كلمة العدد

تأخرت بدون شك "مقاربات" عن قرائها، أحسسنا بذلك من عتب التساؤلات التي تواردت إلينا من جمهورها وأصدقائها الذين أثقلت عليهم وطأة انتظارها. وكنا قد التمسنا بعض العزاء في استمرار التواصل على الصفحة الإلكترونية لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية التي تتيح للمهتمين متابعة ما يحدث في سوريا والمنطقة واستكشاف تطورات الحركات السياسية والفكرية والحقوقية داخل سوريا وخارجها.

ما كان لمقاربات أن تخلف مواعيدها إلا مضطرة، فقد تعثر صدورها في موعدها  لأننا لم نكن قادرين على الحفاظ على الانتظام المالي الذي يتطلبه طبعها وإصدارها. وما تأخرت المجلة يوما لنقص في موادها فما عانينا من ذلك أبدا بل كان هناك باستمرار مواد لإصدار أعداد.

حافظت مقاربات منذ نشأتها على استقلاليتها وذلك باكتفائها الذاتي واعتمادها على جهود أسرة مركز دمشق وتشجيع قرائها، رغم دخولها القوي في الساحة المحلية والدولية ورغم اجتذابها للعديد من الجهات التي يوجد من بينها أكثر من حليف حقوقي وثقافي وسياسي. لقد فضلنا أن تستمر مقاربات في مسارها هذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وأن تدور في فضائها الخاص ولو عّز فيه الهواء أحيانا فذلك برأي التحرير أفضل من إقحامها في شوائب فضاءات أخرى. ولا نخفي عليكم ما يرافق هذا القرار من أعباء وصعوبات أولها الخوف من أن يصيب الإرهاق أحدا في مجموعتها الصغيرة التي لا يغذيها في عملها الحثيث سوى الإيمان بأهمية استمرار المجلة. ولا نخفيكم أيضا أن فكرة تحويل مقاربات إلى مجلة إلكترونية قد ساورتنا مرارا في غمرات القلق حين تبدى لنا أحيانا أن هذا هو الطريق الوحيد لتحريرها من إسار المتطلبات المالية الضرورية لاستمرارها. وقد دارت نقاشات عديدة، ثنائية وجماعية، داخل أسرة المجلة حول الموضوع ثم تم الاتفاق ديمقراطيا على أن تستمر مقاربات في شكلها الحالي، مطبوعة على الورق، ولو تعذر انتظامها وتباعدت فترات إصدارها.

هذا الدأب المتواصل من قبل أسرة المركز على النهوض بمهمة إصدار مقاربات، وهذا الشغف المواظب من قبل قرائها يشف عن تقارب في النظر إلى المجلة ودورها وعلاقتها بالمشروع العام للمركز. لقد ولد مركز دمشق في نهاية ليل من السكون طال حتى بدا وكأنما لا فجر بعده، ثم عاشت دمشق فورة ربيعها القصير وغليان حراكها السياسي والثقافي. وفي الساحة الموِارة التي انفتحت فجأة على كل ريح، دخل مركز دمشق مع باقي المجموعات التي قامت برصد حركة التاريخ وبالمشاركة في صنعه. ولدت مقاربات مع نشوء المركز وصاحبته في نمو مشروعه وتوسع شبكته وعلاقاته ونشاطاته. وفي تتالي الفصول على دمشق، كانت مقاربات الذاكرة التاريخية للمرصد والورشة التي يتم فيها اختبار الأدوات والمناهج واختيارها والبيت الذي يشيده أهلوها بعملهم وقراؤها بمتابعتهم وتشجيعهم. في هذه الرؤية تبدو مقاربات أكثر من مجرد مطبوعة إعلامية تصدر عن مركز دمشق.

لم تكن مقاربات مجرد توأم للمركز بل كانت المعادل الموضوعي والتجسد المادي القائم في تحوله من أفكار ورؤى إلى مشروع. يتفق في ذلك الفهم لشخصية مقاربات ولدورها التمثيلي كل من أسرة المركز ومجموعات أصدقائه ومتابعيه. ويبدو أن هذا الفهم موجود عند أطراف أخرى أيضا يقض مضجعها نشاط المركز ونجاحه فتصب جام نقدها وتساؤلاتها على مقارباته وذلك بدل أن يغبطوها على نجاحها وبدل أن ينظروا إليها باعتبارها رافدا في النهر الكبير الذي يريدون له أن يخط مجراه. تدرك مقاربات حاجة كل التشكيلات المجتمعية الجديدة في سورية إلى إيصال أصواتها وحقها في إنشاء منابر إعلامية، مثلها في ذلك مثل مركز دمشق. وتدرك أن الساحة الشاغرة بحاجة إلى قنوات لإيصال هذه الأصوات إلى المجتمع والعالم كما تتفهم حاجة هذه المجموعات إلى ذاكرة تحفظ تاريخهم ومساحة يقومون فيها باختبار أدواتهم ومناهجهم وإطلاق مشاريعهم. لكنها تنظر بعين الريبة إلى هذا التهافت اليائس على شتى وسائل الإعلام دون تمييز والتخبط في غبار الإعلام الاستهلاكي وضجيجه. كما تأخذ على القائمين بذلك اختيار الطريق السهل والمباشر لوسائل الإعلام المرئي لشن هجومهم وكيل تهمهم، وسلوك الطريق المختصر لبث الدعاية الإعلامية المرتجلة التي لا تمكنهم من إيصال رؤاهم وعرض مشاريعهم واستراتيجياتهم. كما يرى مركز دمشق مع الآخرين أيضا أن هجوم هؤلاء ينبع أيضا من إدراكهم للأهمية الحيوية التي يمثلها وجود نواة إعلامية مطبوعة في كل حركة أو مشروع مجتمعي والمطبات التي يتم التعثر بها إن لم يتوفر ذلك . 

في النظريات الثقافية الحديثة يتم إيلاء الإعلام المطبوع اهتماما متزايدا إذ يتم عبره دراسة تاريخ تطور الأفكار والمشاريع الفكرية والثقافية والسياسية. ويربط التاريخ الثقافي حياة الحركات الثقافية بشبكة نشاطاتها المتنوعة مثل الكتابة والطباعة والنشر والتوزيع والمؤتمرات والندوات وورشات العمل والمحاضرات والبيانات والحملات والدعاية الشعبية. ويجمع العديد من المؤرخين الثقافيين على أن المطبوعة المركزية لكل حركة تشكل النواة لها والحامل الموضوعي لزخمها ونشاطاتها وتفاعلها مع ساحتها الجماهيرية. ويبرز سجل الحركات الثقافية والفكرية في القرن العشرين أن المطبوعة المركزية تأخذ غالبا الشكل الذي يدعى في مجال الإعلام "المجلة الصغيرة"، وهي المجلة التي تقارب حجم كتاب متوسط. ورغم ظهور المجلات الإلكترونية التي أعطت التجمعات الثقافية والسياسية فضاءً متحررا من إسارات الوصاية والرقابة وصعوبات التمويل والتسويق والتوزيع والانتشار فقد بقيت المطبوعات الدورية المرجع الرئيسي لتاريخ هذه المجموعات ونشاطاتها وتفاعلاتها. ورغم تيسر الحصول في أيامنا هذه على نسخ المجموعات الكاملة لكثير من المجلات على أقراص مدمجة والاستفادة من تقنيات المايكروفيلم، مازالت المكتبات العالمية تصر على مواصلة تقاليدها في الاحتفاظ بأعداد المجلات المطبوعة وتحمل أعباء جمعها ومشقات تنظيمها وتخزينها والحفاظ عليها وأحيانا ترميمها. ورغم ترافق أغلب المجلات الحالية بنسخ إلكترونية رديفة على الإنترنت فإن الدوائر البحثية والأكاديمية ما زالت تعتمد النسخ الورقية للمجلات باعتبارها المرجع الرئيسي للمواد المنشورة. هذا بالإضافة إلى أن مرجعية المنشورات الإلكترونية في الأبحاث والدراسات الأكاديمية مازال حتى الآن مثار جدل علمي.

ضمن هذه الرؤية يأتي الإصرار على استمرار مقاربات ومواصلة دورها باعتبارها تجسيدا لامتداد جناحي مركز دمشق في داخل الوطن وخارجه معا. ومن هنا يولد الإجماع على أهمية المحافظة على استقلاليتها رغم سيرها على الطريق الصعب الذي تتجاذبه عواصف الداخل والخارج. يأتي الإصرار على الداخل ضمن رؤيتنا العامة التي ترى المجتمع باعتباره السلاح الأمضى للتغيير، والإصرار على الخارج باعتباره الأفق الحيوي للداخل. وهكذا يخوض المركز معركته في الميدانين بآن واحد.

في الداخل يدأب المركز على المشاركة في إعداد القاعدة النظرية للعمل الوطني الهادف إلى الإصلاح والتغيير والتنوير والتحديث ومقاومة كافة أشكال القهر والإرهاب والاستلاب والاستبداد والحصار على الفرد والمجتمع. وعلى الصعيد العملي يتبلور عمل المركز في الفعاليات والنشاطات والحملات التي يقوم بها لتحويل الرؤية إلى واقع. ويشهد هذا العدد نجاح الحملة التي قمنا بها بالاشتراك مع اللجنة العربية لحقوق الإنسان عند مقرر الأمم المتحدة حول التعذيب في إجبار السلطات السورية على التوقيع على اتفاقية مناهضة التعذيب في سوريا. ولم تجرد التحفظات التي رافقت التوقيع الضحايا من حقوقهم بمحاسبة جلاديهم. ونحن نقوم الآن بالعمل مع مجموعات من أسر الضحايا لمقاضاة الجلادين الرئيسيين المسؤولين عن التعذيب في سوريا وذلك في عدة بلدان قامت بتوقيع هذه الاتفاقية وفق الاختصاص الجنائي العالمي.

أما في ميدان الخارج فإن المركز مازال محافظا على الموازنة الدقيقة التي تقوم من جهة أولى على النظر إلى الإنجازات الحضارية البشرية باعتبارها مكتسبا إنسانيا عاما يتشارك فيه الجميع الحقوق والواجبات دون توجس أو شعور بدونية حضارية أو فوقية ثقافية. ومن جهة أخرى يميز المركز أن تعميم الإنجاز الحضاري لا يمكن تطبيقه إلا عبر مؤسسات حضارية مدنية، وأن إيصال الإنجاز الثقافي لا يمكن تحقيقه إلا عبر قنوات ثقافية. وأن هذه الإنجازات لا يمكن إيصالها بالوصاية ولا يمكن فرضها بالقوة عبر مشاريع سياسية وعسكرية يتنازعها الغلو والتطرف والتحيز والجشع وتتخبط في عجزها عن تثمين القوى الإنسانية وفشلها في استيعاب منطق تساوي البشر والشعوب.

وكما في كل مرة، تصل مقاربات أيدي قراءها لتثبت أن في الإمكان العمل بالطاقات الذاتية والتنسيق بين جهود الداخل والخارج. يحتوي هذا العدد على محور وملف رئيسيين بالإضافة إلى الدراسات والزوايا الثابتة. يشتمل المحور على وثائق وأوراق "ملتقى الحوار الوطني حول الديمقراطية والعمل الوطني"، والذي دعت إليه اللجنة العربية لحقوق الإنسان كل الأطراف والقوى السياسية وذلك لإجراء حوار وطني عام. وقد شارك مركز دمشق في الملتقى باعتباره طرفا في الحوار. تخللت الملتقى تضاربات في وجهات النظر وصعوبات في التواصل لكن الملتقى نجح في إرساء قاعدة للتعارف والحوار بين هذه القوى. يحمل المحور دعم المركز لفكرة عقد مؤتمر داخل سوريا والدعوة إلى حوار لسورية بكل أبنائها، وكذلك إيمانه بالأهمية القصوى لاكتشاف الآخر والتحاور معه.

يتضمن الملف الذي حمل عنوان "الإصلاح في سوريا" رؤى وقراءات متنوعة لأصوات بارزة في الساحة الثقافية والسياسية السورية تشمل مختلف الأطياف. جاء العمل على إعداد هذا الملف لإصرار المركز على مواكبة العملية الإصلاحية في سوريا والمساهمة في تفعيلها. و قد تم التأكيد على تنوع الملف بالتوافق مع رؤية المركز التي تتمثل في النظر إلى عملية الإصلاح باعتبارها مشروعا حيويا لا يمكن احتكاره وتسييره كما لا يمكن توسله أو المطالبة به. يتطور هذا المشروع ضمن مسارات وسياقات ويتأثر بنماذج وظروف ومن هنا يأتي التركيز على الدور الرئيسي للمؤسسات فهي القادرة على صياغته في برنامج متكامل وعلى تحويله إلى عملية شاملة. تصاحب الملف دراسات نظرية وميدانية تقوم على المناهج الحديثة في الإحصاء والبحث والعلوم المقارنة وتناقش وقائع ونماذج يمكن الاستفادة منها في التخطيط لبرامج الإصلاح وتعزيزها. 

تنقل مقاربات لقرائها في هذا العدد إسهامات الفكر والسياسة في عملية الإصلاح واقتراحات التنسيق بين الديمقراطيين والحقوقيين وتصورات الخروج من التسلط إلى وضع ديمقراطي في تنوع متميز يشمل معالم الخارطة السياسية والحقوقية، وكل طموحنا أن يكون هذا العدد موضوع قراءة نقدية تسمح بالتجاوز في الفكر والممارسة وتسمح بالانتقال من مجرد الشجب والاحتجاج إلى مشروعات حيوية وصيغ متقدمة للنضال تنتزع الحريات الأساسية وتضع حدا للاستبداد وأشكاله.                                                                           

مع وصول هذا العدد المزدوج من مقاربات إليكم يكون قد بدأ التفكير والعمل في تحضير العدد التالي.

ومرة أخرى تأمل مقاربات احترام مبدأ انتظام  إطلالتها في موعدها كيلا يرهقها ويرهقكم الانتظار.                                                                                             هيئة التحرير