواة أمام القانون حيث الإحالة إلي القضاء استنسابية، وحيث ليس كل فاسد يحال إلي القضاء. فالدعوى ومن قبلها التحقيق لا يشملان إلا من ترغب به الجهات رغم أنها غير مرخصة، وهناك منتديات أخرى تقمع. المعيار انتقائي، سياسي وليس قانونياً، هناك أحزاب تلاحق وأخرى يغض الطرف عن ملاحقتها، رغم أنها جميعاً في موقف واحد، طبعاً هذه مجرد عينات صغيرة وباتجاه معين ولكن الواقع أمر وأدهى.
الإشكالية الأخرى هي في القانون ذاته. إن أي قانون يجب أن يعبر عن إرادة المجتمع وعن ضميره وعن مصالحه، لكن كما هناك إرهاب خارج القانون، هناك أيضاً إرهاب بالقانون. هل يمكن النظر إلى الحكم بالإعدام لمجرد الانتماء إلي تنظيم سياسي معين إلا باعتباره ارهاباً بالقانون. من المفهوم أن يحاسب الإنسان على ما يرتكبه من جرائم ولكن العقاب يجب أن، يتوازى مع حجم الجريمة ناهيك عن وجود الجريمة أصلاً. الظلم لا يمكن أن يبرر بالأمن، لأن الهدف من الأمن هو منع الظلم أصلاً.
كثيرة هي الانتهاكات التي ترتكب ضد تلك الحقوق الآدمية الأولى، وهي انتهاكات لا يمكن تبريرها لا بالأمن، ولا بالمصالح العليا الثورية أو غير الثورية، ومن أية جهة ترتكبها ومهما كانت الجهة التي ترتكب باسمها.
في مقدمات التوافقات التي ندعو إليها في معرض الحديث عن الديمقراطية وعن الإصلاح هو التوافق على أن تلك القواعد الأساسية لحقوق الإنسان يجب أن تحترم من الجميع وأن تكون فوق أي قانون وأن يحاسب مرتكبوها دون أي غطاء سياسي أو أيدلوجي، سواء أجاءت في معرض الأمن أو تحت دعاوى محاربة الظلم.
أنه توافق على إلغاء العنف نهائياً في النضال السياسي الداخلي بين أطراف المجتمع، إلغاؤه كممارسة وإلغاؤه كفكرة من الأساس. ومن ثم الوقوف ضده إن صدر عن أية جهة توافق على شجب عنف السلطة. وشجب العنف المرتكب خارج السلطة أيضاً، بما فيه العنف المرتكب ضد المؤسسات العامة والخاصة.
ثانياً: إن الحرية لا تقوم على إطلاق حرية الأقوياء في مواجهة الضعفاء. فلا معنى للحرية السياسية ما لم تترافق مع منظومة من قيم العدالة الاجتماعية، فقد علمتنا التجارب المحيطة بنا أن من لا يملك لقمة العيش غير قادر على ممارسة حريته السياسية، فعلينا أن نتوافق على أن المجتمع مسؤول عن ضمان الحدود الدنيا والأساسية لحياة كريمة، ضمان حق العمل للجميع، وحد أدنى من الدخل للجميع يكفل متطلبات المعيشة، وأجر يوازي العمل، وضمان لطبابة وتعليم أساسي مجاني ولائق، وأن يتحمل المجتمع كله توفير هذه الضمانات مهما كانت طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ستختاره الأغلبية.
ثالثاً: قضية حرية الوطن، حيث من المستحيل توفير الحرية للمواطن في ظل وطن محتل أو خاضع للهيمنة الخارجية، وما يزيد من أهمية هذه المسألة أننا كوطن وأمة مستهدفون من عدو خارجي يقوده التحالف الأمريكي الصهيوني، وهو استهداف وجود لهوية ووطن ولمشروع نهضوي حضاري.
إن الاستقواء بالعدو الخارجي لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره عملاً معادياً لمفهوم الحرية ومرتكزاتها، ولعل ما يجري في فلسطين والعراق هو الصورة الواضحة عن طبيعة أهداف وغايات ذلك العدو ومخططاته إن الاحتلال والهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية هي الشكل الصارخ للاستبداد والوجه الثاني له. من هذا المنطلق يجب أن نتوافق على رفض الاستقواء بهذا العدو وعدم تقديم المبررات والمسوغات لهذا الاستقواء. ومن هذا المنطلق أيضاً نرى أن من يسوغ للاستقواء بهذا التحالف الاستعماري في أي بلد آخر إنما يصب في تسويغ ذلك في بلده، المسألة يجب أن تكون واضحة دون أي لبس أو التباس من يبرر التعاون مع العدو الصهيوني. ومن يبرر الاحتلال الأمريكي والتعاطي الإيجابي معه في فلسطين والعراق هو تماماً وعلى ذات الموقع مع من يبرر الاستقواء بالأجنبي في سورية ومن يبرر جرائم الأنظمة الاستبدادية. فالمسألة لا يجوز أن تخضع لازدواجية في المعايير. أعتقد أن هذه المسألة يجب أن تكون واضحة وصريحة، تلك هي قواعد أساسية للدعوة الديمقراطية وللإصلاح في سورية أو في غيرها من الدول، قواعد تقوم على تثبيت منظومة من المفاهيم والقيم، مفاهيم الاعتراف بالآخر والقبول به، ورفض العنف في العمل السياسي الداخلي، وقيم وثقافة مقاومة العدو الخارجي.. وقبل ذلك ويعده قيم إعلاء المبادئ الأساسية للحقوق الآدمية.

وتبقى بعد ذلك ثلاث قضايا أساسية وهامة.
أولها: أن أزمة الديمقراطية في مجتمعنا عميقة وشاملة وما يتحقق من تطور في الخطاب السياسي لدى كثير من القوى والأفراد باتجاه الديمقراطية لم يترافق في كثير من الأحيان بتطور مواز في المنطلقات العقائدية والأفكار المرافقة لذلك الخطاب السياسي، وفي الحالات التي حدث فيها مثل هذا التطور لم يغير كثيراً من أنماط السلوك الفردي والجمعي، ومن هنا يتأكد القول بأن الديمقراطية مثل غيرها من المفاهيم العميقة تبنى من تحت أيضاً وليس من فوق فقط.
إن بناء الديمقراطية من تحت يعني أن الديمقراطية يجب أن تقر وتسود في جميع مؤسسات المجتمع، في الأسرة، وفي المدرسة، وفي الجمعيات والنقابات وفي الأحزاب والحركات السياسية على الخصوص، ويجب أن تترافق هذه التحولات مع دعوة التغيير الديمقراطي التي تطالب بها السلطة، لا أن تتأخر عنها. إن استثناء الجماعات السياسية وحركات الإصلاح من الاشتراطات الديمقراطية المطلوبة من السلطات الحاكمة هو في حقيقة طعنة لمصداقيتها فالحياة الداخلية لتلك الجماعات هي الصورة لما يمكن أن تمارسه في المجتمع. وهي صورة أبلغ من المطالب والبرامج والخطابات السياسية. أن مطلب التغيير الديمقراطي يقوم على قواعد نظرية وأخرى حركية "سلوكية" وعلى سبيل المثال نجد أن الكثير من القوى السياسية تطالب بقصر مدى رئاسة الجمهورية على فترة دستورية معينة بينما هي تكرس في لوائحها ديمومة رئيسها أو أمينها العام "للأبد" وكما أن الكثير من تلك الجماعات التي تطالب بسيادة القانون والالتزام بنصوصه وتطبيقه على جميع المواطنين على قدم المساواة نجد أنها لا تمارس ذلك في حياتها الداخلية وهي ترفض الرأي الآخر بداخلها وتستأصل كل من يعارض "القيادة" أو "الأغلبية".
إن تحولات هامة يجب أن تجري داخل القوى المطالبة بالإصلاح والتغيير الديمقراطي، وأن تسقط مجموعة من المفاهيم التي سادت في مرحلة سابقة في مقدمتها.
1
ـ أن شخصية العضو تذوب في شخصية الجماعة، حيث يجب إعادة الاعتبار إلى شخصية العضو الفرد واحترامه كجزء فعال في عمل الجماعة.
2 ـ إلغاء أي تصور عن أحقية فرد أو مجموعة من الأفراد بالوصاية على الجماعة واعتبارهم الأمناء على خطها أو تاريخها أو مستقبلها.
3ـ التركيز على حق الأقلية ليس بإبداء آرائها ضمن الغرف المغلقة وإنما على الملأ، وحق نشر رأيها المخالف من أجل كسب المؤيدين له، تماماً كما هو حق الأغلبية بالتعبير عن الإرادة الجماعية المشتركة.
ثانيها: أن الديمقراطية لا تقوم فقط على احترام رأي الأغلبية، وهذا متفق عليه بل تتأسس على حماية الأقلية واحترام رأيها ووضع الضمانات القانونية بعدم إلغائها وبعدم وضع أي قيد على حقها في السعي للنشر أفكارها ومواقفها وكسب الأغلبية إلى جانبها.
إن هذا الفهم ينطبق على الجماعات السياسية والعقائدية والاجتماعية والثقافية وعلى المجتمع ككل.
إن المجتمع الديمقراطي لا يمكن تأسيسه إلا على حق المواطنة لجميع أبناء الوطن، دون تفريق على أساس لون أو جنس أو دين أو عرق. في حق المواطنة تتساوى الأغلبية مع الأقليات أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون طغيان من الأكثرية يفقد الأقلية حقها في التعبير عن نفسها، ودون طغيان من الأقلية بحيث تمنع الأكثرية من كونها صاحبة الحق في تطبيق برنامجها.
والمواطنة هي عقد انتماء للوطن، يقوم على حقوق وواجبات متقابلة، لا يمكن المطالبة بتلك الحقوق لمن لا يقبل بالانتماء ولمن لا يلتزم بالواجبات.
إن من حق الأقليات في أي بلد من البلدان أن تمارس ثقافتها وأن تتحدث بلغتها أن تبرز تراثها وأن تمارس عقائدها وطقوس عبادتها دون أي إكراه ودون أية محاولة لتذويبها في الأغلبية، ولكن بالمقابل ليس من حقوق تلك الأقليات أن تمنع الأغلبية من اعتبار برنامجها ومصالحها هي مصالح تمثل المجتمع، وفي مقدمة تلك المصالح وحدة ترابها الوطني، ووحدتها القومية.
إن القول بغير هذا سيؤدي إلى تمزيق الأوطان وتمزيق المجتمعات ليس في بلدنا أو منطقتنا فحسب وإنما على مستوى العالم كله، ففي فرنسا أقليات قومية ودينية وفي أسبانيا أيضاً أقليات وكذلك في أمريكا وبريطانيا، وليس هناك من يقبل بحق الانفصال أو يباركه، وإذا تحدثنا بخصوصية أكبر من الأقليات في سورية، نقول إنه ليس هناك أقليات تملك حقوقاً تاريخية منفصلة، وليس هناك ما يجعل من الانفصال الجغرافي أو المجتمعي حقاً مشروعاً. وما يجري من حديث عن اضطهاد واستبداد ما هو استبداد عرقي أو جنسي، إنه استبداد واضطهاد يعاني منه المجتمع كله.
أننا في سورية نقف جميعاً مع حق الأقليات بالحديث بلغتها وتعلمها ونشر تراثها فهو إغناء للمجتمع السوري، ومع حق كل مواطن يعيش في سورية بالجنسية كغيره من المواطنين في حال توفر شروطها من انتماء لسورية ومن قواعد الدخول والإقامة الخ... ولكن من وجهة نظري يوجد رفض لأي دعوة للعدائية مع الأغلبية وأية دعوة للاستقواء بالخارج سواء في سورية أو خارجها.
ثالثها: أنه قبل الحديث عن الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية علينا أن نتوافق على طبيعة الإشكالات والأزمات، وأحسب أن هناك مساحة واسعة من التوافق الضمني بين معظم السوريين على أن الفساد في بلدنا قد تحول إلى سياسة وجائحة، وإن هناك استئثار بالسلطة من قبل فريق معين أعطى لنفسه حق احتكار السلطة والثروة، وأن التزاوج بين الاستبداد والفساد نتج عنه الطبقة الرأسمالية الطفيلية التي احكمت قبضتها على المجتمع بحكم القوة العارية أولا وبحكم الدستور المفروض من قبلها وليس بإرادة حرة للمواطنين ثانياً.
إن الخروج من هذه الأوضاع والتي يجري التعبير عنها بمصطلح الإصلاح والتطوير تقتضي أمرين أساسيين:
أولهما: تغيير قطاعات واسعة من النخبة الحاكمة أي الجهة المسؤولة عن الأزمات أو ـ ما سموا بحراس المصالح ـ وعن ما وصلت إليه البلاد وفرز عناصر بديلة تحمل برامج وتيارات اصلاحية.
ثانيهما: تغيير رئيسي في طبيعة السلطة والمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها شكل الحكم من "الشرعية الثورية" إلى قاعدة "الشرعية الديمقراطية" أي نسف مرتكزات النظام الشمولي لصالح نظام تعددي تستمد السلطة مشروعيتها فيه من إرادة المواطنين عبر الاحتكام الدوري لصندوق الاقتراع.
إن الإصلاح أو التغيير الديمقراطي على ضوء هذه الفلسفة يتطلب تعديلات في النظام القانوني للدولة، وليس مجرد تجميلات جزئية هنا أو هناك، وهو اصلاح شامل ينطلق من القاعدة الفلسفية للديمقراطية المنوه عنها ويتطلب لتحقيقه:
1
ـ إلغاء النص الدستوري حول وجود حزب بعينه يملك حق قيادة الدولة والمجتمع، حيث أن هذا النص ينطلق من أن هناك حزباً أو مجموعة من الأفراد هم فوق المجتمع، وإن هناك مشروعية خارج نطاق إرادة المواطنين المتبدلة عبر صندوق الاقتراع وحده، إلغاء هذا النص يقتضي إلغاء حزمة من القوانين التي تستند إليها وتتعلق بمؤسسات المجتمع والهيئات النقابية والمهنية، ومن المهم هنا أن ننوه الى أن الاستناد الى "فرض" القيادة لحزب ما بحكم القانون، يتضمن اعترافاً ضمنياً بأن هذا الحزب لا يستطيع الاستمرار بالحكم عبر الديمقراطية وعبر الانتخابات الحرة.
2
ـ اعتبار حقوق الإنسان الأساسية المستمدة من شرعة حقوق الإنسان فوق أي نص دستوري أو قانوني وهي ملزمة للجميع ولا تسقط العقوبات التي يستحقها المتعدون على هذه الحقوق بالتقادم.
3
ـ إعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة وتطبيق قانون "من أين لك هذا؟" على جميع المسؤولين دون أي استثناء.
4
ـ التأكيد على حق المواطنة لجميع السوريين بما تفرضه تلك المواطنة من حقوق وواجبات متقابلة.
5
ـ إعادة الالتزام الإجمالي بضمان متطلبات المواطنة الأساسية من ضمان صحي وحق العمل (التعويض على العاطلين عن العمل وضمان شيخوخة، وحق للتعليم المجاني... الخ.

هذه هي القاعدة الأساسية التي يجب أن يتشكل عليها الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية، والذي هو بطبيعته إصلاح شامل مدخله تغيير مفاهيمي، وإصلاح سياسي، أي إصلاح طبيعة السلطة وأدواتها ـ الإصلاح الشامل يمكن أن يكون متدرجاً، بل إن الطريق الأسلم في الظروف الراهنة هو التدرج السلمي، ولكن لتحقيق هذا الانتقال السلمي والتدرجي والشامل بأن واحد يتطلب توفر عناصر أساسية في مقدمتها وجود تيار يقود أو يدفع إلى هذا التغيير وأن يمتلك هذا التيار برنامجاً واضحاً للإصلاح والتغيير.
الإشكالات الأساسية أمام حركة الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية أنه ليس هناك تيار إصلاحي داخل السلطة، ونحن هنا نتحدث عن تيار وليس عن أفراد أو نوايا أو رفع شعارات الإصلاح لقطع الطريق على آخرين.
إن الدعوة الإصلاحية السورية ترتكز على بعض القوى والأحزاب السياسية التي أجرت تغييرات واسعة في برامجها السياسية ومنطلقاتها الفكرية لصالح التعددية والتخلي عن الشمولية، وهي أحزاب ضعيفة التأثير في الوقت الراهن بسبب مصادرة السياسة من المجتمع طوال أربعة عقود. وهي تمثل اليوم حالة اجتماعية وقوة ضغط جزئي أكثر من أن تمثل قوة فرض للتغيير. وتحتاج الى فترة ليست بقليلة لتستعيد قدرتها على فرض مطلبها بالإصلاح والتغيير. والقوة الأخرى وهي قوة سلبية مرفوضة هي قوة ضغط خارجية تدعو للإصلاح والتغيير الديمقراطي، وهذه القوة تتشكل أساساً من الإدارة الأمريكية، ومن الاتحاد الأوروبي، ولكن هذه القوى لها "أجندة" خاصة وأهداف متعارضة مع مطلب الحركة الإصلاحية الوطنية، فهي تربط الاصلاحات بتنازلات أساسية عن المصالح الاستراتيجية القومية العليا، كما أنها لا تملك مصداقية تاريخية وعملية في مجال الإصلاح الديمقراطي، ويعتبر احتلال العراق نموذجاً عن طبيعة أهداف وسياسات هذه القوى الخارجية، ورغم أن هناك تبايناً بين الموقفين الأمريكي الصهيوني، والأوروبي إلا أن هناك تقاطعات هامة من قبل الأوروبيين مع الإدارة الأمريكية في بعض المفاصل الهامة، القوى الثالثة في عملية الإصلاح والتغيير هي اشتداد الأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية وانسداد سبل الخروج منها عن غير طريق الإصلاح الجذري.
في ظل هذه المؤثرات والمصالح المتناقضة وغياب حركة اصلاحية جدية داخل السلطة تصبح مهمة الإصلاح والتغيير معقدة وصعبة وهي تحتاج الى:
1
ـ استعادة قدرة القوى الديمقراطية على التأثير في الشارع الشعبي، ودفعه الى الانتقال من حالة الكمون والسلبية الى دارة الفعل الإيجابي، عبر تبني مصالحه المباشرة، وتغيير الخطاب التقليدي وقيادة نضالات شارعية مطلبية ووطنية مستمرة ومتصاعدة.
2
ـ في الوقت الذي يمكن فيه الاستفادة من ضغط الرأي العام الدولي، إلا أنه يجب القطع مع أي استقواء بالخارج وبالتحديد القطع مع مطالب هذا الخارج فيما يتعلق بالمصالح القومية العليا، وبالمناسبة لا يجوز التقليل من شأن القوى التي يمكن أن تستقوي بالخارج.
3
ـ الدفع لبلورة تيار إصلاحي داخل السلطة وتقوية هذا التيار عند وجوده، وعدم اتخاذ موقف واحد تجاه جميع عناصر السلطة، دون التخلي عن الموقف العام منها.
4
ـ رفع مطالب أولية تشكل مدخلاً للإصلاح وتكون محل إجماع وطني، وتحقيق اصطفاف وطني عريض حولها. دون السعي لتحويل هذا الاصطفاف الى شكل آخر لعقلية شمولية بديلة.
ويمكن إجمال هذه المطالب بـ:

1-    إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والسماح بعودة المنفيين القسريين والطوعيين، وتصفية الاشكالات الناجمة عن الاعتقالات السابقة، والكشف عن مصير المفقودين وتسوية أوضاعهم القانونية.
2
ـ  إلغاء إعلان حالة الأحكام العرفية، أو حصرها في المناطق الحدودية مع العدو الصهيوني ولمدة قصيرة قابلة للتجديد عند الضرورة.
3
ـ  إصدار قانون للأحزاب وللجمعيات يسمح بتشكيل أحزاب سياسية وجمعيات اجتماعية وثقافية على قاعدة التعددية. دون التدخل من السلطة السياسية والإدارية.
4
ـ  إصدار قانون جديد للانتخابات على قاعدة النسبية، وحرية تشكيل القوائم وضمان نزاهة تلك الانتخابات التي تخضع لإشراف جهات محايدة ومستقلة.
5
ـ  إعادة الاستقلالية للسلطة القضائية وكفالة نزاهتها وحياديتها.
6
ـ  رفع الوصاية عن النقابات المهنية والعمالية.
7
ـ  إصدار قانون "من أين لك هذا"، ومنع الفاسدين من تولي الوظائف العامة.
إن تحقيق هذه المطالب يشكل مدخلاً لتجديد النخب السياسية ولبلورة تيار تغيير ديمقراطي داخل السلطة وخارجها ويساهم في إعادة السياسة للمجتمع، وبالتالي يطلق إمكانية تنفيذ إصلاح حقيقي شامل في الاقتصاد والإدارة كما في السياسة.
وأخيراً: إن المدخل الأساس للخروج من الأزمات التي تعيشها سورية، هو عقد مؤتمر وطني شامل يضم:
1
ـ كل القوى والتيارات والشخصيات المهتمة والمعنية بالإصلاح والتغيير الديمقراطي السلمي بعيداً عن الاستئصال والرفض المسبق لأية جهة أو طرف.
2
ـ أن يعقد هذا المؤتمر قطعاً في سورية ليكون قريباً من نبض الشارع السوري وهمومه وليقطع الطريق على أية مؤثرات خارجية.
3
ـ أن تشكل لجنة تحضيرية من بين الأطراف الأساسية "سلطة معارضة" تحدد فيها المسلمات الأولى والتي أرى أن تقتصر على مسألتين أساسيتين.
الأولى: الإيمان بالديمقراطية نهجاً وسلوكاً وثقافة وبوحدة الوطن والمجتمع.
الثانية: رفض الاستقواء بالخارج (التحالف الأمريكي الصهيوني).
وعلى طريق هذا المؤتمر الوطني الشامل من المفيد أن تعقد حوارات ولقاءات تمهد له وتحدد أطره وعناصره، والغايات الأساسية له، وتمهد لمصالحات وتوافقات تذلل العقبات من أمامه.