من أجل مجتمع أكثر وعياً بقيم التعايش والمواطنة

 

  أظهرت الأحداث الأخيرة التي جرت في شهر آذار 2004 في المناطق الكردية بمحافظتي الحسكة وحلب أن مجتمعنا السوري يحتضن في أعماقه بؤراً للتوتر القابل للانفجار في أية لحظة، بل أفصحت هذه الأحداث مع مجمل تداعياتها أن مجتمعنا يعاني من حالات الاحتقان والتشنج، لدرجة أنه لم يعد يعي أهمية التعايش الاجتماعي ويتناسى واجبات الجوار الجغرافي والعيش المشترك. إضافة إلى ذلك بينت الأحداث أن أحد أهم وأبرز جوانب الأزمة البنيوية لمجتمعنا السوري باتت مرتبطة بعدم رسوخ وثبات قيم المواطنة، فالدولة لم تنتج هذه القيم بل أهدرتها. كما أن المجتمع غير قادر على التمسك بها، ولم يعد أي شعار أيديولوجي أو خطاب مجاملة قادرا على حجب هذه الحقيقة المرة. فالمجتمع السوري يتجه للتعبير عن أزمته الراهنة بأشكال احتجاجية مشوهة وممارسات عنيفة مأساوية قد تنسف ما تبقى من الحس بالمواطنة.

 أيها الأخوة لا أود أن أشخص لكم الجانب السلبي للأوضاع السياسية، ولا أن أرسم لوحة قاتمة لواقعنا المعاش، ولكن قياس نبض الشارع السوري ورصد معاناته بموضوعية تشير إلى ما هو مخيف ومحزن في الوقت نفسه، فمن منا عاش تلك الأجواء ومن كان شاهد عيان على أحداث 12-17 /3/2004 لن يفيق من هول الصدمة التي  ولدت لدينا الشكوك حول تماسك المجتمع السوري ودرجة توافقاته الاجتماعية  قبل السياسية. فهل نحن حقا "ورثة التنوع الحضاري"  أم مازلنا نتشبه بقبائل أواسط أفريقيا!

ودون الخوض في تفاصيل هذا الحدث أجد من الضروري البحث في خلفياته وجذوره، لأن إشباع هذه الحالة الخاصة درساً وتمحيصاً ستكون عوناً لنا في فهم الحالة الوطنية العامة، إن الأوضاع الاستثنائية التي وصلنا إليها اليوم هي بلا شك نتاج ارتسام ظل الدولة الشمولية على المجتمع، هذه السلطة التي كانت بدورها صدىً وتطبيقاً لفكر شمولي تبشيري ولأيديولوجيا قوموية مستنفرة أكلت مؤسساتها قبل أن يكتمل نموها. كما تم إعادة كتابة التاريخ واختلاق جغرافية سياسية لصياغة وعي زائف غير قادر على فهم واقعه والتفاعل الموضوعي مع معطياته، وإن هذا الوعي السياسي المتجمد والمتكلس منذ عدة عقود لم يعد قادراً بل هو متخوف من قراءة تضاريس الواقع السوري السياسية والاجتماعية الراهنة، وغير راغب بالتعرف على المحيط الجغرافي لسوريا سياسيا واجتماعياً. إن تفاعل هذا الوعي القاصر والمعلب مع تراجع مفهوم وقيم المواطنة وغياب ثقافة القانون ـ التي لا بد منها لوجود واستمرارية أي مجتمع منظم في عالمنا المعاصرـ قد أوصلتنا إلى هذه الحال التي سادت فيها أشكال وصيغ من الولاءات والانتماءات والعصبيات البدائية فاستمرت وانتعشت الروابط وصيغ الاصطفاف الاجتماعي التي تعود إلى مراحل ما قبل الدولة المعاصرة وهي جميعاً تقع خارج منظومة العلاقات التي تؤسس عليها عادة المجتمعات الحضرية والمدنية المعاصرة. وللأسف فالعصبيات القبلية والقومية والطائفية تعيد إنتاج أزمة المجتمع السوري من جديد في مطلع القرن الحادي والعشرين.

لن أسهب في الحديث عن معضلاتنا المعاصرة فهي معروفة لكم جميعاً، ولكني وبوحي من الأحداث الدموية الأخيرة كنت مضطراً للتطرق لها كواقعة سياسية مشخصة تترجم هذه المعضلات جميعاً وربما كان هذا الحدث المأساوي قادراً على التعبير عن تداعيات وتداخلات هذه المرحلة العصيبة والعاصفة التي تمر بها سورية، وشكل تلخيصاً لمعاناة السوريين خلال السنوات التي مضت. لقد كان الحدث حلقة في سلسلة من التعابير الاجتماعية والسياسية والتي لا بد من إعادة قراءتها جميعاً والتوقف عندها لاتخاذ مجموعة من التدابير، وأهمها اليوم هو "إعلان المبادئ" الذي نحن جميعاً بصدد المساهمة في صياغة خطوطه العامة، واعتقد أنه من المفيد أن يرتكز هذا الإعلان على عدة دعائم وهي:

1-  نبذ ورفض كافة أساليب العنف في التعبير عن أي موقف سياسي وكذلك رفض المساهمة  في نشر ثقافة العنف والتبرير لها مهما كانت الأسباب والأهداف.

2-  العمل على السير قدما بالمشروع الوطني الديمقراطي في سورية، والذي يمهد لإعادة بناء دولة القانون المؤسسة على أساس التعددية السياسية والثقافية وصيانة حقوق الإنسان.

3-  عدم المراهنة على الحلول والمكاسب التي قد تتحقق مؤقتاً خارج أطر القوانين المشار إليها أعلاه وبمعزل عن المؤسسات الديمقراطية والأخلاق الديمقراطية والتي يندرج ضمنها عدم الاعتماد أو الاستقواء بالقوى الخارجية مهما كانت صدقيتها ونوعيتها.

4-   إعادة قراءة تاريخنا وجغرافيتنا ومحيطنا بموضوعية لفهم واقعنا المركب والمعقد والعمل على إبراز ما هو مشترك وموحد فيما بيننا، والبحث عن المزيد من الموحدات الوطنية والحضارية والإنسانية. وجعل التنوع القومي والديني والأيديولوجي مصدر إغناء وقوة لنا. قبل أن يجعل غيرنا من هذا التنوع عامل تنافر وتصارع.

5-  الإقرار الدستوري بالتعددية القومية والدينية في سورية كمقدمة لإيجاد حلول وأطر ديمقراطية لصيانة الحقوق وتحديد الواجبات، ومساهمة الجميع في المشاركة بالسلطة السياسية، وتجنباً لأي صراعات تنبثق من حالات التعويم والتفضيل لهذا الجانب أو ذاك على حساب الآخر.

6-  التخلي عن كافة رواسب ونزعات الاستئثار والسيطرة القومية والاجتماعية واحتكار السلطة في مجتمعنا السوري، ورفض كل دعوات الصهر القومي والديني بدعوى بناء مجتمعات متجانسة قومياً أو دينياً.

7-  إن مشروعية أي سلطة قائمة أو مستقبلية تأتي من إرادة الشعب، وهو يترجم عمليا عن طريق الانتخابات الحرة والديمقراطية، بعد سيادة الحريات وحرية عمل مختلف الأحزاب.

8-  العمل الدائم من أجل تحسين الأوضاع المعيشية وبناء إستراتيجية لتوزيع الثروة الوطنية بإنصاف، ومواجهة خطر البطالة والانفجار السكاني والعمل بجدية لحماية البيئة وعدم استنزاف الثروات الوطنية.

9-  التواصل المستمر والعمل معا ضمن أطر مرنة للمناقشة والتحاور في كافة المواضيع والتفاصيل التي تهم المواطن والوطن، وصولا إلى ثوابت توافق الجميع.

    أخيراً أكرر ما قلته في البداية: إذا كان غياب الديمقراطية ودولة القانون هو أساسا انتقاص لأهم حق من حقوق الإنسان، وهو بلا شك سبب لهذا الركود السياسي والخمول الاجتماعي الذي نعانيه اليوم، فإن استمرار هذا الغياب يساهم في ظهور أشكال من التفكير والتعبير والممارسة التي تعود إلى عهود ما قبل المجتمعات المتحضرة ودولة القانون. وإن المجتمع السوري المأزوم حالياً بدأ يبتلع قيمة التقليدية الإنسانية وباتت احتمالات حدوث صراعات وتمزقات قومية واجتماعية حاضرة أكثر من أي وقت مضى، فنحن الآن أمام خطر التصارع والتآكل. ولابد من العمل الجاد لإرساء وإعلاء قيم التآلف والتعايش في سبيل صياغة أسس مجتمع مدني ديمقراطي تعددي تصان فيه حقوق الإنسان أفراداً وجماعات. هذه المجتمع وحده سيكون قادرا على إنتاج سلطة ديمقراطية تليق بسورية المستقبل.

                                    وشكراً لإصغائكم

 

     آزاد علي