رسالة الى مؤتمر نشطاء حقوق الانسان العرب

د. منصف المرزوقي

 

حضرات الاخوة والأخوات مناضلي ومناضلات حقوق الإنسان العرب .

أبعث لكم عبر الصديق والزميل الناطق باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان د-هيثم مناع بأطيب التحيات وتمنيات النجاح للمؤتمر .

ولا أريد أن أثقل عليكم بهمومي الشخصية وإستسمحكم عذراً في المرور مباشرة إلى صلب الموضوع أي إلى الأفكار التي كنت أود نقاشها معكم حول التحديات المطروحة اليوم على الحركة العربية لحقوق الإنسان .

وليس لي أدنى استخفاف بصعوبة المرحلة وطولها ومخاطرها المتعددة ولا أريد إعطاء الدروس السهلة لأحد لأنني مدرك أننا نبذل قصارى الجهد في أصعب الظروف وأقسها وأنة ليس لآي واحد منا حلول سحرية . ومع هذا اسمحوا لي بأن ألعب دور من يطلق صرخة الإنذار والفزع حتى  ويتجدد الانتباه إلى ما أتتصوره يترصد منها ويهدد وجودنا وفعاليته واغفروا لي ما قد يبدو صراحة فجة عذري فيها أن دافعها كثير من الغيرة على مصير الحركة وقليل الأمل في إمكانية التأثير الإيجابي وشيء خفي من عميق ولاذع الألم .

لا جدال إن الحركة من أبرز إنجازات الأمة إبان العقدين الأخيرين لا لشيء إلا لأنها كانت حركة بناء في وضع يتسم بتصاعد الخراب داخل المؤسسة السياسية القديمة كما أنها لعبت دوراً هاماً في عملية تحديث الفكر السياسي العربي وطرح بدائل جديده نسبياً على العقل العربي وإعداد الأذهان لتغيرات ليست حتمية وإنما ممكنة وفي كل الحالات ضرورية . إن الحركة طريق فرعي صغير شقته نخب من أبناء وبنات الأمة وهي بصدد البحث عن أفكار واليات جديدة لتحقيق تطلعاتها المبهمة الأزلية إلى (العدل ،والحرية ، والكرامة ) وأذى هذا البحث الاستكشافي إلى بلورة بدائل فكرية وإشاعتها والعمل على قيام الإطار السياسي الوحيد الذي يمكن أن تواصل فيه النظالات : الدولة العربية الديمقراطية .

ولقد أصبحت حركة حقوق الإنسان في أقل من عقدين الطرف الثالث في الساحة السياسية العربية مع الدولة الاستبدادية المنهارة قيمياً وإعلامياً وسياسياً والتي لم تعد تملك سوى سلاح القمع والبديل الإسلامي المغري والخطر لأنة في جذوره تثبيت للاستبداد أصل العلة والسبب الرئيسي في تخلف هذه الأمة وضعفها .

إلا أن هذه الإنجازات الهامة لا يجب أن تخفي عنا أن الحركة ليست في وضع يمكنها من التأثير القريب المدى وربما حتى البعيد المدى على الأحداث أي المساهمة والسريع في تحقيق ما أسميته بالاستقلال الثاني من ثمة أهميه هذا اللقاء لتوضيح السترتاتجية الأنجع وتوحيد الجهود وشق الطريق الذي يمكن أن يؤدي بنا في الاتجاه الصحيح .

أنة ليس من الضروري أبداً أن يكون هدف المؤتمر مناقشة أوراق العمل الذي أجتهد فيها أصحابها مشكورين لأنة ليس من الضروري أن تكون لنا نظرة واحدة لكل المشاكل الفكرية ولأن لنا إمكانية التعليق على هذه الورقات وإثراءها من خلال نشرات مركز القاهرة الذي أود أن أنوه بدورة الهائل في بلورة فكر عربي لحقوق الإنسان . وإنما اقتراحي أن ينتسب المؤتمر كورشة عمل تعتمد تقنية (العاصفة الدماغية ) أو Brain storming للوصول إلى صيغ عملية تنطلق من نواة وماء وتربة وليس من شجرة كرتون .

إن صعوبة تمويل وتنظيم هذه اللقاءات الثمينة وأهمية الرهان بالنسبة لنا جميعاً سوى تعلق الأمر بالإخطار الجسيمة التي نتعرض لها كلنا أو بالمهمة التاريخية الملقاة على عاتقنا تجاه شعوبنا والأمة . كل هذا يحتم علينا أن نجعل من المؤتمر ولادة لصغير نؤمَن له مستقبلاً ومنعطفاً لها آليات التواصل والتجدد والتطور الداخلي .

إن الفخ الأول الذي يجب أن لا نسقط فيه هو أن يكون هذا أيضاً مؤتمر قمة عربي بما يعنيه الأمر من تشيعنا بوعي أو بدونه بالنموذج الذي نحاربه نواصل داخله لعبة التأثير والنفوذ التي نلعبها داخل المنظمات التي تشرفنا بتأسيسها أو العمل داخلها فأصبحت إقطاعيات صغرى تتصارع داخلها على السلطة والشهرة وكم أتضح لي من خلال تجربتي المريرة داخل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أن أهل مكة ليسوا أدروا بشعابها وأن فاقد الشيء يعطيه بكل وقاحة وقد عشت فتره كان صراع الأشخاص والتيارات على فتات السلطة المضادة  لا يقل شراسة عن الصراع على السلطة المباشرة والأساليب لا تقل خسة ورأيته يستأثر بتسعين في المائة من وقت وحيوية المناضلين أما حقوق الإنسان فكان لها آنذاك كالبيت ربَ يحميها .

وتأتي الأخطار التي هي العمل الروتيني السهل حيث يتلخص النضال في تنظيم الندوات باعتمادات تأتينا من الخارج عن مواضيع مثل الخصوصية والعالمية ومفهوم حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي وأشياء أخرى من هذا القبيل ونحن في هذا نحمل بوعي أو بدونه آليتنا الفكرية كأكاديميين إلى ميدان ليس من ميادين الفكر الأكاديمي ولا أطعن بالطبع في ضرورة هذه الأدبيات التي أتشرف بالمساهمة فيها لكنه من البديهي بالنسبة لي أن قيمة هذه الدراسات في قدرتها على تجذير النضال وتفعيلة وليس في أكاديمية هي من خصائص ومشمولات مختصين وميادين أخرى . وهناك نوع من النضال استنفذنا كل طاقاته هو إصدار بيانات تنديد لتبعث على الفكس والبريد الإلكتروني إلى منظمات شبيهه تناشدها فيها بالتجنيد لقضية زيد أو عمر لتلقى في نفس اليوم بيانات هذه المنظمة تستصرخ ضميرها هي الأخرى الخ … وهكذا نبقى نناشد بين بعضنا لدعم بعضنا بعضاً ، ندور في حلقة مفرغة لا تقدم في شيء حتى قضايا زيد وعمر بما أن السلطة الاستبدادية تعلمت الصبر على هذه البيانات وتجاهلها .

وثالث وأهم خطر يهددنا هو الانغلاق على مواضيع وإشكاليات نخب الطبقة المتوسطة مواصلين تجاهل الإشكاليات الضخمة في ميدان انتهاكات حقوق الإنسان والتي تهم الأغلبية الساحقة من شعوب أمتنا وأعني بها انتهاكات حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في ظل تفاقم الفساد وضعف النقابات أو انهيارها .

إن أهمية هذا المؤتمر في قدرته على استعمال الطاقات الرهيبة والخبرات الكبيرة التي اجتمعت اليوم لعاصفة دماغيه تدفع بقوة وفي الاتجاه الصحيح باخرة الحركة العربية أو تنجح إذا اعتمدنا تشبيها فلاحياً في تهيئه الأرض وزرع البراعم المثمرة وتنظيم عملية السقي لمواجهه الأخطار الثلاث الكبرى والتي لو لم تواجه لأدت بنا إلى وضع مزر منها أن نصبح شيعاً منغلقة على طقوسها تنقلب في أحسن الحالات إلى مركز بحث أكاديمي في جزء من الفكر الغربي وفي أسوأها أحزاب عربية بصدد تكوين لا ينتهي .

إن التحدي الأول هو تنظيمي ونحن لا نستطيع بالطبع في هذا المؤتمر إعادة بناء المنظمات العربية ولا أظن هناك من سيتحمل على محمل الجد توصيات تتعلق بكيف يجب أن تسير منظمات خطت خطوات بعيدة في اتجاه أو أخر لكن التحدي الأساسي هو أن نخلق شكلاً أو أخر من تنظيم تنسيقي يكون لكل طرف مشارك في مصلحة فعلية في الانضمام أليه . وهنا أيضاً ليس من حلول سحرية وإنما استفزاز مخيلتكم لعملية هندسية تخلق فيها تنظيماً مرناً وحياً ليس هرماً وإنما دائرة بدون مركز أو كل النقط فيه هي مركز الدائرة ويكون مفتوحاً ليستوعب أكبر عدد من  المنظمات يمكن أن يسمى الشبكة العربية لمنظمات حقوق الإنسان يلعب دوراً مازال ينتظر ممثلاً وهو مجمع المعلومات عن نشاطات  المنظمات العربية وتوزيعها عبر نشرة تكون رسالة الشبكة . ويمكن أن تنبثق عن هذه الفدرالية مجموعات عمل مختصة لمدة محدودة كتلك التي ينسقها الأخ محمد مندور بخصوص وضع الجزائر . أو يمكنها تنسيق التوجه إلى آليات الأمم المتحدة بالشكاوي الخ . ولا مجال هنا لتفادي قضية الأشخاص التي كانت دوماً حجر العثرة الرئيسي في تثبيت كل بناء عربي مشترك . وإذا ما كان لابد من مسؤول للتنسيق فلابد من خلق تقاليد جديدة هي سرعة التداول على المسؤولية وجماعة القرار . ومن هذا المنطق ولأنني لا أنهي عن المنكر وأتي بمثله فاسمحوا لي باغتنام الفرصة للتأكيد علنياً ما كتبته لزملائي في اللجنة العربية الذي شرفوني برئاسة اللجنة من أنني لن أتحمل هذه المسؤولية إلا سنتان ولن أقبل بتجديدها وهو نفس المبدأ الذي اعتمدناه في تكوين المجلس الوطني من أجل الحريات في تونس وإنني أرشح اليوم أمامكم بصفتي الشخصية الأخت الدكتورة فيوليت داغر لرئاسة اللجنة العربية بعد انتهاء مدتي لثقتي في نضاليتها ولضرورة إفساح المجال للمرأة العربية في المركز الأول وكم أتمنى أن ينبثق المؤتمر عن أي هيكل يكون أول من يمثله امرأة ليكون ذلك علامة واضحة .

والمهم أن تكون الشبكة واضحة الأهداف والصلاحيات حتى لا تكون قائمة بأسماء مع العلم أن جدية وحظوظ تواصلها مرهونة كما قلت سابقاً بقدرتها على تقديم خدمات فعلية للأعضاء في الشبكة .

أما التحدي الثاني الذي يجب أن يجد هيجان الأدمغة إجابة تتعلق بالتفكير في أساليب نضال جديدة وذلك على مستوى نشر الفكر وربط الصلة بمقومات المجتمع المدني وأساليب التصدي للاستيراد . فمن الواضح أن التجربة أظهرت حدود حلقات التكوين المغلقة والبيانات والعرائض والندوات خاصة تلك التي تقع في النزل الفخمة ولا بد من استنباط أفكار جديدة مثل نشر بيان سنوي بأسماء المسؤولين عن التعذيب ورفع القضايا الجماعية ضدهم والتفكير في خلق محكمة عربية لحقوق الإنسان تتألف من شخصيات اعتبارية من نوع المحكمة التي أسسها برتراند راسل والعمل الجدي على مشروع قناة عربية فضائية لحقوق الإنسان وهو الأمر الذي يستأهل لوحدة تجنيد كل الطاقات لرسم ملامح المشروع والبحث داخل وخارج الوطن العربي عن مصادر التمويل ولو استطعنا تحقيق نقطة كهذه لتقدمنا خطوة جبارة إلى الأمام وهناك أفكار كثيرة أخرى قد تكون أسهل تحقيقاً لكن برب الكعبة وبآلام المسيح وبالات والعزة وحق هبل لمن ليس مؤمناً لننسى لمدة البيانات ومناشدة كل أهل الضمائر الحية والتوجه لزعماء أعماهم الصلف عن واقع شعوبهم أصابهم مديح الحاشية بصمم القلب والأذن .

آما التحدي الثالث فيتعلق حسب رأي بالخيارات الستراتيجية الكبرى مثل ذلك الذي اختارته الحركة وكان أصوب خيار أي رفض التواطؤ في عملية التصدي للإسلاميين بالوسائل غير الإنسانية وغير السياسية بحجة أنهم خصومنا العقائديين والسياسيين . والخيار المماثل اليم في أهميته هم ربط الحركة بأولويات عامة الشعب أي تزايد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بانهيار الخدمات الصحية والتعليمية واستشراء الفساد وتلاشي أبسط الحقوق النقابية لملايين العمال وانكماش الطبقة الوسطى وتفقيرها وتوسع الفجوة الاجتماعية .

إن هذه الظواهر ليست إشكاليات تقع بجانب انتهاكات الحقوق السياسية أو في الدرجة الموالية لها في سلم من الانتهاكات أهما واجدرها بالاعتبار ضرب حرية الرأي والتنظيم والانتخاب الحر النزيه . إنها اليوم حجر الرحى في وجود هذه الانتهاكات وتفاقمها فآليات الاستبداد السياسي اليوم ليست الهذيان الأيدلوجي للنصف الأول للقرن وليست الأسلوب التسلطي لأباء دولة الاستقلال الأول الذين كانوا يحيون شعوبهم ووطنهم ويبغون لهم كل خير لكن من منطلقات ثقافية وعقائدية تجاوزها زمننا نحن وليس زمنهم .

أما محرك الاستبداد الجديد اليوم فمختلف جداً فهو لا أيدلوجي ولا وطني وإنما مصلحي منفعي بحت مرتبط أوثق الارتباط من جهة بالسهر على تمرير سياسة ما يسمى بالعولمة والانتفاع الأقصى منها وليس هذا المكان لتحليل معمق لما يسمى العولمة والناس يتناسون أن هناك عولمات لا عولمة واحدة منها التي تعنينا وهي عولمة رأس المال وانتشاره كأخر فيروس في شبكة الاتصال العالمي وهذا الفيروس هو المضاربة بقوت الناس والشعوب من اجل أتسرع وأسهل الأرباح على حساب كل الحقوق الاقتصادية وأولها حق الشغل .

إن المطلوب هنا تقدير الأبعاد الجديدة التي قلبت طبيعة الدولة الاستبدادية العربية الوطنية القديمة إلى دولة أصبح الفساد أول خصائصها ومهمة القائمين عليها تصريف ما يسميه البنك العالمي في ميدان الصحة مثلاً وباقي الخدمات الاجتماعية كالتعليم  أو شكارة الخدمات ألد نية مع تقديم شكارة الخدمات القصوى لمواصلة استنزاف الشعوب وإخماد كل احتجاج وهو ما يسمى الأمن أي إرهاب الدولة .

إن هذا يعني هذه الآلية الجديدة التي تغذي القمع السياسي وتفسر وجوده هي الفساد وتطبيق العولمة وضرورة وضع الغطاء على مشاكل لم تعد الدولة الاستبدادية الإقليمية المتخلفة قادرة على علاجها . وهذا يعني أيضاً أن الإصلاحات السياسية الديمقراطية التي ننشدها لن تجد دافعها ومحركها وقوتها إلا في عمق رفض الشعوب للفساد وأثام العولمة وإن توجه الحركة نحو المشاكل الاقتصادية والاجتماعية هو الذي يفتح لها أبواب المجتمع الواسع والخروج من بوتقة المجتمع المدني أي النخب المسيسة من الطبقة الوسطى . ولا أعني بهذا العودة إلى دغماتية ورومانطيقية يسار الستينيات ولن أن تتوسع نشاطات الحركة في إطار مرجعيتها وأساليبها المهودة إلى جزء أساسي من مهمتها فتكون علاقتنا بمنظمة تعني بتتبع الفساد في العالم مثل Transparency international  لا تقل أهمية وانتظاماً عن علاقتنا بالعقو الدولي ، ونفتح داخل الشبكة لجنة قارة بمشاركة النقابيين وخبراء الاقتصاد الوطنيين لمتابعة انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتصدر المواقف بخصوصها وتجمع أين ما توفر ذلك لقاءات عن الموضوع وهكذا نبعث للمجتمع برسالة واضحة أن حركة حقوق الإنسان أصبحت جزء معنياً بمشاركة وأنها أصبحت تقف وتمشي بقدمين راسخين شعارها الحرية في خدمة العدالة والعدالة طريق الحرية .

وإذا تمخض الجبل فولد مشروعاً متواضعاً محكم التخطيط مهيأ للنمو فإنني كامتشائل فيه أو بالأحرى نصفي المتفائل . وإن تمخض الجبل فولد توصيات فإن نصفي المتشائم سينتشر . ومعنى هذا أنني رايح آيا كانت نتيجة المؤتمر وهذا فضل التشائل وسر تعلقي بالمفهوم منذ طلع به الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي ووضعي له موضع التطبيق .

وأبقى متفائلاً أو متشائماً أو متشائلاً صديقكم المخلص وزميلكم في النضال الذي يشد على أيديكم واحدا واحدا .