الوحدة الوطنية الديمقراطية . . . واقع وآفاق

 



غالب عامر 





لا أحد يستطيع أن ينكر أن الوحدة الوطنية في بلادنا ، وفقا ً للمعايير المدنية الحديثة في الديمقراطية ، والتعددية السياسية ، وسيادة دولة الحق والقانون ، والمشاركة الفاعلة لكافة مؤسسات المجتمع المدني عبر حضور الإرادة الوطنية في مركز القرار السياسي ، وممارسة السلطة التنفيذية للشفافية ، والسلطة التشريعية
لمهامها كاملة ما تزال "هذه الوحدة " التي يصوغها التماسك الاجتماعي القائم على الحرية بعيدة عن التحقق الفعلي في عالم الواقع وتحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل الوطني ، بحيث تصبح حجر الزاوية في إجراء التحولات العميقة في مختلف الميادين في السياسة والاقتصاد ، والإدارة والاجتماع والثقافة ، وفي بناء
الدولة المدنية الحديثة ، الصائرة والمتحولة إلى موقع لإطلاق أفاعيل التنمية ، والتقدم والعمل الوحدوي العربي .

فالوحدة الوطنية في سورية وهي الممكنة والكافية بقوة التاريخ والحضارة والموقع الجيوسياسي ، وبقوة النزوع الجماهيري ، والحاجة الاجتماعية الحيوية لها ، لم تتحول بعد إلى ما هو بالفعل ، حسب المعايير التي ذكرنا ، وذلك نتيجة للظروف الذاتية والموضوعية التي حكمت مسار السياسة في بلادنا ، وأدت إلى التخارج
القائم بين السلطة والمجتمع ، وإلى عجز الدولة القطرية عن المبادرة لمعالجة أسباب هذا التخارج ، من جانب  وإخفاقها التاريخي في العمل على محور على محور المشروع النهضوي العربي المعاصر الذي يتطلب استحقاقاته الوطنية الداخلية كمركز وأساس له للانتقال من الموقع القطري الذي تحاصر به هذه الأنظمة العربية ذاتها وأدوات العمل لديها ، وتحاصر به جماهير الأمة ، إلى الفضاء القومي العربي وما فيه من إمكانات وطاقات يفترض توظيفها في معركة التحرر الوطني ، ومواجهة تحديات القوى الخارجية المعادية ، وبناء دولة الكل الاجتماعي للأمة العربية .
فليس هناك في تاريخ الشعوب وحاضرها ، وفي الواقع الموضوعي من إمكانية لبناء وحدة وطنية يمكن لها أن تطلق أفاعيل العمل الوطني والقومي ، في غياب الديمقراطية وتغييب الحريات الأساسية للمواطنين ، وفي حضور القمع وآليات الاستبداد المتعددة ، وإحلال إرادة القوة الطاغية مكان الشرعية والمشروعية الدستورية والقانونية الناظمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع ، لذلك فإن حل المسألة الديمقراطية يشكل العامل الأبرز في إحداث التحول الاجتماعي والسياسي لإعادة إنتاج هذه " الوحدة " بآليات جديدة ، ومعايير مدنية ، لم يعد المنطق القديم للسلطات العربية قادرا ً على انجاز أي منها في ظروف التحولات العالمية الجديدة التي تبلورت على امتداد العقدين الأخيرين من القرن الماضي بليله الطويل ، ومع ابتداء الألف الثالثة .

ومع هذه التحولات العالمية ، والاحتياجات المجتمعية والوطنية الداخلية ، تبرز الأهمية الثانية ، والمرتبطة بالأولى وبغيرها من المعايير ، في ضرورة مغادرة السلطة لمواقع العسف والاستبداد ، وإحداث التغيرات اللازمة في طبيعتها البنيوية للانتقال إلى موقع الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون ، أو بالأحرى
مساواة كافة المواطنين على اختلاف مواقعهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أمام القانون الذي يكفل سيادته استقلال السلطة التشريعية وحيادها ، ونزاهة العاملين فيها ، وإنهاء واقع الهيمنة السياسية على مؤسساتها المتعددة ، وعلى مؤسسات الدولة في كافة مواقعها ، فالمؤسسة في المجتمع المدني الحديث والمعاصر حقيقة اجتماعية موضوعية مستقلة تماما ً بلوائحها الداخلية ووظيفتها الاجتماعية وآليات عملها ، عن رغبة القائمين عليها ، وليست موقعا ً للاستغلال الشخصي أو الفئوي ، هذا الاستغلال يؤول بطبيعته إلى ممارسة الفساد والإفساد الذي تحول إلى ظاهرة تستنزف الطاقات الاقتصادية لبلادنا ، وتنال من منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع إضافة إلى إسهامها المباشر في إقصاء مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين .
ومن ثم ، فإن سيادة الفكر المؤسساتي الحديث ، من شأنه أن يحاصر هذه الظاهرة في أضيق حدودها ، ويؤدي إلى امتلاك سلطة تشريعية ( فاعلة ومستقلة ) ، والقدرة على تطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة .
وسؤال الوحدة الوطنية الديمقراطية ، ثالثا ً ، يفترض البحث في طبيعة الفكر السياسي الذي يشكل المحور النظري لنظام الحكم في منطلقه ومستقره في الممارسة السياسية وبناء العلاقات الداخلية ، بوصفه نظام قائم على معادلة الإقصاء والاحتواء ، أو بالأحرى على قاعدة التفرد في الحكم والانفراد الحزبي الضيق الذي
يبني تحالفاته ومؤسساته السياسية و" النقابية " على أساس احتواء الفاعليات الاجتماعية والثقافية والسياسية القابلة بدور يرتسم على حدود النظام وقيوده وطبيعته الأمنية ، وليس وفقا ً لبرامج سياسية معبرة عن مبادئ هذه الفاعليات وأهدافها المرحلية والاستراتيجية ، بحيث يتحول التحالف غير المتكافئ إلى إعلان مطلوب دائما ً عن الولاء للنظام بدلا ً من أن يكون الولاء للوطن وقضايا المجتمع الوطنية والقومية .
ثمة , إذاً , افتراق واضح بين الفكر" السياسي " الذي يؤسس للاستبداد والهيمنة على مؤسسات الدولة , حيث تتحول لديه إلى مواقع للسلطة والتسلط على المجتمع بفئاته المتعددة , وبين الفكر الديمقراطي الذي يصون هذه المؤسسات من العبث بها,  ويؤسس للعمل , في مختلف الميادين , وفقاً لسادة القانون والأنظمة الديمقراطية
المرعية في تنظيم علاقات التداخل والتكامل بين مختلف المؤسسات المدنية والسياسية , والاقتصادية , والثقافية القائمة في البلاد .
  
هذا الفكر الديمقراطي الذي ينظر إليه مناهضو الديمقراطية في الوطن العربي بوصفه " نبتة غربية " وغريبة عن بلاد من الصعب أن يعيش في تربتها , وفي اجتماعها , هو الذي يمكن أن يعيد للسياسة موقعها , وللمجتمع دوره المغيَب منذ أربعة عقود من الزمن الذي توالت فيه المتغيرات الدولية العاصفة , دون أن يكون
ثمة إدراك موضوعي بطبيعة هذه المتغيرات وآفاقها في حياة الأمم والشعوب , حيث يمكن لها أن تحدد معظم العناصر الناظمة لمستقبلها ومصيرها في ظل العولمة الإمبريالية الراهنة .
 
وفقاً لهذا المنظور , تنبثق أهمية المعيار البارز والهام للوحدة الوطنية الديمقراطية , والذي يتمثل في إطلاق أفاعيل المجتمع في التنمية البشرية والاقتصادية التي ترتكز على مجموعة من الأسس الموضوعية , يمكن لنا هنا أن نتخير منها :

  1..
الاهتمام , بدرجة أولى , بتطوير وتوسيع نطاق مؤسسات التعليم العالي والجامعي , ونشر الوعي الثقافي والإعلامي , وإطلاق حرية التعبير والصافة , وخلق المناخ الديمقراطي في مواقع التعليم والبحث العلمي المختلفة لفسح المجال أمام مقومات الإبداع أن تتحقق , ويسهم أصحابها في إعادة إنتاج المجتمع المدني
المعاصر الذي يمتلك كافة أسباب التقدم العلمي والتقاني والحضاري , خلاصاً هل من أسر قيود التخلف والتأخر التاريخي التي تكبل انطلاقته ونزوعه لمواكبة الأمم والشعوب المتقدمة .
  2..
العمل بكافة الوسائل والأساليب المتاحة على رفع وتيرة الإنتاج والنمو الاقتصادي , وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بما يتوافق مع تسريع وتائر النمو , وتحديد مقومات البنية الوظيفية لتراكم رأس المال الوطني في خدمة التنمية الاقتصادية وتحقيق احتياجات المجتمع لمكافحة البطالة المتفشية في بلادنا بصورة
تدعو لضرورة العمل على إنقاذ المجتمع من تداعياتها الكارثية إضافة لتحسين مستوى المعيشة في مجتمع  يعيش أوضاعً اقتصادية بائسة في ظل الفقر الذي يطاول معظم أوساطه وفئاته الاجتماعية .
  3..
مكافحة الفساد والإفساد الاقتصادي والإداري الذي أضحى ظاهرة غير مسيطر عليها , وتنبئ بمخاطر التدمير المنظم للاقتصاد الذي يعاني من توقف النمو عند حدوده الدنيا , والمضي في تخريب المؤسسات التي تحتاج بالأحرى إلى عمليات إسعافية لإعادة إصلاحها وتحديثها . فهل يمكن لهذه الأسس والمعايير أن تتحقق دون أن يكون هناك إصلاح للسياسة وللبنية السياسية القائمة في البلاد ...

 
ثمة من يرى أنه , وعلى اعتبار أن للإصلاح مداخله المتعددة , يمكن البدء من مداخل أخرى بعيداً عن المدخل السياسي , وذلك بقصد محاولة الالتفاف على جوهر الاصلاح وأبعاده المتعددة من جانب , والعمل على إيصال الأمور إلى سبيلها المسدود كمقدمة يرونها مناسبة للارتداد حتى عن الخطاب الإصلاحي من أساسه , وذلك نتيجة لإخفاق الإصلاح في الميادين الاقتصادية أو الإدارية أو غيرها إذا لم يقترن ذلك بإجراء تغييرات بنيوية في واقع المؤسسات القائمة , وهذا ولاشك يحيلنا إلى الفضاء السياسي , وضرورة إجراء التغييرات المتواكبة مع الإصلاح في مختلف الميادين الأخرى , وبدون إدراك أولوية هذه التغييرات يبقى خطاب " التحديث والتطوير " مفتقداً لمصداقيته في الواقع العياني .
 
ثمة ملاحظة أخرى ,تنبثق من الوعي بمفهوم السياسة أصلاً , ففي الواقع لا يجوز بحال اعتبار أن مؤسسة الدولة هي الموطن الوحيد للسياسة , لأن الموطن الحقيقي لها هو في ضمير المجتمع وفي المواقع أو المؤسسات التي يقوم بإعادة إنتاجها وتجديدها هذا المجتمع وفقا للأسس التي تؤكد سيادته واستقلاله , وأبرز هذه المؤسسات , مؤسسة الدولة بسلطاتها الثلاث ومهامها المتعددة , ومن هنا فإن أمر الإصلاح السياسي وما يرتبط به من تحديث لمختلف القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة أيضاً مرتبط بحضور الإرادة الشعبية في مركز القرار السياسي في البلاد , ولا يجوز إحالة الأمر لهذا الحزب أو ذاك , هذه السلطة أو تلك , من السلطات التي سكنها أصلاً هاجس المشروعية التي تفتقد لها على امتدادالعقود السابقة , ومن هنا أيضاً تنبثق الدعوة لعقد مؤتمر وطني في سورية , يضم كافة القوى والأحزاب السياسية والفاعليات الاجتماعية بمختلف أطيافها السياسية والثقافية والمهنية للبحث في الكيفية التي يمكن من خلالها إدخال الإصلاح إلى السياسة الداخلية المعزولة والمنعزلة عسفاً في مواقع الحكم المتفرد , والقائم على إقصاء الآخر بأشد مما كان عليه في الماضي .
 
ويبدو أن للمشروع الأمريكي حول الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا , دوره في أجندة الأنظمة العربية التي تجهد نفسها كثيراً لإيجاد الحجج والذرائع لإدامة الأوضاع الداخلية كما هي عليه , وأن تجعل من يومها خمساً وعشرين ساعة , فبعد سقوط الذريعة حول حالة الحرب مع العدو الصهيوني سببا لتأبيد العمل بقانون
الطوارئ , وبعد انكشاف الحقيقة أن العمل بهذا القانون يشكل أحد العوامل الرئيسة في النكسات التي أصبنا بها , يأتي الموقف المناهض للإصلاح بذريعة الضغوط الأمريكية الداعية إلى إحلال الديمقراطية , وبناء مجتمع المعرفة وتمكين المرأة من أن تأخذ دورها وغير ذلك من الاحتياجات الوطنية الحقيقية لكل الأقطار العربية
,
والتي تأخذ صيغة الحق الذي يراد به باطلاً لدى الإدارة الأمريكية التي تستهدف إتمام هيمنتها الإمبراطورية في المنطقة . ولا ريب أن الوطنية السورية في أوساط الحركة الوطنية الديمقراطية المعارضة تبرز واضحة في رفضها للمشروع الأمريكي الذي يشكل الوجه الآخر للمشروع الصهيوني في المنطقة , إلاَ أن هذه الوطنية التي تتطلب تجذيرها إنما تحتاج في برهان النظام على التوافق معها إلى نوال حقوق المواطنة لكل أبناء الشعب دون أي تمييز مهما كان نوعه , وبدون إنجاز هذا الأمر عبر حل المسألة الديمقراطية تبقى الوحدة الوطنية ممكنة تماماً ولكنها غيرمحققة.



*
كاتب سوري