كتاب صبرا وشاتيلا

نويهض الحوت

حاورها: سامر أبو هواش

بدأ الأمر في بيت شبه مهجور في بيروت. بيان نويهض الحوت، وحيدة في منزلها بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت تسمع عبر الإذاعة خبر مجزرة صبرا وشاتيلا، وتبكي وحيدة بسبب شعورها العميق بالعجز والمهانة. وبعد عشرين سنة من ذلك التاريخ تنجز الكتاب الضخم الذي سيتم الرجوع إليه دوماً على أنه كتاب "صبرا وشاتيلا" الكتاب الأشمل والأكثر توثيقاً. عاشت نويهض الحوت مع "صبرا وشاتيلا" أكثر من أي شخص آخر، سوى الناجين من المجزرة والذين فقدوا أهلاً وأحباء. حين تتحدّث عمّا حدث تحكي بلهجة متسارعة وتتدفق بالمعلومات والأحاسيس، فهذه هي المنطقة التي تألفها ربما أكثر من أي شيء آخر. في الكتاب الذي صدر عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" أخيراً، ويصدر قريباً باللغة الإنكليزية تروي نويهض الحوت بأدق التفاصيل وأصغرها ما جرى خلال الأيام الثلاثة من أيلول 1982. لكنها لا تنسى الخلفية التاريخية التي تشكّل مادة مهمة من كتابها أيضاً. التأريخ الشفهي هاجس أول في الكتاب، أي إيراد شهادات الذين حضروا المجزرة وقتذاك، لكن مهم أيضاً إيراد التفاصيل كافة حول الضحايا أنفسهم. أعدادهم التقريبية، أعمارهم، عملهم، من أين يتحدّرون، جنسياتهم.. الخ، وبهذا المعنى نحن أمام أول رد اعتبار فعلي لأولئك الضحايا، إذا كان هناك من رد اعتبار ممكن للموتى أصلاً. الكتاب الضخم الذي جاء بلغة أكاديمية وعلمية هو نوع من رواية أيضاً.. رواية مليئة بالمشاهد واللوحات والشخصيات والأحداث والمشاعر على أنواعها، فلم تغفل نويهض الحوت إذاً الجانب "الملحمي" من القضية، مثلما لم تغفل الجانب السياسي. فـ"صبرا وشاتيلا" ليس كتاباً للذاكرة فحسب، بل للحاضر والمستقبل على حدّ سواء. نويهض الحوت اللبنانية التي ولدت في القدس والتي كان والدها (اللبناني) أيضاً من أهم الشخصيات في المجال السياسي الفلسطيني ربما كانت الأجدر بوضع هذا الكتاب. فالشائع حتى الآن أن المجزرة ارتكبت ضد فلسطينيين لكن من المهم جداً بالنسبة إلى الباحثة أن تظهر لنا أولاً وللعالم ثانياً أن المجزرة ارتكبت ضد لبنانيين أيضاً وجنسيات أخرى، وبالتالي فالقضية ليست فلسطينية فحسب، إنها بمعنى ما عربية وعالمية.
هنا حوار.


لماذا "صبرا وشاتيلا"؟
ـ أحب أن أقول بداية إن كل ما جاء في هذا الكتاب، أو ما وقف وراء إنجازه، هو ردود أفعال. لم يكن ثمة تخطيط مسبق أو مشروع جاهز. ففي عام 1982 كنت بصدد كتابة تاريخ شفهي لنكبة 1948. محاولة التعرّف من خلال الشهادات الشفهية على أسباب هجرة الفلسطينيين، وهل هاجروا أم هجّروا؟ وكيف؟ ثم كانت حرب 1982، ولم يعد يعقل أن أسأل عن النكبة أو أحقق فيها، فقرّرت كتابة تاريخ شفهي للاجتياح. أذكر أنه كان يوم جمعة حين جاء الإسرائيليون الذين كانوا احتلوا بيروت وقتذاك وفتشوا بيتي. كنت وحيدة في البيت وربما في البناية بأسرها. في اليوم التالي، أي السبت في 18 أيلول 1982 كنت أستمع إلى إذاعة مونت كارلو حين أذيع خبر المجزرة. كان المذيع يحكي التفاصيل المتوافرة ويبكي. ولم أستطع أن أصدق أذني. فقد كان يخبر عن مجزرة جرت على بعد دقائق من بيتي. لا أستطيع أن أصف بدقة كافية الحالة التي أصابتني. شعرت بنوع من الألم الشديد، ليس فقط بسبب الضحايا، بل لشعوري بعجزنا عن حماية الأناس البسطاء. نسيت عندها مشروع تأريخ الاجتياح شفهياً، ولم أفكر بالكتابة عن صبرا وشاتيلا. فكل همّي كان منصباً على مساعدة الناس والوصول إلى المخيم، الأمر الذي لم يكن سهلاً في تلك الظروف. وجدت نفسي بعد فترة من وقوع المجزرة منخرطة في نشاط اجتماعي لم أكن معتادة عليه، وخلال عملي صرت أسمع قصصاً كثيرة، روتها نساء غالباً، عما جرى في الأيام الثلاثة للمجزرة. وكان ما سمعته مختلفاً عما ورد في الصحف أو المجلات أو حتى الكتب. وهذه القصص جعلتني أفكر لماذا لا نستمع إلى حكايات هؤلاء، ولماذا لا يكون مشروعي عن صبرا وشاتيلا. وبدأت فعلاً بالعمل وصرت أسجّل الروايات على أشرطة، لأنني لطالما اعتبرت تسجيل الأصوات أمراً مهماً.
بعد ذلك كان "تقرير كاهان" الشهير عام 1983، ونشر مترجماً إلى العربية في صحيفة محلية. وصعقت حين قرأت التقرير لأسباب متعددة. وكان أكثر ما صعقني الكذب المتناهي في أعداد الضحايا. فالتقرير يشير إلى أنه يعتمد على تقرير سرّي للقول إن عدد الضحايا هو 15 امرأة و20 طفلاً فقط. هذه هي المسألة كلها. وبالطبع قول تقرير كاهان إن معلوماته مستقاة من تقرير سري لا يعفيه من تبنيها ومجرد نشرها أمر مضلّل لأن الأرقام تعلق في الذهن. هذا ما عنيته حين قلت لك إن الكتاب هو ردود أفعال. فتقرير كاهان هو الذي دفعني بصورة نهائية إلى العمل على المشروع. تبقى المجزرة مجزرة مهما كان عدد القتلى صغيراً أو كبيراً، لكن معرفة الحقائق أمر في غاية الأهمية.
التحدي
كانت الأرقام نوعاً من التحدي الأول إذاً؟
ـ ابتدأ العمل بالبحث عن الأسماء. ورحت أجمع الشهادات من الناس حول ما شاهدوه أو سمعوه وبعد فترة اتضح لي أن هذا لا يكفي، لأن التاريخ الشفهي لا يستطيع الإلمام بكل شيء.. فكانت الاستعانة بلوائح المنظمات الأهلية مثل الدفاع المدني والصليب الأحمر وسواهما التي كانت تسجل الأسماء. خضنا هذه التجربة وقامت صديقتي الصحافية منى سكرية بمساعدتي في تسجيل أحاديث مع أشخاص في الصليب الأحمر والدفاع المدني لكن أحداً لم يقبل بإعطائنا أي لائحة. فوجدتني أمام حائط مسدود، ورحت أبحث عن حل. واستشرت أخيراً الصديق والوزير السابق عبد الرحمن اللبان، وهو شخص وطني بلا حدود. رحت أخبره بمشكلتي فإذا به يهم برفع سماعة الهاتف لإجراء مخابرة فاعتبرت الأمر نوعاً من السلوك غير المقبول، فإذا به يحدث أحدهم من الدفاع المدني اللبناني ويأمره بأن يعطيني كل اللوائح المتوافرة لديه وهذا ما كان في اليوم التالي. حصلت على الوثائق الرسمية التي لم تنشر حتى صدورها في هذا الكتاب. ومع ذلك لم تكن اللوائح كافية وشعرت أنه ينبغي القيام بتحقيق خاص أو دراسة ميدانية عبر توزيع استمارات أخرى وذلك بغية الوصول إلى أكبر قدر من أسماء الضحايا.
ربما هناك شعور عام خفي لدينا بالذنب تجاه "صبرا وشاتيلا"، مع أننا غير مسؤولين عنها، ربما ينبع هذا الشعور من الإحساس الذي ذكرته بالعجز.. هل كان الشعور بالذنب من دوافع عملك على المشروع طوال عقدين من الزمن؟
ـ إذا تكلمت على نفسي فقد راودني حقاً هذا الشعور. لكنني أحيي هذا الشعور أيضاً في الشباب اليوم الذين ربما لم يعيشوا تلك المرحلة. بلى، أعتقد أن الكتاب هو نوع من التكفير عن الذنب. لم أستطع منع المجزرة، فأقل ما يمكنني عمله هو فعل شيء من أجل ضحايا المجزرة، وأنا مهنتي الكتابة، فلأفعل إذاً شيئاً في هذا المجال. كنت أظن بعد فترة وجيزة من وقوع المجزرة أن كل شيء قيل، لكنني اكتشفت أن هناك حكايات كثيرة لم أقرأها أو أسمع عنها، وشدّني تقرير كاهان إلى أبعاد الأرقام والأسماء، باتجاه اثبات ما هو ماثل للعيان، وهو أنه كان هناك مجزرة أصلاً.
ولع بالمجازر؟
على هامش إثبات المجزرة. هل تشعرين أنه بات هناك نوع من "الولع" بالمجازر في النفسية الفلسطينية والعربية عامة. أي ولع بأن نثبت كوننا ضحايا، فإذا أخذنا مثلاً تجربة "جنين" الأخيرة، هناك من جاء ليقول إنه كان هناك تسرّع في القول إن مجزرة وقعت، وتسرع في إعلان الأرقام. هل بتنا نبحث عن "هولوكوستنا" الخاص؟
ـ هناك شيء من الصحة في هذا الكلام، لكنه محدود. لا ينبغي أن ننسى أن التاريخ حافل بالمجازر الإسرائيلية، لم تكن "دير ياسين" الأولى، هناك مجازر "قبية" و"السموع" و"دير نحّالين".. قرى كثيرة دمّرت جزئياً أو كلياً في فلسطين، وفي العالم العربي هناك مجازر كثيرة أيضاً ارتكبها الإسرائيليون وقد كان للبنان تجربة في ذلك.. ولم تتوقف المجازر حتى الآن. لكن ما أود قوله هو أنه هناك ما هو أهم من المجازر. فالفكرة الأساسية هي أن الفلسطيني دمه مهدور بالكامل وبكل المعاني المجازية والمباشرة. قد ترتكب مجزرة ضد حيّ أو شارع، لكن أن تقتل شعباً وتبيده وتخرجه من دياره، فهذه هي الجريمة الكبرى. فكيف نستغرب بعدها المجازر "الصغيرة" ما دامت هذه هي الذهنية الإسرائيلية منذ البداية. بالنسبة إلى جنين كانت مبالغة لكن كان هناك من قتل وهناك مدافن اكتشفت بعد "جنين" وهذا أيضاً يفترض ألا ننساه. لكن الجميل في موضوع "جنين" هو الوعي الجديد في عملية التأريخ. لقد أخبرني أصدقاء في "الداخل" أنهم قاموا بعشرات التسجيلات بالفيديو حول المجزرة، ولم ينتظر هؤلاء أن يتبنّى أحدهم المشروع، بل بادروا إليه إدراكاً منهم لأهميته الوطنية والسياسية والحضارية الفائقة.. أظن أن هناك اليوم وعياً جديداً في التعامل مع مثل هذه الأمور.
إذا اعتبرنا أن لـ"صبرا وشاتيلا" حياة، ففي أي مرحلة هي اليوم. أعني أن صبرا وشاتيلا وقعت في الماضي، وباستثناء أهمية الذاكرة ماذا هناك للمستقبل؟
ـ لا يوجد شيء وراءنا في هذا الموضوع وكل شيء أمامنا. نحن لا نتحدّث عن صراع منته، بل إننا لا نزال في قلبه ولا نعرف في أي مرحلة منه وكم سيطول بعد. لا نستطيع سوى التفكير في المستقبل ما دام المخطط الصهيوني قائماً ولم يتغيّر، وهو قام منذ البداية على أساس إجرامي يقول بأن فلسطين هي أرض بلا شعب، صحراء فارغة. لذلك لا نستطيع أن نرى اليوم دولة فلسطينية حقيقية لأنه لا يمكن لأمثال شارون الاقتناع بدولة فلسطينية. نحن خائفون من المستقبل. ونريد أن نأخذ العبرة من الماضي، لأن هذه العبرة لها مردود مباشر على مصيرنا اليوم وغداً لا لمجرّد التذكّر فحسب. ندرس الماضي لكي نفهم أكثر طبيعة عقل العدو الصهيوني. فالخطط الإسرائيلية تبدو دائماً وكأنها جديدة، كأنها ابنة اليوم، لكن امتداداتها غالباً ما تكون عميقة. هناك، مثلاً، سجال اليوم ما إذا كان الإسرائيليون يفكّرون في الترانسفير، والاحتمال موجود دائماً ولا يفترض أن نستغربه، إنما تختلف طريقة التنفيذ. أهمية صبرا وشاتيلا إذاً تتعلّق بصراعنا المباشر مع العدو. لكن هناك جانباً لا يقلّ أهمية. ينبغي أن تبقى ماثلة أمامنا، وفي الظروف كافة، فكرة أننا بشر، وأن ندافع عن الأفكار الأساسية التي تجعلنا بشراً، كألا نقتل بعضنا، وأن نساعد بعضنا، وتجربة صبرا وشاتيلا إذاً هي لصالح العالم كله، وهي تساعد الإنسان في كل مكان.
الضحايا والمنفّذون؟
هناك كلام كثير عن الضحايا، لكن قليلة هي المعلومات حول المنفّذين، تقولين مثلاً إنه كان هناك وثائق رسمية تتعلق بالضحايا ألم يكن هناك أخرى حول المنفّذين، ولا أعني اسماً أو اسمين فقط؟
ـ عرف المنفّذون بالطبع، لكن كان هناك تعتيم كلّي. قد يفاجئوك أن الصحافة الأجنبية والكتب الغربية ولو كان عددها محدوداً تقول من هي اليد التي أمرت واليد التي نفّذت. تقرير كاهان مع سيئاته التي ذكرتها له حسنات أيضاً تتعلق بأنه يذكر أسماء القادة الإسرائيليين الذين قاموا بالتنفيذ، كما ينشر اسمين محليين. تسألني لماذا لم نذكر نحن الأسماء. ببساطة أقول لك إنه بعد 1982 أصبح بعض الذين ارتكبوا المجزرة من حكام البلد وكانت سياستهم التعتيم على كل ما جرى، وكان هناك شعار سياسي "عفا الله عما مضى" وهو شعار سياسي لكنه لا يلزم المؤرّخ. أعطيك مثلاً على التعتيم. فأعداد الضحايا اللبنانيين لا تقل عن أولئك الفلسطينيين. وكم كان يؤلمني حين أواجه أماً لبنانية تصرخ مطالبة بالاهتمام بابن أو زوج أو أخ قتل ولا أحد يهتم به.. تقول لي أم كهذه إن الفلسطيني وجد من يطالب بحقوقه لكن ماذا عن الضحايا اللبنانيين.. كان الموقف الرسمي السابق إذاً عدم ذكر أن هناك ضحايا من اللبنانيين، وموقف لبنان الرسمي في الأمم المتحدة تلك السنة والوارد في الكتاب لا يذكر مقتل لبنانيين بل يقول "فلسطينيين وآخرين" وهذه حزّت كثيراً في نفوس الناس، اللبنانيين تحديداً.
ما الذي تغيّر إذاً؟
ـ تغيّرت أشياء كثيرة. لم أكن لأتخيل أن أنشر كتابي هذا منذ عشرين سنة، لكنه اليوم بات ممكناً. كان هدف "عفا الله عما مضى" إجراء مصالحة حقيقية بين فئات اللبنانيين كافة. وتفسيري الخاص لهذا الشعار أن أنشر "صبرا وشاتيلا" وأن ينشر سواي كل المجازر التي ارتكبت من كل الأفكار. لا صلح حقيقياً من دون تاريخ حقيقي. والتاريخ أمر والتربية على الضغينة أمر آخر. العالم تغيّر في هذا المجال ولبنان أيضاً. لا شك أنه هناك اليوم حرية رأي أكبر في لبنان ولو نسبياً، فلو قارنت لبنان مع أي دولة عربية ستجد حرية الرأي أكبر لكن لو قارنته مع السويد مثلاً ستجدها أقل بطبيعة الحال.. إذاً الكتاب حاز ترخيصاً من الدولة اللبنانية ونزل إلى الأسواق.
ماذا عنيت بالتغيّر في العالم؟
ـ أعني النظرة إلى صبرا وشاتيلا. هناك اليوم حس إنساني عالمي متنام تجاه صبرا وشاتيلا، وهناك مئات الأوروبيين الذين يأتون لأداء التحية لشهداء المجزرة، وهؤلاء بدأوا يزورون المسؤولين اللبنانيين ويطالبونهم بالاهتمام ومجرد الاستماع لهم كان إشارة إلى حدوث تغيّر ما في الموقف الرسمي. أما على الصعيد المحلي فقد أبدت السلطات اللبنانية اهتماماً نسبياً أخيراً وبذل رئيس بلدية الغبيري التي تتبع لها صبرا وشاتيلا السيد الخنسا كل اهتمامه بموقع المجزرة حتى صار مزاراً ... التغيّر الآخر يتمثّل في الدعوى التي رفعت أمام القضاء البلجيكي ضد شارون. قد لا تربح القضية في النهاية، لكننا ربحنا شيئاً في غاية الأهمية. فهناك من تقدّم أخيراً وقال "أنا أتهمك يا شارون". المربح في هذه المسألة أنها جعلت الناس يتكلمون بهدوء أكثر من السابق، فلغاية سنوات كان الناس وبحكم العادة خائفين من ذكر كلمة مجزرة. أما على صعيد الكتابات في العالم فهي كثيرة أيضاً، أما الكتابات العربية فقليلة جداً، ولا ألوم العرب لكنني أقول إن الكتابات الغربية تعبّر عن رقي حقيقي.
أمام آلة التسجيل
مررت بمراحل عدة خلال تنفيذ الكتاب حتى خروجه إلى الضوء. أود سؤالك تحديداً عن مشاعرك وأنت تستمعين إلى الشهادات التي توردينها مباشرة أو وهي مسجلة، كيف عشت مع هذه الشهادات التي تنطوي على قدر هائل من الألم؟
ـ هناك مراحل عدة اختلفت فيها مشاعري. في المرحلة الأولى كان هاجسي تنفيذ العمل، أي تسجيل الشهادات وإنجاز الدراسة الميدانية. كان هناك الكثير من تعب الأعصاب والجهد الجسدي والذهني.. كنت أستمع إلى شهادات استثنائية لكنني لم أكن منصرفة شعورياً إليها، كان هدفي إنجاز العمل ولم يكن لدي وقت أو ترف أن أحزن أو أن أستغرق في عواطفي الخاصة.. كان وقتي ممتلئاً والأمور تجري بسرعة شديدة.. كان عليّ مثلاً أن أنهي تسجيل الشهادات قبل مجيء الأولاد من المدرسة لأنني أم أيضاً وعلي الاعتناء بهم... كذلك فعلت صديقات لي لجأت إلى بيوتهن أحياناً.. المهم أن المرحلة الأولى كانت مضغوطة ومشحونة، وهذا لا يمنع بالطبع المشاعر الإنسانية البسيطة. أكثر ما كان يؤلمني خلال الاستماع إلى الشهادات مباشرة حين ألمس حساً بالعادية من المرأة التي تروي لي ما حصل معها. كانت بعض النساء تحكي بشكل عادي ربما لأنها اعتادت أن تحكي الحكاية ربما بسبب الصدمة.. لكن حين عدت إلى الشهادات بعد 16 أو 17 سنة كنت أجد أن هذا الكلام العادي في غاية الأهمية وكم أن صوت التي تروي مليء بالصبر والمرارة والحدث.. هناك لحظات كثيرة تؤثر في نفسي فأدمع أو أبكي أو أغص وأنا أقرأها.. أحياناً أحاول أن أنسى لكنها ببساطة لحظات لا تموت.. باتت جزءاً من كياني.. يجدر بي أن أقول هنا إن الأرقام لم تكن أقل وطأة بالنسبة إلي من الشهادات نفسها. مجرد النظر إلى اللوائح التي تضم أسماء الذين قتلوا من عائلة واحدة أشعر بألم رهيب.. كذلك أرقام المخطوفين من عائلة واحدة.. مجرد النظر إلى هذه اللوائح التي يفترض أنها صمّاء يؤثر بي أحياناً أكثر من الروايات والشهادات..
هناك ناحية غالباً ما لا يجري البحث فيها تتعلّق بالبحث عن مقابر الضحايا الذين لم يعثر عليهم وهي على الأغلب مقابر جماعية، لماذا لم يبذل جهد كاف في هذا المجال؟
ـ انتهت المجزرة يوم السبت مساء في 18 أيلول، لا السبت صباحاً كما يقال. ويوم الأحد جاء الناس لتفقد قتلاهم.. كانت الشائعة قد انتشرت، ويوم الإثنين بدأ الناس بدفن الضحايا وبعضهم أخرج قتلاه من المخيم.. وبعد 25 أيلول صار الدفاع المدني والصليب الأحمر يلبّون نداءات الناس حين يخبرون أن هناك مقبرة جماعية هنا أو هناك.. ونُبش الكثير من المقابر.. لكن بعد ذلك توقّف الناس عن نبش المقابر لأنهم خافوا من الأمراض أولاً وثانياً بسبب الاعتقاد الذي ساد أنه من المحرّم دينياً نبش المقابر.. فآخر قبر جماعي نبش كان في 25 أيلول وتم ذلك بالصدفة حين كان فريق دنماركي يعمل في بئر حسن فوجد جثثاً في المجارير هناك..
لكن إذا كانت كل السنوات الماضية هدفها التعتيم على المجزرة فكيف نتوقع أن يتم بحث جدي عن بقية المقابر... ببساطة أقول لك إنني لا أعرف إلى أين أخذت بقية الجثث.. وهذا واجب على الآخرين القيام به.. أنا مهمتي الكتابة...
دروس مستفادة
ما هو أهم درس شخصي يمكن القول إنك تعلّمته من تجربة العمل على الكتاب؟
ـ أعتقد أن الدرس الأهم كان عدم الاستسلام إلى اليأس.. في بعض الأحيان كنت أحبط، خاصة في السنة الأولى لكنني كنت أشعر بضرورة المحاولة ثانية.. كنت أعمل ولا أعرف نهاية الطريقة.. حين انتهيت من جمع الوثائق فوجئت بأن أحداً في بيروت لم يقبل أن يتبنى الوثائق ويضعها في مكان آمن فوضعتها في بيوت عدد من الصديقات.. تجربتي مع الصداقات التي نشأت خلال العمل على الكتاب هي أيضاً أمر لا يستهان به.
ما الدرس الذي تتوقعين أن يتعلمه سواك من تجربة "صبرا وشاتيلا"؟
ـ الدرس هنا هو رؤية شخصية لكل فرد. كان يمكن ألا تحدث صبرا وشاتيلا، والسؤال هو لماذا حدثت. الشكل الخارجي هو 3 أيام من القتل المنهجي، لكن هل هذه هي المسألة كلها. ما أحاول قوله هو أنه كان هناك تحضير مسبق للمجزرة، وقد روج الإسرائيليون قبل وقوع المجزرة أن هناك 1500 مقاتل فلسطيني لا زالوا في بيروت.. كان هذا تمهيداً. ثم بعد اغتيال بشير الجميل قالوا إنهم يريدون حماية المسلمين من مجازر قد يرتكبها المسيحيون وهذا ما لم يحدث في أي زاوية من زوايا لبنان. كان هناك ضمانات بحماية المدنيين في المخيمات بعد خروج منظمة التحرير، وكان الناس خائفين جداً.. ولم تتم حمايتهم بالطبع.. المسؤولية إذاً على الجميع.. لبنان كدولة وقتذاك مسؤول.. القيادة الفلسطينية مسؤولة.. العرب آخر من يحق له بالكلام.. أصدق ما قالته النساء الفلسطينيات واللبنانيات أن المسؤولية تقع على الحكام العرب مجتمعين.. هذه المعطيات كلها دروس، لكن مجدداً كل شخص عليه أن يقرأ ما حدث على طريقته.. ما يؤثر بي لا يؤثر بك مثلاً.. كما أن ما استنتجه قد يختلف عما تستنتجه، لكن تبقى أهمية ألا نهمل التاريخ كعنصر فاعل في حاضرنا ومستقبلنا..
حين تشاهدين اليوم مرتكب المجزرة ارييل شارون على شاشات التلفزيون خاصة خلال السنوات الأخيرة بمَ تشعرين؟
ـ تابعت في الكتاب فكر شارون أيضاً وحاولت أن أظهر كذبه ونفاقه. هو صاحب مشروع كبير.. هو لا يرى شعبي بأكمله.. وأنا ضده بداية وأساساً، ولا يختلف عندي عن كل القادة الإسرائيليين الكبار.. والوزن ليس صبرا وشاتيلا فجرائم شارون تسبق ذلك وتليه.
هل ترغبين مثلاً في رؤيته ميتاً كما يشعر كثيرون منا بعد أن تحوّل شبه كابوس يومي؟
ـ أتمنى أن يحاكم لا أن يموت.. أن يكون هناك محاكمة دولية له سواء في بلجيكا أو سواها.. لا يهمني حضوره أم لا. أؤمن أنه ينبغي أن يأتي يوم ويحاكم..
أخيراً هل يشكّل فرقاً كونك امرأة في عملية إنجاز الكتاب؟
ـ لا فارق أساسياً سوى أن معظم المقابلات جرت مع نساء وكانت مطولة وربما تشعر الكثير من النساء بالأمان أكثر حين تتحدث مع امرأة مثلها، لكن سوى ذلك لا أظن أن هناك تمييزاً في هذا المجال.