مذبحة
قانا وقضية الرهائن في جنوب لبنان
في
الأدب والأسطورة الشرقيين ، ترمز عناقيد
العنب للسعادة والمحبة والصحة ، ولم يحدث أن
استعملت كلمة العناقيد لا من قبل الجيش ولا من
قبل المتطرفين على اختلافهم .
فمن
وجهة نظر نفسية ، أرى في استعمال مصطلح ((عناقيد
الغضب)) لوصف عملية عسكرية تستهدف العقاب
الجماعي للمدنيين ، محصلة تفكير عصابي
واضطراب في مقومات الشخصية قائم على الكره
الأعمى للأخر ، مع الضرب بعرض الحائط بكل
الأعراف والمواثيق الدولية طالما أن الآلة
العسكرية الإسرائيلية تشعر في عنفوان قدرتها
التقنية وتحوز على دعم الحكومة الأمريكية لها
. هذا ما ساورني عندما بدأ الاعتداء
الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان .
هذا
الاعتداء الذي يصعب تصنيفه عقلانيا في نطاق
العمليات العسكرية ذات الجدوى ، والذي تعطيه
جملة المؤشرات المرافقة له سمة باثولوجية
واضحة . ومن اللحظة التي تصبح فيها السياسة في
إسرائيل ممارسة قائمة على الإنتاج العملي
للحقد في صفوف المجتمع الإسرائيلي والمجتمع
العربي في بان ، يصعب العثور على أي تعريف
منطقي ومقنع لكلمة السلام عند الممسكين بزمام
الأمور في هذا البلد .
في
كل محاكمة لوضع ما ، يضع المدافع عن حقوق
الإنسان نصب عينية كلمات ثلاث : الشرعة
والمشروعية والشرعية .
أما
الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، أي جملة ما
صدر من مواثيق دولية ضامنة لحقوق الإنسان منذ
الإعلان العالمي لهذا الحقوق ، فقد صدرت
لتؤكد على ما لجميع الأسرة البشرية من كرامة
أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة . ويبدأ
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية
والسياسية بالقول : ( لجميع الشعوب الحق في
تقرير مصيرها ) . وتشدد المادة الثالثة في
المادة المشتركة في اتفاق جنيف الأربع الخاصة
على تحريم ما يلي في كل وقت وفي كل مكان :
الاعتداء على الحياة وسلامة الجسد ، أخذ
الرهائن ، الاعتداء على كرامة الأشخاص ، وذلك
بحق كل شخص لا يشارك مباشرة في الاعتداءات بما
فيه العساكر الذين ألقوا سلاحهم . و هي روحاً و
مضموناً ضد أي شكل من أشكال احتلال الأراضي و
الاستيطان و الاعتداء على المدنيين في حالة
الحرب أو جعل المدنيين هدفاً لعمليات عسكرية
أو ضحية لإجراءات ردعية .
أما
المشروعية ، فهي المحصلة المنطقية و
الأخلاقية لجملة عوامل أعطت رد فعل بشري على
انتهاك واضح وجسيم لحقوق الإنسان. بمعنى أننا
و إن كنا ضد ممارسة العنف من حيث المبدأ ، إلا
أن هذا المبدأ لا يجعلنا نضع الميليشيات
الفاشية في فرنسا و المقاومة في سلة واحدة ،
أو أن نخلط قوات الاحتلال بمن يقاوم الاحتلال
في جنوب لبنان . فوجود قضايا عادلة مخنوقة
بموازين قوى غير عادلة لا يمكن إلا أن يعطي
أشكال مقاومة لا يمكن حسبان شكلها مسبقاً .
و
أما الشرعية و الدولية منها ، لغياب أية
اتفاقية إقليمية رسمية منذ رودس في مطلع
الخمسينات ، فأهم معاييرها قرار مجلس الأمن 425
الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب الفوري و
الشامل من جنوب لبنان . و بشأنه ، نسأل الدول
الدائمة العضوية دون إطالة شرح: و ماذا لو كان
القرار يتعلق بالعراق أو إيران و ليس إسرائيل
؟
لن
أتعرض لوقائع مجزرة قانا ، فمن الحاضرين من
عاش هذه المأساة ، و هو دون شك أقدر على وصف ما
رأى . و لكن ما سأحاول فعله ، هو تحليل ما حدث
من وجهة نظر اجتماعية نفسية من ناحية و
جيوسياسية من ناحية أخرى ، أي في ظروف موافقة
الصراع العربي الإسرائيلي على مبدأ تسوية
سلمية لهذا الصراع .
في
حالة الخوف ، يلجأ الأفراد إلى أكثر الأماكن
أمناً . و مفهوم الأمن نسبي و مرتبط بالزمان و
المكان . و قد تعارف الناس على وصف المكان
الآمن هذا بالملجأ . و يأخذ الملجأ أهميته إما
من اعتبارات معنوية أو من اعتبارات مادية أو
كلاهما . فلجوء معارض
سياسي إلى سفارة أجنبية يعطيه الحماية
لأن للسفارة حصانة معنوية ، و لجوء السكان إلى
أقبية الأبنية أثناء القصف يعطيهم حماية
مادية نسبية . و يكتسب لجوء مواطني قانا العزل
إلى ملجأ لدى قوات الأمم المتحدة بعداً
رمزياً غاية في الأهمية . فرغم أنهم قد شاهدوا
أو سمعوا كيف مرت الدبابات الإسرائيلية من
قرب هذه القوات دون أن تحرك ساكناً في 1982 يوم
احتلال بيروت ، و رغم أنهم يعرفون سقف و إطار
مهمة قوات الأمم المتحدة ، إلا أنهم لم ييأسوا
من صورة هذه المنظمة العالمية و حضورها ، و
أرادوا ، بوعي أو بغير وعي ، أن يقنعوا أنفسهم
، بأن إسرائيل التي لا تلزم نفسها بأي قانون
في علاقتها بالإنسان العربي ، ما زالت تحترم
الأمم المتحدة بشكل أو بآخر ، و لن تتجاسر على
ضرب المدنيين العزل الذين التجأوا لهذه
الأخيرة .
و
الإحساس الطبيعي الثاني ، هو الإحساس بالظلم
و غياب العقوبة . و قد تجلى أيضاً هذا الإحساس
من جديد في مجزرة قانا . فرغم استنفار بعض
المثقفين الموالين لإسرائيل في الغرب للدفاع
عن هذه المجزرة بحجة انتظار نتائج التحقيق و
جرائم حزب اللـه ، و رغم الصورة التي سعى
أحدهم بعطائها عن الجيش الإسرائيلي في فيلمه
الأخير " تساحل " ، كانت الحقيقة أمر و
أقسى من العبقرية الخطابية و الفنية ، و كذّب
أطفال الجنوب بدمهم اسطورة الجيش المؤدب و
المتحضر . و مع ذلك بقي الصمت العالمي
المتواطئ أقوى من الجريمة . و لم ينجح للأسف ،
حتى المدافعين عن حقوق الإنسان على الصعيد
العالمي و لو في تنظيم حملة محدودة الأثر
لمعاقبة المعتدي .
إن
أي مدافع عن حقوق الإنسان ، خاض و يخوض معركة
غياب العقاب في أكثر من خمسين بلداً في العالم
، يتألم لهذا الوضع الشاذ الذي يعطي المعتدي
الإسرائيلي امتيازات على حساب الحقوق
الإنسانية المعترف عليها عالمياً . ماذا
بإمكاننا أن نقول نحن المدافعين عن حقوق
الإنسان لأطفال جنوب لبنان إذا ما سألونا
غداً : ماذا فعلت منظمات حقوق الإنسان
العالمية من أجلنا . نعم ، كان فعلنا أقل من
جسامة ما حدث . و ليس هناك أقسى من رمزية اللا
عقاب في الوعي الجماعي لشعب .
أما
على الصعيد الجيوسياسي ، فاختيار السلام له
مستحقاته . و كلنا يعلم أن اتفاقيات كامب
ديفيد لم تنجح في إقامة سلام مجتمعي بين مصر و
إسرائيل . و ها نحن بعد أكثر من 13 عاماً نجد من
الصعب على كاتب مصري أن يذهب إلى إسرائيل دون
إدانة شبه عامة من الوسط الثقافي و الشعبي في
مصر . و ذلك لأن إسرائيل و السادات أرادوا
اتفاقية مفروضة من فوق و لم يكن لمن عارضها
يومذاك من منبر سوى المعتقل . و السلام عملية
تتجاوز الحكومات إلى الشعوب . و لو أخذنا مثل
فرنسا و ألمانيا، نجد الدولتين قد خاضتا
معركة بناء أوروبا بعد أقل من عشر سنوات على
انتهاء الحرب الكونية الثانية . هناك خلل في
تعامل إسرائيل مع الحقوق العربية من منظار
الأمم المتحدة ، و ليس فقط من المنظار العربي .
هذا الخلل لم توضع نهاية له إذا ما بقيت
إسرائيل محكومة بسياسة الدولة المتفوقة
عسكرياً . هذه السياسة القصيرة النظر و ذات
الأبعاد الكارثية على مستقبل اليهود في
المنطقة . فكيف يمكن لسياسي و المثقف أن يقنع
ابن الشعب بأن شمعون بيريز رجل سلام يطمح
لبناء شرق أوسط جديد مزدهر و هو يستقبل تباشير
هذا الشرق الجديد بقصف الطائرات الإسرائيلية
لمنزله ؟
و
ما يزيد الطين بلة ، هو آن إسرائيل لا ترد على
السلطة الوطنية الفلسطينية أو على الحكومة
اللبنانية عندما تقوم بعملياتها الانتقامية
و تخلط عمداً بين الدولة و الميليشيا و
المجتمع و فئة مسلحة منه . إنها تتناسى أن
للدولة مفهوم اعتباري و حقوقي مهما كانت درجة
العسف التي تمارسها ، و هذا المفهوم يقوم على
جملة التزامات داخلية و خارجية . و لعل من أهم
الالتزامات المعاصرة ، المعاهدات الناجمة عن
آلام و مآسي الحرب العالمية الثانية و
المعروفة بقوانين الحرب و التي تحظر هجمات
الردع ضد السكان المدنيين و تمنع أعمال
الانتقام ضد الأشخاص المحميين و ممتلكاتهم و
منع التوقيف العشوائي للسكان و نقلهم للبلد
المحتل " المادة 51 "6" من البروتوكول
الأول و المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة "
. و ليس من المقبول قانونياً و منطقياً وضع
الدولة و المليشيا في موقع اعتباري واحد ، و
إن كانت الالتزامات الإنسانية واحدة .
قال
عقيد في الجيش الإسرائيلي لمراسل النيويورك
تايمز : " في جنوب لبنان ، لا أحد باستثناء
اللـه القدير يمكنه ايقافك ( أي ايقاف الجيش
الإسرائيلي عن عمل ما يشاء ) . السؤال الوحيد
الذي تطرحه على نفسك ( كجندي أو كجيش إسرائيل )
و أنت في طريقك لنسف بيت أحدهم هو هل ستستعمل
خمسين أو 25 كيلو ديناميت " ( النيويورك
تايمز 31/3/1996 ) .
هل
يمكن أن نقبل ضمن المفهوم الحقوقي للدولة أن
تلخص هذه الجملة ممارسات ضباطها ، خاصة إن
كانت الدولة المعنية ثاني قوة عسكرية في حوض
المتوسط و تنال منحى عسكرية أمريكية سنوية
قيمتها 1.8 مليار دولار ؟
لقد
عرف جنوب لبنان الأشكال الأساسية لعنجهية
القوات الإسرائيلية . فقطاع هام منه محتل ، و
القطاع الآخر رهينة للقصف و هدم البيوت و
المحاصيل و خطف الأشخاص و القتل و التهجير
الجماعي المؤقت و التهجير المتتابع للبنى
التحتية . و إن كان سجن الخيام يعطي الرمز
الأقسى للاحتلال ، فالمدنيون يشكلون الرهينة
الجماعية لسياسة المحتل الإسرائيلي . و يكفي
استرجاع صور عمليتي " تحميل المسؤولية "
(1993) و " عناقيد الغضب " ( 1996 ) و الاعتداءات
الإسرائيلية بينهما مع ما وقع من ضحايا ،
لأدرك ما نعنيه بالرهينة أي الأشخاص الذي لا
يشاركون مباشرة في العمل العسكري و الذي
يحاول عبرهم أحد أطراف الصراع تغيير ميزان
القوى معين دون أي اعتبار آخر .
يخرج
لبنان الجريح من حروب داخلية و خارجية قاسية
تركت بصماتها في كل شبر من أرضه و كل خلية من
خلايا أبناءه . فما من بيت إلا و فيه أسير أو
مخطوف أو فقيد أو مفقود أو مهجر أو مهاجر . و إن
كان هم إعادة البناء هم مشترك ، فكرامة
الإنسان بعد كل ما حدث تبقى الهاجس الأكبر ،
فوحده الإنسان المواطن الذي يعتبر نفسه أغلى
قيمة و يعتبره وطنه كذلك قادر على خوض معركة
لبنان الجديد الديمقراطي و الإنساني . إن أي
اعتداء خارجي على حقوق الإنسان في هذا البلد
جريمة مضاعفة ، لأنها اعتداء على شخص جريح و
بلد جريح ، و ليس في العالم مذهب أو شرعة تبيح
الاعتداء على جريح .
في
مطلع الستينات ، قامت إسرائيل بمحاكمة ايشمان
، المجرم النازي المسؤول عن تصفيات جماعية
مخيفة لليهود في محاكمة لا يمكن إلا أن نصفها
بالعادلة .. و مهما كان تعريفنا و موقفنا من
عمليات المقاومة الإسلامية ، ألا يحق لنا أن
نتساءل لماذا لا تقوم إسرائيل بمحاكمة
المقاومين محاكمة عادلة و التوقف عن سياسة
الخطف و الاغتيال و العقاب الجماعي المناهضة
لكل فالأعراف الإنسانية . ربما يخشى القاضي
الإسرائيلي أن يتحول في عيون العالم إلى متهم
؟
خلال
48 سنة من تاريخ إسرائيل ، كانت غاية حكامها
إقناع العالم بالاعتراف بدولتهم ، لكن ألا
يتطلب الاعتراف بأي دولة أن يتوقف حكامها عن
التصرف كعصابة ؟ و هل ينسى اليوم من اضطهد
بالأمس معاناته عندما كان الاضطهاد بأبشع
أشكاله يمارس بحقه ؟ أم أنه يحاول معالجة آثار
ذلك على تكوينه النفسي باللجوء لنفس الأساليب
باضطهاد ضحاياه يفرغ فيهم كل شحنات العدوانية
الكامنة لديه و الممزوجة بالخوف منهم ؟ إنه
يتناسى كما يبدو أن تحول الضحية إلى جلاد
قاعدة تتكرر كلما جاوز القهر حد الاحتمال .