الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان وأزمة القضاء في الدستور السوري

المحامي جمال الهيثم نعال

إهداء

إلى عفيف مزهر، محمد علي حبيب، نزار نيوف، بسام الشيخ، ثابت مراد  وسلامه جورج كيله

بعد أن انتحل نابليون لقب إمبراطور، رسم على النقود التي ضربت في السنوات الأربع من عهده الإمبراطوري العبارة التالية: "إمبراطور بمقتضى الدستور" .

مقدمة

يعتبر الدستور القانون الأساسي للدولة الذي ينظم قواعد الحكم ويوزع السلطات ويبين اختصاص كل منها ويضع الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد و يبين مدى سلطان الدولة عليهم (1)

إنه القانون الأسمى للدولة، يتضمن الدستور مجموعة القواعد المتعلقة بالتنظيم السياسي والعديد من المبادئ الاقتصادية و الاجتماعية وكذلك الحقوق الأساسية للأفراد. فهو من حيث الشكل: الصك القانوني الذي يتم وضعه باتباع قواعد محددة. مما يضفي عليه صفة خاصة يفترق عنها عن القوانين العادية. إنه التعبير عن الوجود القانوني للدولة الذي ينبثق عنه مبدأ الشرعية وسيادة القانون (2).

إن دراسة الدستور السوري، الصادر في 13/3/1973، لا تختلف عن الدراسات التي جرت على دساتير الدول الملكية أو الأميرية. فهو يحمل هيمنة صريحة من قبل السلطة التنفيذية المتمثلة بشخص رئيس الجمهورية على السلطتين التشريعية والقضائية، والذي يتمتع بصلاحيات وسلطات لا تختلف عن السلطات المطلقة لأي ملك أو أمير بل تفوقها أحيانا. فأعمال السيادة الممنوحة لرئيس الجمهورية تشكل خطراً على الحريات و الحقوق الفردية والعامة، وتتفاقم هذه الخطورة طردا مع غياب التقاليد والممارسات الديمقراطية في البلد حيث يصبح المجتمع رعايا في قبضة الحاكم. الأمر الذي يحول دون تبلور مفهوم حديث للمواطنة يضمن كرامة وحقوق الأشخاص.

هناك غياب في العديد من الحريات والحقوق الفردية والعامة، وإذا أشار الدستور السوري إلى البعض منها فقد جاء ذلك في عبارات فضفاضة وعموميات. تخضع ممارسة هذه الحريات والحقوق لقيود وضوابط ولا يمكن ممارستها إلا من خلال المؤسسات الحزبية و النقابية التي يسيطر عليها حزب البعث قائد الدولة والمجتمع وفق الدستور نفسه. ذلك، وسط انعدام دور الصحافة الحرة والأحزاب المعارضة وتقييد نشاط الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة.

أما السلطة القضائية التي تعتبر أهم السلطات في أية دولة "قانون"، نجد أن هناك خللا في صلاحياتها ونقصان في ضمان استقلالها، إضافة إلى شل العديد من اختصاصاتها الممنوحة إلى المحاكم الاستثنائية. مما أدى إلى خلق أزمة في وحدة النظام القانوني والقضاء.

إن السلطة المخولة بالإشراف على دستورية القوانين هي المحكمة الدستورية العليا لكن وفق شروط وهي أن تكون بناء على اعتراض مقدم من رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب.

لم ينص الدستور السوري على أهمية مبادئ حقوق الإنسان التي باتت أكثر دساتير الدول الديمقراطية  تنص عليها وتعتبر أن المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ذات قوة مرجعية أقوى من القوانين المحلية.

لقد جاء سريان أحكام هذا الدستور منذ عام 1973 في ظل حالة الطوارئ و الأحكام العرفية المعلنة في 8/3/1963 والمراسيم الجزائية الخاصة. ولم تطرح يوما دستورية أي من هذه الأحكام على بساط البحث وكأنها أقوى من صدور الدستور نفسه.

إن الخروج على القواعد الدستورية أو رفضها له مؤيداته الجزائية في قانون العقوبات والمراسيم الجزائية الخاصة التي توالت بعد 1963 والتي استتبعت تولي المؤسسات القمعية الأمنية منظومة التحقيق والمحاكمة أو الحرمان التعسفي من الحرية في كل قضايا الرأي والرأي المخالف.

وبسبب خرق مبدأ فصل السلطات والقيود المفروضة على الحريات وغياب البعض منها وبالتالي أزمة القضاء في غياب قوانين تضع الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في اعتبارها، سادت حالة اضطراب وخوف عند المواطنين. مما خلق نتائج سلبية على الحياة العامة مع ما يستتبع ذلك من أشكال تمرد على الظلم الواقع. الأمر الذي يعود بنا إلى جوهر "الجريمة السياسية".

سنتناول في هذا البحث أولا: الحريات والحقوق الفردية والعامة، ثانيا: هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، ثالثا: السلطة القضائية وأزماتها، رابعا: المؤيدات الجزائية لخرق أحكام الدستور وخامسا: آثار الدستور على الحياة العامة.

أولا- الحريات والحقوق الفردية و العامة:

تناول الدستور السوري العديد من الحريات والحقوق الفردية والعامة. لكن هذه الحقوق تخضع لقيود شديدة تحول دون تمتع المواطنين بحقوقهم على أرض الواقع. ونجد تلك القيود في الضمانات الدستورية نفسها وكذلك في القوانين المنظمة لها. فهناك من جانب، ضمانات عامة خاضعة لقيود كثيرة، ومن جانب أخر انتقاص من هذه الضمانات.

أ- الحريات و الحقوق الفردية

إن معالجة الحقوق المتعلقة بالحريات العامة لا تتفق مع ما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالسلطات لها الحق في التحكم في تلك الحريات حيث أن هناك مجالا واسعا للتدخل أو لتنظيم تلك الحريات. وسنستعرض أبرز الحريات التي كفلها الدستور مع القيود الموضوعة لذلك:

1- حرية التعبير:

تناول الدستور حرية التعبير في المادة 38 حيث نص على أن لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء. لكن عاد ووضع قيدا بما يضمن سياسة الحزب الحاكم حيث أضاف : بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي.

وجاء في المادة 26 : "لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك". كذلك الأمر عندما أعطى القانون تنظيم حرية الصحافة والطباعة في الفقرة الأخيرة من المادة 38 بنصه على كفالة الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقا للقانون. لكن وزارة الأعلام تحكم الرقابة على الصحف الرسمية التي تعبر عن موقف واحد ولا تصدر مطبوعة في البلاد دون موافقة الرقابة. كما لا يوجد إعلام للآراء المخالفة لسياسة النظام.

2- الحق في الأمن والسلامة الشخصيين :

تنص المادة 52 من الدستور على أن الحرية حق مقدس و تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم. وهناك عدة حقوق تناولها الدستور تتعلق بالكيان المادي والمعنوي للأفراد وهي : الاعتقال والاحتجاز والتعذيب.

آ- الاعتقال والاحتجاز :

تناول الدستور السوري موضوع الاعتقال والاحتجاز في الفقرة الثانية من المادة 28 حيث نصت:

"لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقا للقانون".

وما نص عليه الدستور لم يصل إلى الدرجة الواجب توافرها والتي أكدها العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 9 والتي تنص: " لكل فرد الحق في الحرية والسلامة الشخصية ولا يجوز القبض على أحد أو إيقافه بشكل تعسفي، كما لا يجوز حرمان أحد من حريته على أساس من القانون وطبقا للإجراءات المقررة فيه".

فالدستور ترك أمر تنظيم الاعتقال إلى القانون، إلا أنه لم يؤكد على أهمية التحذير من استخدام التعسف في الاعتقال ودون افتراض عدالة القانون وفق ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي من أجل حماية الأفراد من الأفعال غير المشروعة وغير العادلة على السواء. فلو اقتصر الأمر على  حماية الإنسان من الأفعال غير المشروعة فقط لاستحال الطعن في كل أعمال الظلم التي تقوم بها الإدارة الحكومية طالما اتفقت تلك الأعمال مع القوانين المحلية الموضوعة (4).

لقد تعرضت اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الثالثة لتحديد معنى التعسف. فرأى البعض إن الحبس الاحتياطي التعسفي هو الحبس الذي يؤمر به دون أسباب قانونية أو مخالفة للقانون أو تطبيقا لقانون غير عادل في حد ذاته، أو لا يتوافق مع الكرامة الإنسانية، أو لا يتوافق مع احترام الحق في الحرية وأمن الشخص.

في الحلقة الدراسية المنعقدة في تشيلي من 19 إلى 30/5/1958 لحماية حقوق الإنسان في نطاق تطبيق قانوني أصول المحاكمات الجزائية والعقوبات، قدم المؤتمرون ثلاثة تعاريف مختلفة لكلمة تعسف:

1- إذا كان الإجراء أو الفعل مطابقا للقانون الوضعي ولكنه لا يتضمن الحماية المطلوبة لحقوق الإنسان.

2- التعسف في تطبيق القانون.

3- التحكم بالمعنى اللا قانوني أي الناجم عن رغبة أو هوى عابرين.

أما الحلقة الدراسية التي عقدت في الفيلبين فقد قدمت التعريف التالي:

إن الحبس التعسفي هو الحبس المرخص به قانونا لكنه لا يتضمن على حماية كافية لاحترام حقوق الفرد سواء لأن حق مباشرة القبض أو الحبس معرف تعريفا غامضا، أو أن ظروف القبض كالوسائل أو القوة المستخدمة تتجاوز الحدود المعقولة أو الضرورية.

وإذا كان المبدأ القانوني بأن الشك يفسر لصالح المتهم، فهذه القاعدة ليست محصورة فقط أمام محكمة الجنايات ، وبخصوص المدعى عليه أمام محاكم الجنح، و إنما هي مطبقة أيضا - من حيث   الواقع - في معظم اقضية الدول في كافة أدوار التحقيق.

بناء على ذلك إن إصدار مذكرة التوقيف لا يكون إلا في حالات ضيقة تتعلق بحالتي الجرائم الخطيرة والجرم المشهود (5).

لم يشر الدستور السوري إلى التزام الدولة بالتعويض في حال القبض على شخص أو حبسه دون سبب صحيح، وسنبحث ذلك في بند افتراض البراءة المتعلقة بالحقوق الاقتصادية.

ب - التعذيب :

حظّر الدستور السوري التعذيب صراحة بكافة أشكاله حيث جاء في الفقرة الثالثة من المادة 28: "لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب ذلك". وقد عاقب المشرع السوري على التعذيب في المادة 391 من قانون العقوبات التي تنص:

1- من سام شخصا ضربا من الشدة لا يجيزها القانون رغبة منه في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ثلاثة اشهر إلى ثلاث سنوات.

2- و إذا أفضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح كان أدنى العقاب الحبس سنة.

لكن غالبا ما يتعرض المدعى عليهم للتعذيب أثناء استجوابهم أمام رجال الأمن لانتزاع الاعتراف منهم قبل إحالتهم إلى القضاء بموجب اجتهادات محكمة النقض المستقرة والمستمرة بذلك.

وأثناء المحاكمة يعترف معظم رجال الأمن في المحكمة - جنايات أو جنح- لدى استجوابهم كشهود بإقدامهم على ممارسة التعذيب مع الموقوفين.

من حيث الواقع، لا يمكن للموقوف الذي تعرض للتعذيب أثناء استجوابه من قبل رجال الأمن الادعاء عليهم أمام القضاء ومعاقبة من مارس أعمال التعذيب والحكم بتعويض عادل. ذلك لوجود مراسيم متعددة تمنع إحالة رجال الأمن إلى القضاء مهما كانت آثار التعذيب على الموقوفين، حيث أن البعض يصل إلى درجة العجز الوظيفي المؤقت أو الدائم أو الوفاة.

من الثابت بموجب العهدين الدوليين أنه لا يجوز تعليق حقوق معينة أو تقييدها حتى في حالات الطوارئ. من هذه الحقوق الحق في الحياة والحصانة من التعذيب (6).

ج- حق الحياة

لم ينص الدستور السوري على الحق في الحياة، وبالتالي فالمشرع السوري عاقب على جرائم متعددة بالإعدام. والواقع يشير إلى أنه لا توجد أية تدابير تقيد أو تحد من استخدام هذه العقوبة. بل على العكس، فقد توسع في استخدام هذه العقوبة بموجب المراسيم الجزائية الخاصة كقانون الانتساب إلى تنظيم الإخوان المسلمين، وفي حالات متعددة في قوانين مناهضة أهداف الثورة وحماية النظام الاشتراكي وأمن حزب البعث العربي الاشتراكي.

وإذا كان القانون قد أعطى الحق للمحكوم عليه بالتماس العفو أو إبدال العقوبة، فرئيس الجمهورية يستطيع أن يحد من استخدام تلك العقوبة. ذلك لأن الدستور أعطاه الحق بموجب المادة 105 بإصدار العفو الخاص ورد الاعتبار.

3- الحقوق القضائية:

تناول الدستور السوري عددا من الحقوق القضائية مستعملا صيغا عامة من جهة، و من جهة ثانية هناك نقص في هذه الضمانات و أهم هذه الحقوق: حق التقاضي أمام قضاء حيادي ومستقل، افتراض البراءة وحق الدفاع.

آ- حق التقاضي أمام قضاء حيادي ومستقل:

اعتبر الدستور السوري في الفقرة الرابعة من المادة 28 بأن حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون. ولم يتضمن وجوب أن تكون المحكمة مستقلة وحيادية ومختصة. إن ما ورد في الفصل الثالث من الدستور حول السلطة القضائية فيما يتعلق بالعناصر الضرورية المشار إليها كانت ناقصة كما سنرى في مقطع السلطة القضائية وأزماتها.

إن الحق في محاكمة منصفة وعادلة والحق في نظام قضائي نزيه ومستقل هي شروط ضرورية لتحقيق العدل وحقوق الإنسان. وقد تناول العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في الفقرة الأولى من 14 بأنه من حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية أن تكون قضيته محل حكم منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية منشأة بحكم القانون.

ب - افتراض البراءة :

نصت المادة 28 في فقرتها الأولى من الدستور السوري بأن كل متهم برئ حتى يدان بحكم قضائي مبرم.

بالمقابل، نصت الفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا. وهذا التزام مطلق ومباشر على الدول بمقتضى العهد المذكور ولا يمكن التحلل منه إلا في أوقات الطوارئ  التي تهدد حياة الأمة والتي يعلن عن وجودها بصفة رسمية. لكن يشترط إلا تتنافى هذه الإجراءات مع التزاماتها الأخرى بموجب القانون الدولي ودون تمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الأصل الاجتماعي.

وكما يحدث أن يكون للتوقيف الاحتياطي طابع التعسف، طالب المؤتمر الدولي لقانون العقوبات المنعقد في روما 1953 على أنه "يجب على الدولة تعويض المحبوس احتياطيا في حالة ارتكاب خطأ قضائي ظاهر، إذا كانت الظروف تشير إلى أن هذا الحبس اكتسب صفة التعسف".

فسر البعض التوقيف الاحتياطي التعسفي بأنه التوقيف غير الضروري لسير إجراءات التحقيق. ويكون إذا أمر به بناء على أسباب أو وفقا لإجراءات غير منصوص عليها في القانون أو تجاوزت مدته المدة المعقولة(7).

نجد عموما أن القضاء ليس معصوما عن الخطأ. فقد يخطئ القاضي أثناء قيامه بجمع الأدلة وربطها. وقد تقود مقتضيات التحقيق إلى إصدار مذكرة التوقيف بحبس لشخص احتياطيا ثم تتبين براءته فيما بعد. وهذه الوضع لا مناص منه لأنه يتعين على القاضي أن يكتفي بتقدير الأدلة التي يمكن توافرها ضد المدعى عليه أو المتهم و التي تستدعي استمرار التوقيف. وإذا تبين في النهاية أن توقيف المتهم كان غير مبررأ، فإنه يغدو إجراء خطير على حرية الأفراد. لذا يتعين تعويض المتهم الذي خضع لمثل هذا الحبس. علاوة على ذلك، يسلب التوقيف المتهم حريته ويبعده عن حياته الاجتماعية ويعطل أعماله ويؤذي سمعته وأسرته وغيرها من الأضرار المحتملة. خاصة وأن البراءة اللاحقة للتوقيف لا تزيل كل الشكوك عن المتهم. لهذا لجأت معظم الدول إلى الإقرار بمبدأ التعويض عن التوقيف الاحتياطي غير المبرر، حيث جاء ذلك في دساتير بعضها أو في قوانين أصول المحاكمات.

لقد نصّ المشرّع الفرنسي على ذلك في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المواد 149 و 150 الذي منح حق التعويض لمن تم توقيفه احتياطيا وحكم بالبراءة وترتب عن التوقيف ضرر غير عادي ذو خطورة خاصة. ذلك دون اشتراط الخطأ من جانب القاضي أو إثبات البراءة الساطعة الواضحة أي وجود شك أو نقص في الأدلة.

لم ينص الدستور السوري على التزام الدولة بالتعويض عن التوقيف الاحتياطي أو الحكم بالإدانة نتيجة ثبوت خطأ مهني جسيم. كذلك لم ينص على ذلك قانون أصول المحاكمات الجزائية. لقد كان الدستور السوري السابق بهذا الصدد أفضل بعض الشيء حيث نص على التزام الدولة بالتعويض في حال ثبوت البراءة بعد الحكم بالإدانة ونفاذ العقوبة، حيث نصت المادة 11 منه: "لكل شخص حكم عليه حكما مبرما ونفذت فيه العقوبة وثبت خطأ الحكم أن يطالب الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به".

ج - حق الدفاع والطعن:

تناول الدستور السوري حق الدفاع في الفقرة الرابعة من المادة 28 حيث جاء النص شاملا ومقتصرا على إن حق الدفاع مصون بالقانون. وهو لم يشر صراحة إلى دور المحامي واستقلاله وحصانته. فعموما يكون هذا الدور معدوما أمام التحقيقات الجارية من قبل الشرطة (8) وضعيفا أمام النيابة العامة وقضاء التحقيق.

لقد جاء في مؤتمر هامبورغ عام 1979 : " تعين الجهة القضائية من تلقاء نفسها مدافعا للمتهم إذا تبين لها لأسباب شخصية عدم سماح حالة المتهم بالدفاع عن نفسه أو اتخاذ ما يلزم لذلك. ويبدو ذلك ضروريا بوجه خاص في القضايا الخطيرة أو المعقدة لما يحققه ذلك من مصلحة للعدالة والدفاع معا. ويتقاضى المحامي المعين أتعابا معقولة من خزينة الدولة إذا لم يستطع المتهم دفعها".

بهذا ما ينسجم مع روح وجوهر الفقرة الثالثة من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. لقد استقرت الآراء على ضرورة أن ينص الدستور على الحق بالاستعانة بمحام ولو كان الجرم جنحوي الوصف. فان استحال على المدعى عليه ذلك وجب أن تندب له المحكمة محاميا على نفقة الدولة.

من الأمور الجوهرية المثارة أن لا يترك أمر استقلال وحصانة ونزاهة المحاماة إلى القوانين بل يجب النص عليها في الدستور. يجب أن تكون للمحامي حصانة مستمدة من حق الدفاع المقدس وما يجب توافره من حرية في ممارسته لمهنته التي تبقى الحرية طابعها الأصيل في أسمى معانيها وذلك لإعتبارات تمس مصلحة المجتمع وحسن سير العدالة.

فالمحامي ملزم ببذل أقصى ما في وسعه لخدمة موكله في إطار القانون وآداب المحاماة. وعند ممارسته لهذا الواجب، ينبغي عليه أن يكون مستقلا ونزيها متحررا من التدخل من جانب السلطة التنفيذية أو التشريعية وحتى من جانب السلطة القضائية دون خوف ووفقا لما يمليه عليه ضميره وأخلاقيات مهنته(9). هذه الأوليات أقرها مؤتمر (نوتو) بصقليه عند صياغة "مشروع مبادئ بشأن استقلل المحاماة" إذ أكد على: " أن وجود نظام عادل ومنصف لإقامة العدالة والحماية الفعالة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية يتوقفان على استقلال ونزاهة السلطة القضائية. فاستقلال المحامين واستقلال السلطة القضائية يكملان ويدعمان بعضهما البعض بوصفهما جزءا لا يتجزأ من نظام العدالة ذاته.

ولتمكين المحاماة من أداء دورها الصحيح بفعالية دفاعا عن هذه الحقوق، يجب أن يكون المحامي قادرا على إسداء المشورة إلى موكليه وعلى تمثيلهم وفقا لمعاييره المعنية الراسخة ولتقديره دون أية قيود أو تأثيرات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخل لا داعي له من أية جهة كانت".

تناول الدستور السوري حق الطعن في الفقرة الرابعة أيضا من المادة 28 حيث ذكر بأن حق الطعن مصون بالقانون. ومن أهم المشاكل المطروحة هو أن المحامي  المكلف من قبل محكمة الجنايات أو محكمة الأمن الاقتصادي لا يحق له الطعن بالنقض بل تنحصر مهمته بمناقشة الشهود وتقديم لائحة الدفاع. بذلك حرم المحكوم عليه من الاستعانة بمحام للطعن بالنقض. وبرأينا إذا لم يتمكن المتهم من تسمية محام على نفقته فانه يتوجب تسمية محام للمتهم في كافة مراحل التحقيق والمحاكمة مع الحق بالطعن بالنقض.

من جانب آخر، لا يحق للمتهم في محكمة أمن الدولة تسمية محام بالرغم من أن الفقرة الأولى من المادة 7 من قانون أحداث محكمة أمن الدولة تركت أمر الحق بالدفاع للقوانين النافذة والتي بموجبها يستطيع المتهم توكيل محام وفق الإجراءات المتبعة في كافة المحاكم. لكن ما يطبق هو تسمية المحامين في كل قضية من قبل نقابة المحامين بناء على طلب محكمة أمن الدولة بتسمية محامين للدفاع عن المتهمين. ينحصر دور المحامي في تقديم لائحة الدفاع فقط، بينما أحكام هذه المحكمة لا تقبل الطعن حتى من المحكوم عليه بالذات. والمسألة المفترضة هي التماس حق العفو الخاص كون الدستور أعطى لرئيس الجمهورية في المادة 105 منح العفو الخاص وإعادة الاعتبار.

وعليه، فإن المحكوم عليه لا يستطيع توكيل محام وفق ماجرت العادة عليه في محكمة أمن الدولة. وهو بلا شك بحاجة إلى محاكم كي يتقدم بطلب العفو الخاص لأنه غالبا سوف يبني طلبه على مناقشة الوقائع والتطبيق القانوني لها وربما يكون هناك خطأ مجحف بحق المحكوم عليه أو ظروف خاصة.

من هنا، تبرز أهمية دور المحامي خاصة وأن طلب العفو الخاص هو الطريق الوحيد للمحكوم عليه لإثارة موضوع قضيته. ولأن هذه الأحكام لا تكون نافذة إلا بعد التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية الذي له حق الإلغاء أو حفظ الدعوى أو تخفيض العقوبة أو تبديلها. هذه الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية يثيرها من تلقاء نفسه(11) بينما يحظر على المحامي إثارتها لأنها من متعلقات أعمال السيادة . فقرارات رئيس الجمهورية بهذا الشأن إدارية وليست قضائية.

وإذا كان دور المحامي محصورا أمام محكمة أمن الدولة بتقديم لائحة الدفاع، فإن هذا الدور معدوم على الإطلاق أمام محاكم الميدان العسكرية ذات الأحكام القطعية وغير القابلة للطعن. ومن المعروف أن تشكيل هذه الأحكام مرهون بالأعمال الحربية في حين تخرج هذه المحاكم عن قواعد الاختصاص لتنظر في الجرائم السياسية والعادية سواء كان الأطراف فيها مدنيين أو عسكريين.

الحريات والحقوق العامة:

هناك العديد من الحريات والحقوق العامة التي أهملها الدستور السوري، وأخرى يوجد نقص في حمايتها. سنتعرض لأهم هذه الحقوق: حقوق العمال و العاطلين عن العمل، حرية تشكيل الجمعيات والأحزاب السياسية وأخيرا حقوق الاقليات.

1- حقوق العمال والعاطلين عن العمل:

إن نظرة سريعة على نصوص الدستور السوري تعطي الانطباع بحقوق جمة للعمال والفلاحين. ففي المادة 53 ينص على أن يكون نصف أعضاء مجلس الشعب على الأقل من العمال والفلاحين. وتشير المادة 9 منه إلى أن المنظمات الشعبية و الجمعيات التعاونية تنظيمات تضم قوى الشعب العاملة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفرادها.

إن التعمق في النصوص هذه يظهر لنا خللا كبيرا في حقوق العمال ( من موظف الدولة والعامل والفلاح بالأجر) وإجحافا كبيرا في حقوق العاطلين عن العمل.

لقد أشارت الفقرة الثانية من المادة 36 على أنه يحق لكل مواطن أن يتقاضى أجره حسب نوعية العمل ومردوده وعلى الدولة أن تكفل ذلك.

إذا دققنا في هذه الفقرة نجدها غير محددة كونها لا تشير إلى تناسب الأجور مع الوضع المعاشي العام(12). فالواقع يشير إلى أنه بسبب انخفاض الأجور  تضطر 40% من قوة العمل في البلاد إلى اللجوء إلى أكثر من عمل لكسب عيشها. وهذا يعني أن العامل يعمل قرابة سبعين ساعة في الأسبوع ليغطي نفقات المعيشة الرئيسية. الأمر الذي يخالف المبادئ العامة للحقوق العمالية التي توجب أن لا يتجاوز عمل العامل في اليوم ثماني ساعات مع إجازة يوم واحد في الأسبوع على الأقل. كذلك، يسجل عدم حصول عدد كبير من العاملين في القطاعين العام والخاص على الإجازة السنوية، فيما يخالف الفقرة الثانية من المادة 36 التي تنص على التالي: "تحدد الدولة ساعات العمل وتكفل الضمان الاجتماعي للعاملين وتنظم لهم حق الراحة و الإجازة والتعويضات والمكافآت".

لقد أشار الدستور إلى فرض الضرائب وفقا لحجم الدخل وجاء في المادة 19 منه: " تفرض الضرائب على أسس عادلة وتصاعدية تحقق مبدأ المساواة و العدالة الاجتماعية". إلا أن السلطة بتركيبها وأسلوب إدارتها لاقتصاد البلاد أوجدت فئة واسعة من الأغنياء الجدد من المسئولين وأبنائهم يحققون أرباحا خيالية ولا تطالهم أية رقابة مالية أو ضرائبية خلافا للمادة 41 من الدستور عينه التي تجعل من الضرائب و التكاليف العامة واجبا وفقا للقانون. والثابت أن العمال هم أكثر فئات المجتمع أداءا للضرائب لمعرفة دخلهم الحقيقي.

أما عن أزمة البطالة، فتبرز مشكلة العاطلين عن العمل باعتبار ضحاياها يعيشون دون مستوى الفقر. وأن كان الدستور قد الزم الدولة صراحة بضرورة توفير العمل للجميع باعتبار العمل حق وواجب (المادة36) فتغيب عنه الصراحة نفسها في كفالة من يعيش تحت مستوى الفقر. وهناك نص آخر بالكفالة في المادة 46 التي تنص في الفقرة الأولى على: " تكفل الدولة كل مواطن أسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة".

2- حرية تشكيل التنظيمات:

أجاز الدستور السوري الحق في تشكيل التنظيمات الجماهيرية حيث نص في المادة 48 بأنه: " للقطاعات الجماهيرية حق إقامة تنظيمات نقابية أو اجتماعية أو مهنية أو جمعيات تعاونية للإنتاج أو الخدمات وتحدد القوانين إطار التنظيمات و علاقاتها وحدود عملها" .

إذن يجيز الدستور من حيث المبدأ إنشاء الجمعيات ذات الطبيعة الاجتماعية و العمالية و الخدمات ولكن بشرط أن لا يكون لها أهدافا لا تنسجم أو تهدد السياسة العامة للسلطة. والمادة 49 خير دليل على ذلك إذ تقيد أطر عمل هذه التنظيمات:

" تشارك التنظيمات الجماهيرية مشاركة فعالة في مختلف القطاعات والمجالس المحددة بالقوانين في تحقيق الأمور التالية:

1- بناء المجتمع العربي الاشتراكي وحماية نظامه.

2-  تخطيط وقيادة الاقتصاد الاشتراكي.

3- تطوير شروط العمل والوقاية والصحة والثقافة وجميع الأمور الأخرى المرتبطة بحياة أفرادها.

4- تحقيق التقدم العلمي و التقني وتطوير أساليب الإنتاج.

5 - الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم".

إن هذا السماح بتشكيل التنظيمات الجماهيرية الذي يتبعه تأطير لها يرهن الحق الطبيعي والعادي في تأسيس أشكال التجمع السلمية بتعريف اعتباطي للمشاركة الفعالة وربط إيديولوجي مسبق لغاية التجمع. ويبدو هذا البعد الاعتباطي واضحا في المقارنة بين خطاب عن التخطيط وقيادة اقتصاد اشتراكي مع ممارسات سلطوية باتجاه الخصخصة تتجاوز الدستور كما في المرسوم 10 .

بغض النظر عن عدم استعمال السلطة نفسها لخطاب دستورها، هناك أسئلة جوهرية تطرحها قضية حصر الإيديولوجيا لمفهوم الحريات في الدستور في خطاب الحزب الحاكم وحده. فالدستور في المعيار الأخير لا يدوم إلا بديمومة الحاكم الذي فصّلت الصلاحيات الرئاسية على مقاسه. والحزب هو الذي نصبه قائدا ووصيا على المجتمع والدولة. من هنا تشكل مقدمة الدستور -التي تعتبرها المادة 150 جزءا لا يتجزأ منه- أول نقطة خلل لتحويلها خطاب الحزب الحاكم إلى خطاب لكل مواطن وإعلان مبادئ لكل عمل سياسي. وبالتالي، فهي تلغي مفهوم التعددية السياسية لحساب التنظيم السياسي الموحد وتلغي حق الاختلاف لتقسيم العلاقة بين المجتمع والحزب الحاكم إلى علاقة قائد برعية يقودها. ويبدو مفهوم الوصاية هذا في العلاقة بين الحزب وأعضاء الجبهة الوطنية الحاكمة، التي رغم دستوريتها، لا تتمتع أطرافها بصفات وحقوق حزب شرعي. ورغم عدم وجود نص في الدستور ينص صراحة على منع إنشاء حزب سياسي يتبنى أهداف الجبهة الوطنية التقدمية، يمكن استعمال الدستور كمانع لوجود أحزاب سياسية تختلف في أهدافها مع حزب البعث وجبهته. الأمر الذي يتناقض بشكل كبير مع حرية التنظيم التي تضمنها التزامات سورية الدولية وبشكل خاص العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ورغم نص المادة 26 على أن "لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك"، فإن الدستور قبل القانون يقنن ذلك بشكل كبير.

3- حقوق الاقليات:

لم يتناول الدستور السوري صراحة حقوق الاقليات بل اكتفى بالقول في الفقرة الثالثة من المادة 25 "بأن المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات" وفي الفقرة الرابعة " تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين".

يلاحظ أن النص جاء عاما مطلقا ولم يشر إلى أهمية عدم التمييز في الأصل والعرق والجنس والدين و اللون. وقد تناول في موضع آخر الحقوق الدينية حيث نص في الفقرة الأولى من المادة 35 على أن:  " حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان" . كما جاء في الفقرة الثانية: "تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام".

هناك العديد من الأقليات القومية الذين يستطيعون التكلم بلغتهم وممارسة عاداتهم مثل الأرمن والشركس.  وهناك كوتا لنائب أرمني في مجلس الشعب. أما بالنسبة للأكراد، فهم محرومون من حقوق متعددة كالتكلم بلغتهم في الأماكن الحكومية والاحتفال بعيد النيروز وتسمية أولادهم بأسماء كردية. لكن تبقى المشكلة الكبرى حرمان عدد هام منهم من الجنسية رغم ولادتهم وإقامتهم في الأراضي السورية. الأمر الذي يتعارض مع معطيات القانون العادي في البلاد و المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (لكل فرد حق التمتع بجنسية ما) والمادة 16 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ثانيا- هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية :

تتألف السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجالس الشعب المحلية وقد نص لها الدستور من المادة 83 إلى المادة 130. تطغى صلاحيات السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية وخاصة تلك الممنوحة لرئيس الجمهورية . يتم ترشيح رئيس الجمهورية من قبل مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ويعرض الترشيح للاستفتاء على المواطنين كما هو محدد في الفقرتين 1-2 من المادة 84. يعني هذا أن تمتنع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية عن التقدم بمرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية أو أن يتقدم مرشح مستقل لهذا المنصب .

ولم يعد الدستور ينص على منع ترشيح رئيس الجمهورية لأكثر من مرتين كما هو الحال في بقية دساتير العالم. فرئيس الجمهورية يستطيع أن يتربع على عرش السلطة مدى الحياة. وهو يمارس من خلال حزب البعث سيطرة وتحكما شاملا في مجلس الشعب مؤكداً بذلك نجاح اختيار الحزب لرئيس الجمهورية. وليس للشعب غير الخيار الوحيد بالتصديق على الترشيح. تكون النتيجة المبالغة بالإجماع تقريبا لصالح المرشح الواحد الذي غالبا ما يحصل على 99% من الأصوات. لرئيس الجمهورية الحق في تسمية نائب له أو أكثر وتسمية مجلس الوزراء والوزراء ونوابهم وقبول استقالتهم وإعفائهم من مناصبهم (الماده95 ) ، كما له  إحالة الوزير للمحاكمة (المادة 123) ، وسط غياب دور رئيس مجلس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات مقيدة. وبالنتيجة فالجميع مسؤولون أمام رئيس الجمهورية (المادة 117).

أشار الدستور السوري إلى أن رئيس الجمهورية يضع السياسة العامة للدولة بالتشاور مع مجلس الوزراء ويشرف على تنفيذها (المادة 94) ، ولم يعط هذا الدستور أي دور لمجلس الشعب في مراقبة ومناقشة هذه السياسة. فدور مجلس الشعب محصور فقط في مناقشة مجلس الوزراء والوزراء وحجب الثقة عن الوزارة أو أحد الوزراء (الفقرة 3 ، 8) من المادة 71  .

تتقدم الوزارة عند تشكيلها في كل سنه وبموجب المادة 118 ببيان عن سياستها العامة وبرامج عملها إلى مجلس الشعب وكذلك ببيان عن تنفيذ خطط التنمية وتطوير الإنتاج. لكن الواقع يفيد بأن المناقشة التي تجري في مجلس الشعب تكون عمليا بعيدة عن حياة ومعاناة المواطن الحقيقية لان معظم الأطراف هم من حيث النتيجة من المؤيدين لسياسة رئيس الجمهورية. فكل واحد منهم يشعر بأن منصبه هو امتياز ممنوح له وليس التزاما ومسؤولية أخلاقية تجاه شعبه ووطنه .

أعطى الدستور في المادة 111 لرئيس الجمهورية حق سلطة التشريع خارج دورات مجلس الشعب وحتى أثنائها إذا اقتضت ذلك مصلحة البلاد القومية أو مقتضيات الأمن القومي بشرط أن تعرض هذه التشريعات على المجلس في أول جلسة له. لكن إلغاء هذه التشريعات أو تعديلها لا يتم إلا بأكثرية ثلثي أعضاء المجلس وإذا لم يلغها المجلس أو يعدلها اعتبرت مقرة دون حاجة لإجراء التصويت عليها .

والسؤال المطروح : من هو العضو في مجلس الشعب الذي طلب تعديل أو إلغاء تشريع أو مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية يشكل خرقا للحريات وحقوق الإنسان مثلاً ؟

كذلك منح رئيس الجمهورية في المادة 114 الحق في تشكيل الهيئات والمجالس واللجان المتخصصة. وتحدد صلاحيتها واختصاصاتها بقرارات تشكيلها دون أن يكون لمجلس الشعب أي دور يذكر. مثال ذلك لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع التي شكلت عام 1977 حيث أن العديد من أعضائها غير مجازين في الحقوق. هذا ناهيك عن انعدام الضمانات القانونية تجاه المدعى عليهم، وبالتالي عدم إجراء أي تحقيق مع العديد من المسؤولين الذين أثروا بوسائل غير مشروعة، عدا أن تشكيل مثل هذه اللجان يشكل اعتداء على السلطة القضائية.

من المسائل التي تثير السخرية أن الدستور أعطى الحق في المادة 112 لرئيس الجمهورية باستفتاء الشعب في القضايا العامة التي تتصل بمصالح البلاد. وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة، إلا أنه جوازي وليس بوجوبي تجاه رئيس الجمهورية. لكن لم يحصل وأن جرى منذ صدور الدستور عام 1973 وحتى يومنا هذا استفتاء على مواضيع تتعلق مثلاً بالحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أعطى الدستور صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية بموجب أعمال السيادة وأهمها على الإطلاق نظام الطوارئ والأحكام العرفية التي تشكل خرقاً لحقوق الإنسان. وقبل أن نحدد الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية بموجب أعمال السيادة لابد لنا من تحديد مفهوم السيادة بالقانون الدولي ومفهوم أعمال السيادة في الحقوق الإدارية.

إن السيادة في مفهوم القانون الدولي فكره سياسية تمتزج مع الاستقلال، وهي قبل كل شيء تعبير عن حرية حكام الدولة الذي يتصرفون دون أن يتلقوا أوامر من دولة أخرى. والاستقلال ينطوي على إرادة الغير. فاستقلال الشعوب وحصولهم على الاستقلال الدولي ليس سوى تحويل في وسائل الرق أو سمات العبودية، وقد لا يكون الشعب حراً وإنما تبقى الدولة مستقلة .

والاستقلال بالمفهوم القانوني يقوم على ثلاثة عناصر:

-اكتمال الاختصاصات غير المحدودة ، بحيث أن الدولة تستطيع أن تعالج جميع قضايا الحياة الاجتماعية وتمنح نفسها النظام السياسي الذي تختاره كما تستطيع تعديله عند الاقتضاء.

-الاستقلال يعني رفض الخضوع لأي تأثير خارجي.

-انحصار جميع السلطات بالدولة داخل حدودها والأقاليم هو المجال الفعلي لانحصار سلطة الدولة. فأهم وظائفها هي اللجوء إلى استعمال القوة لأنها كدولة تملك حق الإكراه الشرعي. وهذا ما يميز القانون الداخلي الذي هو قانون طاعة وامتثال يهيمن على الأشخاص الذين يمكن إرغامهم على احترام القانون بطريق القوة إذا اقتضى الأمر وبواسطة الأجهزة المختصة.

إن الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية بموجب أعمال السيادة هي حالة إعلان الحرب  والتعبئة العامة (المادة 100 ) وحالة وجود خطر جسيم يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة من مباشرة مهامها الدستورية ( المادة 113 ). والنتيجة الأهم على الإطلاق هي نظام الطوارئ والأحكام العرفية المنصوص عليها في ( المادة 101 ) والتي تنص على أن يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون.

من الثابت بأن حالة إعلان الطوارئ كلياً أو جزئياً أمر خطير في حياة البلاد العامة يستدعي خلق وضع حقوقي شاذ تطبق فيه أحكام تشريع الطوارئ ويؤدي إلى فرض قيود استثنائية كبيرة على سلوك المواطنين وتصرفاتهم. وهو بالنتيجة يؤول إلى إهدار الحريات والحقوق والضمانات الأساسية التي صانها الدستور وأقرتها مبادئ القوانين الأساسية للأفراد والجماعات أو على الأقل إلى تعطيل أو تعليق النصوص الدستورية والقانونية التي تكرس هذه الحريات والحقوق والضمانات. لذلك فإن الدول التي تنهج نهجاً ديمقراطياً سليماً تحصر بالسلطة التشريعية وحدها حق إعلان حالة الطوارئ. وبعضها الآخر يحرص حرصاً شديداً على أن لا يضع هذا السلاح الخطير في يد السلطة التنفيذية دون قيد ولا شرط وعلى أن يحيط استعماله بقدر معين من القيود والشروط حتى لا يستخدمه الحاكمين وسيلة للبطش بخصومهم السياسيين والقضاء على المعارضة وبالتالي كبت الحريات العامة والفردية وتعطيل الحياة الديمقراطية الصحيحة (13).

إن نظام الطوارئ هو أساساً نظام استثنائي (14) ، يتوجب أن تحدد مدة بدايته ونهايته وهو يخضع لضوابط وشروط هي :

-أن تكون هناك حالة حرب أو حالة تهديد بوقوعها.

-أن تكون هناك حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي القطر أو جزء منه للخطر بسبب اضطرابات داخلية أو كوارث عامة.

لقد اعتبر الرئيس الأسد عام 1991 أن استمرار العمل بنظام الطوارئ لكون سوريا في حالة حرب ودعا في الوقت نفسه إلى استخدام هذا النظام في المسائل الأكثر أهمية كأمن الدولة والنظام العام. هذا التبرير يخالف القواعد المقررة كما أسلفنا كون سوريا وقّعت الهدنة مع إسرائيل عام 1974. ومنذ ذلك الوقت لم تسجل أية حادثة خاصة وأن منطقة الجبهة تقع تحت مراقبة قوات الطوارئ الدولية. كذلك لا يجوز الإبقاء على نظام الطوارئ بصدد أمن الدولة والنظام العام لأنه يشترط أن يكون هناك خطر حالي ومفاجئ لا مستقبلي. فالأمن والنظام العام لا يتعرض للخطر إلا بحدوث اضطرابات داخلية أو بوقوع كوارث عامة. أما توقع حدوث هذه الإضرابات أو احتمال وقوع هذه الكوارث يشكل تعريضاً للخطر. لكن استمرار العمل بنظام الطوارئ والأحكام العرفية ليس إلا من أجل القضاء على الخصوم السياسيين ولكبت الحريات العامة والفردية. وهو لا يتفق مع الشروط التي تتطلبها الفقرة الأولى من المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

من نتائج نظام الطوارئ والأحكام العرفية كذلك خلق حالة من تفتيت للنظام القانوني والإكثار من فروعه حيث انبثقت شعب قانونية متعددة متمثلة في القوانين الجزائية خاصة. الأمر الذي يؤدي إلى القضاء على وحدة قانون العقوبات والخروج على أحكامه العامة. هذا الوضع يخلق حالة من الازدواج القضائي أيضاً حيث هناك القضاء العادي والقضاء الاستثنائي كالمحاكم العسكرية ومحكمة أمن الدولة العليا. فنجد أن السلطة التنفيذية هي التي حددت اختصاص هذه المحاكم وسمت أعضائها حيث يصبح الحكم من حيث الواقع باسم السلطة التنفيذية. إن قرارات هذه المحاكم قطعية لا تقبل الطعن ورئيس الجمهورية هو وحده الذي له حق إلغاء الحكم وحفظ الدعوة وتخفيض العقوبة وإبدالها أو إعادة المحاكمة.

المحكمة الدستورية العليا (15) هي الجهة المخولة للبحث في الرقابة على دستورية القوانين حيث يتم تسمية أعضائها من قبل رئيس الجمهورية ( المادة 139 ) دون أي دور يذكر للسلطة القضائية والتشريعية. يخضع البت في دستورية القوانين لشروط بناء على أعترض من قبل رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب ( المادة 145/1 ). وهذا يعني بأنه لا يحق لأية جهة أخرى من أحزاب الجبهة أو المنظمات أو الهيئات أو الجمعيات أو الأفراد الاعتراض على دستورية القوانين.

أما بصدد القضاء العادي فإن الدستور لم يوفر له الضمانات الكافية كي يقوم بواجباته على أكمل وجه وجاءت النصوص ناقصة. من جانب آخر، هناك قنوات متعددة لتدخل السلطة التنفيذية كما هو الحال في محكمة الأمن الاقتصادي. الأمر الذي يجعلنا نبحث في السلطة  القضائية  بشكل عام وبأزماتها.

نستنتج أخيرا أن هناك هيمنة صريحة من السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية. الأمر الذي يشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات الذي أقرته الثورة الفرنسية لتقييد الحكومات بأحكام القانون وحماية الحقوق المدنية والسياسية للأفراد والجماعات.

ثالثاً : السلطة القضائية وأزماتها :

إن إقامة العدل هو جوهر نظرية الدولة. فالبحث عن استقلال ونزاهة السلطة القضائية يرتبط ارتباطا وثيقاً بإقامة نظام للعدالة والحفاظ على حقوق الإنسان والحريات الأساسية بصيانتها. وهو الحق الذي تؤكده ديباجة الأمم المتحدة وتكفله المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صراحة حيث لكل إنسان وعلى قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر في قضيته محكمة نزيهة نظراً منصفاً وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه إليه. وتشدد الأمم المتحدة على الحاجة إلى بيان الأحوال اللازمة والمؤدية إلى العدل في كل جوانبه. إن حقوق الإنسان جزء لا يتجزأ من مفهوم العدل. فالحق في الحياة  والحق في محاكمة منصفة وعادلة والحق في نظام قضائي نزيه ومستقل هي جميعها شروط أساسية لتحقيق العدل وحقوق الإنسان. لقد تعهدت كل دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بان تكفل سبيلا فعالا للتضامن لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها حتى ولو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية. كذلك تكفل لكل متظلم أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية مختصة ينص عليها نظام الدولة القانوني وتكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصلحة المتظلمين.

إن استقلال ونزاهة وموضوعية واستقامة وصدق القضاء والمحاكم ضرورة لإقامة العدل. فنزاهة واستقلال سلطة العدالة هما حق من حقوق الإنسان أكثر من كونه امتيازاً للسلطة القضائية. فمراعاة حقوق الإنسان في أي بلد تتطلب وجود نظام قانون إنساني وإطار فعال لإقرار العدل يضمن للمواطنين حقوقهم الأساسية وحرياتهم العامة، فالعدل لا يتحقق إلا بوجود الحرية.

لقد أكد تقرير الأمم المتحدة على أن السلطة القضائية منفصلة ومتميزة من حيث أساسها وتقنيتها وأسلوبها. والجهاز القضائي بوجه عام جهاز متميز لكل حكم بصرف النظر عن مبدأ فصل السلطات في هذا النظام. وعندما يستخدم لإجازة أوامر السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية دون اعتبار للقانون فيعتبر ذلك تجاوزاً للقانون واستهزاء بالعدل. فالقضاة والسلطة القضائية يجب أن تتحلى بالاستقلال والنزاهة وتطبيق القانون وفق ما يمليه الضمير والشجاعة. وهذا هو سبب لجوء النظم السياسية إليهم لتوثيق ما يفعلون ولإضفاء صفة المشروعية عليها.

إن منطق ومشروعية الوظيفة القضائية يستدعي نزاهة القضاء واستغلاله. فالطبيعة الأولية للوظيفة القضائية هي الحكم وفقاً للقانون بعيداً عن أية قيود أو ضغوط أو تهديدات مباشرة أو غير مباشرة. كما أن القاضي يجب أن يكون مستقلاً ليس عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية فحسب وإنما أيضاً عن رؤسائه وزملائه. فللقاضي حق الحكم بعدالة ووفقاً للقانون كما يراه هو لا كما يراه الآخرون.

إن استقلال القاضي لا يشكل بمفرده ضمانة أساسية لإصدار الحكم العادل ولا بد من توافر النزاهة. فالاستقلال والنزاهة هما الميزتان الواجب توافرهما في القاضي العادل. على القاضي المستقل أن يعتمد على نفسه وأن يحكم بنفسه وأن يكون حراً في ممارسة واجباته ووظيفته دون عائق أو عراقيل. فالنزاهة تعني عدم تفضيل شخص على آخر والبعد عن التحيز والتعصب والمحاباة بحيث يصدر القاضي حكمه دون خوف أو محاباة وفقاً للحق والعدل والقانون.

تكاد تجمع كل دساتير العالم بكل أشكالها وأيديولوجياتها على احترام مبدأ استقلال القضاء واعتبار هذه الوظيفة متميزة ومنفصلة عن نظام الحكم. غير أن النص الدستوري حول استقلال القضاء وحصانته يخضع لمفاهيم متعددة. فقد يوصف القضاء بأنه فرع للحكومة أو جهاز لها مماثل ومساو. وتصفه بعض النصوص الدستورية  بأنه جهة وليس سلطة. ومهما تكن التبريرات، فقد أصبح مبدأ فصل السلطات واعتبار القضاء سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية ضرورياً لضمان استقلال القضاء. فهي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها الحفاظ على السلامة الوظيفية لوظيفة القضاء. لقد أصبح مبدأ الفصل بين السلطات منذ أن أقرته الثورة الفرنسية جزء من الآمان الفكري الثوري والسند القانوني لتقييد الحكومات بأحكام القانون وحماية الحقوق المدنية والسياسية من أجل إرساء الأساس القانوني للمراجعة القضائية، خاصة تلك المتعلقة  بدستورية القوانين إذا كان القانون متعارضاً مع النص الدستوري.

إذا كان مبدأ احترام السلطة القضائية الركيزة الأولى من ركائز استقلالها فإن سيادة القانون هو سبيل  المواطنين إلى تقرير وتنظيم حقوقهم وحماية حرياتهم. ولا سبيل لإقامة العدل بغير سيادة القانون. غير أن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد خضوع الفرد لنصوصه أو إلزامه جبراً بالتقييد بأحكامه. بل لا بد أن ينبع القانون من ضمير الأمة ويعبر عن إرادتها فتخضع السلطة لأحكامه ويكون هو الأساس الوحيد لشرعيتها ومشروعية أعمالها. بيد أن نصوص القانون قد تصبح شعارات جوفاء إذا لم تقم سلطة قضائية مستقلة ونزيهة قادرة على إنقاذها. ومن هنا كان لزاماً على الدولة أن تعمل على دعم استقلال القضاء وتبسيط نظام التقاضي وتيسير إجراءاته والقضاء على مشكلاته لرفع المعانات عن الأفراد وتمكينهم من حماية حرياتهم وصيانة حقوقهم بما يقتضيه ذلك من توحيد طرق التقاضي وإزالة العقبات التي يواجهونها عندما يلجئون للقضاء مطالبين بحقهم.

لقد استقرت المبادئ والمواثيق العالمية لاستقلال القضاء على إقامة نظام ووضع أحكام لكافة الشؤون المالية والإدارية والاجتماعية للقضاء وللقضاة، مما يكفل هذا الاستقلال ويصونه. كذلك الأمر بخصوص اختيار القضاة. فقد طالب الإعلان العالمي لاستقلال العدل أن يكون هناك ضمانات ضد حدوث تعيينات قضائية لدوافع غير سليمة. فقيام السلطة التنفيذية أو التشريعية في التعيينات القضائية يجب أن يكون منسجماً مع استقلال القضاء بحيث تجري التعيينات بالتشاور مع أعضاء في السلطة القضائية ونقابة المحامين.

نظراً لما ورد يمكن القول أن السلطة القضائية في الدستور السوري لم تحظ بالأهميه اللازمة حيث لم توفر لها الضمانات الكافية التي تمكنها من أداء واجباتها من علم وخبره ونزاهة وحصانة. فقد جاءت النصوص عامة وناقصة بصدد القضاء العادي، وتوجد هيمنة صريحة من رئيس الجمهورية على المحكمة الدستورية العليا وعلى القضاء الاستثنائي لمحكمة أمن الدولة العليا والمحاكم العسكرية اللاتي يفتقدن لضمانات قانونية متعددة.

1- القضاء العادي:

أشار الدستور على قضاء الحكم والنيابة العامة من المواد 131 إلى 138 حيث جاء في المادة 131 بأن السلطة القضائية مستقلة ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال يعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى. كما جاء في المادة 133 بأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون وأن شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس وحرياتهم.

من المشاكل المثارة وجود قوانين خاصة كالقوانين الجزائية  الخاصة التي تؤدي إلى تفتيت النظام القانوني والقضاء على وحدة قانون العقوبات والخروج عن أحكامه. هذا الأمر يؤدي في الواقع إلى تدخل السلطة التنفيذية كما هو الحال في العديد من القوانين الجزائية الخاصة اللاحقة لقانون العقوبات الاقتصادية. وتتدخل أيضاً في أحيان كثيرة في تشكيل المحكمة ويصبح القاضي بعدها أداة للاضطهاد ولتفسير نصوص قانونية تحمل طابع التعسف. وكما أن وحدة النظام القانوني مطلوبة فإن العدالة لا تتحقق إلا في ظل نظام قضائي موحد لا يختلف فيه خط المتقاضي في مسائل واحدة باختلاف الجهات القضائية.

يطلب من الدستور السوري كما في بقية الدساتير أن ينص على شفوية المرافعة سواء كانت القضية مدنية أو جزائية أو إدارية. كما يجب أن تذكر المحكمة الأسباب القانونية التي دعتها لإصدار حكمها بعد مناقشة الوقائع والتطبيق القانوني لها. ومن الأمور العامة الواجب مراعاة الدستور لها وحدة القضاء وتحديد الاختصاص وعدم تقييد رواتب القضاة  بالرواتب الأخرى في أجهزة الدولة.

2-المحكمة الدستورية العليا:

بالرغم من سكوت الدستور عن العديد من الضمانات المتعلقة بالحريات والحقوق الفردية والعامة والنقص في البعض منها، وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، يبقى هناك قانون أسمى للدولة يتفوق على بقية القوانين ألا وهو الدستور والذي يطلق عليه قانون السلطة السياسية. لكن بالمفهوم الحقيقي المجرد فهو يعني بداية مبدأ الشرعية وحكم القانون.

المقصود بمبدأ الشرعية خضوع الدولة بإدارتها وأجهزتها المختلفة ومواطنيها إلى حكم القانون وسيادته دون أي تمييز أو تفريق. وفقاً لذلك يمكن القول أن الشرعية تتمثل في خضوع الدولة للقانون وبالتالي، إن كل سلطات الدولة تمارس اختصاصاتها في حدود القانون مع ضرورة التأكيد على أن القانون نفسه يجب أن يهدف دائماً لاحترام حقوق الإنسان. من هنا كان الارتباط بين حقوق الإنسان وبين مبدأ سيادة القانون. فإذا كان مبدأ المشروعية يفرض على الجميع احترام القانون فإن هذا المبدأ يفرض من باب أولى احترام الدستور الذي هو القانون الأعلى للبلاد.

المقصود بمبدأ دستورية القوانين هو أنه بمقتضى مبدأ الشرعية من جهة، ومبدأ سمو الدستور من جهة أخرى، وحتى يتحقق الانسجام في البناء القانوني للدولة يجب تقييد التشريع العادي بالقانون الدستوري. وهذا ما يطلق عليه مبدأ دستورية القوانين. يقصد بهذا المبدأ التزام جميع سلطات الدولة وفي مقدمتها السلطة التشريعية بأحكام الدستور. مما يترتب عليه وجوب انسجام أي قانون يصدر مع المبادئ التي يقررها الدستور.

 الجهة المخولة للبث في دستورية القوانين هي المحكمة الدستورية العليا والتي تناولت الدستور من المادة 139 إلى المادة 148. تتألف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء يتم تعيينهم  من قبل رئيس الجمهورية (المادة 139)(16). وهي تبت في دستورية القوانين إذا عرض عليها رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب ذلك(المادة 145). كما تنظر في الطعون الخاصة بصحة انتخاب مجلس الشعب وتحيل إليه تقريراً بذلك (المادة 144).

وعليه، فإن دور المحكمة الدستورية العليا يكون ضعيفاً أمام حتمية صريحة من قبل رئيس الجمهورية وحيث لا توجد رقابة حقيقية من قبل مجلس الشعب. وإن وجدت بعض الرقابة فالواقع يشير إلى أن السلطة التنفيذية هي التي أوجدت هذا المجلس وهو المؤيد بالتالي دائماً لها.

تقوم الرقابة القضائية على دستورية القوانين بناء على اعتراض من قبل رئيس الجمهورية أو ربع أعضاء مجلس الشعب وهذا ما يطلق عليه الرقابة بطريق دعوى الإلغاء، أي إلغاء القانون المخالف للدستور والتي تنظر فيها المحكمة الدستورية العليا.

أما الأفراد فقد حرمهم الدستور من ألقابهم بطريق دعوى الإلغاء وأما الرقابة بطريق دعوى الدفع فقد سكت الدستور عنها. والمقصود بالرقابة بطريق دعوى الدفع هو أنه يجوز للأفراد حق إثارة الدفع  بعدم دستورية قانون في نزاع أمام القضاء العادي. وعلى القاضي عندئذ أن يقوم بتمحيص القانون. فإذا تبين له بأنه دستوري عمل به وفي الحال المعاكس يمتنع عن تطبيقه على النزاع المعروض أمامه. فالقاضي لا يلغي القانون غير الدستوري ولكنه يكتفي بعدم تطبيقه. ويبقى القانون قائماً من الناحية القانونية حيث أن حكم محكمة ما لا يلزم بقية المحاكم. فهو لا يختلف من حيث آثار القرار الإداري الذي هو حجة على الكافة وليس حجة للكافة.

إن الطعن بطريق الدفع لا يحتاج إلى نص دستوري يجيزه. وهذا ما استقرت عليه محكمة النقض حيث اعتبرت بأنه إذا كان يمتنع على القضاء التصدي لدستورية القوانين عن طريق الدعوى لانتقاء النص الذي يخوله هذا الحق إلا أنه ليس ما يمنعه من التصدي لذلك عن طريق الدفع بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور في الدعوى الماثلة أمامه. ولا يعتبر ذلك تعدياً من القضاء على سلطة التشريع ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً ولا تقضي بإلغاء القانون ولا تأمر بوقف تنفيذه. وغاية الأمر أنها تفاضل بين قوانين قد تتعارض في هذه الصعوبة بحكم وظيفتها القضائية وتقرر أيهما الأولى بالتطبيق. وإذا كان القانون العادي قد أهمل فمرد ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين. تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من القاضي والشارع على حد سواء بحسبان أن الدستور يتميز عن سائر القوانين بحالة من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلو وتسمه بالسيادة لأنه كفيل الحريات ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدها. فتشكيل المحكمة الدستورية إعمالاً لنصوص الدستور لا يحد من سلطة القضاء في مراقبة دستوريه القوانين عن طريق الدفع بالامتناع عن تنفيذ المخالف للدستور. مما يستوجب إهمال تطبيق القانون أو استبعاده من دائرة التطبيق.

وهذا ما استقر عليه الفقه على ضوء الاجتهاد القضائي حيث اعتبر أن مبدأ القضاء العادي بقبول دفع الأفراد بعدم دستورية قانون يشكل إحدى الضمانات المطلوب توافرها لحماية حقوق وحريات الأفراد. فوجود المحكمة الدستورية العليا ليس من شأنه أن يحول دون حق القضاء من البحث في الدستورية بطريق الدفع. مرد ذلك أن القضاء يملك هذا الحق، ولو كان الدستور قد نظم موضوع الرقابة على الدستورية، ما دام لم يحصر بجهة معينة حق البت في دستورية القوانين بطريق الدفع.

إن تصدي القضاء العادي أو الإداري بالبت بدعوى الدفع لعدم دستورية قانون إنما يكون في الواقع بصدد القوانين التي تحمل تعدياً على الحقوق المالية للأفراد كالمصادرة وانتزاع الملكية دون تعويض عادل (المادة 15). فالقضاء العادي مثلاً يعجز من حيث الواقع عن البت بدعوى الدفع لعدم دستورية قانون منع إحالة رجال الأمن إلى القضاء عن المخالفات التي يرتكبونها أثناء قيامهم بعملهم. مثال ذلك أعمال التعذيب ضد الموقوفين والذي قد يؤدي إلى عجز وظيفي مؤقت أو دائم واعتراف البعض منهم أمام القضاء لدى استجوابهم كشهود للحق العام باستخدام وسائل التعذيب مع الموقوفين بالرغم من أن الدستور حظر صراحة استخدام التعذيب الجسدي أو المعنوي أو المعاملة المهنية (المادة 28/3 ). وقد عاقب عليه في المادة 391 من قانون العقوبات وحرم من وقع عليه التعذيب بتعويض عادل من الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه بموجب المادة 164 من القانون المدني.

هناك حالات كثيرة يعجز القضاء العادي أو الإداري في دعوى الدفع بعدم الدستورية. فيما يشكل خرقا للحريات وحقوق الإنسان وبالتالي إلى إلحاق ضرر مادي أو معنوي بالأفراد. ذلك لأن هذا القانون من متعلقات الأمن أو أعمال السيادة التي هي من صلاحيات رئيس الجمهورية.

إن العديد من النصوص الدستورية بحاجة إلى تعديل وتعديل الدستور يخضع لشروط وهي أن يتم من قبل رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب. ولا يعتبر التعديل سارياً إلا بموافقة ثلاثة أرباع مجلس الشعب ولكن بشرط أن يعترف بموافقة رئيس الجمهورية (المادة 149) وهكذا نجد بأن هناك حتمية واضحة من رئيس الجمهورية على السلطة التشريعية ودون أن يكون هناك أي دور يذكر للسلطة القضائية وخاصة من قبل المحكمة الدستورية العليا.

يوصف الدستور السوري بالدستور الجامد لأنه لا يمكن تعديله أو إلغاء نصوصه بقانون عادي فلا بد من نسخه بنص دستوري.

يذهب الأستاذ رينيه كاسان للقول إلى أنه لا يمكن أن تقوم سيادة القانون أو تتحقق إلا عندما يكون الإقرار بحقوق الإنسان واحترامها متوافراً على أكمل وجه. إنه لأمر جوهري أن تحمى هذه الحقوق بنظام قانوني حتى لا يكون المرء مضطراً في النهاية إلى الثورة ضد الطغيان والظلم. وقد استقر الفقه على أن ثورة المرء ضد الظلم والاضطهاد، نتيجة التشريعات التي تشكل اعتداءا على الحريات وحقوق الإنسان، إنما هو فعل يشكل خرقاً لمبدأ الشرعية من حيث الشكل ولكن إعمال لها من حيث المضمون. ذلك، لأنه حق له ما دام هذا التشريع لم يبن على مبادئ حقوق الإنسان. من هنا تبرز أهمية الجرائم الموافقة على الدستور المنصوص عنها في المواد 291 295 من قانون العقوبات. فهي تعتبر من أهم الجرائم السياسية التي توصف بالجرائم السياسية الصرفة حيث تتولى المؤسسات الأمنية القمعية توقيف الفاعلين بموجب أمر الحاكم العرفي وتعريضهم للتعذيب وتقديمهم بناء على أمر الحاكم العرفي إلى المحاكمة أمام محكمة الدولة العليا. هذه المحكمة التي تفتقد لضمانات قانونية متعددة لمعاقبتهم بموجب أحكام قانون العقوبات والقوانين الجزائية الخاصة، يسمى أعضاؤها من قبل السلطة التنفيذية وأحكامها قطعية غير قابلة للطعن كما سنرى لدى بحثنا للقضاء الاستثنائي. وبذلك يتم إكساء الظلم والاستبداد ثوباً قانونياً ليخفي ما يمكن إخفاؤه من الجبروت والتعسف.

3-القضاء الاستثنائي:

 اعتبر الدستور السوري في المادة 135 علماً أن القانون هو الذي ينظم الجهاز القضائي بجميع فئاته ودرجاته ويبني قواعد الاختصاص لدى مختلف المحاكم . كان يتطلب من الدستور أن ينص- كما ذكرنا سابقاً-على المبادئ الأساسية التي تقوم عليها السلطة القضائية، فلا يترك ذلك لقانون السلطة القضائية أو غيره من القوانين. من هذه المبادئ : وحدة القضاء وتحديد الاختصاص وكفالة حق الطعن.

 إن ترك الأمر للقانون كان من نتائجه الخروج على المبادئ القانونية إضافة إلى ما أشارت إليه المادة 153 من الدستور على بقاء التشريعات النافذة التي صدرت قبل إعلان الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما توافق أحكامه. فكان من نتائج ذلك العمل بالمحاكم الاستثنائية نتيجة نظام الطوارئ والأحكام العرفية المعلق منذ 8/3/1963 والقوانين الجزائية الخاصة التي توالت بعده. مما أدى إلى عدم التمسك بالمبادئ الأساسية في قانون أصول المحاكمات الجزائية وهو ما يطبق على القضاء العسكري ومحكمة أمن الدولة العليا. هذه الأقضية لا تتقيد بالقواعد والشروط اللازمة لتعيين القضاة وفي الوقت نفسه اتفقت معظم الدساتير أنه لا يجوز حرمان شخص من القاضي الطبيعي الذي يعينه القانون.

آ-القضاء العسكري

يتألف القضاء العسكري من النيابة العامة وقضاة التحقيق والمحاكم العسكرية (17) ومحاكم قاضي الفرد(18) العسكري. ولا يوجد في القضاء العسكري قاضٍ للإحالة. أما قرار الاتهام الصادر عن قاضي التحقيق فهو قابل للطعن بطريق النقض وأما الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع فهي أحكام قطعية لا تقبل الطعن بطريق النقض إلا بعد الحصول على أمر خطي من وزير الدفاع.

هناك ضوابط للمحاكم العسكرية حيث تتفق جميع الدساتير على أن تقوم صلاحياتها وقت الحرب. والمحاكم العسكرية تكون عادية إذا شكلت طبقاً لقواعد التنظيم القضائي واقتصر اختصاصها على الجرائم العسكرية أي التي لا تقع إلا من العسكريين وكانت تتبع في قضائها الأصول العادية للمحاكمات. وتكون استثنائية إذا شكلت على خلاف قانون السلطة القضائية.

لكن ما يجري هو أن المحاكم العسكرية شكلت على خلاف قانون السلطة القضائية. وهي تنظر في الجرائم التي يكون أحد أطرافها عسكري أو حتى مدني، إذا كان الجرم منصوص عليه في مرسوم خاص يحيل أمر النظر في مثل هذا الاختصاص للقضاء العسكري.

من الأمور الخطيرة استمرار تولي محاكم الميدان العسكرية النظر في العديد من الجرائم وخاصة في الجرائم السياسية والعادية سواء كان الأطراف جميعهم مدنيين أو أحدهم عسكري. هذه المحاكم أحدثت بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 تاريخ 17/8/1968. وتتولى النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية التي يقررها وزير الدفاع في زمن الحرب أو خلال العمليات العسكرية. وهو يسمي المحكمة والنيابة العامة التي لها الصلاحيات الممنوحة للنائب العام وقاضي التحقيق العسكري. يجوز لهذه المحكمة عدم التقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة ولا تقبل الإحكام التي تصدرها أي طريق من طرق الطعن. تخضع أحكام الإعدام لتصديق من رئيس الجمهورية، أما باقي الأحكام فيجري تصديقها من قبل وزير الدفاع. وكلاهما له الحق في تخفيف العقوبة أو إبدالها أو إلغائها أو حفظ الدعوى أو إعادة المحاكمة أو وقف تنفيذ العقوبة. تعتبر هذه الصلاحيات من متعلقات أعمال السيادة وسنتطرق لذلك لدى بحثنا عن محكمة أمن الدولة العليا.

ب – محكمة أمن الدولة العليا :

تأسست هذه المحكمة خارج سلطة القضاء العادي كي تتمكن السلطة الحاكمة من العبور بيسر وسهولة إلى أحكامها ذات الطابع السياسي. فالسلطة تدرك صعوبة تمريرها من قنوات القضاء العادي التي تضمن للمتهم تطبيقا سليما لقانوني العقوبات و أصول المحاكمات الجزائية .

حلّت هذه المحكمة مكان المحكمة العسكرية الاستثنائية حيث تمتعت بسائر صلاحياتها واختصاصاتها بموجب المرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968 وهي تنظر بالجرائم التالية :

-الجرائم الواقعة على أمن الدولة المعاقب عليها في المواد من 263 إلى 311.

-الأفعال التي تعتبر مخالفة لتطبيق النظام الاشتراكي سواء أوقعت بالفعل أم بالقول أم بالكتابة أم بأية وسيلة من وسائل التعبير أو النشر .

-الجرائم الواقعة خلافا لأحكام المراسيم التشريعية التي صدرت أو ستصدر و لها علاقة بالتحويل الاشتراكي. -مخالفة أوامر الحاكم العرفي.

-مناهضة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية أو مناهضة أي هدف من أهداف الثورة أو عرقلتها سواء أكان ذلك عن طريق القيام بالتظاهرات أو التجمعات أو أعمال الشغب أو التحريض عليها أم نشر الأخبار الكاذبة بقصد البلبلة وزعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة.

-قبض المال أو أي عطاء آخر أو الحصول على أي وعد أو أية منفعة أخرى من دولة أجنبية أو هيئة أو أفراد سوريين أو أي اتصال بجهة أجنبية بقصد القيام بأي تصرف قولي أو فعلي معاد لأهداف الثورة.

-الهجوم أو الاعتداء على الأماكن المخصصة للعبادة أو لممارسة الطقوس الدينية أو على مراكز القيادة والمؤسسات العسكرية والدوائر والمؤسسات الحكومية الأخرى والمؤسسات العامة والخاصة بما فيها المعامل والمصانع والمحلات التجارية ودور السكن، أو إثارة النعرات أو الفتن الدينية أو الطائفية أو العنصرية وكذلك استغلال هياج الجماهير والمظاهرات للإحراق والنهب والسلب.

لقد توسع اختصاص محكمة أمن الدولة بعد صدور قانون الانتساب إلى تنظيم الإخوان المسلمين و كذلك قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي رقم 53 تاريخ 8/4/1979 مع أن هذا القانون لم يحدد المحكمة صاحبة الاختصاص للنظر في الأفعال المنصوص عليها. لهذه المحكمة اختصاص مطلق حيث لها حق البت في أية قضية يحيلها إليها الحاكم العرفي ( المادة 5)، كما وتشمل جميع الأشخاص من مدنيين وعسكريين مهما كانت صفتهم أو حصانتهم ( المادة 6 ).

وعليه، فان محكمة أمن الدولة العليا لها الحق مثلا بالنظر في الدعوى فيما إذا كان المتهم حدثا لم يتم الثامنة عشر من العمر. وقد أشارت المادة 7 لحق الدفاع بمقتضى التشريعات النافذة. وهذا يعني بأنه يجوز للمتهم تسمية محام وفق الأصول المتبعة في القضاء العادي. لكن محكمة أمن الدولة لم تلتزم بذلك فتسمية المحامين تتم من قبلها مباشرة أو من قبل نقابة المحامين بناء على طلب موجه منها.

لا تتقيد هذه المحكمة بالإجراءات الأصولية المنصوص عنها في التشريعات النافذة وذلك في جميع أدوار وإجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة. فالنيابة العامة تتمتع بجميع صلاحيات قاضي التحقيق وقاضي الإحالة في القوانين النافذة ( المادة 7 الفقرة ب ). لهذه المحكمة الحق أيضا في الفصل في الحقوق والتعويضات المدنية عن الأضرار الناجمة عن الجرائم التي تفصل فيها ( المادة 7 الفقرة ج ). ولا تقبل الأحكام الصادرة عنها الطعن بأي طريق من الطرق، لكنها لا تصبح نافذة إلا بعد التصديق عليها بقرار من رئيس الدولة الذي له حق إلغاء الحكم مع الأمر بإعادة المحاكمة. وله حق إلغاء الحكم مع حفظ الدعوى أو تخفيض العقوبة أو تبديلها بأقل منها. وقراره في هذا الشأن مبرم لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة .

لقد اعتبر الفقه بأن قرار رئيس الجمهورية الصادر في معرض البت في أحكام محكمة أمن الدولة العليا لا يعتبر قرارا قضائيا بل قرارا إداريا. وهذا القرار يجوز الرجوع فيه كسائر القرارات الإدارية ما لم تولد حقا مكتسبا للغير. وهو0 يعتبر من أعمال السيادة التي لا تقبل الطعن أمام أي مرجع قضائي أو إداري، لأنه من متعلقات أمن الدولة.

 

رابعا – المؤيدات الجزائية لخرق أحكام الدستور :

سبق وذكرنا بأن جريمة الاعتداء على الدستور هي من أهم الجرائم السياسية على الإطلاق كونه يعتبر قانون السلطة السياسية. ولخرق أحكام الدستور مؤيداته الجزائية في الدستور ذاته وفي قانون العقوبات وفي القوانين الجزائية الخاصة.

أ- في الدستور ذاته:

جاء في الفقرة الأولى من المادة 40 بأن "جميع المواطنين مسؤولون في تأدية واجبهم المقدس بالدفاع عن سلامة الوطن واحترام دستوره ونظامه الوحدوي الاشتراكي".

إذن هناك قاعدة إلزامية بعبارة "احترام دستوره" وهي تعني التزام كل مواطن بالقيام بفعل أو الامتناع عن فعل يكون من نتائجه عدم احترام الدستور، وهي عبارة ذات عمومية مطلقة.

عرّف الفقه الجنائي الجريمة بأنها كل فعل أو امتناع عن فعل يعاقب عليه القانون. وقد وصف الفقهاء عبارة كل فعل بالجريمة الإيجابية والامتناع عن فعل بالجريمة السلبية.

ب- في قانون العقوبات :

استقر الفقهاء على أن الجنايات الواقعة على الدستور هي من الجرائم السياسية الصرفة كونها تقترف حصراً ضد الدولة بوصفها هيئة سياسية ولا تستهدف سواها . وقد اعتمد المشرّع السوري في سياسته العقابية على الجمع بين النظرية الذاتية والنظرية الموضوعية. فالنظرية الذاتية تعتمد على اعتبار الجريمة السياسية قائمة على الباعث أو الهدف من الجريمة. وهذا ما ذهبت إليه الفقرة الأولى من المادة 195 حيث اعتبرت بأن الجرائم السياسية هي الجرائم المقصودة التي أقدم عليها الفاعل بدافع سياسي.

أما النظرية الموضوعية فهي تنظر إلى الجريمة السياسية من خلال طبيعة الحق المعتدى عليه أو طبيعة المصلحة التي حل بها الضرر. فبموجب هذه النظرية الدولة هي وحدها الشخص المجني عليه باعتبارها سلطة عامة ويقصد منها نظام الدولة السياسي وبعبارة أشمل الحقوق السياسية العامة والفردية. لكن الاعتداء على المصالح الأخرى للدولة كالتهريب و اختلاس الأموال مثلاً لا تعتبر جريمة سياسية (19 ). فقد حددت الفقرة الثانية من المادة 195 ذلك حيث اعتبرت بأن الجريمة السياسية هي تلك الجرائم الواقعة على الحقوق السياسية العامة و الفردية ما لم يكن الفاعل قد انقاد إليها لدافع أناني دنيء.

صنّف المشرع السوري الجرائم الواقعة على أمن الدولة إلى تلك التي ترتكب ضد أمن الدولة الخارجي كالخيانة والتجسس وتلك التي ترتكب ضد أمن الدولة الداخلي والتي يغلب عليها الطابع السياسي كالجنايات الواقعة على الدستور. وقد نص على الجنايات الواردة في الدستور من المواد 291 و 295 من قانون العقوبات وعاقب عليها بالاعتقال المؤقت كما عاقب بالمؤامرة على ارتكاب إحداها بالإقامة الجبرية. وهي تشمل الجرائم التالية  :

- المؤامرة أو الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة (المادة 291).

- المؤامرة أو الاعتداء الرامي إلى سلخ جزء من الأرض السورية (25) (المادة 292) .

- المؤامرة أو الاعتداء الهادف إلى إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور (المادة 293).

- المؤامرة أو الاعتداء الذي يقصد منه منع السلطات القائمة من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور.

وإذا كان الفقه قد استقر على اعتبار الجنايات الواقعة على الدستور من الجرائم السياسية الصرفة من حيث موضوعها أو من حيث الحق المعتدى عليه أو من حيث الدافع الذي حدا بفاعليها إلى ارتكابها وهو ما ينطبق مع أحكام المادة 195 فإن العقوبات التي تترتب عليها هي في الغالب العقوبات السياسية لا العقوبات العادية. وهذا ما ذهبت إليه المادة 197 من قانون العقوبات.

اتجه التشريع والفقه الجزائيان إلى إخراج الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي من نطاق مفهوم الإجرام السياسي وإلى تطبيق العقوبات العادية على مرتكبيها. فالبون شاسع بين طائفة الخونة والجواسيس الذين يهتكون حرمة روابط الولاء التي تربطهم بأمتهم ويبيعون وطنهم بثمن بخس وبين طائفة الأبطال والمصلحين الذين يثورون على واقع الحكم بغية إصلاحه ويطمحون إلى الاستيلاء عليه تحقيقاً لخير أمتهم وسعياً وراء تنفيذ المبادئ والعقائد التي يعتقدون بها. وإذا كانت الجرائم التي يقترفها هؤلاء ضد أمن الدولة الداخلي تتم أحياناً عن غيرة و سعي وراء الإصلاح والخير العام، فإن الجرائم التي يقترفها أولئك ضد أمن الدولة الخارجي لا تثير في نفوس الناس غير النقمة والاشمئزاز والشعور بالازدراء لأن الدافع الذي تنقاد له هذه الفئة من المجرمين أناني ودنيء.

لقد اعتبر علماء الإجرام أن الإجرام السياسي هو إجرام متطور أو تقدمي إذا صح التعبير ويتم عن دوافع الغيرة والإيثار وبواعث الإصلاح الاجتماعي والرغبة في دفع عملية التاريخ إلى الأمام. وهو لا يستهدف غير المساس بالنظام السياسي أو الاجتماعي القائم أو تعديله وتبديله أو السير به قدماً. إذن فالمجرم السياسي يؤلف النموذج الحي الصادق للمجرم العقائدي ويجب أن ينظر إليه كصنف قائم بذاته من أصناف المجرمين. يتميز عن سواه في شعوره الصادق العميق بأن الفعل الذي اقترفه إنما هو واجب عليه يمليه عليه ضميره ويأمر به وجدانه كجزء من الرسالة التي التزم بها وإن خالفت أحكام القانون. إنه يستمد شعوره بهذا الواجب من إيمانه بسلسلة معينة من القيم التي يعتبرها أعلى وأسمى من سلسلة القيم التي ترتكز إليها القواعد القانونية النافذة. فهو قبل كل شيء إنسان ملتزم.

ينمو المجرم السياسي العقائدي نمواً عجيباً في الأزمنة التي تصاب فيها القيم بأزمات. ومهما يكن فإن علم الإجرام الحديث يدخل المجرمين السياسيين في عداد المجرمين العقائديين و يوصي بضرورة معالجة أوضاعهم معالجة تختلف عن سواها من المجرمين الآخرين. من جانب آخر، تخضع الجرائم السياسية بشكل عام لقواعد تختلف عن القواعد العامة لبقية الجرائم سواء في مجال صيغ النصوص أو في السياسة العقابية أو في الملاحقة والتحقيق والمحاكمة.

فعلى صعيد صياغة النصوص، من المقرر أن الصفة الأساسية التي تتحلى بها نصوص التشريع الجزائي هي دقة التعبير ووضوح اللفظ و استخدام الكلام الصحيح للدلالة على المعاني المعنية المحددة. ذلك حرصاً على تطبيق قاعدة قانونية التجريم. لكن الأمر ليس على هذه الدقة والوضوح في نصوص المواد التي تعاقب على الجرائم السياسية وإنما تكاد المرونة أن تكون الصفة الأساسية التي تتصف بها هذه النصوص.

وعليه، هناك العديد من المشاكل القانونية التي تثيرها الجنايات الواقعة على الدستور بشكل عام. فعلى سبيل المثال ما ذهبت إليه المادة 291 بالعقاب على تغيير دستور الدولة بالوسائل غير المشروعة. فالمشرع لم يستطع تحديد هذه الوسائل خاصة وأن الوسائل الديمقراطية الصحيحة مفتقدة في الدستور الحالي وقانون العقوبات المعمول به حالياً قد صدر في 22/6/1949.

يذهب الفقه إلى أن الذي دفع المشرع إلى استخدام هذه الألفاظ المرنة هو أن طبيعة هذه الجرائم تستعصي على الدقة والتحديد. وبالتالي، فقد تم إطلاق صلاحيات واسعة للقاضي في التقدير عند تطبيق هذه النصوص المرنة على القضايا التي يفصل فيها. والفرد ليس له أمام هذا السلاح الخطير سوى ضمير القاضي ووجدانه وشرفه واستقلاله حيث أنه لا يجوز إطلاقا أن يؤول تطبيق هذه النصوص المرنة إلى خرق مبدأ قانونية الجريمة والعقاب.

هذا المبدأ لا يمكن تطبيقه أمام محكمة أمن الدولة العليا التي شكلتها السلطة التنفيذية وسمّت أعضائها وحددت اختصاصها والتي يتم إحالة القضايا إليها بناء على طلب الحاكم العرفي. هذا الأمر الذي يؤدي إلى حرمان الفرد من حقه في المثول أمام قاضيه الطبيعي. فهذه المحكمة تتبع أصولاً خاصة في إجراءات الملاحقة والادعاء والتحقيق والمحاكمة والحكم وإلغاء حق الطعن والنقض في حق الدفاع وضماناته. فهذه الإجراءات لا تحقق للمتهمين القدر الكافي من الضمانات والحقوق التي تمنحها لهم قواعد الأصول العامة أمام القضاء العادي.

لقد أخذ المشرع السوري بمبدأ الاختصاص العيني ومفاده وفق ما جاء في المادة 19 أن القانون السوري هو واجب التطبيق على كل سوري أو أجنبي فاعلاً أكان أو محرضاً أو متدخلا أقدم خارج الأرض السورية على ارتكاب جناية أو جنحة بأمن الدولة.

ج- في القوانين الجزائية الخاصة :

عاقب قانون أمن حزب البعث العربي الاشتراكي رقم 53 الصادر في تاريخ 8/4/1979 في المادة 9 بالاعتقال مدة لا تقل عن خمس سنوات و بالإعدام إذا اقترن الفعل بالعنف على كل فعل يقصد منه منع الحزب من ممارسة مهامه المنصوص عنها في الدستور و القوانين النافذة . كما عاقب بالحبس ستة أشهر على الأقل في المؤامرة على ارتكاب هذا الفعل بموجب الفقرة آ من المادة 12.

وإذا كان الدستور قد ترك أمر تنظيم الحريات الفردية والعامة للقوانين والتي هي أساسا نتيجة قرار حزبي. وهذا يعني أن خرق أحكام هذه القوانين المبنية على أحكام الدستور ممكن اعتبارها فعل يشكل منع الحزب من القيام بممارسة مهامه الدستورية.

لقد عاقب قانون مناهضة أهداف الثورة رقم 6 تاريخ 7-1-1965 بعقوبات تتراوح بين الحبس والاعتقال المؤقت والمؤبد والإعدام. وعاقب في الفقرة (د ) من المادة 3 بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات لمخالفة أوامر الحاكم العرفي، وفي الفقرة (ه) على القيام بالتظاهرات أو التجمعات أو أعمال الشغب أو التحريض عليها أو نشر البلبلة وزعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة.

يلاحظ في النصوص تعاقب الجنايات الواقعة على الدستور وبشكل خاص القوانين الجزائية الخاصة وبأن التعابير المستخدمة غير واضحة المعالم أو محدودة الأطراف وإنما هي فضفاضة تتسع ظلالها لكل شئ.

لقد خلق الدستور قوانين جزائية خاصة، الأمر الذي أدى إلى الإتيان على وحدة قانون العقوبات والخروج من أحكامه العامة. وشددت القوانين الجزائية الخاصة العقوبات وبدلت الفاعلية الجرمية للبعض منها من جرم جنحي الوصف إلى جرم جنائي الوصف، كما هو الحال في التظاهرات وتجمعات الشغب المنصوص عليها في المادة 330 إلى المادة 339 من قانون العقوبات وحيث عقوبتها القصوى ثلاث سنوات. إضافة إلى ذلك تخرج من نطاق الجرائم الواقعة على أمن الدولة، وبالتالي فإن أمر النظر بها يعود للقضاء العادي.

نتج عن ذلك إهمال المادة 197 من قانون العقوبات التي تقضي بتخفيف العقوبات فيما إذا كان للجريمة طابعاً سياسياً كالجنايات الواقعة على الدستور التي هي ذات طابع سياسي صرف كما استقر الفقه الجزائي عليه.

خامساً – آثار الدستور على الحياة العامة :

نجد من خلال ما ورد سابقاً أن الفرد ضعيف حيال السلطة والسلطة تستطيع أن تسجن الفرد باسم الشرعية، لأن الدستور السوري قد عجز عن تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وبين كفالة الحقوق التي خلقتها الحضارة الحديثة للإنسان.

لهذا، فإن المبدأ الحقوقي القائل بأن الدولة تحتفظ لنفسها بحق الإكراه يصبح سلاحاً رهيباً في الأنظمة الاستبدادية. فالعنف مؤسسة في هذه الأنظمة والجهاز الأمني يمارس رقابة دقيقة ويستحيل اعتماده أي مرجع آخر. وغالباً ما يتعزز التعسف بالفساد وتحتكر الدولة وسائل الأعلام ولا ترضى عن الثقافة إلا عندما تخدم عظمة النظام. أن الخوف من القمع يحتجز قسماً من الشعب في سلبية لا تليق بالإنسان. فتلجأ مثل هذه الأنظمة إلى القوة للحصول على ثقة المواطن وانتزاع تأييده حماسياً أو استسلامياً. والدولة، والحالة هذه هي عبارة عن عنف منظم ليس لها سوى هدف واحد هو تطويق الفرد وتقييده وإخضاعه واستعباده لها. تتم هذه الإجراءات بموجب الدستور، لذلك إن رسم قواعد تحكم سلوك الأفراد يتم تطبيقها بأدوات قسرية. الأمر الذي يؤدي إلى تفشي ظاهرة اللامبالاة والفساد وسوء الأخلاق. فيعيش الفرد ضمن إطار هيمنة السلطة بحيث يكون الشعار النفاق والخوف من قول الحقيقة وأيضاً الانتهازية من طرف هذه الفئة التي تقود سلوكها حسب اتجاه التيار بالتصفيق والتأييد لما هو قائم.

لكن من الثابت لدى علماء الاجتماع بأن الإنسان عدواني بطبعة بموجب الثقافة التي أكتسبها. ولكونه كذلك فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع التغيير بما يتلاءم مع منطق العصر الذي هو الحرية وحقوق الإنسان. ولا بد من وجود هؤلاء الأفراد الذين تسودهم الغيرة على المصلحة العامة ليخرجوا عن القواعد الدستورية –القسرية – وخرق شرعيتها بممارسة حرية التعبير أو التظاهرات السلمية أو الأحزاب وكافة الحريات الديمقراطية الأخرى التي هي من فطرة وغريزة الإنسان. ولا بد والحالة هذه أن يتسم الوضع بعدم الاستقرار السياسي فيكون معرضا للعنف والانقلابات لغياب عناصر الحياة الديمقراطية الصحيحة. فإن أفلح الانقلابيون مثلاً في الاستيلاء على السلطة أقيمت لهم أقواس النصر المزينة بالورود والأعلام وأضفي على اعتدائهم طابع الشرعية وسارع الحكام الجدد إلى إصدار القوانين المناسبة ومن ضمنها دستور جديد يضفي شرعيتهم. وإذا لم يفلحوا بل أفلحت السلطات بالكشف عن مؤامرتهم ستحرث رقابهم بالاعتقال والتعذيب والمحاكمة باسم السلطة التنفيذية أمام محكمة أمن الدولة العليا بموجب قانون العقوبات والقوانين الجزائية الخاصة. وهكذا تأتي الأحكام –لكل من يخرق الدستور – من روح الانتقام لا من روح العدالة.

إذن فالدستور والحالة هذه مصدر للعنف والاضطراب الاجتماعي والسياسي. ويخطئ من يعتقد بأنه مع وجود هذا الدستور –دستور الإذعان إن جاز لنا التعبير – سيتم إلغاء نظام الطوارئ والأحكام العرفية والقوانين الجزائية الخاصة والقضاء الاستثنائي، لأنه الوسيلة الوحيدة لردع العام والخاص لمن يخرج عن قانون السلطة السياسية.

لحل مشكلة الإجرام السياسي الذي هو من أهم نتائج الدستور لابد من تحقيق التوازن بين النزعة الفطرية إلى الحرية والنزعة إلى السيطرة. لذلك فإن النظام الديمقراطي هو الكفيل الوحيد بتحقيق التوازن بين احترام الحريات وسيادة القانون والذي يقوم على دستور يلبي هذه الحاجة لكل فرد ويضمن احترام الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وترسيخ مبدأ فصل السلطات. وبعدها لا بد لكل مواطن شريف أن يحمي ويغذي الدولة بكل شيء. وعليه فالحرية هنا لا تنفي السلطة، لكن السلطة عندما تخرج عن القواعد والأطر الديمقراطية تكون هي التي تنفي الحرية.

إن خرق حقوق الإنسان من قبل الأفراد والجماعات له مؤيداته المدنية والجزائية في القوانين العادية. أما إذا صدر هذا الخرق من قبل السلطات العامة فإن الإدانة لا بد أن توجه إليها. إن هذا الخرق ليس مجرد مأساة فرديه أو شخصية، بل يؤدي إلى خلق ظروف فيها من الاضطراب الاجتماعي والسياسي. ذلك، علاوة على ما يفرزه من بذور العنف والصراع داخل المجتمعات والدولة وفيما بينها. وما أصدق ما تورده أولى عبارات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية يشكل أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم.

1-  مروان صباغ، "الرقابة القضائية على دستورية القوانين وموقع الجماعات والأفراد منها"، المحامون، العدد 4-5، 1979، ص 98. عن السيد صبري، النظم الدستورية في البلاد العربية، ص3.

2- مروان صباغ، المرجع السابق، ص 99. انظر أيضا

Jean-Paul Jaqué, Droit Constitutionnel et institutions politiques, P.43 et ss.

3-انظر التقرير السنوي للجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية،عام 1997.

4 - فاتح عزام، "ضمانات الحقوق المدنية والسياسية في الدساتير العربية"، إصدارات مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ص42.

5- عرّف قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 28 الجرم المشهود بأنه :

1- الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه.

2- يلحق به أيضا الجرائم التي يقبض على مرتكبيها بناء على صراخ الناس أو يضبط معهم أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها أنهم فاعلوا الجرم وذلك في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجرم.

6 - لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ص11

Flambeau pour une vie de plein epanouissement: Les Droits de l'Homme

7- الأخضر بوكحيل، "المضرور من الحبس الاحتياطي ومدى حقه في التعويض"، دراسة مقارنة عن مجلة العلوم القانونية، جامعة عنابه ، الجزائر، ص6.

8- أجاز القانون الفرنسي للمدعى عليه الاستعانة بمحام في التحقيقات الجارية أمام الشرطة.

9- زكي جميل حافظ، "إقامة العدل يكفل استقلال السلطة القضائية"، مجلة الحق الصادرة عن اتحاد المحامين العرب ، ص 205.

10- انظر القضاء الاستثنائي لدى تناولنا للسلطة القضائية وأزماتها.

11- انظر المادة 8 من المرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968.

12- إن الحد الأدنى للأجور هو 2400 ليرة شهريا أي ما يعادل خمسين دولار ورواتب المتقاعدين لا تزيد عن 3400 ليرة ، أما الفئة التي تحصل على أكثر من 9000 ليرة فهي لا تتجاوز 8% من العاملين. ( انظر التقرير السنوي، لجان ، مذكور ص4).

13- يذهب المستشار يحي الرفاعي رئيس مؤتمر العدالة الأول بالقاهرة  1986 للقول:

القضاء في كل أمة هو أعز مقدساتها وهو الحصن الحصين الذي يحمي كل مواطن فيها حاكماً أو محكوماً-  صنف يراد به في يومه وفي غده وفي مستقبله. وإذا كان القضاء مأمن الخائفين ، وملاذ المظلومين وسياج الحريات وحصن الحرمات فإن قوته تكون من غير شك قوة للمستضعفين وصفقه يكون إيذاناً بوهن ضمانات المتقاضي وإذا لم يقم القضاء على أساس متين من الاستقلال والكفاية والحياد وإذا لم يتحصن بالضمانات الكاملة التي تكفل له أن يطلع بمسؤولياته الخطيرة، أنها أساس الديمقراطية في البلاد فلا غرو إن كان العدل دوماً أساساً للملك وأساساً للحكم. ومن هنا فقد حق على كل دولة تستهدف إقامة العدل أن تعمل على دعم استقلال القضاء وتبسيط نظام التقاضي وتيسير إجراءاته والقضاء على مشكلاته حتى تتأكد الثقة لدى المتقاضي وتسود الطمأنينة نفوس المواطنين.

14- يضطر القاضي في مجتمع غير ديمقراطي للوصول إلى الحكم نتيجة تفسير قانون شائن لا يتفق ومبادئ العدالة. فالقاضي يجد نفسه أسيرا لنظام قانوني يخدم حكماً جائراً. وفي هذه الحالة إن مهربه الوحيد هو الاستقالة من منصبه كملاذ أخير وإلا أصبح أداة اضطهاد وفقد نزاهته واستقلاله. وقد يقول البعض أن نزاهة القاضي واستقلاله قد تخفف من قسوة الظلم أحياناً إذا هو استمر في أداء مهمته ، وهو قول مردود لأن هذا القاضي لا يستطيع بمفرده أن يعدل أو يصحح نظاماً اجتماعياً أو قانوناً ظالماً بأكمله يقوم على إنكار العدل. من الواضح أن غياب استقلال السلطة  القضائية أشد في البلدان التي لا توجد فيها ديمقراطية ولا سيادة للقانون ولا ضمير اجتماعي. فالدول الدكتاتورية أو ذات الحكم العسكري الفردي تجد أن استقلال السلطة القضائية أمر غير مرغوب فيه أو مزعج لها. وتميل هذه النظم إلى ممارسة ضغط شديد على القضاء لحمله على الإذعان لآرائها. وفي بيئة كهذه لا يمكن للسلطة القضائية أو المحاماة  أن تنمو وتزدهر. أنظر زكي جميل حافظ المرجع السابق ص253.

15- رأى المؤتمر الثالث للمحامين العرب في القاهرة من1-6 شباط 1961 أن رقابة القضاء على دستورية القوانين أمر ضروري لضمان الحقوق والحريات العامة. لذلك أوصى الدول العربية بأن تضمن دساتيرها نصوصاً خاصة بإنشاء محاكم عليا دستوريه تتوافر لها ضمانات كاملة وتكون مهمتها الأساسية مراقبة دستوريه القوانين بطريق الدعوى الأصلية بناء على طلب ذوي الشأن.

16- للمقارنة، يتألف المجلس الدستوري في فرنسا مثلا من تسعة أعضاء يسمي رئيس الجمهورية ثلاثة منهم ومجلس الشيوخ ثلاثة والبرلمان ثلاثة.

17- تختص المحكمة العسكرية بالجنايات، كما تختص المخالفات المرتكبة من قبل الضباط.

18-تختص محكمة قاضي الفرد العسكري في المخالفات العسكرية  المرتكبة من قبل ضباط الصف والأفراد.

19-توصف الجريمة الخالصة أو الصرفة  بأنها تلك التي تقترف حصراً ضد الدولة بوصفها هيئة سياسية ولا تستهدف سواها. انظر الدكتور محمد الفاضل المرجع السابق ص23 وص229.