أفكار حول الإصلاح

                                            -1-

لسنا خير أمة أخرجت للأرض ولسنا من الأمم التي يريد شعبها أن يبقى خارج هذا التاريخ، ومن الغباء النظر لهذا التاريخ بوصفه صيرورة معادلات قوة ولا بوصفه تقدم الأخلاق التي تتموضع ما بين الإلهي والوضعي في تشابك يدعو دوما للتساؤل الساذج والشك بيقين القوة العارية وقيمية القوة الرأسمالية. هذه الأخيرة قلما عرفها  التاريخ البشري، وقلما حدثت باستثناء مشروعين

1-المشروع الإسلامي بما هو مشروع / ديني /كوني تموضع في اجتياح عالمي أنجز ما عرف بالإمبراطورية الإسلامية حاملا معه نسقا دنيويا غير قابل للتعديل ولا يتمتع بمرونة تاريخية –رغم حساسيته الأخلاقية  وإنجازاته المعرفية – فصدمه التاريخ.

2-المشروع الغربي بما هو مشروع دنيوي بامتياز واستطاع -ربما ولأول مرة في التاريخ البشري –نظريا وعمليا أن يصبح مشروعا لكل البشرية، فإذا كانت المشاريع الدينية قد بقيت مقصورة على أجزاء وأجزاء من هذا العالم ولم تستطع هذه المشاريع الدينية على الأقل تكوين نماذج عمل {مثالية وتاريخية}حازت على شرعية عالمية كهذا المشروع وتكونت منظومات على المستوى الكوني سياسية واقتصادية وثقافية و أخلاقية أيضا على المستويات الفردية ولا يعني هذا الحديث إعطاء حكم قيمة بالمعنى المطلق وإنما الإشارة لميكانيزمات هذا المشروع الداخلية والتي لازالت تعطي هذا الزخم الكوني لمنتجات هذا المشروع بكل ما يترتب عليها، حتى بات يدور الحديث عن شمولية كونية لأول مرة منذ بدء الخليقة شمولية المعنى الإنساني وكليانية القوة الداخلية لهذا المشروع والمتمثلة بما يسمى[السوق الرأسمالية العالمية وآليات عملها الموضوعية والذاتية وما يترتب عليها من فاعليات وجاهزيات معرفية وقيمية وسياسية.الخ. ويكفي أن نتحدث عن ثورات علمية صناعية ومعلوماتية وفلكية.الخ

 وعن نشوء هذه المؤسسات الدولية الإقليمية والكونية، وما يشغلنا هنا هو الحديث عن الجاهزيات السياسية والحقوقية والتي باتت لا تخضع لمعايير دينية أو ما قبل كونية كالحديث عن أمم استثنائية إما لأنها فوق التاريخ أو خارجه. ولم يعد الحديث عن وضعية ثقافية وحقوقية متساوية لكل أفراد البشرية حديثا نافلا ومثاليا بل حديث عملي وتاريخي ويتم وفق ما تم تأطيره بما يسمى [الإعلان العالمي لحقوق الإنسان] والعهدين الدوليين والاتفاقيات المتعلقة بالطفل والمرأة وحظر التعذيب..الخ.وكي لا نخوض بتوريات من هنا وهناك نقول أن هذه الثقافة الحقوقية هي بالدرجة الأولى عنصر مكون وعضوي في هذا المشروع الغربي "السوق العالمية التي تعتمد على المنافسة وحرية المبادرة الفردية". مع أن هذا المشروع "السوق العالمية" يشكل من جهة أخرى طاحونة طبقية والتي لازالت تشكل الجرح الأعمق في نرجسية هذا المشروع، طاحونة للحدود والقيم والثروات وللبشر، وهذا الأمر هو الأكثر تعقيدا وتراكبا في صيرورة هذا المشروع التاريخية والاستقطابية برانيا-كما يراها سمير أمين- وجوانيا كما لا يوافق عليها الباحث نفسه فلم يعد التعايش بين البنى التقليدية والبنى الحديثة ممكنا وليس هذا التعايش هو شرط الديمومة لهذا التراكم على الصعيد العالمي فقد والذي تبين في النهاية وعلى عكس ما يراه الباحث الكبير إن هذا التعايش الدائم هو ما تصر عليه أشكال كثيرة من المنظومات التقليدية المنغلقة وليس آخرها النظم التسلطية والتي تعتبر هي المقاوم الأشرس لهذه الاستقطابية الجوانية والتي تعني بلغة الباحث وباللغة الماركسية نقل العملية الإنتاجية وبكل حركيتها إلى ما يسمى "البلدان التابعة" وبنفس اللغة وبالتراكب المعقد يتم انتقال هذه الجاهزيات السياسية والحقوقية والقيمية وغيرها مثل "دولة القانون"،  "الشكل الديمقراطي للنظم السياسية"،  "الحرية الفردية"..الخ. وهذه العملية هي بجانبها الأهم هي عملية موضوعية لا تخضع لمزاج قائد فذ أو عائلة مالكة أو حتى إدارة رعناء كإدارة بوش والمفارقة الطريفة أننا نستطيع الحديث عن رئيس أكبر قوة في العالم اقتصاديا وعسكريا مثلنا مثل أي مواطن أمريكي ولكن لا نستطيع الحديث عن مسؤول عربي واحد. باختصار جد شديد هذا هو المشروع الغربي الرأسمالي،  وإذا كانت إحدى أهم مفرزاته هي الديمقراطية ودولة القانون الخ.. نحن كبشر ما ذنبنا في هذا الأمر. تتحدثون عن ديمقراطية ذات خصوصية وبدورنا نسأل أين هي هذه الديمقراطية العربية؟ حتى مثقفينا الذين رفعوا شعار "الغزو الثقافي الغربي" نسألهم بسذاجة متناهية من أين جئتم بهذا المصطلح/المفهوم؟ هل الديمقراطية العربية هي ديمقراطية العائلات الحاكمة والقابضة على الأنفاس أم ديمقراطية الفساد "المافياوي" المتسرطن في قلب المجتمعات العربية..عجيب غريب هذا التشكيك "بالمواطن العربي" من قبل النخب الحاكمة والمثقفة !التشكيك بوطنيته وقدراته العقلية والذهنية والأخلاقية كل هذا من أجل استمرارية هذه الأشكال الغريبة العجيبة من السلطات. يا أخي خذوا السلطة ولكن اتركوا لنا وطنا بكرامة أخلاقية ومعيشية أم أن الخصوصية الحضارية والثقافية تقتضي أن تأخذوا السلطة والوطن ونحن نبقى ننتظر عطاياكم النبيلة وكرمكم الموروث منذ أيام معاوية والحجاج في المؤتمر الصحفي للقذافي بعد انسحابه من قمة تونس عنف الصحفيين لأنهم لم يعرفوا أن الرئيس في ليبيا هو الشعب الليبي! والأنكى من هذا وذاك أنهم أحضروا أمريكا عدوهم اللدود بين ظهرانينا وبدأوا بالنحيب أرأيتم أمريكا حضرت لأجل مصالحها !!!!ماذا لو أتت هذه "أل أمريكا" من أجل مصالحكم وأعادت أسرة آل الصباح إلى الملك والحكم كما فعلت من قبل كنتم رفعتم صورة بوش إلى جانب صوركم !!

إذا كانت الأمركة هي الوجه الأبرز الآن لهذا المشروع فلا يعني هذا أن أمريكا تمثل نفسها فقط بل هي تمثل هذا المشروع نفسه كما كانت حال بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الكبرى حتى المنظومة الاشتراكية كانت من صلب هذا المشروع الكوني نفسه!! وبوصفه مشروعا كونيا فهو منذ زمن بعيد لم يعد مشروعا برانيا يفرض من الخارج على الداخل بل استطاع عبر مشواره نحو"النيرفانا" أن يصبح مشروعا جوانيا بل أكثر من ذلك بات الأمر الآن أكثر خطورة لأن تناقضات الحرب الباردة لم تعد قائمة الآن فبات الطريق أمامه مفتوحا وإن بالأشواك ولكنه مع ذلك يتقدم وليس الأمريكان أو الشعب الأمريكي يفرض هذا المشروع بقرار وعلى الآخرين ومن الخارج بل بات العالم كله "داخل" بالنسبة لهذا المشروع ولهذا نسميه " مشروعا" ولا نعرف إلى متى سيبقى كذلك ؟ وحتى نتحدث بصراحة مع أنفسنا أولا لابد من القول أن تزعم أمريكا الآن لهذا المشروع لا يعني أنها خارج تأثيراته أيضا هذا من جهة ومن الجهة الأخرى من المستحيل على دولة واحدة في هذا المشرع أن تتسلط على بقية خلق الله في هذه المعمورة وبالتالي الحديث عن تفرد أمريكي بالقرار العالمي هو من باب الدعاية ولا يضمر خيرا! وبالنسبة لنا لا يعني بأن امتلاك أمريكا للنفوذ الأكبر على الصعيد العالمي اقتصاديا وسياسيا أنها متفردة بالقرار العالمي وأزمة العراق تدلل على ذلك على عكس ظاهر الأمور التي تحاول كثير من دول العالم عبرها إظهار أن أمريكا متفردة بالقرار العالمي ولكن لنأخذ الموقف الأسباني وغيره من مواقف غالبية دول العالم سواء في أروقة الأمم المتحدة أو كواليس مجلس الأمن وبحث موضوعي في مداولات كيفية اتخاذ القرارات الدولية لا يجد المرء أن أمريكا وحدها ترمح في الميدان، رغم أنها تحاول، ولا يستدعي الأمر حرب بين أمريكا مباشرة وروسيا حتى تتضح لنا الصورة أو بينها وبين فرنسا أو الصين أو بقية دول الاتحاد الأوربي أو اليابان. وبالمقابل كوني لا أقبل مبدئيا وسياسيا بسيطرة أمريكا على أية دولة مهما كانت صغيرة أو كبيرة فلا يعني ذلك أن يكون لتاهيتي أو للكويت نفس الوزن بالقرار العالمي كما يحدث بطريقة الإجماع في اتخاذ القرارات في الجامعة العربية. وعدم أحقية أمريكا في فرض ما تريد على الآخرين  تحت أية ذريعة لا يعني بأن عملية الهيمنة في النظام الرأسمالي العالمي هي عملية برانية تفرضها إدارة أمريكية أو فرنسية بل هي صيرورة موضوعية ومكانيزم داخلي لهذا المشروع.والتنافس الشرس بين الأقطاب الدولية أو بين الشركات القومية والشركات ما فوق القومية وغيرها. لا يتم دوما وفق النواظم القانونية والأخلاقية لهذا لازلت تجد النهم للعسكرة والتسلح والنشاط الدؤوب للاستخبارات على مختلف المجالات في أوجه. لهذا لابد من النضال من أجل مؤسسات قانونية دولية تحمي الحلقات الأضعف في هذه الخريطة الدولية وليس دور الأمم المتحدة نافلا في هذا الحقل وعلى الشعوب وقواها دعم هذه المنظمة ومواثيقها وقوانينها ولكونها المؤسسة الأولى التي تنضوي فيها كافة شعوب الأرض ولأول مرة في تاريخ هذه البشرية وشئنا أم أبينا فهي نتاج هذا المشروع الغربي نفسه وأحد أهم منجزاته، وما كان لهذا الأمر أن يتم خارج رحم الثقافة العالمية بكل أنساقها وجاهزياتها المعرفية والعلمية والقانونية والسياسية والاقتصادية..الخ. والأهم من كل هذا وذاك أن هذا المشروع لم يعد ملكا للغرب وحده ويتصرف به على هواه بل أصبح هذا المشروع ملكا لكافة شعوب الأرض تساهم فيه بكل ما تملك قد وجدت مكانا مهما فيه ومكانا ليس قليلا  دول جنوب شرق آسيا بعضا من دول أمريكا الجنوبية وتشكل هذه الأحلاف الدولية و الإقليمية والانهيار التدريجي والمستمر للحواجز التي كانت تفصل الشعوب عن بعضها "الثورة المعلوماتية" والتي لم تظهر نتائجها الفعلية بعد وانعكاس هذه النتائج على حياة البشرية وما نعيشه اليوم ليست سوى البداية لتفاعل هذه الثورة في حياة الشعوب، والأمر شبه الأكيد أن ما أنجزه هذا المشروع هو أن أية عملية تغيير لن تكون من قوة خارج هذا المشروع إلا اللهم إذا كانت من الفضاء الخارجي! من هذا الفهم البسيط نجد أن هذا المشروع بات ملكا للبشرية ولا يغير هذا التراتب القووي والطبقي داخله من هذه البداهة وعلينا نحن العرب أن نكون جزءاً من هذه البشرية وبالتالي جزء لا يتجزأ منه ومن تراثه لأنه سيكون تراثا للبشرية كلها وللذين يتحدثون عن الخصوصية نقول

1-هو ليس مشروعا صليبيا دينيا وليس باختصار مشروعا مسيحيا وإن كان بعض العرب المسيحيين يحاولون التعاطي معه بوصفه كذلك فهو لا يقيم وزنا لهذه الرابطة وإن حاولت الكنيسة الكاثوليكية أن تستفيد من هذا الأمر !!وهذا التعاطي هو الوجه الآخر أو وجه العملة الآخر لكيفية التعاطي الإسلامي الأصولي مع هذا المشروع !!!وأكثر ما نلمس هذه القضية في لبنان الشقيق.

2-وهو ليس مشروعا قوميا يخص قومية محددة بعينها كما يحاول التيار القومي في كثير من دول العالم تصويره على أنه كذلك وبالتالي تجد هذا التيار يتخبط ويتلون فهو تارة يضع فرنسا وتارة بريطانيا، والآن أمريكا تأخذ الواجهة وللمفارقة الطريفة أن هذا التيار لم ينتج في بلدانه سوى سلطات تسلطية واستبدادية. وللدلالة على ذلك يمكن النظر إلى محاولة أمريكا الحثيثة تشكيل تحالفات دولية في كل خطوة تريد القيام بها كما حدث في الكوسوفو وافغانستان وأخيرا لاآخرا العراق. بالمقابل لا يعني أن بعض الإدارات الأمريكية تتمنى أن تنفرد بشكل مطلق بالقرار العالمي ولكن هل الأمر بيدها؟

وهذا التطوير للأسلحة النووية ليس موجها ضد دول ضعيفة فالأسلحة التي لازالت فرنسا أو بريطانيا أو غيرها. تطورها وتعمل على ذلك على أنه أمر يتم خوفا من السعودية أو خوفا من المغرب مثلا لكنني لا أظن إطلاقا أن هذا هو واقع الأمر بل اعتقد أنه يتم تطويرها الآن ردعيا  بين هذه المراكز النووية نفسها ولهذا الموضوع بحث آخر.

ليست الأمركة الوجه الحالي للعولمة والهيمنة تمثل مشروعا قوميا أمريكيا محضا كما يحاول بعض الغلاة الأمريكيين تصويره ويساعدهم في الغلاة من البلدان الأخرى في العالم فعندما نتحدث عن شركات متعددة الجنسيات وما فوق قومية نتحدث عن قوى عالمية وما فوق قومية وإن كان للأمريكان حصة الأسد في هذه الكيانات العملاقة لكن هذا لايعني أبدا أن الأمركة كما يطلقون عليها مشروع قوميا أمريكيا ولنحاول التدقيق  بما يجري الآن من أحداث ونراقب تغير دائم في لوحة العلاقات الدولية سنجد أن الحديث عن مشروع قومي أمريكي هو من باب الاستهلاك المحلي والدولي ولنلاحظ أن ما تم في العراق رغم الإشكالية القانونية –من زاوية القانون الدولي _في احتلال أمريكا للعراق شاركها أكثر من "45" دولة أرسلت قوات رمزية هذا عدا عن الدول التي لم ترسل قواتها، وحتى محاولات أمريكا أحيانا التملص من موضوع القرارات الدولية التي تخص بعض القضايا كقضية الشرق الأوسط لا يعني أنها بذلك تأخذ وجها قوميا. 

على الرغم أن الوجه القومجي _البروتستانتي لأول مرة يحتل هذا الموقع في الإدارة الأمريكية.

هذا الوجه الذي يعرف بالتيار المحافظ الجديد  داخل الحزب الجمهوري ولم يكن الفوز الهزيل لهذا التيار سوى تعبير عن أن المجتمع الأمريكي لا يختلف عن بقية المجتمعات التي تتصارع فيها التيارات السياسية لتحقيق برامجها ولكنها بنفس الوقت لا يعني أن هذا التيار سيبقى إلى الأبد كحالنا!

ليست الخلافات على مناطق النفوذ والتي لازالت تأخذ وجها دولتيا وتتلطى أحيانا خلف التحشيد القومي سوى تعبير عن تنافس. ما يهم الدولة منه هو الإنجاز وفي هذا المنحى لا تعتبر الدول أكثر من مشاريع-رساميل-تتنافس على الجدوى والربحية فطالب الاستثمار لاتهمه هذه اللعبة إلا من زاوية الجدوى الاقتصادية وهنا يحضرني مثال طريف عندما فكر للملياردير الروسي إبراهيموفيتش في الاستثمار في مجال الرياضة سافر إلى إنكلترا واشترى نادي "تشلسي اللندني" وهو من أكبر الصفقات في تاريخ الرياضة ما الذي حركه حسه القومي مثلا؟ وعندما نجد "المافيات السلطوية" توظف أموالها بالغرب هل تنطلق من الخصوصية القومية أم الدينية أم الثقافية بالله عليكم أخبرونا!؟ وكم هي الأموال التي تذهب إلى الحقول الاستثمارية في الغرب من قبل هذه المافيات باسم هذه الخصوصية القومية والدينية والثقافية؟ وهنا لابد أن نؤكد على أن هذه الوجوه الدولتية وما فوق الدولتية والقومية وما فوق القومية تتداخل في حركية معقدة من الصعب أحيانا الفصل فيما بينها ولكن تبقى هذه الربحية اللعينة تتحسس عبر مجساتها الظاهرة والمستترة طريقها نحو الجدوى الاقتصادية والأكثر ربحا وباتت الآن أكثر قدرة وإمكانية علمية وعملية سواء في دراسات الجدوى أو في البحث عن أسواق بكر وقطاعات اقتصادية جديدة وهذه مهمتها المركزية وما "صفقات الإنترنت" سوى تعبير عما وصلت إليه هذه  السيولة البينية وهذا القفز فوق الحدود القومية في السماء والأرض أيضا لازالت نتائجه في البدايات. هذا هو الأثير الذي بات يشكل العالم الآن،   حيث كان هذا الأثير ملكا للعالم وقد بات الأثير الآن يحاول امتلاك مستقبل هذا العالم.

هذا الأثير يقوم بأكبر عملية تفكيك وهدم ليس لهذه الحواجز التقليدية وحسب بل أخطر من هذا أن يقوم بتفكيك لكل الأنساق الجمعية

القيمية والنفسية والوجدانية وصياغة الإنسان "العالمي" أو "العولمي" إن شئتم والذي يسمى في بعض الأدبيات العصامية "بالإنسان الاستهلاكي" ولست الآن بصدد الحديث عن هذا الإنسان وهذا التحول الذي يجري على قدم وساق ودون استئذان لا من حكومات ولا من شرطة أثير و لا رقابة مطبوعات.وعلى الأنظمة التسلطية المتخصصة بهضم حقوق "رعاياها" حتى تتحصن عليها استحداث دائرة الرقابة على التنفس وترشيد استهلاك الهواء! كي لا تخترق الخصوصية من جهة وكي تفتح قطاعا جديدا "للفساد والرشوة والمحسوبية" باعتبارها المحرك للاقتصاد الدولتي.هذه السيولة المعلوماتية بدأت بزخم لا عودة عنه. خرج المنع من يد الحاكم ولكن هنالك حكام حاولوا منذ زمن بعيد حكم الأرض والسماء معا. نعم هذا هو المشروع الغربي بكل تناقضاته والتواءاته ولم يقدم نفسه بوصفه نظاما مثاليا وأخلاقيا وإن يوجد من يحاول تقديمه على أنه كذلك، بينما هو ليس أكثر من مشروع تاريخي فأمريكا التي تدعم الانفتاح هي أمريكا التي فعلت ما فعلته في سجن أبو غريب. أمريكا التي ترعرع في كنفها الفكر السلفي لمواجهة السوفييت هي نفسها الآن تطارد هذا الفكر وتمنع عنه الهواء والكلأ والماء! وهذه ليست تناقضات هذه الأمريكا وحدها بل هي تناقضات هذا المشروع برمته كي يتكونن،  يتكوكب، يتعولم إن شئتم. هذا المشروع تتعايش فيه جنبا إلى جنب العلمانية/الدينية، الحرية الفردية/الضبط المجتمعي، القومية الفاشية /الليبرالية الإنسانية، حقوق الإنسان/وخرقها، الإلحاد/الإيمان، المنافسة/الاحتكار، المحافظة/التقدمية، القومية/العالمية، ..الخ وكلها وجوه للمشروع الغربي إنها مزدوجات استطاع بثها خلسة وعلانية ليس في قلب الغرب فقط بل وفي قلب العالم أجمع لهذا يتم الحديث عن/التاريخ خارج التاريخ/، تاريخ من؟ تاريخ هذا المشروع نفسه لأنه أصبح عالميا محضا. قدم نفسه للعالم على مدار أكثر من أربعة قرون كما أنه مصالح وأخلاق حديثة، معرفة علمية لخدمة البشرية وغطاء نووي يستطيع تدمير هذه البشرية مئات المرات، حرية وإخاء ومساواة وكذلك استعمار احتلال عنصرية. قدم حق تقرير المصير وكذلك قدم استعمارا استيطانيا عنصريا. قدم حماية الأقليات الدينية والطائفية وقدم استغلالا مخيفا لهذه الأقليات في كثير من المناطق المتنازع عليها مثل لبنان، المسألة الكردية، المسألة اليهودية الخ..

ورغم ذلك وبعد كل هذا هل نحن خارج هذا المشروع؟ أم جزء عضوي فيه؟ وما هي بدائلنا إن كنا خارجه أو أن أردنا أن نكون خارجه؟  ولا نريد الخوض من جديد في علاقة الاقتصاد بالسياسة والمجتمع والمعرفة والقيم..الخ هذه العلاقة المعقدة والتي فيها من الإيديولوجيا أكثر مما فيها من المعرفة العلمية كحال الدرس الاجتماعي برمته، ونظرتنا ليست خارج هذا التراكب، ولكن نود مساهمة بسيطة حول قضايا عالقة وراهنة مثال مقولة "المجتمع المدني" ونسأل ببساطة السذج أليس عندنا مدن؟ في الواقع نحن نعتمد هذا المنطق الساذج مدن، مجتمع مدني، هو الأمر هكذا بدون توريات. والمدينة بالنسبة لنا هي من كافة الزوايا، نظريا على الأقل، هي علاقات ما فوق ريفية، فلاحية، عشائرية وغيرها، هي معمل، مدرسة، حي، دائرة حكومية،..الخ.ثم هي روابط العمل والدراسة والمصير الواحد للحي والنقابة والسياسة الخ..هذه الروابط هي التي تحتل الأولوية في حياة ابن المدينة، و لا يعني أبدا أن المحاولات الحثيثة للنظم المتخلفة ونقل الريف للمدينة تحت كافة المسميات والمعطيات تحول هذه المدينة إلى ريف أو عشيرة أو طائفة.الخ والناظر البسيط لو نظر بلا تعب سيرى كيف تتحلل هذه الروابط الما قبل مدنية، ولا أظن أن أسباب هذه التحلل خافية على أحد، وببساطة أكثر نقول إذا كنا قد استوردنا المدن فهل يمكن استيرادها فارغة، كمن يستورد معملاً جاهزاً ولا يريد عمالا!  دمروا المدن وتعالوا نعود للريف والبادية ونتخلص من هذا الإحراج المستديم، ليس لدي مانع ولكن قدموا لنا بديلا أيا يكن. لكن لا تتركونا معلقين بين الأرض والسماء. قولوا لنا هل نعيش في مدينة أم لا؟ إذا كنا كذلك فلا يمكن أن تعيش بمكان دون أن تعيش علاقاته! الموضوع

بسيط جدا.

هذا نظريا ولكن عمليا يبدو أنه معقدا لدينا نحن خاصة في بعض الدول العربية ومنها سوريا، فنحن نخاف العلاقات المدنية حرصا على وحدتنا الوطنية؟ ولماذا هذا الخوف وما هو منبعه في الواقع لا أعرف، مع ذلك نقول ونسأل هل يعود السبب في تضعضع الوحدة الوطنية في لبنان أو أحداث الجزائر إلى مخاوفنا؟ في سوريا أزعم، حتى ولو من باب الأمنيات، أن التفتح المدني لا يشكل خطرا على وحدتنا الوطنية وأزعم أيضا أن شعبنا بدأ يتلمس طريق التعايش الوطني والمواطني وهذا لايعني بأي حال من الأحوال أن الخطر ليس موجودا ولكن وجود الدولة هو الضامن الأكيد لتفتح هذا المجتمع،لكن هل السلطات الحكومية لها مصلحة في هذا التفتح المدني لمجتمعنا؟ والخطر الحقيقي هو في ديمومة هذا الوضع المعلق لامع الذين آمنوا ولا مع الذين كفروا "لانحن مع المجتمع المدني ولا نحن مع المجتمع الأهلي ولا نحن مع المجتمع الريفي" أين نحن إذن، في أي مجتمع نعيش؟ وعلى عكس المقولة الرائجة لسنا مجتمعا شموليا في نظام شمولي. نحن مجتمع هجين بين كل هذا الما قبل مدني نحن مجتمعا اشتراكيا في مجتمع رأسمالي على هامش مجتمع اللامجتمع فنحن جماعة الله ومجتمع مؤمن وعلماني تقوم فيه أفخم المساجد والبطالة منخفضة جدا..الخ.

هذا المثال حول المجتمع المدني، أردنا منه الإشارة إلى المأزق التاريخي الذي نعيشه في أوطاننا المنكوبة وإلى الطريقة التي ننظر فيها إلى هذا المأزق ثم لدينا مثال أخر لم تعد الدولة القومية خارج العلاقة الدولية فهي باتت على قدر قوميتها على قدر عالميتها، العالمية هي الآن في الصميم الوظيفي للدولة القومية"الوطنية" إن شئتم، فهي منخرطة في البحث الدائم عن أسواق، عن رؤوس أموال استثمارية، عن أحلاف مؤيدة، داعمة، أمنية واقتصادية وسياسية، لها صوت في الأمم المتحدة للمشاركة في القرارات التي تساهم في تحديد مصير العالم، وكم هي الدول القومية المتواجدة خارج اتفاقيات"الغات"؟ ألا تسعى الدول الشرق أوسطية ومنها العربية لإقامة علاقة شراكة مع أوربا، ووفق المنطوق القومي والمتمحور حول ما يسمى بالخصوصية القومية والثقافية هل هذه الشراكة بين أطراف أنداد كل طرف لا يتدخل بالشؤون الداخلية للطرف الآخر؟ أجيبونا من فضلكم.

ألا تبحث أوروبا عن مصالحها؟ وما هو الفرق بين المصالح الأوربية والمصالح الأمريكية؟ هذا بالنسبة للسلطات؟ أما بالنسبة لأوساط المعارضة  الديمقراطية فالسؤال هنا هو هل أوروبا أكثر اهتماما بقضايا حقوق الإنسان من أمريكا مثلا؟ دعونا لا نتجنب من جديد هذا التكتيك المفعم بالشطارة.

ونسأل بوضوح تام وأرجو أن تجيبونا بصراحة. ماهي الأجندة الأوربية في المنطقة؟ والدرس الجزائري الأمريكي، الفرنسي، ليس بعيدا حيث لا زالت آثاره حاضرة في الجزائر، إذا هذه الوظيفة العالمية هي هل يمكن لهذه الدولة "القومية" ممارستها من خارج هذا المشروع الكوني؟ وللأسف حضرني مثال طريف الآن قائد ثورة الفاتح قدم تنازلاته وبرامج أسلحته لأمريكا بينما من استقبله هو الاتحاد الأوربي، ولازال نظامه على القائمة السوداء لوزارة الخارجية الأمريكية؟ وتركوه ينصب خيمته "الأفريقية" في حديقة المفوضية الأوربية.

والنتيجة بالنهاية بات من الصعب على الدولة القومية أن تحافظ على نسقها الوظيفي القديم مهما كانت درجة مناعته أو درجة تكلسه؟ وبالتالي ماذا تعني هذه العالمية وما هي انعكاساتها الحالية والمستقبلية؟

 نحن الآن في سوريا نحاول ومنذ زمن أن نبين للعالم خطأ السياسية الأمريكية في المنطقة وتحاول حكومتنا إيجاد رأي عام عربي وعالمي داعم لرؤيتها وموقفها، مع أن لا أحد يقدم هذا الدعم بلا تبادل مصالح سواء في أوروبا أو غيرها من دول العالم، وليس الاستفادة من التناقضات الدولية في خدمة هذا الهدف خطأ ولكن ما هو سقف هذه الاستفادة، وأصلا ما هو سقف هذه التناقضات ؟؟ ورغم هذه الحركة إلا أننا محكومين بمقولات مسبقة كرسها الفهم القومي عبر سنين طويلة لدرجة باتت تحكمنا الكثير من المسلمات التي أكل الدهر عليها وشرب مثال مقولة الوحدة العربية هذه المقولة التي حكمت فهما معينا لا أظن أن ما وصلنا إليه يشير إلى أن هذا الفهم لازال صالحا للعمل في هذا الزمن،  لو أجرينا استفتاء شعبيا

هل يمكن تحقيق الوحدة العربية بوجود هذه  السلطات العربية التسلطية وقيام الوحدة يتطلب أن تتمتع الشعوب [بإحساس الحرية كي يتسنى لها أن تختار الشكل السياسي لنظام الوحدة المنشود ]وهل تقبل أيا من هذه السلطات التنازل لأجل هذه الوحدة؟؟التي تنادي بها ليلا نهارا ودفعت الشعوب ثمنا باهظا من جراء هذا الاتكاء الماهر من قبل الأنظمة العربية على هذه المقولة وغيرها من المقولات التي يروجونها عن طريق ما أسميه التبادل النمطي والبرنامجي البيني والمثير بين المعارضات ذات النمط الواحد والبرامج المشتقة من التبادل البرنامجي للسلطات العربية بحيث لم نعد نعرف أين هي المعارضة وأين هي السلطة ؟؟ لنتذكر المعارضة الدينية في سوريا واتكائها على النظام العراقي في إعلانها حربا طائفية على السلطة السورية ولم تستطع أن تقدم نموذجا أرقى سياسيا وأخلاقيا رغم اتكائها أيضا على النظام السعودي والنظام الأردني، وبالمقابل كنت تجد المعارضة العراقية والأردنية والمصرية..الخ متمركزة في سوريا وللتذكير ربما حزب العمل الشيوعي في سوريا الوحيد من المعارضة السورية في تلك الأيام لم يتكئ على أي نظام عربي ورغم ذلك تمت تصفيته عبر سياسة اعتقال الماء حتى يموت السمك !!والآن نسأل هل يمكن لهذا التداخل النمطي –ذو النمط الواحد-البيني المعارض والسلطوي أن يحقق الأهداف القومية التي ينادي بها، فإذا عجز ت عن تحقيق الأهداف القطرية فكيف لها أن تحقق الأهداف القومية..؟

   معارضة عراقية في سوريا--------السلطات العراقية

  معارضة سورية في العراق--------السلطات السورية

 وكذلك مصر وليبيا، اليمن والسعودية..الخ، ما هي النتائج التي تحققت سواء في سوريا أم في العراق جراء هذا التداخل ؟؟

 هل هذه الإقليمية والعالمية للدولة القومية في تقدم أم في تراجع ؟وماذا يترتب على هذه النتائج في التغير المطرد لوظائف الدولة القومية أو((الوطنية))؟ وهل هذا التغير يتم  بالاندماج المطرد بالنظام العالمي أوالعولمي أم بالانفصال المطرد عن هذا النظام ؟

النتيجة المباشرة لهذه القراءة السريعة للمشروع الغربي –بما هو أيضا مشروع وضعي رسمالي قيميا واجتماعيا..الخ-لسنا خارج تاريخه بغض النظر عما نقول وتأمل بذلك بعض السلطات العربية، وهذا يقتضي قراءة ذاتية عميقة وأن تسمح هذه السلطات لهذه القراءة الصريحة بأن يتوفر لها الأجواء المناسبة ؟؟وكفرضية للحوار ننهي بها هذا الجزء

كان النظام الدولي للحرب الباردة يهتم بالسلطات السياسية وفق مقتضيات المعسكرين بينما النظام الدولي الحالي يهتم بالدول والبنى ما فوق دولتيه.

والمقصود لا يهم في السابق سوى الموقف السياسي للسلطات من قطبي الحرب الباردة، بينما الآن يتم الاهتمام ببنى الدول التي يجب أن ترتكز على النهج المؤسساتي والقانوني ؟؟ وفق ما أسميه بالتحديث العولمي للنظام العالمي الجديد وإن شئتم إعادة الإنتاج الموسع للمشروع الغربي كي يصبح أكثر كونية وبقدر تقدمه كونيا بقدر ابتعاده عن بقاءه غربيا وهذا سر تناقضه الدائم.

                                  *       *        *

                                أفكار حول الإصلاح

                                            -2-

                                     [ التيار الإسلامي]

خير بدء لهذا الحديث هو السؤال عن تاريخية وجود هذا التيار، كيفية انبثاقه، ومضمون خطابه؟

 هذا السؤال في الواقع ليس جديدا، سؤال تم تناوله في كثير من البحوث والدراسات التي صدرت عربيا وعالميا،  وفي هذه الدراسات لم يتم وفق قراءاتنا تناول الموضوع من زاوية،  أثر المشروع الغربي والتجربة السياسية الغربية –باستثناء الفهم التاريخي لأستاذنا  الكبير محمد أر كون _ هذا الفهم الذي يعتبر أن نشوء هذا التيار السياسي الإسلامي يأتي في سياق صيرورة معقدة لعلمنة المجتمعات الإسلامية، هذا الابتسار لفهم هذا  الباحث يساعدنا على الدخول إلى ما نريده وبغض النظر عن موافقتنا لهذا الفهم أو عدمها. والذي فحواه أن هذا التيار أو التيارات إن شئتم قد نشأت في تفاعلية المجتمعات الإسلامية مع المشروع الغربي والتجربة التاريخية لهذا المشروع والتي لازالت مستمرة وليست بذلك بعيدة عن صيرورة نشوء التيارات القومية والماركسية و اللبرالية لقد زحف هذا المشروع إلى بقية العالم الذي كان خارجه بكل نماذجه المثالية والتاريخية، وهذا لا يعني أن هذا النشوء  وصيرورته المعقدة بالمعنى التاريخي قد تم بقرار استعماري فقط بل هي حركة تاريخية وموضوعية بالدرجة الأولى فهذا المشروع لم يحضر معه عسكرة فقط بل أحضر معه تجربته الصاعدة والتي لازالت كذلك تجربته المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقيمية..الخ

فإلى جانب العسكر والمآسي التي يحدثونها أينما حلوا، كانت هناك البعثات التبشيرية والتنويرية فسرقة آثار الشعوب لا تتم دون دراستها.

والبحث عن الثروات وجنيها بحاجة إلى خبرات وإلى اليد العاملة في المستعمرات وتنظيم من نوع ما يهيئ الوضعية الأمثل للاستغلال، كما لا يعني أن نشوء بعض التيارات في سياق ردة الفعل على ما قام به هذا المشروع من مآسي في السياقات الاستعمارية قد أتى من خارج هذا الفضاء التاريخي لهذا المشروع وفعله الذي لازال مستمرا في هذه المجتمعات "غير المجتمعية"! والتي فرض عليها ولازال يفرض عليها التحول إلى مجتمعات وفق المنظور الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول من هذه الأفكار، وهذا لم يأتي بفعل قرار سياسي رئاسي أو ملكي، بل هو سياق تاريخي تحدث عنه ابن خلدون قبل ذلك، كما تحدث عنه ماركس في عملية تاريخية وليس عملية تقليد المغلوب للغالب هي عملية شعورية فقط بل هي عملية لاشعورية أيضا وهذا هو الأخطر بالموضوع على الرغم من المفارقة الطريفة أحيانا بأن هنالك في صفوف الغالب من يبدي مقاومة شرسة من أجل ألا يصبح المغلوب على صورته! وربما تكون أشرس من مقاومة المغلوب في رفض الغالب وصورته ونماذجه وقيمه..الخ.

 مثال الموقف من ظاهرة "التمييز العنصري" والتي تعتبر هيا البنت الشرعية في فترة ما لهذا المشروع -الرأسمالي كي لا ننسى الواقعة الأساسية! الغربي إن أشرس النضالات ضد هذه الظاهرة الوليدة اللاأخلاقية لهذا المشروع أتت من قوى فاعلة داخل المجتمع الرأسمالي أولا! ورغم أن المقاومة بقيت شرسة كي لا يتم منع هذه الظاهرة من الحياة والاستمرار.

هذا الاجتياح لبقية الأرض التي كانت خارجه ولد تشظيا للأنماط التقليدية لهذه المجتمعات ـ تشكلت الدول، أقيمت الخرائط، وتشكلت العلوم المختلفة لدراسة هذا الخارج لاستكشافه من كافة النواحي وإدماجه كي يصبح داخلا وهذا ما حدث وكل التشكيلات اللفظية والخطابية التي تتحدث عن الاستقلال والتبعية باتت نافلة ولم يعد لها أكثر من قيمة معرفية من الزاوية التاريخية المحضة، هذه الوضعية المعرفية التي مهدت الطريق لها الاجتياح سواء الفكر التنويري الذي اجتهد كي يزيل الإله من التاريخ بكل تفاصيله وإرساله إلى قلب أفراد يتعاملون يتعامل معه بطريقتهم الخاصة سواء منها المؤمنة أم الملحدة، فلم تعد هذه القضية تشغل بال التاريخ الجديد لهذا العالم الذي بات يرسمه في كل لحظة هذا المشروع وهذا ما أحدث زلزالا على مستوى البشرية كلها فهو لم يعلم مجتمعا محددا بذاته بل كانت صيرورة وأصبحت كونية وانتشرت هذه المقولة التاريخية انتشار النار في الهشيم.

إذا هذا التيار هو تيارا سياسيا تاريخيا ومشروطا بتاريخية نشوءه وممارساته السياسية والاجتماعية أكثر مما هو مشروط بحنبلية الدين الحنيف.

 وإن حاول عبر خطابه اليومي إظهار الأمر بأن المسافة معدومة بين الدين والسياسية لديه. وهذا محض افتئات على طرفي المعادلة وعلى تاريخية هذه  النشأة.ومن هذه الأرضية سننطلق لمناقشة ما عرف ب"مشروع ميثاق شرف وطني للعمل السياسي.الأخوان في سورية يتمسكون بالحوار والعمل  الديمقراطي ونبذ العنف" بتاريخ 03/05/2001.

1ـ مصادرة على المطلوب:

 يقول نص الميثاق بالحرف وأول هذه الثوابت أن( الإسلام) بمقاصده السامية، وقيمه العليا، وشريعته السمحاء، يشكل مرجعية حضارية، وهوية ذاتية لأبناء هذه الأمة، يحفظ عليها وجودها ويبرز ملامح خصوصيتها، ويشكل مضمون خطابها للناس أجمعين.

 والإسلام بالنسبة لأبناء قطرنا العربي السوري، إما مرجعية دينية أو انتماء حضاري، فهو بالتالي كلي جامع لأبناء الوطن، موحد بينهم، حافظ لوجودهم.

 إن وضع المواطن السوري تجاه هذا الحد يعتبر بحد ذاته حساسية بالغة الخطورة، وكأنه في بحر من الدوارات الرملية المخيفة والتي تقول ها نحن قد رسمنا لك الحد بغض النظر عن رؤاك وقناعاتك وديانتك وقوميتك..الخ.

 في البدء أريد أن أسأل،  هل المسلم الذي يعيش في الهند تشكل الحضارة الهندوسية أو البوذية مرجعية حضارية أو انتماء حضاريا، وهل المسلم الذي يعيش في أوربا يعتبر أن الحضارة المسيحية القروسطية تشكل بالنسبة له انتماء حضاريا؟ هل دفع الجزية بالنسبة للمسيحي تشكل بالنسبة له مرجعية حضارية؟ ما المقصود  بالمرجعية الحضارية؟ إذا كانت هي الفضاء العربي الإسلامي سياسيا واجتماعيا وقيميا..الخ بالمعنى التاريخي، فهو ليس فضاء موحدا على كافة هذه المستويات، وبقيت الانقسامات معششة في طيات هذا الفضاء وقابلة للتشظي في كل لحظة، إذ لم يعتبر هذا الفضاء، على الرغم من إنجازه الحضاري الفذ، المواطن المسيحي مواطنا من الدرجة الأولى، دعونا لا نناور كثيرا على هذه النقطة هذا الموقع المسيحي داخل هذا الفضاء يجعل مسيحيي العصر الراهن لا يشعرون بالانتماء لهذا الفضاء، وكل محاولات المفكرين المسيحيين النهضوية تصب في خانة الفصل بين التجربة الإسلامية والفضاء العربي وهذا   وجه آخر للتشظي الذي تحدثنا عنه، البعث، القوميين السوريين، حركة القوميين العرب.القوة الوحيدة لهذه التيارات هي العلمانية بكل دلالاتها التاريخية، والبحث عن موقع الذات العربية داخل هذا الفضاء الإسلامي، ولازال الخلاف قائما بين مدلولين الحضارة الإسلامية وما يتبعها من  مفهوم "الأمة الإسلامية" والحضارية العربية وما يتبعها من مفهوم "الأمة العربية "، وهذا الخلاف الحديث والمعاصر يدل على شرخ عميق في هذا الفضاء، وهذا ما يؤكده الفهم الذي يطرحه ميثاق الإخوان المسلمين الذي يحاول أن يقول قف على أرضية الشريعة الإسلامية وتعال نتحاور، هذا  لم يعد حوارا بل حصارا، لأننا أمام خيار عميق ومر بين أن تكون الدولة الديمقراطية الحديثة الملاط الذي يجمع الشعب السوري بكل فئاته وشرائحه  القومية والمذهبية والدينية والطائفية وبين أن تكون دار الفتوى الإسلامية المعاصرة هي الملاط الذي يجمع هذا الشعب، وخيار الإخوان المطروح في  ميثاق الشرف هو الثاني ويحاول تزيينه لأسباب سياسية لحظية بالحديث عن الحوار وصناديق الاقتراع..الخ لنخرج من هذه اللعبة ولا نصادر الواقع  السوري الذي ـ موضوعيا ـ لا يقبل بالخيار الثاني ليس لسوء نوايا تجاه الإسلام بل بحكم الطبيعة الاجتماعية للمجتمع السوري وحدها التي يحق  لها المصادرة على المطلوب [ إن الحوار يبدأ بقبول المشترك الرئيسي الذي يجمع كل هذه الفئات وهي الدولة الديمقراطية الحديثة ] لأنه وبكل  بساطة لا يمكن للدولة الإسلامية السنية! أن تكون جامعا مشتركا بين أبناء هذا الشعب ليس كرها بالإسلام ولكن إذا كنت أنا بالولادة والنشأة  مسيحيا أو يزيديا هذا من جهة ومن جهة أخرى أقل عمومية إذا كنت علويا أو درزيا أو إسماعيليا أو جعفريا أو شيعيا أيحق لي ما يحق للمسلم السني!!؟

 وكل هذه الطوائف موجودة وفاعلة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا.الخ فإذا كان هذا الملاط لم يستطع جمعها في السابق فهل سيستطيع جمعها الآن؟

 ولا أظن أن من يقول بميثاق الشرف، إن المواجهة بين العروبة والإسلام كانت عنوان مرحلة تاريخية انصرمت.الخ، لا يدرك حجم هذا الشرخ، بل هو يدرك ذلك أكثر من غيره، لأنه تجلي من تجليات التناقض الديني، السياسي، هذا التناقض هو أساس المأزق الإسلاموي، والذي لم  يستطع أن يجد له حلا ولن يستطع وفق منطق الثوابت المطروح في الميثاق.

   المراجعة المبتورة، النص الديمقراطي ليس التاريخ عبارة عن قصاصة ورق فالمعاصر لا يتحول إلى نص إلا بعد أن يراكم حدثه  بتفاصيله، فالنص المعاصر لا يتحول إلى حفرية إلا بعد أن ينسجه المستقبل في طياته عندها يتوه الحدث ويصبح النص وثيقة، أما أن يطوي النص الحدث ويحول دفته تحت شبكة ملفوظا ته كما تفعل السلطات التسلطية دوما فهذه مشكلة التاريخ عموما والتاريخ الإسلامي خصوصا، لأن النص فيه هو إلغاء للتاريخ نفسه وكأن البلاء هو في اللغة رغم أن اللغة هي لغة النص الحاكم، وهذا النص الفصل/ الفيصل لا يقبل المراجعة لا الذاتية و لا  الموضوعية، هذه لغتي ولغتي ليست عرضة للمراجعة فكيف يكون النص ديمقراطيا واللغة لا تقبل المراجعة والنقد.فإما أن يكون النص مقدسا أو يكون  تاريخيا ؟ فلا مجال لحل آخر في المعطيات التجريبية للبشرية.حتى الآن ماذا يحدث لاحقا هذا مرهون بهذه التجربة البشرية ذاتها.

 ؟ لماذا تحاصرونا في هذا الحد ؟ في هذا الملعب الذي لا يقبل سوى لاعب واحد ؟ هكذا تأتي الثوابت وهي فعلا ستبقى ثوابت على ما يبدو ولكن إلى  متى؟ أن يختار الفرد، وفق معاييره الذاتية والقيمية والوجدانية، ثوابته فهذا حق من حقوقه، لكن أن يصبح هذا الحق مفروضا بقوة النص الجمعية فتلك هي المأساة، ومن الصعب إن لم يكن من  المستحيل أن يصبح النص ديمقراطيا، فكيف هي الحال في تاريخية هذا النص فهذا النص لا يوجد فيه ثوابت  بل هو بمحتوياته هو ثابت الثوابت الذي لا يتزحزح ولا يقبل المراجعة كالحد العرقي في النص التلمودي.

 وعند إنزال النص إلى التاريخ ولا يصبح هذا النص تاريخيا وغير قابل لأن يكون كذلك فما هو الحل؟ هو نصا إلهيا فكيف يصبح تاريخيا والتاريخ هو سيد التغيير واختراق النصوص والثوابت! حتى أن هذا النص لا يقبل أن يكون حفرية للتنقيب المعرفي، علينا إبقاء هذا النص في عليائه ودون أن ننزله من سدته المتعالية طالما هو المقدس الثابت الذي لا يزول.

 الثابت لا يقبل الحوار كما أنه لا يقبل بثابت غيره، وليس لديه متحولا سوى الموت والولادة.

 أليست الثوابت بنص الإخوان المسلمين في سوريا، ميثاق الشرف، ووفق الطبيعة التاريخية والاجتماعية للمجتمع السوري تشكل ليس مصادرة على المطلوب فقط بل إرهابا فكريا وسياسيا وأخلاقيا. نحن رغم كل النقد هذا، الغاية هي الوقوف على الأرضية الديمقراطية المواطنية الحديثة  كما جاء في بند "الأهداف" في هذا الميثاق. أنتم وفق الميثاق ضد المادة الثامنة من الدستور السوري والتي تنص على، حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة..الخ، لا أفهم هذا التناقض في الواقع، كأننا بذلك، من تحت الدلف لتحت المزراب، كما يقول  المثل العامي(( باللغة الشامية)).رغم أهمية الطرح للأجندة الديمقراطية في بند، الأهداف، حول دولة المؤسسات والقانون والمواطن والحق المتكافئ  لكافة المواطنين. وهذا الطرح القوي والصحيح في هذا البند من أجل أهداف المجتمع ولكن ما الغاية من بند الثوابت؟ هل للتأكيد بأنكم مسلمين مؤمنون، عربا تسعون لتحقيق الوحدة العربية، ومنفتحون على تجارب الأمم الأخرى.

 هنا نود أن نسأل هذا التأكيد العروبي الإسلاموي يشير وكأن هنالك من يشكك بهذا الانتماء؟ وأين موقع المواطنين المسيحيين  من هذه المعادلة؟  وبصراحة أكبر إذا كنتم ترون أن التجربة الإسلامية تشكل انتماء ومرجعية؟ فهل توافقون على أن تشكل التجربة المسيحية في المنطقة العربية انتماء ومرجعية بالنسبة لكم؟

 المراجعة قائمة وملموسة لكنها مبتورة وغير كافية حتى وفق المعيار الديمقراطي المطروح لديكم في بند الأهداف. فالمطلوب برنامجاً ديمقراطيا لكل السوريين على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم هذا بالحد الأدنى. ومطلوب الوقوف أمام الأحداث الطائفية العنفية في أواخر السبعينيات  وأوائل الثمانينيات، وفق مراجعة عميقة لا تكون ردة فعل على ممارسات السلطة أيا تكن، هذه الإحداث التي أكثر ما تؤشر إليه هو أن المجتمع  السوري لا يحتمل العصبيات الطائفية وعلى جميع السوريين في نظام الحكم والمعارضة أن تكرس برنامجا تصالحيا شاملا، ديمقراطي،  يأخذ بشكل جدي هذه الخصوصية الفسيفسائية للمجتمع السوري، مع التأكيد أن هذه الفسيفسائية سوف تتفتح بالديمقراطية ويزداد انتمائها  للوطن بمعزل عمن تكون القوى الحاكمة، وهنا لابد من التأكيد على أن إزالة ذيول تلك اللطخة السوداء في تاريخ سوريا، وهنا لابد من القول للإخوان المسلمين عليكم الاعتذار من الشعب السوري عموما ومن أبناء شعبنا من الطائفة العلوية، وهذا يقتضي أيضا  أن يقوم حزب البعث  بالاعتذار من الشعب السوري،لأن السيد الرئيس بشار الأسد غير مسؤول  عن أحداث تلك المرحلة لأنه لم يكن صاحب قرار في تلك المرحلة،ومع ذلك نتمنى من السيد الرئيس  توفير المناخ الديمقراطي والمدني الذي يساعد الجميع على إزالة آثار تلك المرحلة وذيولها سياسيا و إنسانيا ووطنيا،عبر خطوات قانونية واضحة تبث روح التسامح والانفتاح بين كافة قوى وفئات الشعب السوري، وعبر خطوات ملموسة ومباشرة.وهذا الاعتذار مطلوب من كافة أحزاب الجبهة   الوطنية والتقدمية أيضا. ونقول ذلك حتى لا يطمس النص التاريخ تحت رماده.يجب الانتهاء من هذا..

 كنا قد رفضنا أي سلوك طائفي للسلطة في تلك الأيام ونرفضه الآن ولكن المطلوب من قوى المعارضة أكثر مما هو مطلوب من السلطات في أي بلد  من بلدان العالم أخلاقيا وسياسيا ومبدئيا، ولا أظن أن ثوابت [ميثاق الشرف ]تشير بهذا الاتجاه، ربما تكون قراءتي خاطئة ولن تبقى الغاية إلا التقدم  خطوة بالحوار إلى الأمام لما فيه خيرا للجميع سلطة ومعارضة وشعبا تتربص به تحديات حقيقة ومخيفة.

                                                         أفكار حول الإصلاح

                                            ـ 3ـ

                     [سوريا بين متطلبات الداخل وتحديات الخارج ]

  البداية هي مسافة بين الذات وبين الموضوع، مسافة صغيرة للتجريد والتجرد، مسافة لا تجعل الموضوع يتوه بنا في حبائل إغراءاته، لا يسحبنا من  يدنا ظاهراتيا، مسافة تنقذنا ما أمكن من تلوينات الذاتية وأقنعتها المتكثرة في مخزون معاييرها، وإن وجدت هذه المسافة فهل توجد المساحة بين السلطة وبين المعارضة؟ لست حياديا هنا فأنا مواطن سوري أولا وأخيرا لم يرتزق سلطويا، ولم يدخل في خضم دائرة العلاقات العامة لأروقة المعارضة في  الداخل والخارج لا سلطة تصغي ولا معارضة تسمع فالدولتية الحربائية في سوريا على مدى أربعين عاما استطاعت أن تنجو من التسمية  وبرأيي هذا أخطر ما في الأمر تعالوا نستعرض قائمة التسميات دولة تسلطية، نظاما شموليا، ديكتاتورية ذات سمات طائفية، نظاما وطنيا شعبيا، هذه التسميات وغيرها كثير كانت لدى المعارضة اليسارية، أما لدى المعارضة الدينية على مختلف صنوفها فقد كانت التسمية المتداولة نظاما طائفيا.

 حتى لدى الكثير من الباحثين الغربيين يستمتعون بالقول نظاما ديكتاتوريا علمانيا، وهذا يربك أكثر أيضا خصوصا مع لصق صفة الإرهاب من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، هذه الدولتية التي تتلون تارة اشتراكيا وتارة رأسماليا وتارة شعبية ثم فئوية..الخ. كل هذا يقودنا إلى استنتاج بسيط أنه المزج الموضوعي والذاتي بين دولة ضعيفة تحاول البقاء وبين سلطة شخصا نية قوية اقتصاديا وأمنيا بمساندة المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وهذا المزج المرتبط بالطبيعة الفسيفسائية للمجتمع السوري جعل الأمر يبدو كأحجية، هذا الهروب الذكي من التسمية أصبح سمة من  السمات الاستراتيجية لعمل السلطة على مدار ثلاثة عقود، بالنسبة لهذا الاشتقاق المفاهيمي لا يرتبط بالأشخاص وإنما بممارسات سلطوية ودولاتية. وليس مهمة البحث تناول الشخصيات الشخصية والاعتبارية، رب قائل من أنت حتى تتكلم عن الصلح والتسامح ؟ أقول أنا مواطن سوري وبلا تسميات أخرى. وحربائية الدولتية تتجلى في المد والجزر في علاقة الدولة بالقطاع الخاص غير المحددة المعالم تماما كتعامل السلطة الشخصانية مع ما  عرف ب"قانون الطوارئ" الذي تنادي المعارضة بكل صنوفها بإلغائه وباعتقادي هذا ليس بيت القصيد إن اجتماع الشخصانية والطوارئ يتيح بشكل  كامل ما أسميه، الطوارئية المتحركة، والتي تتيح أكبر وأوسع هامش من اللا قانون وهذه السمة الأبرز في العقود الماضية قبل مجيء السيد الرئيس بشار الأسد إلى السلطة وبالتالي يمكن تخيل الوضع أحكام عرفية +قانون طوارئ متحرك +الممارسة اللا قانونية الواسعة التي يتيحها الطابع السري لطوارئية الحرب مثال، هل هنالك نصا في قانون الطورائ ينص على أن يقول لك المحقق يا ابن القحبة. أو يقول لمعتقلة سياسية يا بلاعة..وهل ينص أيضا على استخدام الكرسي الألماني أو الدولاب أو البقاء في السجن لعقود دون أي شكل من أشكال المحاكمة..الخ لهذا إن كان لابد من بقاء هذا القانون فإن المطالبة بتطبيقه على أرضية، قانون جائر خير من لا قانون. واللاقانونية هي السمة الأبرز لتلك العقود وليس قانون الطوارئ.

 هذا الالتباس العميق الذي رافق سلطة البعث وهنا مثال آخر اهتمام السيد الرئيس الراحل اهتماما شخصيا برغيف الخبز الرخيص والمتوفر للمواطن بينما  كثير من قيادات الصف الثاني والثالث والرابع في كافة قطاعات الدولة تتمتع بامتيازات تفوق الوصف حتى يمكنك ألا تجدها عند أمراء الخليج التي تصل ثرواتهم حدود الكفر والتبذير الاستهلاكي المطلق! وأظن أن الكثيرين أجادوا في الحديث عن الفساد.هذه لمحة وجيزة عن آلية عمل لفترة عقود.

 آلية وفق سياق ثلاثي التفاعل 1

1- مستوى سياسي مصادر وهذه غير قابلة للنقاش.

2ـ الفساد الاقتصادي والمحمي بفعل اللاقانونية التي وفرها  قانون الطوارئ نفسه.

3ـ تزاوج علماني، عرفي تقاليدي سمح للجهوية والفئوية العصبوية بالتقدم لتبرز أحيانا وكأنها اللولب أو الدينامو المحرك لكل  هذه الآلية.هذا التمازج المعقد تكاتف مع هامش مناورة سلطوي، تداخلات إقليمية متشعبة، معارضة يسارية مقموعة ومعارضة أخذت وجها سلفيا طائفيا، أدى كل هذا إلى دخول البلاد في نفق الارتجال السياسي والاقتصادي والثقافي. لأن على الأقل لم تسمح الأحداث الإقليمية بالهدوء النسبي ولازالت وهذا ما شكل رغم خطورة هذه الأحداث، والتي ما زالت مستمرة وبشكل أخطر، هامش مهم من الحركة للسلطة السياسية بينما نجد زيادة مطردة في معدلات الفساد والإفساد على حد تعبير ـ د.تيزيني ـ.بالتالي يمكن البدء في الحديث عن الإصلاح بعقدة مركبة ومتداخلة.

 1ـ قوننة المستوى السياسي حزبيا ومدنيا.

2ـ القضاء على مؤسسة الإفساد.

3ـ تقديم تصور سياسي واقتصادي لمستقبل البلد في ظل هذا الخضم المتلاطم من حولنا.

 هذا على المستوى الداخلي أما على المستوى الخارجي هنالك ثلاثة تحديات وهي:

 1ـ استعادة الجولان المغتصب.

2ـ الهجوم العسكري والسياسي الأمريكي على المنطقة وكيفية مواجهة هذا الاختراق القائم على قدم وساق.

3ـ الوضع الإقليمي لسوريا في علاقاتها مع دول الجوار.ولابد من التنويه أنه آن الأوان للتفكير بملابسات حالة اللا حرب واللاسلم التي تعيشها سوريا منذ حرب تشرين التحريرية.وما ترتب على هذه الحالة من تآكل داخلي وخارجي للوطن.

 إن تقديم تصور سياسي لعملية الإصلاح في سوريا هو غاية في التعقيد وأهم ما في هذا التعقيد هو طبيعة اللوحة الداخلية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وهذا الهاجس الذي يحكم القوى السياسية في السلطة والمعارضة حول الخوف من التغيير الذي يمكن أن يؤثر سلبا على وحدة المجتمع  السوري، وبعضهم يرى أن أي تغيير ديمقراطي يمكن أن يؤدي إلي فرط الوحدة الوطنية في سوريا، ورغم كل هذه التخوفات نجد أن السلطة لا تريد اقتراب التغيير من المستوى السياسي، والمعارضة تريد أن يبدأ التغيير بالمستوى السياسي، هذا جوهر الخطاب السياسي السوري بشقيه  ويصبح أي طرح غير هذا هو خروج إما عن اللا قانون بالنسبة للسلطة أو انتهازية لدى المعارضة الديمقراطية وغيرها.!! وهنا يجدر بنا السؤال هل  هذا الهاجس حقيقي أم هو تبريرا لعدم المضي قدما في عملية الإصلاح الشامل ؟ أظن إن هذا الهاجس حقيقيا واستخدامه كمبرر أو تضخيمه لدرجة  تجعل الأفق مغلقا بوجه الإصلاح هي قضية غير صحيحة.ووجود هذا الهاجس يفترض أن يتحول إلى حافزا للإصلاح.

 الدولة موجودة وأجهزة القوة موجودة لماذا لا نمضي في العملية الإصلاحية وفق رؤية مدروسة ونابعة من مسألة على غاية من الأهمية وهي أن الإصلاح هو حالة أمان وضمان للجميع بلا استثناء حتى أصحاب رؤوس الأموال المسروقة جراء استراتيجية الفساد،  دون أن يعني استمرارا  لعملية الفساد، بل أن يكفروا عن ما ارتكبوه بحق الوطن والمواطن من خلال تحولهم إلى رجال أعمال وطنيين ومحترمين هل هذا صعب عليهم أم  أن اللصوصية باتت جزء عضويا من دمائهم. وهنا لابد من القول كيف يمكن الحديث عما تسميه المعارضة التصالح والتسامح دون أن تمتلك تصوريا عمليا عن هذا الأمر؟  فالحديث المستمرعن الثلاثية الديمقراطية

 1ـ حرية الرأي والتعبير.

2ـ القوننة.

3ـ تداول السلطة لم يعد كافيا كما  كان لأنه عبارة عن تأطيرا نظريا عاما للعملية الديمقراطية ليس كافيا لإنتاج صيغة عملية للإصلاح الديمقراطي في بلدنا.

 تصور أولي هل تقبل عقلية البعث الحديث عن تداول سلطة ؟ هل تقبل، أن تجد نفسها خارج الحكومة في عملية انتخابية نزيهة، وإنني أتحدث  هنا دون أن أنسى الهامش المتاح من الحرية النسبية الذي أتاحه مجيء السيد الرئيس بشار الأسد إلى السلطة ولا أظن أن هذا الهامش تكتيكيا فقط بل هو، رغم أنه يضيق ويتسع في عملية غير معروفة وغير مقوننة، محاولة استراتيجية للبدء بالإصلاح أيضا رغم التراجع الملموس لأسباب نجهلها  في الواقع، إن تصورنا يتمحور فكريا ومبدئيا حول الخروج الوطني العام من هذا النفق الركودي الذي تتآكل معه كثير من المقومات وأهمها ارتباط  السوريين بوطنهم(لاحظوا معدلات البحث عن الهجرة، البطالة، تدني مستوى الأحلام والطموحات عند الناس، تراجع الاهتمام بالشأن العام) وهذا وباء إن أصاب مجتمعا ما في هذا العصر جعله يمشي سريعا دون أن يلاحظ إلى خارج هذا التاريخ المعاصر ـ ولم تعد سياسة كم الأفواه وكتم  الأنفاس تبني أوطانا، ولا أظن أن مطلب الانفتاح السياسي ومكافحة الفساد هو مطلب النخب فقط بل هو مطلب الناس تسمعه في الشارع في كل حديث لمختلف صنوف البشر، حتى الكثير من قيادات السلطة تعي هذا الأمر وتعرفه جيدا، ولو أن قسما تراهن على الشطارة وفق منظور شعبي لهذه المفردة وعلى الزمن من أجل العودة بالأمور إلى الخلف أو كسب الوقت لنهب ما تيسر لهم ولتخرب البلاد بعد ذلك، لتتآكل المكتسبات التي تحققت، وآخر وأخطر أمر هو الخطر الامريكي فهوعند الباب وحول النوافذ وبات في قلب هذه المجتمعات المنكوبة بداء مركب ومتعاضد  القمع والفساد على كافة المستويات، وهذا تصورنا الحواري

 1ـ إخراج مؤسسة الرئاسة من لعبة السياسية اليومية وجعلها رمزا لوحدة البلاد تخضع لها مؤسسة الجيش بعد أن تكف عن التدخل في الحياة  السياسية للبلد تحت شعار ـ العودة للثكنات ـ وتكون هذه المؤسسة هي الضامن الحقيقي والفعلي للمضي في الإصلاح من جهة وعدم السماح لأي طرف كان بتهديد وحدة البلاد ولا أظن إن هذا الطرف موجود الآن وتجربة الشعب العراقي شاهدة على ذلك رغم محاولة بعض الأطراف اللعب على الوتر الطائفي وشعبنا ليس أقل وطنية وتماسكا، وهذه العملية تتم بالالتفاف النخبوي والشعبي حول مؤسسة الرئاسة كضامنة لعملية  الدمقرطة.كلنا يتذكر التجربة البرتغالية في التحول نحو الديمقراطية مع حفظ الفارق طبعا.!!

 2ـ إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري ووقف العمل بنظام الجبهة الوطنية التقدمية وسن قانون جديد للأحزاب وقانون انتخابي جديد يتيح  تداول السلطة على مستوى مؤسسة الحكومة فقط.

 3ـ والكثير من النخب تتحدث عن ـ الجمهوريات الوراثية في الوطن العربي ـ ونتيجة للوضع الخاص لسوريا وإذا كان هذا الأمر يشكل ضمانا  لبعض قوى وفئات الشعب السوري حتى يشعر أن مصلحته تكمن في الوطن الحر الديمقراطي ويعيش التعايش الحر والديمقراطي أن يسن قانون يتيح بقاء الرئيس  مدى الحياة، وما هو الخلاف مع الوراثة الملكية هل أشخاص الملوك غير أشخاص بقية البشر،ربما كلامي هذا سيثير حنق الكثيرين ولكن  يبقى هذا التصور للحوار وكي نخرج البلاد من عنق الزجاجة لأنه تصورا لا يمكن أن يكون إلا قانونيا ودستوريا جديدا، وفي هذه النقطة الاشتقاقية من الوضع السوري الخاص، بالطبع هذا الاشتقاق هو غير ديمقراطي ولكن هل العائلات المالكة جاءت بشكل ديمقراطي! 

 4ـ يكون السيد الرئيس المسؤول الأول والأخير عن استخدام أجهزة القوة على الأقل كمرحلة انتقالية وتكون الحكومات المنتخبة ديمقراطيا مسؤولة عن تقديم برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومسؤولة عن تنفيذه أمام مجلس الشعب المنتخب بطريقة حرة ونزيهة.

 5ـ إلغاء أي إجراء تحاصصي ديني أو طائفي واعتماد قانون انتخاب مدني مناطقي باستثناء الأقلية الكردية سيكون لها وضعا خاصا يشتق من رؤية  وطنية تصون الحرية والحقوق السياسية للجميع.ورؤيتي لمؤسسة الرئاسة لا تنبع من تفكير تحاصصي إطلاقا بل مما يفرضه الواقع التاريخي والاجتماعي للمجتمع السوري والتركة الملقاة على عاتق السيد الرئيس ـ وهي تركة ثقيلة لا يحسد عليها أبدا ـ ولا أظن أن المسألة الكردية في سوريا معقدة  ويمكن أن تحمل في طياتها ما لا يحمد عقباه فهي جزء لا يتجزأ من النسيج السياسي والاقتصادي السوري.

 6ـ وهذا يأتي في سياق عملية قوننة مدنية تكون سوريا سباقة به كما كانت سباقة في إنتاج أول تجربة جمهورية ديمقراطية في الوطن العربي.

 7ـ اعتماد مبدأ "الأكثرية، الأقلية" السياسية وليست الدينية أو الطائفية أو القومية والأحزاب السورية جميعها أحزاب على المستوى الوطني تضم  في صفوفها من كافة شرائح الشعب السوري وفئاته ماعدا حزبي الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي فهي أحزاب طائفية ومذهبية بالنشأة و المعتقد،أظن أن الوضع السوري لا يحتمل وجود مثل هذه القوى السياسية ـ الما قبل مدنية ـ لأنه مجتمع ملون قوميا ودينيا وطائفيا سبق وناقشنا  هذه النقطة المعقدة بشيء من التفصيل.لا يجب أن تكون التجربة اللبنانية نموذجا لأنها من أسوأ التجارب "الديمقراطية" في العالم.

 8ـ اعتماد ازدواجية قانونية على المستوى المدني، كقانون مدني للأحوال الشخصية يشمل كل المواطنين السوريين على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والسماح بقوانين أحوال شخصية فرعية للاقليات كما ترى في معتقداتها، وهذه مهمة رجال القانون.

 9ـ لا يمكن اعتماد الشريعة الإسلامية أساسا للقانون في دولة مثل سوريا لاعتبارات الجميع يعرفها.

 10ـ العنف مرفوض كليا جملة وتفصيلا سواء من قبل السلطة أو أية قوة أخرى وبغض النظر عن الأسباب فإن ما قامت به بعض فئات شعبنا الكردي في الأحداث الأخيرة هو عمل غوغائي وغير متحضر وأظن أن اعتذار القوى الكردية كان كافيا والتعاطي المسؤول نسبيا، رغم الممارسات  القمعية التي مارستها بعض أجهزة السلطة، من قبل القيادة السياسية كي يتم تجاوز الذيول المباشرة للأزمة.

 11ـ إصدار قانون عصري للمطبوعات وتنظيم حرية إصدار الصحف بما يضمن حرية التعبير عن الرأي.

 12ـ سن قانون للجمعيات الأهلية والمدنية لتنظيم العمل المدني.

 وهنا لابد من التذكير دوما أن الديمقراطية، بشقها السياسي على الأقل، والتي هي شكلا معينا لتواجد النظام السياسي لدولة من الدول 

 حرية تواجد قوى المجتمع معبرا عنها سياسيا والتي بالطبع تمثل تواجد المصالح المختلفة وتعايشها بشكل سلمي تنافسي في ظل حياد الدولة،من هنا إن هذا التواجد هو محصلة ميزان قوى متحرك بتحرك العملية الديمقراطية وليس بالضرورة أن تكون هذه القوى سياسية خصوصا في مجتمعات متخلفة  ربما تكون قوى ما قبل سياسية ولها وزنا مهما داخل هذا المجتمع والأمثلة في التاريخ كثيرة انتقال الملكيات المطلقة إلى الديمقراطية واحتفاظ هذه الأسر بتواجدها الديمقراطي بينما في دول أخرى لم تستطع الاحتفاظ بأي موقع في  النظام الجمهوري وبالتالي الانتقال الديمقراطي السلمي هو محصلة لميزان القوى.

 قبلت هذا الانتقال وهذا التعايش وسنتحدث بصراحة أكبر عن الوضع في سوريا وأشعر بشكل عام عدم التحدث عن هذا الأمر لسببين الأول، هو الخوف من السلطات الأمنية.

والثاني، تجاهله لا يعبر عن حسن النوايا سواء من قبل بعض المعارضة أو من قبل بعض السلطات.وهنا لابد من الإشارة إلى أنني سبق وتناولت هذا الموضوع في رد على دعاة المجتمع المدني ولازلت أشعر بنفس الخوف الذي شعرت به

 في تلك المرة! عندما جاء السيد الرئيس إلى الحكم لم يكن عمق مجتمعنا بخير إذ لديه القدرة في الحس الوطني الاجتماعي تجاه تحديات الخارج. تجد بالمقابل بقاء العصبيات الطائفية وغير الطائفية تعتمل في قلب المجتمع، وهذا بحد ذاته يشكل قوة ممانعة رهيبة في انتقال المجتمع نحو الديمقراطية، فكما واجه السيد الرئيس تكلسا في الاستجابة لدى الكثير من أجهزة السلطة في نفخ الروح المتجددة والمحدثة لبنية الدولة والمجتمع، واجه تدخلا مفرطا لأجهزة  القوة في كافة مستويات العملية الاجتماعية، وهنا نتحدث عن تركة ثلاثية الأبعاد عصبيات تكتنف عمق المجتمع، مؤسسة فساد متراصة ومتكلسة، طوارئية نظام الطوارئ، أعتقد لا أحد يحسد على هذه التركة. وأنا من الناس الذين تفاءلوا بمشروع الإصلاح الذي طرحه السيد الرئيس ولازلت رغم التراجع النسبي والملحوظ ودون وضوح. ولولا حدوث شيئا جديا على الأرض لما وجدت الكثير من الناس تتحدث بصراحة سياسية نسبية إذا هناك فارق أحدثه السيد الرئيس على الأقل بمستوى هامش حرية التعبير وأنا لست من الذين تحدثوا عن  ربيع دمشق وخريفها..الخ من تداول أعلامي رنان، لأنني كنت ومازلت مؤمنا بحركية عملية الانتقال المجتمعي، بوصفها عملية معقدة ذاتيا من قبل  المصالح المعيقة ووزنها في السلطة والمجتمع ليس بالقليل أبدا، وموضوعيا درجة تطور المجتمع واستعداده، ما يعتمل فيه من أمراض وعصبيات وأكثر من ذلك ما أسميه، التراكم اللا مبالاتي بالشأن العام، الذي خلفه القمع ومصادر المستوى السياسي على مدار أكثر من ثلاثة عقود ونيف.هذه هي  التركة.لو سألنا هل يكفي الشعار الديمقراطي العريض لحل هذه التركة، أظن أن الخطأ القاتل للمعارضة هي الحديث المتكرر والمتواصل عن شرعية  مجيء السيد الرئيس إلى السلطة ومدلولات خطابها الذي يحمله مسؤولية هذه التركة، ومن وجهة نظري قلت  أخلاقيا على المعارضة أن تعلن أن السيد الرئيس لا علاقة له بالمرحلة السابقة ولا يجب تحميله أي تبعة من تبعاتها، وهل 90% من رموز المعارضة هم شرعيون في أحزابهم.

 وبالجهة المقابلة سرت شائعة في صفوف السلطة والمعارضة معا مفادها "أن الديمقراطية ستأتي بالإخوان المسلمين إلى السلطة" وهذا الحديث يخيف الأقليات الدينية والطائفية والقوى العلمانية في المجتمع السوري فإذا كان قسما مهما من المعارضة تبنى هذا الطرح، فكيف بالسلطة وكيف سيتم التعاطي مع هذا الاحتمال ؟ اللوحة غاية في التعقيد وبت تجد في سوريا معادلة على غاية من الخطورة سواء في خطاب السلطات أو في خطاب قوى المعارضة أو غالبيتها، لأن التعميم غير صحيح، هذه المعادلة الأسطورية  المسافة بين "الظاهر وبين الباطن". لتجد التلطي خلف الشعارات التي تجيد الصوتية العربية لعبتها بامتياز. والتي تخفي ما أسميه أخلاقية التربص في ليل الباطن بالآخر سواء كان سياسيا هذا الآخر أو طائفيا أو دينيا! والعودة إلى الأسباب لم تعد مهمة بقدر أهمية تفاعل المعارضة إيجابيا من خلال المساهمة الدءوبة والمتكررة لطرح برامج عملية تساعد في خلق روحية التضافر بين السلطة والمعارضة لأجل مصلحة الجميع، وليس عيبا الطرق الدائم على أبواب السلطة، بالطبع ليس للالتواء أو الارتزاق، ما هو إذا النهج السلمي؟ هل هو فقط عقد المنتديات المغلقة في الداخل والخارج، على المعارضة ـ في سياق النضال السلمي إعطاء هذه السلطات القمعية فحوى ماذا يعني نبذ العنف والنضال السلمي والعلني المتعب والشاق حيث لا سواتر يختفي المناضل الديمقراطي خلفها ـ عندما اعتقل منذ أكثر من شهر ونصف الأستاذ أكثم نعيسة طرقنا باب الأجهزة الأمنية حاملين دواء القلب الخاص بالرجل لإيصاله له، منهم من استقبلنا ومنهم من تهرب ونسبيا كان التعاون معقول من قبل من استقبلونا ـ وفي حال اعتقالك أو "تطنيش" السلطة لا يعني توقف المحاولات أبدا بل الاستمرار في المحاولة، ورب سائل يسأل  هل السلطة ديمقراطية حتى نتعاطى في هذا الأسلوب، خصوصا الذهاب إلى مكاتب السلطات وهذا يعتبر" شبهة بحد ذاته" في صفوف المعارضة؟ إنني أظن أن جزء من النضال السلمي غير الاعتصامات والتظاهر والعرائض والأنشطة الأخرى الذهاب إلى السلطات المختصة بشكل مباشر، و أظن أن الأمر الأساسي في هذا الفهم هو نابع من أن اختيار معارضة ما الشكل السلمي لنضالها تكون قد قطعت مرحلة متحضرة عن السلطة، إلا أنها عندما تختار شكلا سلميا وعلنيا فهذا يشير إلى أن حدث نوعيا جرى على مستوى السلطة والمعارضة والمجتمع وأهم ما فيه هو أن هنالك تقاطع ما قد حدث ليس قليلا بين السلطة والمعارضة أو بين السلطة والمجتمع وهذا إن أعجب المعارضة أم لم يعجبها  فهذه هي الحقيقة.

 نتقدم خطوة للأمام  أهم ما يهدد وحدة المجتمعات المعاصرة هي  العصبيات الدينية أو القومية أو الجهوية من عشائرية أو طائفية، فأين يقف المجتمع السوري من هذه المسألة ؟؟سؤال على السلطة قبل المعارضة وهذا يتطلب الإجابة عليه قولا وفعلا. وهل الحس "لقومي، الوطني" تجاه التحديات الغربية والإسرائيلية يحمي وحده مجتمعنا في حال ضعفت قوة الدولة؟ هنا يتم الحديث من قبل السلطة عما يعرف بالخصوصية الثقافية والقومية !!وهذا شكل دوما جزء من تلميحات السلطات حول رفضها للنموذج الديمقراطي الغربي وهاجسا أيضا.مع أن المجتمع العراقي قدم حتى هذه اللحظة نموذجا مقبولا رغم كل المظاهر الشاذة هنا وهناك، ويصبح الأمر أكثر نموذجية بعد عودة السيادة للعراقيين عندها سيتحول النموذج العراقي إلى قدوة لبقية المجتمعات الفسيفسائية. كثيرون يرون أننا في سوريا نمشي على رمال متحركة ونحن لم نفقد الأمل لأننا ندرك أن قلة قليلة لا تهتم بمصير البلد وما يدور من اختلافات لا يعنى أن مصير البلد على كف عفريت وما يجعل في الواقع تحليلنا منقوصا دوما هو عدم معرفتنا بما يواجه مشروع السيد الرئيس الإصلاحي من معوقات، رغم أن الأمانة تقتضي القول أن المعارضة العلنية الموجودة في سوريا قد جعلت رؤيتها للتغيير

 الديمقراطي رؤية تدرجية وكثير من وجوهها أبدت استعدادا للوقوف خلف برنامج السيد الرئيس وخصوصا بعد خطاب القسم. وهنا من الصعب على البنية السياسية والاجتماعية للسلطة والمجتمع أن تقدم نموذجا ديمقراطيا دفعة واحدة، كما أن الفكر الأحادي لازال مسيطرا على آلية عمل السلطة ويحتاج الموضوع إلى وقت وإلى زمن ولكن مع الحفاظ على الحد الأدنى في هذا السياق من حرية التعبير، ولا يوجد في ساحة المعارضة الداخلية ما يخيف السلطات لا برنامجا ولا فعلا لم يعد في برامج هذه المعارضة العلنية والسلمية رؤية استبعادية للسلطة أو رؤية ثأرية أظن أن هذه الروحية قد تراجعت إلى درجة كبيرة لدى جميع صنوف المعارضة / حتى لو افترضنا وجود بعض النوايا المبيتة !!وهذا موجود في كافة المجتمعات لا  يعني أن هذه النوايا ستكون قادرة على التأثير على وحدة بلادنا / وطبيعي أن يكون هنالك قوى متطرفة سواء في السلطة أم في المجتمع ولكن ليس طبيعيا أن تربط هذه القوى مصير البلد بتطرفها وأظن أن المؤشرات التي أتت من الحوادث المؤسفة في القامشلي ليست هي المؤشر الدائم على سلوك شعبنا الكردي، و كل العلوم الاجتماعية تقر أن القهر يولد نزعات عنفية خطيرة تنتظر ربما سنين حتى تجد متنفسا لهذا الاحتقان وهذا ليس تبريرا لما حدث لكنه نوع من التفسير، ولا أظن بقي في العالم دولا لا تملك مراكز بحوث اجتماعية تحاول رصد كافة التغيرات المجتمعية قدر الإمكان.

 في نهاية هذه المساهمة المتواضعة والتي نرجو أن تكون لبنة صغيرة في حوار مثمر وبناء ولم تكن غايتنا النيل من أي شخص أو مقام والصدق قدر الإمكان رافقنا، هواجسنا تجاه الوطن لم تكن قليلة ولم يبقي لنا سوى هذا الضوء  الكتابة وحيدا دون غطاء لا من المعارضة ولا من السلطة ونتمنى ألا نكون قد فهمنا خطأ ونحن نتعلم الحوار العلني من جديد …وألا نصبح في مهب الريح.

 

غسان مفلح