مداخلة ماجد الأيوبي

لا نستطيع الاستمرار إلا معا

 

تمر بنا الآن الذكرى الرابعة لوفاة الديكتاتور حافظ الأسد الذي حكم البلاد لثلاثة عقود متتالية، واستلام ابنه من بعده مقاليد الحكم، إثر انقلاب دستوري لم يدم أكثر من خمس دقائق تمّت في غفلة عن التاريخ.

سيدخل المستبد "العادل" الجنة مطمأن البال إذن!

يستطيع المراقب لسنوات حكم حافظ الأسد أن يلاحظ وبشكل واضح كيف استمر الانزلاق من مفهوم الدولة القومية بالمعنى الواسع للعبارة إلى مفهوم السلطة بالمعنى الضيق، ومن ثم ولاية العهد.

تم من خلال تلك المرحلة تدجين مجتمع بأكمله حكمه الإقطاع السياسي في مناخ من قمع الحريات والفساد والنهب، ولكن كيف حدث هذا؟

كيف تمكن هؤلاء من تحويلنا من مواطنين إلى جماهير؟

يوجد الاستبداد نفسه عبر التدخل والسيطرة بالعنف العاري والمبطن، ولو اضطر إلى تحويل البلاد إلى مقبرة جماعية، فلا يبقى أمام الإنسان المذهول إلا الانغلاق على الذات، واعتماد السلبية كأسلوب في المقاومة، أو أن ينخرط مباشرة ويتقمص بالتالي شخصية الديكتاتور في مجتمع هو بالأساس بطرياركي البنية، فالديكتاتور هو من يؤيده ومن يصفق له، ويستفيد منه وهو أيضاَ من يتخلى عنه ليموت في عزلته! وأقرب مثال لنا على ذلك هو مصير الديكتاتور صدام حسين.

كان الشارع السوري يتطلع إلى التغيير بعد أن ترك حافظ الأسد البلاد في حالة ركود عارمة أصابت معظم مناحي الحياة بالشلل، وعلى هذا الحصان بالذات صعد بشار الأسد "المواطن الرئيس" و "الإصلاح والتحديث" و "مكافحة الفساد". فلنسمها بوضوح "صناعة الوهم" وها قد مرّت أربع سنوات من حكم بشار الأسد، هذه الفترة كانت أكثر من كافية ليدرك الجميع أن غاية الإصلاحات المزعومة الأولى هي تمرير شاب محدود الخبرة السياسية إلى موقع الحكم الأول لمجرد كونه ابن الديكتاتور الراحل. فكي يتمكن الشارع السوري من ابتلاع عظمة كبيرة بهذا الحجم كان لابد من إطار مسرحي جديد لهذه الكوميديا السوداء، وكان للأحداث الأخيرة التي جرت في أنحاء متفرقة من القطر، ومارافقها من قمع عنيف طال المتظاهرين الأكراد أن أكدت أنه ليس ثمة فرق جوهري بين القديم والجديد في ظل قانون الطوارئ، وأن الطغمة المستبدة التي يحكم "المواطن الرئيس" باسمها قادرة دوماَ على استعادة تاريخها الوحشي مع أي تململ شعبي ودونما طول تفكير.

طيلة عقود عديدة تعرّض الأكراد السوريون لممارسات لا يمكن وصفها إلاّ بالشوفينية، وصلت إلى حد التدخل في أسماء الأطفال حديثي الولادة، وأغاني الأعراس.

كان الأكراد على الدوام مواطنين من الدرجة الثانية، أو حتى منزوعي الجنسية.أهملت المناطق ذات الأغلبية الكردية وحرمت من أي جهد إنمائي أو خدمي حقيقي مما زاد من بؤسهم وفقرهم دافعاَ بأعداد كبيرة منهم للهجرة الداخلية والخارجية، ورغم أن ذلك ينسحب على باقي البلاد إلاّ أنه كان للأكراد نصيب متميز من هذا.

في ظل هذه السياسة الشوفينية التهميشية من الطبيعي أن تنمو لدى الأكراد المشاعر المحتقنة، وقد انفجر هذا الاحتقان أخيراَ بعدما وجد الفرصة لذلك. وكما هو متوقع منها لم تجد السلطة الأمنية ما تواجه به الحراك الشعبي ذاك غير الوسائل الأمنية العنيفة التي أتقنتها طيلة عقود، وهكذا استخدمت أجهزة الأمن الرصاص الحي، لا لتفريق المتظاهرين بل لقتلهم إنما يدفعنا للاعتقاد أن تلك الأجهزة لا تمتلك أدنى معرفة عن الاختراع الذي يسمّى الرصاص المطاطي. ولكن أين يجد الأكراد أمنهم واستقرارهم؟

في ظل حكم شوفيني الطابع ومناخ إقليمي مضطرب من البديهي أن المجال الآمن والحيوي للأكراد وهو العمق العربي، خصوصاَ مع وجود كل تلك الروابط التاريخية والجغرافية بين الشعبين، وعليه فمن واجب الطرفين أن يتقاربا أكثر ويتجنبا ما بشأنه تأزيم تلك العلاقة.

لقد لعب "النظام" السوري لعبته في محاولة توجيه نقمة الشارع السوري باتجاه آخر لا يمسه بسوء، إذ دفع بالشارع نحو فكرة أن الأكراد يريدون الاستفادة من الوجود الأمريكي في المنطقة لتحقيق مكاسب لهم على حساب وحدة البلاد، و"النظام" السوري سيدفع بلا ريب نحو اصطدام الشارع السوري ببعضه أكثر فأكثر، في حال زاد الخطر عليه من أي حراك شعبي مستقبلي، محاولاً النجاة والاحتفاظ بالسلطة.

لا أريد في هذه السطور مناقشة علاقة الولايات المتحدة بالقضية الكردية ككل، أوقضية امتلاك أو عدم امتلاك الولايات المتحدة لسياسة"مبدئية" تجاه القضية الكردية كمجموعة أثنية متكاملة في أماكن وجودها التاريخي.

ولا أريد مناقشة امتلاك القيادات الكردية سواء كانت التاريخية أو المرحلية لهذه السياسة!

باختصار ماهي مطالب الأكراد السوريين وهل تتعارض حقاَ مع وحدة البلاد وتطلعات الشارع السوري؟

لم تكن للأكراد طيلة نشاطهم السياسي في سوريا أية تطلعات انفصالية والقارئ لبيانات الأحزاب الكردية السورية يدرك ذلك جلياَ، كما يدرك أيضاَ أنه لا يوجد أي تعارض جوهري لديهم مع سقف مطالب باقي أحزاب المعارضة الوطنية السورية فالجميع متفقون على ضرورة إحداث التغيير الديموقراطي السلمي في البلاد.

في المقابل لا أحد من المعارضة الوطنية الديموقراطية –حسب علمي- لديه أية مشكلة في إزالة الحيف عن الأكراد السوريين، وتمكينهم من حقوقهم في إطار وحدة البلاد، وكما أزالت وثيقة الشرف الصادرة عن حركة الإخوان المسمين في سوريا ما تبقى من خلافات كانت تعوق وجود علاقة طبيعية مع باقي قوى المعارضة، تستطيع قوى وأحزاب المعارضة إصدار وثيقة مشابهة تتضمن موقفها ورؤيتها لقضايا الأكراد السوريين، بما يساعد على خلق جو من الثقة المتبادلة يستطيع بعدها الطرفان الانطلاق معاَ في إطار مشروع وطني متكامل لا يستثني أحداً، لإحداث التغيير المطلوب في البلاد، وقطع الطريق على من يريد إيقاع الفتنة بين اثنيات ومكونات المجتمع السوري.

لقد حسم الاستبداد مواقفه وعلى المعارضة أن تكون قادرة هي الأخرى على توحيد وحسم مواقفها كي تعبر فعلاَ عن تطلعات الشارع السوري بلا استثناءات قومية أو دينية، فنحن في النهاية لن نتمكن من الاستمرار إلاّ معاَ.