الأشياء والمعاني: في اتفاقيات أوسلو

 د. محمد حافظ يعقوب 

أولاً: الخلفية التاريخية لاتفاقيات أوسلو

يندرج اتفاق أوسلو في سياق تاريخ طويل من العلاقات والتغيرات والترتيبات والتكيفات لما صار يعرف منذ حوالي قرن من الزمان باسم "عصر النهضة العربية" ولنقل عصر دخول الحداثة إلي المنطقة وتغلغلها فيها أي في بناها ووعيها. ففي هذا العصر الطويل، بأحداثه العاصفة، وبتغيراته الجذرية، وقبل ذلك كله بانهياراته العميقة التي مست لحمة الجماعة العربية وعصب النسيج الداخلي الذي ضمن وجودها في التاريخ، تدحرجت المنطقة بوتيرة متسارعة، وانزلقت إلى مايمكن وصفه بتعميم لايخلو من فظاظة بحركة من التدحرج الكيفي والتراجع التكيفي مع تاريخ يعاكس العقيدة ويجافي الفكر، ويعاندهما عنادا لايخلو من مكر إن لم نقل إنه يكذبهما على طول الخط. فعلى مستوى الوعي، عاش العرب عصرهم الحديث على شكل إنقسام في الوعي وتمزقات في المشاعر وثنائيات في الأفكار مازالت بصماتها وشروخها تحكم مايطلقون عليه إسم "العقل العربي المعاصر". وعلى مستوى السياسة أي التاريخ الواقعي كما جرت أحداثه في الزمان وليس في النوايا والتصريحات والتواريخ الرسمية، دخلت السياسة العربية العصر من باب الدولة العربية الحديثة، أي الدولة القطرية، الإستقلالية، التي انبثقت وترسخت ونتحت مبرر وجودها الإستراتيجي الوحيد من مصدر هو في الواقع الإطار الجغراسي أو الإستراتيجي لترتيبات القوى الكبرى وتلاعباتها بمصائر المنطقة وبخيراتها غداة الحرب العامية الأولى، والمعروفة لدينا باسم خريطة سايكس-بيكو .

غير أن التناقض البنيوي الثاني فيمس الوجود المعنوي للدولة العربية الاستقلالية أي شرعيتها وفكرتها الأولى التي لايمكن للدولة من غيرها أن تمارس سيادتها وأن تحظى بولاء الجماعة العميق لها وبتماهيها فيها مادامت الشرعية، بالنسبة لكل دولة، هي رأ س المال المعنوي الضروري لاستقرار السلطة السياسية، ولضبط إيقاع الحركة في المجتمع، وفي الواقع، لرضى الجماعة العميق بسلطة الدولة على أمورها.

وجها الصورة

ليس ماسبق تقديمه في الفقرة السابقة من قبيل التأملات المجردة في التاريخ والسياسة. فمن الجلي أن اتفاقيات أوسلو  وبالأصح ما صار يعرف منذ أكثر من خمس سنوات باسم " عملية السلام في الشرق الأوسط، يندرج اندراج تتابع توليدي أو اقتراني في سياق الصراع العربي-الصهيويني الذي يشكل الوجه الآخر لسيرورة الحداثة العربية، وكذلك الأرضية العامة للملاحظات الثلاث التي أريد تناولها فيما يأتي.

تتعلق الملاحظة الأولى بالمسار العام للصراع-العربي الصهيوني. وهي ملاحظة تمس، أول ماتمس، التاريخ العربي الحديث، أي الإطار العام للترتيبات وللأحداث والوقائع والأفكار والنظم التي عرفتها المنطقة العربية منذ ماصار يعرف باسم "النهضة العربية" أو اليقظة العربية .

.. وهو  تاريخ بدأ كما أرجح بفصل أميل إلى تسميته تسمية رمزية باسم "استيقاظ "قحطان" أي بظهور العنصر كعصبية سياسية جديدة لم تعرفها المنطقة في المراحل السابقة من تاريخها الطويل، من جهة، وكاستجابة أو كرد على الشروط الجديدة التي كانت تعيشها المنطقة والتي هي شروط سيرورة الإنهيار العثماني وولادة الشرق الأوسط الحديث بدوله وبنظمه وبمعاييره وبالإستراتيجيات التي تمخضت عنه، من جهة ثانية. وحين أقول استيقاظ قحطان باعتبار أن الشرعية السياسية المركزية التي هيمنت أو لعبت الدور الحاسم في التعبئة الفكرية للجمهور، وفي المشروعات السياسية التي تنازعت الساحة السياسية، استندت في الواقع على قاعدة العصبية الجنسية كمادة أولى لبناء الدول ولتماسكها وقوتها. غير أننا نعيش اليوم فترة تشير الظواهر جميعها إلى أنها ربما كانت اللحظات التي تكتب فيها الفقرات الأخيرة أو الختامية من هذا الفصل الكبير. فمن ناحية عملية، ظلت الفكرة العروبية الجامعة أو مشروع الوحدة العربية (ونظائرها من مشروعات وحدوية على قاعدة العصبيات الجنسية المنافسة كالوحدة السورية والمغاربية ووحدة وادي النيل) في حيز المشروعات أو الطموحات أي إلى الفرضية أو الحافز السياسي أشبه. فقد أثبتت الدولة القطرية القائمة في حدود الخريطة الجغرافية لسايكس-بيكو أنها الحقيقة السياسية الأشد رسوخا من المشروعات، جميع المشروعات، وأنها لعبت بالضرورة في سياق التاريخ الواقعي دورا مركزيا في سيرورة تاريخية كبرى هي سيرورة إعادة صياغة الهويات الإجتماعية والسياسية لسكان المنطقة على ضوء الحاجات العملية للنظم السياسية القائمة، وعلى مقاس ضرورات الولاء التي تشترطها الدول جميعها في كل زمان ومكان.

سيرورة الإنهيار 

ترتبط الملاحظة الثانية بالملاحظة السابقة ارتباط تلازم واقتران. فالوجه الآخر أو البطانة الداخلية لهذا الفصل الطويل يحتله المشروع الصهيوني نفسه. ولو شئنا التدقيق لأمكن القول إن العصبية العروبية شرعت في التعبير عن نفسها وعن مضمونها السياسي في الوقت نفسه تقريبا الذي بدأت الصهيونية تعبر عن مضمونها التاريخي المناقض للعروبة، أي من حيث هي مشروع يندرج في سياق التوسع الغربي في المناطق التي صارت تعرف فيما بعد باسم العالم الثالث، وفي الحقيقة في سياق إعادة تنظيم المعمورة وإعادة صياغة البشرية بمجتمعاتها وبناها وبطرائق تسييرها وترتيب شؤونها بما يتناسب مع الآلهة الجديدة التي تم تنصيبها وتوحيد البشرية في إطار ديانتها وأوثانها وكهنتها وأساطيرها. غير ان تزامن ظهور مشروعي الدولة العربية الواحدة وصهينة فلسطين يخرج من ناحية عملية من خانة المصادفات التاريخية البحتة، ليندرج في إطار ماأسميناه ب "ولادة الشرق الأوسط الحديث".

في ربيع العام 1882 وصل إلى فلسطين برعاية وبتنظيم بريطاني عدد قليل من المستوطنين اليهود أغلبيتهم من رومانيا ممن يمكن تسميتهم بالصهيونيين بحسب التعريف الدقيق لمصطلح الصهيونية. منذ تلك اللحظة الحاسمة، والتاريخ الخاص بفلسطين يسير بكيفية هي إلى "الإستثاء" أقرب. فخلال الفترة الممتدة بين 1882 و 1993، حدثت مجموعة من المفاصل الحاسمة كانت في معانيها التاريخية التعبير الفعلي عن الوضع الإستراتيجي والموازين الإستراتيجية القائمة على الأرض. يمكن اختصار الأمر على النحو التبسيطي التالي:

استراتيجية هجومية صهيونية، واستراتيجية دفاعية تراجعية فلسطينية. وكما في كل حالة مشابهة، كان الفلسطينيون خلال السنوات المتعاقبة يخسرون في تراجعهم التاريخي  مواقعهم بوتيرة تزداد تسارعا مع مرور الوقت. يمكن القول كذلك إن استراتيجية الزحف الصهيوني هي أيضا استراتيجية "الأمر الواقع"، أي استراتيجية تحويل المكاسب المرحلية إلى مكاسب نهائية عبر تعزيزها، من جهة، وخصوصا عبر استخدامها كقاعدة راسخة لمكاسب جديدة في مرحلة حاسمة جديدة لاحقة، من جهة ثانية.

بيد أن تناقض المشروعين العروبي والصهيوني، وهو محتوى الملاحظة الثالثة، يفسره في الواقع الوضع الخاص بالفلسطينيين في هذا التاريخ الطويل. ففي الوقت الذي كان الفلسطينيون يسيرون باتجاه الاقتلاع والنفي والتبعثر، وكانوا يخسرون على الأرض، خلال تراجعهم التاريخي، الموقع تلو الموقع، كان الشرق الأوسط، الذي رسمت تضاريسه وملامحه العامة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى يكيف نفسه خلال سعيه نحو الاستقرار مع ملامحه الجديدة التي كانت تتعزز وتترسخ. وقد لعبت الدولة من ناحية موضوعية الدور الحاسم في هذا الترسخ الذي وصل اليوم كما يبدو إلى سقفه وإلى الطرف الأقصى فيه. وربما أمكن النظر إلى حرب الخليج الثانية، بكل تفاعلاتها وزخمها وماأثارته من ردود أفعال ومواقف ونتائج ترتبت عنها، كما لو كانت  آخر المحاولات التي هدفت إلى إدخال تعديلات على الخريطة المذكورة، من جهة، وعلى ماكنا أكدنا عليه من أن الدولة القطرية القائمة اليوم هي كما يبدو الحقيقة الوحيدة الراسخة والفاعلة، من جهة ثانية.

 تتعذر رؤية الصورة من غير استكمال تفاصيلها. فمن الواضح أن خيار "غزة-أريحا أولا" (خيار أوسلو) جاء من ناحية عملية كنتيجة مباشرة من نتائج الأوضاع العربية العامة والخيارات الإستراتيجية العربية منذ العام 1967. وليس سرا أن الخيار الإستراتيجي العربي كما سنبين في الصفحات اللاحقة هو خيار السلام والتفاوض على قاعدة تطبيق قرارات الأمم المتحدة 242 و383 من جهة، وعلى مبدأ فرض السلام على إسرائيل الذي لاتريده، من جهة ثانية. من لايتذكر اليوم أن مؤتمر مدريد الذي اعتبرأن مجرد انعقاده قبل أكثر من ثماني سنوات من كتابة هذه السطور هو انتصار كبير للعرب من حيث أن هدفه المركزي هو إجبار إسرائيل، بضمانة الولايات المتحدة الأمريكية وبمساعدتها وبرغبتها، على قبول التفاوض وفق مبدأ مبادلة الأرض بالسلام؟ ومن لايتذكر اليوم قصة التمثيل الفلسطيني في المؤتمرالمذكور وكل ماأثارته من لغط حول مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية التي لجأت إلى استخدام الباب الموارب لضمان انتزاع نوع من اعتراف الأمر الواقع بها؟ ومهما يكن من أمر، فإن اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، وانعدام الخيارات العربية، وانسداد الآفاق واستفحال الأزمة هي في الحقيقة القاعدة الموضوعية التي هيأت ودفعت إلى الاتفاقات التي بدأت في أوسلو ولم تنته بعد.             

وعندي أن "خيار أوسلو" هو على الأرجح  الابن الشرعي لانهيار العرب في العصر الحديث، ولتفاقم أزمتهم واستفحالها في الآونة الأخيرة. وبيان ذلك أن سيرورة التحلل والتفكك التي عاشتها وتعيشها الجماعة العربية وانقسامها في الواقع الجغراسي إلى دول وأقطار، وسيرورة التآكل الداخلي للحمة الجماعة العربية وأواصر تماسكها واستقرارها، تقع في أساس الانسداد والاختناق الراهن. فخلال سيرورة ترسخها وسعيها إلى استقرارها وضمان شرعيتها، سلكت الدولة العربية القائمة سلوك الدولة القومية الحديثة في كل مكان وجدت فيه، أي سلوك الدولة-الأمة. قد يفسر ماسبق ذكره أزمة الدولة العربية المستعصية مادام أساس عطبها يرجع إلى التناقض البنيوي فيها بين عطب مشروعية ولادتها كدولة هي بالتعريف التاريخي من منتجات الترتيبات الإمبريالية للمنطقة ولم تنبثق عن إرادة الجماعة أو عن سيرورة داخلية فيها وإنما أتت بالرغم منها وغصبا عنها وعن إرادتها الصريحة، وبين عطب مشروعيتها كدولة قطرية، واستحالة أن تكون، دولة عربية مادامت  هي، بالتعريف، دولة قطرية. تنضاف إلى هذا التناقض البنيوي، الدولة العربية المستحكمة في تلبية الطلب الاجتماعي المتزايد منها بخصوص الخدمات المختلفة التي تدخل في صلب مهمات الدولة الحديثة من تعليم ومواصلات وصحة وأمن وغير ذلك.

سيرورة الهويات

 ومهما يكن الأمر، فإن سيرورة ترسخ الدولة القطرية العربية جعلت، بحكم الضرورة العملية وليس بحكم النوايا والتصريحات والإيديولوجيات المعلنة، من بروز الإنتماءات أو الوطنيات القطرية  العربية في حكم النتائج الفرعية، ولكن الحاسمة، لهذه السيرورة التاريخية، من جهة، وخلق الأرضية الموضوعية لظهور الوطنية الفلسطينية ولتنامي الشعور بمصير خاص مستقل، من جهة ثانية. هكذا تغدو سيرورة تشكل "الهوية" الفلسطينية، أي نهوضها الوطني الخاص وتجلياتها الثقافية وخصوصا السياسية وليدة تضافر سيرورتين تاريخيتين والتقائهما معا في سياق واحد. أولاهما هي سيرورة التحلل العربي المتمثل بأزمة الدولة القطرية العربية وأزمة مشروعها، وخصوصا عجز هذه الدولة عن تحقيق التطابق الضروري مابين الخطاب الظافر في التحرير والوحدة والإستحواز على القوة المفتقدة وتحقيق التوازن الإستراتيجي مع العدو (وهي فجوة كانت تتفاقم مع الزمن وتتراكم مع تراكم المعضلات)، وتزايد الإنقسامات الداخلية والحروب العربية-العربية وتهمش الجماعة العربية في التاريخ. أما السيرورة الثانية فتتعلق بالسيرورة الأولى وربما تتفرع عنها وهي سيرورة الهوية القطرية العربية التي تسعى الدولة بحكم الضرورة وبحكم الحاجة السياسية إلى خلقها واستخدامها في صراعاتها التي لاتنتهي من أجل البقاء مع الداخل ومع الخارج على حد سواء. 

لم تنج الحركة الوطنية الفلسطينية من هذا الإتجاه التاريخي العربي نحو الخصوصية القطرية وتأكيد الهوية الوطنية القطرية وأوليتها، حتى وإن كان إلحاحها على المضمون العروبي لهذه الهوية قد امتاز بالديمومة والثبات. لقد ساهمت مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والإيديولوجية في غلبة هذا الميل نحو "الفلسطنة". ففي الجانب الإيديولوجي- السياسي تضافرت الذرائعية السياسية التي امتازت بها قيادة حركة فتح، مع الواقعية "الثورية" التي هيمنت طويلا على العقل السياسي العربي والفلسطيني خلال العقدين الأخيرين، والتي تزامنت مع دخول "يسار" حركة القوميين العرب إلى ساحة السياسة الفلسطينية، في صياغة الإطار النظري لوعي "الكيانية" الفلسطينة، وفي خلق المناخ النفسي لبروز منطق القطرية الفلسطينية ولتسويغه ولمنحه البطانة البسيكولوجية الضرورية لصدقية كل خطاب. غير أن السنوات العشر التي أعقبت احتياح القوات الإسرائلية للبنان في صيف العام 1982 وحصار بيروت وماتلاهما ورافقهما من مذابح في صبرا وشاتيلا وحصار المخيمات بما في ذلك حرب طرابلس وتبعثر م.ت.ف. وقواتها وازدياد بعدها الجغرافي عن فلسطين ثم سياسات التضييق والضغط  والمحاصرة المالية التي تلت حرب الخليج الثانية قد عبد طريق البحث الفلسطيني عن "خلاص" منفصل لفلسطين. أما العامل الآخر فهو العامل السياسي العربي. فقد صار واضحا منذ أواسط السبعينات أن "الحلول  الإنفرادية" ستكون هي القاعدة العامة لمنطق التعامل العربي مع الصراع العربي-الإسرائيلي، مادام منطق الدولة القطرية، وكل دولة، يقوم على مبدأ تغليب مصلحة الدولة واستراتيجيتها ولنقل  استقرار سلطتها على أي منطق آخر. يغدو مفهوما أن تكون مصر، وهي الدولة العربية الأكثر تمتعا بعناصر الدولة القومية الحديثة بالتعريف وربما الأكثر توفرا على مواصفات الدولة من بين بقية الدول العربية المشرقية الأخرى، هي التي بدأت رحلة الحلول الإنفرادية" التي لم تكتمل بعد.

غير أن مااستحضره الإتفاق في العقل السياسي المحلي والدولي من استدعاءات تتجاوز بالتأكيد كلمات نصه من حيث هو عقد التزام بين طرفين هما دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. إنه اتفاق لاتتوقف أبعاده عند حدود الرقعة الجغرافية التي تتعامل معها صراحة بنود الاتفاق. فالتعليقات الأولى التي صدرت عن أطراف إقليمية أو دولية تحدثت بإسهاب عن "شرق أوسط جديد"، أي عن جغرافيا جديدة للمنطقة ولعلاقاتها أي بلغة أخرى أكثر دقة، بإطار جديد لتاريخ المنطقة ترتسم فيه سياسات جديدة وعلاقات جديدة وثقافات سياسية جديدة. وحين أقول جديدة فلاأقصد غير الوصف وليس التقويم والحكم. وفي الواقع فإنها ليست المرة الأولى التي تدخل المنطقة في سياق يمكن وصفه بالجديد. ففي العشرينات من هذا القرن،كما أسلفنا، رسمت اتفاقيات "السلام" التي أعقبت الحرب العالمية الأولى مصائر المنطقة الجغراسية بدولها وبحدودها وبهوياتها الوطنية وقبل ذلك بالمشكلات الكبيرة التي نشأت عنها. وهي ترتيبات من الصعب اليوم مقاومة إغراء الحكم عليها بأنها تاريخية وحاسمة أي مصيرية وربما نهائية، وبأنها تقع في صلب أزمات اليوم والإستعصاءات التي نعيشها، من جهة ثانية.

وبعيداً عن الخطاب الإيديولوجي والمشروعات السياسية الكبرى بخصوص مستقبل المنطقة، فمن الجلي أن منطقتنا عاشت تاريخ تكيفها مع خريطة اتفاقيات سايكس بيكو على شكل مثنوية ممزقة أو مصدر للتمزقات الفكرية والروحية، أولاً، وعلى شكل حركة متسارعة من التكيف معها ومن الإذعان لشروطها ولإطارها الذي رسمته، بالمقابل، ثانياً. وأغلب الظن أن خيار أوسلو الذي نحن بصدده يندرج في المحصلة الأخيرة في هذا السياق. وسنعرض فيما يأتي للعوامل التي أفضت إلى أوسلو.

ثانياً: الطريق إلى أوسلو

من حزيران إلى مدريد

طوال الفترة الممتدة منذ عام 1967 ومؤتمر مدريد في العام 1991، أصرَّت السياسة الأمريكية على موقفها الداعي إلى التفاوض المباشر بين العرب وإسرائيل، وعلى إبعاد أعضاء مجلس الأمن الدائمين الآخرين عن مشاريع التسوية المطروحة لما أطلق عليه اسم أزمة الشرق الأوسط، إن تعزيزاً لنفوذها في المنطقة وفي العالم أو إضعافاً للأطراف الأخرى والحد من نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق والمجموعة الأوروبية. هذا ما يوضحه على سبيل المثال لا الحصر  هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية السابق (في وقائع جلسة حوار بينه وبين قادة يهود (جماعة كلوتسنيك Klutznik ) في فندق بيير Pierre  في نيويورك سيتي بتاريخ 15 حزيران (يونيو)  1975 ونشرتها Merip Reports في العدد 96/ أيار (مايو) 1981). فبحسب كيسنجر فإن أعمدة الإستراتيجية الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط هي التالية.  أولاً، إبعاد الأوروبيين واليابان عن التدخل في القضايا الدبلوماسية في الشرق الأوسط؛ ثانياً، إلحفاظ على إبعاد السوفييت عن الحلبة الدبلوماسية شرق الأوسطية؛ وثالثاً، "خلق وضع تتمكن فيه إسرائيل من التعامل بشكل منفصل مع جيرانها". ويضيف كيسنجر أن التركيز على معالجة قضايا الحدود بين إسرائيل والدول العربية هو "على أمل عزل الفلسطينيين وهذا ممكن". ذلك أن على إسرائيل أن تدرك، كما يقول، "أن عليها أن تتعامل مع الحكومات العربية إن لم تكُ تريد التعامل مع الفلسطينيين".

وفيما ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تتمسك باشتراط التفاوض المباشر بين الدول العربية وإسرائيل، كان الاتحاد السوفيتي يدعو إلى مؤتمر دولي يمتلك صلا حية تحديد مضمون التسوية السلمية، وفق مبادئ ثلاثة مركزية هي: انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة عام 1967؛ وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بما في ذلك الحق في إقامة الدولة المستقلة، وإقرار ضمانات لدول الشرق الأوسط كافة بخصوص الأمن والحدود والاعتراف المتبادل. ولئن أيّدت المجموعة الأوروبية منذ بيان البندقية في العام 1980 فكرة عقد مؤتمر دولي، فإن الأمم المتحدة راحت تطالب هي بدورها كذلك منذ العام 1983 بعقد مؤتمر دولي وإلى تسوية عادلة وشاملة ودائمة للصراع العربي- الإسرائيلي.

ولم يؤد الموقف الذي تبنته الدول العربية منذ حرب تشرين الأول 1973 على وجه الخصوص لجهة تحبيذ الحل السلمي للصراع العربي- الإسرائيلي إلى الدفع باتجاه ما كان اصطلح على نعته بتصفية آثار العدوان عن طريق التفاوض. ففي غياب استراتيجية عقلانية وفاعلة في السياسة الدولية، وفي سياق انقسامات عربية حادة وصراعات عربية- عربية كانت تتفاقم مع الأيام، لم تتمكن المجموعة العربية من أن تجد لمساعيها أي صدى عملي. ومن الجدير ذكره أن الموقف العربي من فكرة المؤتمر الدولي تطور منذ النصف الثاني من الثمانينات على وجه الخصوص باتجاه الإجماع الكلي على تحبيذه وبالأصح تبنيه والدعوة إليه كسياسة رسمية معتمدة. فقد أعلن قرار مجلس وزراء الخارجية العرب بتونس في 6 نيسان (أبريل) 1987، الموافقة على عقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة الأطراف المعنية كافة، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، وكرر رفض فكرة إجراء أية مفاوضات منفصلة بين الأطراف العربية وإسرائيل. وبتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1987 قام مؤتمر القمة العربي الطارئ الذي انعقد في عمان بالأردن بالتأكيد على قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، مرسخاً بذلك مرحلة جديدة في تاريخ السياسة العربية بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي. غير أن الموقف العربي ظلّ من غير استجابة عملية لا من قبل الجانب الإسرائيلي ولا من قبل الجانب الأمريكي على السواء.

وطوال الفترة نفسها كذلك، بقي الموقف الإسرائيلي معارضاً كلية لفكرة المؤتمر الدولي التي قبل العرب بها. ويمكن القول إن الموقف الإسرائيلي ظلّ منذ مؤتمر جنيف (1974) ثابتاً بخصوص معارضة تشكيل وفد عربي مشترك، ورفض مشاركةٍ فلسطينية مستقلة، وعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما بخصوص اشتراط عقد اتفاقات سلام منفردة مع كل من مصر وسورية والأردن ولبنان.

يمكن الإشارة كذلك إلى أن الموقف العربي من الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية تطور في الفترة نفسها كذلك بشكل كبير. فلم تعترف الدول العربية جميعها بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني إلا في قمة الرباط سنة 1974. وتطور موقف المنظمة نفسها من السعي لانتزاع شرعيتها التمثيلية الفلسطينية من الدول العربية التي كانت تنازعها هذه ال"شرعية"، كلها أو بعضها، وصولاً إلى أنها المتحدث الوحيد باسم الشعب الفلسطيني في عمليات البحث عن حل للقضية الفلسطينية.

وقد ساهمت الانتفاضة الفلسطينية التي اشتعلت في نهايات 1987 في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 في تكريس الخط البياني الذي كان يسير باتجاه ما يسميه بعض الكتاب بالكيانية الفلسطينية. فإذ أعلن الأردن في 31 تموز (يونيو) 1988 عن "فك العلاقة القانونية والإدارية بين الضفتين" الشرقية والغربية لنهر الأردن، أي عن تنازله عن الولاية القانونية على الضفة الغربية لصالح منظمة التحرير الفلسطينية، سارعت هذه الأخيرة وأعلنت في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت بالجزائر (نوفمبر 1988) عن "الاستقلال الفلسطيني"، واعتبار حدود الرابع من حزيران 1967 (يونيو) حدوداً للدولة الفلسطينية المستقلة المنشودة.

هكذا شكل "إعلان الاستقلال الفلسطيني" انضمام الفلسطينيين إلى الإجماع العربي الذي كان تبلور منذ وقت طويل بخصوص الحقوق العربية كما بخصوص سقف هذه المطالب. ولم تشفع الدبلوماسية السرية أو الحوار الأمريكي الفلسطيني الذي انطلق في 16 كانون الأول 1988 أو إعلان منظمة التحرير الفلسطينية عن إدانتها للعمليات الإرهابية وعن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، لم تشفع في زحزحة مواقف هذه الأخيرة من الحقوق الفلسطينية والعربية. فقد رفضت الحكومة الإسرائيلية المبادرة الأمريكية والمقترحات المصرية بخصوص المباحثات الإسرائيلية- الفلسطينية (تشرين الأول/ نوفمبر 1989) ، وأعلنت، في رسالة وجهها في 27 حزيران/ يونيو 1990 رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق شامير إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش، أن حكومته ستواصل الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة، ولن تعترف أبداً بأي دور لمنظمة التحرير الفلسطينية في مباحثات السلام، كما لن تقبل بمشاركة مبعدين فلسطينيين وممثلين عن القدس الشرقية في الوفد الفلسطيني، مؤكداً في الوقت نفسه على الموقف الإسرائيلي التقليدي وبيانه أن جوهر الصراع يكمن في رفض الدول العربية التفاوض المباشر مع إسرائيل.

والواقع أنه عندما قام العراق بغزو الكويت في 2 آب (أغسطس) 1990، كانت القضية الفلسطينية قد وصلت إلى مفرق طرق. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أقدمت في حزيران 1990 على قطع حوارها مع منظمة التحرير الفلسطينية، بما يعنيه من اعتراف أمريكي ضمني بالصفة التمثيلية للمنظمة وبدورها في عملية التسوية. ووصلت إلى الحكم في إسرائيل حكومة ائتلاف يميني جله متطرف، وبعضه من أنصار فكرة الترحيل القسري (الترانسفير) للفلسطينيين من المناطق المحتلة؛ وكان ازدياد أمواج الهجرة اليهودية القادمة من الاتحاد السوفيتي وأوربة الشرقية وأثيويبة قد أخذ ينزع من أيدي الفلسطينيين عنصراً مهماً كانوا يعوِّلون عليه على المدى الإستراتيجي هو العنصر "الديمغرافي"؛ يضاف إلى ذلك أن تصاعد وتائر العمليات الاستيطانية الصهيونية وارتفاع أعداد المستوطنات والمستوطنين في المناطق المحتلة وفي القدس، قد جعل من التوصل إلى حل سريع للقضية الفلسطينية هاجساً ضاغطاً باعتبار الخوف من أن يأتي يوم لا يتبق فيه ما يمكن التفاوض عليه. 

غير أن أزمة الخليج هي التي عبّدت طريق أوسلو، باعتبار أنها هي التي دشّنت الطريق إلى مائدة التفاوض بين العرب والفلسطينيين وإسرائيل. والقصة معروفة. فقد تبنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية "المبادرة" السياسية العراقية التي طرحت في 12 آب (أغسطس) 1990 وأساسها مبدأ الربط بين كل الأزمات والنزاعات في الشرق الأوسط. ولما كانت منظمة التحرير الفلسطينية انخرطت في "المحور" العربي الذي رفض التدخل العسكري الأجنبي في الخليج ودعا إلى "حل عربي" للأزمة، خرجت من أزمة الخليج في حالة يرثى لها من العزلة والضعف. فقد قطعت دول الخليج ودول عربية أخرى علاقاتها بمنظمة التحرير الفلسطينية وأوقفت دعمها المالي لها، وتراجع تعاطف الرأي العام الغربي معها بعد أن كانت الانتفاضة قد أدخلت تعديلاً على النظرة الغربية التقليدية للفلسطيني والإسرائيلي، بل وجرى تجميد علاقاتها بجل دول المجموعة الأوروبية.  كما أدت الحملة الواسعة التي استهدفت الفلسطينيين العاملين في الكويت والسعودية ودول خليجية أخرى إلى تهجير مئات الألوف منهم وتوقف تحويلاتهم المالية إلى أسرهم في المناطق المحتلة مما انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية لهذه المناطق.

هكذا تركت حرب الخليج الثانية انعكاسات سلبية وخيمة على القضية الفلسطينية وعلى أوضاع الفلسطينيين داخل المناطق المحتلة وخارجها، وطرح سؤالاً جدياً حول مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية وخصوصاً دورها السياسي، فضلاً عن القضية الفلسطينية والعربية ككل. وأخذت الأوساط الإسرائيلية والأمريكية تتحدث عن انتهاء وشيك لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعن موت مؤكد لها. هذا ما أشار إليه على سبيل المثال لا الحصر هنري كيسنجر في مقال نشرته نيوزويك (82/1/1991)، حيث ذهب إلى أن "انتصار التحالف سيقدم فرصة ربما لن تتكرر؛ فالدول العربية المعتدلة قد خاب ظنها وتحررت من وهم م. ت. ف. باعتبار أنها دعمت العراق في الواقع، وباعتبار خشيتهم كذلك من حقيقة أن م.ت. ف. لم تميز نفسها بوضوح حتى عن الإرهاب الموجه ضد العرب المعتدلين. وكنتيجة لذلك، فإن هذه الحكومات قد لاتكون مستعدة بعد الآن إلى إعطاء م. ت. ف. حق الفيتو على تصرفاتها".

سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب الخليج الثانية مباشرة إلى التقدم بمبادرتها حول الشرق الأوسط. ففي خطاب ألقاه في 6 آذار (مارس) 1991 أمام جلسة الكونغرس المشتركة بخصوص الشرق الأوسط، حدد الرئيس جورج بوش الخطوط الرئيسة ل"السلام والاستقرار في الشرق الأوسط". مبيناً أنه "لابد من أن يقوم السلام الشامل على قاعدة قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام. ولابد من أن يصاغ هذا المبدأ على نحو يضمن لإسرائيل الأمن والاعتراف بها وللفلسطينيين حقوقهم السياسية المشروعة لقد آن الأوان لوضع حد للصراع العربي الإسرائيلي".

 مع موافقة الدول العربية المعنية كافة على المبادرة الأمريكية المذكورة، غدا واضحاً أن هامش المناورة الفلسطينية قد ازداد ضيقاً. وغدت قضية كيفية ضمان التمثيل الفلسطيني في المؤتمر (وفد مستقل أم وفد أردني يضم في تركيبته فلسطينيين) هي المشكلة التي واجهت القيادة الفلسطينية، وليست المشاركة في المؤتمر نفسه. ومهما يكن الأمر، فقد اتفقت م.ت.ف. مع الحكومة الأردنية على تشكيل الوفد المشترك، بحيث يعالج الفريق الأردني المسار الأردني والفريق الفلسطيني المسار الفلسطيني. وافتتح المؤتمر في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1991 خارج إطار الأمم المتحدة وبرعاية كثيفة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. أما صيغة المؤتمر فهي جلسة افتتاحية علنية عامة، تتلوها فوراً محادثات ثنائية مباشرة بين كل طرف عربي وإسرائيل. هكذا أعادت صيغةُ مدريد مسارَ التسوية إلى المفاوضات الثنائية المباشرة، فلا وفدٌ عربي مشترك، ولا ربطٌ بين المسارات التفاوضية، ولا حضور دولي فاعل (فالأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية حضرتا بصفة مراقب)، ولا حتى تنسيق عربي. وهكذا قبل العرب كلهم ما كانت إسرائيل تشترطه وظلوا يرفضونه منذ العام 1967  وهو مبدأ التفاوض الثنائي المباشر مع إسرائيل.      

دخل العرب مؤتمر مدريد وهم في حالة كبيرة من الضعف كيلا نقول في حالة مفزعة من الانهيار. فإلى الانقسام وانفراط عقد جامعة الدول العربية، أدى تفكك الاتحاد السوفيتي السابق وتردي أوضاعه الاقتصادية والسياسية إلى إغلاق مرحلة كاملة من التاريخ هي مرحلة الحرب الباردة والاستقطاب الدولي. غير أنها أدت على الصعيد الإقليمي إلى تلاشي هامش المناورة الضيق الذي كان يتيح للعرب تماسكاً استراتيجياً يقيهم من الانهيار في مواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي. أما الفلسطينيون، فقد كانوا الحلقة الأضعف والأكثر عرضة بالتالي لتأثير الضغط. وكانوا آنئذ في أشد حالاتهم ضعفاً باعتبار الحصار السياسي الكبير الذي كانوا يعانون منه، وباعتبار المصاعب المالية الكبيرة التي كانت بدأت تتخذ صورة تجويع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

وباختصار، دخل العرب مدريد، ممزقين، ومن غير حد أدنى من التنسيق، في حين كانت إسرائيل التي تفاوض العرب جميعهم ولكن كل على حدة، قادرة على التحكم بمسار العملية بأسرها. كان التنافس العربي- العربي على أشده في مسارات التفاوض، وبحسب تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كانت "المسافات بين الوفود العربية تتباعد يوماً بعد يوم، الأمر الذي أعطى الإسرائيليين فرصة التلاعب بكل الأطراف العربية واللعب على هواجسها، ثم الانفراد في النهاية بالوفد الفلسطيني". 

ومن غير الدخول في تفصيلات ما حدث خلال جولات المفاوضات الثنائية في العامين 1992 و1993، يكفينا القول إن اللوحة العامة ظلت على حالها من غير تعديل. فقد استمرت العلاقات العربية- العربية في الشرخ الذي تولد عن حرب الخليج، وتواصلت المقاطعة السياسية والمالية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي الوقت الذي لم تسفر جولات التفاوض الثنائي على المسارات العربية المختلفة عن أية نتيجة جوهرية يمكن الإشارة إليها، ولم تتزحزح إسرائيل عن مواقفها التقليدية بخصوص القضية الفلسطينية، والقضايا العربية الأخرى التي تتصل بها، كانت الديبلوماسية السرية تعبد الطريق إن لاتفاق أوسلو (13/9/1993) على المسار الفلسطيني أو لاتفاق وادي عربة (26/10/1994) على المسار الأردني.

من مدريد إلى أوسلو

ربما كان في النجاح النسبي الذي حققته دبلوماسية منظمة التحرير الفلسطينية في إطار مؤتمر مدريد إغراءً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية للدخول في المفاوضات السرية التي أدت إلى اتفاق أوسلو. وهو النجاح في تأكيد المشاركة الفلسطينية المستقلة في المؤتمر، وفي الحصول على اعتراف دولي متزايد، بما في ذلك الاعتراف الأمريكي غير المسبوق بحقوق وطنية للفلسطينيين، فضلاً عن تراجع خطر البدائل الفلسطينية والعربية لمنظمة التحرير. ففي الرسالة المعروفة باسم رسالة التطمينات (أواسط تشرين الأول/ أكتوبر 1991) التي سلمتها الإدارة الأمريكية بناء على طلب فلسطيني للحصول على "تطمينات معينة" تتعلق بعملية السلام، بينت الإدارة المذكورة ما يلي: "نحن نسعى لإطلاق عملية تفاوض سياسية تشرك الفلسطينيين مباشرة وتوفر طريقاً لتحقيق الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني وللمشاركة في تقرير مستقبلهم. (…و) تعتقد الولايات المتحدة أيضاً أنه يجب أن يكون بإمكان فلسطينيي القدس الشرقية والفلسطينيين خارج الأرض المحتلة .. المشاركة في المفاوضات حول الوضع النهائي. (..) إن الولايات المتحدة ما انفكت تعتقد منذ زمن طويل أنه لا ينبغي لأي طرف أن يقوم بأفعال من جانب واحد… وفي هذا الصدد عارضت الولايات المتحدة وستواصل معارضتها للنشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة في عام 1967، والدي يظل يمثل عقبة أمام السلام".

ثم أن نجاح حزب العمل الإسرائيلي في انتخابات الكنيست (تموز/ يوليو 1992)، على قاعدة أن طاقم اسحق رابين- شمعون بيريز هو أكثر استعداداً للتعاطي مع الشأن الفلسطيني والأراضي المحتلة بطريقة مختلفة عن حكومة الليكود، وأكثر قابلية للتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، كان من غير ريب عنصراً إضافياً من العناصر التي دفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدخول في دهاليز الدبلوماسية السرية التي أفضت إلى اتفاق أوسلو. ويضاف إلى ذلك أن الدول العربية كانت في معظمها، كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل، "تضغط منذ زمن طويل على منظمة التحرير كي تدخل في اتفاق من نوع ما مع إسرائيل يريح بعض العرب ويريح أصدقاءهم الكبار في الغرب، وكان الإقناع بالحجة، وكان بالضغط، وكان بالإذلال أيضاً".            

يبقى أن نقول إن مشروع غزة- أريحا ليس فكرة جديدة من حيث هي كذلك. فصاحبها الأصلي كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل كان هو الرئيس الراحل أنور السادات. وعرضها على الطرف الفلسطيني (ياسر عرفات وصلاح خلف) في استراحته بالمعمورة في صيف 1977 أي قبل أشهر من رحلته إلى القدس التي سبقت اتفاقات كامب دافيد بين مصر وإسرائيل. ويكشف الأستاذ هيكل أن الرئيس السادات عرض على القياديين الفلسطينيين "غزة وأريحا كنقطة بداية لإقامة سلطة فلسطينية، (..و) أنه يستطيع تمرير هذا الاقتراح مع الأمريكان". 

إلى المصاعب المادية، والتطمينات السياسية، والعوامل المعنوية التي قوِّمت وقتئذ على أنها إيجابية هامة، كان ثمة رأي انتشر كثيراً في التحليل السياسي العربي بيانه أن الولايات المتحدة هي في طور التخلي نهائياً عن سياستها التقليدية تجاه إسرائيل. فإذ تغيرت الظروف الدولية التي كانت تخص إسرائيل بدور هام في الصراع بين الشرق والغرب، تناقصت المكانة الخاصة التي كانت لها كعنصر ابتزاز وإنهاك للعرب الذين اعتُبروا حلفاء تقليديين للمعسكر السوفييتي. وبحسب هذا الرأي، فإنه جاء الوقت الذي سيراجع فيه الأمريكان حساباتهم؛ فليس غير العرب ضامناً للاستقرار الإقليمي الذي يتماشى مع المصالح الأمريكية في المنطقة ومع أولويات استراتيجيتها في العالم؛ وليس على العرب سوى إثبات أنهم أكثر قدرة على القيام بهذا الدور الذي هو دورهم الطبيعي.

وفي مقابل الموقف العربي المنهار، أضاف محللون عرب نافذون أن انكسار المشروع العروبي ليس هو الانكسار الوحيد في المنطقة. فانكسار المشروع الصهيوني أوصل إسرائيل إلى مفرق طرق يدفع بها إلى تقديم التنازلات التي ما كانت ترضى بها من قبل. لقد وصل انكسار المشروعين العروبي التوحيدي والصهيوني اليهودي حداً يجبرهما على الاتفاق، باعتبار أن المواصلة بالصراع في داخل مشروع مكسور يهدد كلاً من المشروعين في وجوده نفسه.

في جولات التفاوض الثنائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي سبقت الإعلان عن أوسلو، تيقن المفاوضون الفلسطينيون من أن الإسرائيليين يعوِّلون كثيراً على عنصر الزمن وعلى دوره في إنهاك الفلسطينيين. دار جدل كبير مرهق ومن غير نتيجة حول المقصود بالقرار 242 بخصوص الانسحاب من "الأراضي المحتلة" أو من "أراض محتلة" في عام 1967. وكان واضحاً أن إسرائيل لا تريد التخلي عن الأراضي جميعها، وترفض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وتعارض إنشاء دولة فلسطينية، فضلاً عن المستوطنات وعودة اللاجئين والنازحين والقدس والتعويض وغيرها من القضايا المتصلة بالقضية الفلسطينية. وتيقن الفلسطينيون كذلك من أن سلوك "الراعي الأمريكي" لما أطلق عليه منذ مؤتمر مدريد باسم عملية السلام في الشرق الأوسط لا يتناسب تماماً مع اجتهادات الفقهاء في الإستراتيجية بخصوص ممارسة الضغط على إسرائيل. فقد كان يمارس ضغطه غالباً على العرب لإقناعهم بتقديم مزيد من التنازل باتجاه "التقدم" نحو "حل وسط" بين موقف العرب وموقف إسرائيل. وأنه باسم تطمين إسرائيل وتقديم الضمانات لها قام من ناحية عملية وواقعية بتعزيز مواقعها عملياً من ناحية استراتيجية.

هكذا كان اللجوء إلى الدبلوماسية السرية مخرجاً من متاهات التفاوض العلني ومطباته البيّنة. فإذ كانت إسرائيل التي تحتل الأراضي وتتحكم بالسكان تمعن خلال فترة التفاوض نفسها في تغيير المعطيات الواقعية على الأرض، كانت اللهفة الفلسطينية للوصول إلى حل سريع يضع حداً للنهم الإسرائيلي الهادف إلى ابتلاع مزيد من الأرض وإلى تخفيف معاناة الناس ووقف التآكل الفلسطيني عاملاً إضافياً من عوامل "مغامرة' أوسلو. وهي مغامرة قدرت القيادة الفلسطينية بحسب تعبير محمود عباس (أبو مازن) مهندس الاتفاق، أنها تحتوي على احتمالي الدولة الفلسطينية المستقلة والإلحاق النهائي بإسرائيل. ولم تغير السنوات الخمس التي مرت على أوسلو لا من بنية المغامرة، ولا من قوة الاحتمالين المذكورين.

ثالثاً: في اتفاقية واي ريفر

بينت فيما سبق من سطور وفي أكثر من منبر غير مقاربات بأن ما صار يعرف منذ مؤتمر مدريد (خريف 1991) باسم "عملية السلام في الشرق الأوسط" هو النتيجة المباشرة لانهيار الموقف العربي منذ نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية. وأنه المحصلة المنطقية كيلا نقول "الطبيعية" لفشل السياسات العربية المختلفة في ميادين التنمية الثقافية والسياسية والإعمار الاقتصادي، من ناحية، وعجز العرب البيِّن عن التوصل إلى حل لمعضلة الأمن الإقليمي، من ناحية ثانية. فأين هي الدولة العربية التي تستطيع أن تزعم أنها اليوم في مأمن من مطامع دول الجوار فضلاً عن تلاعبات الدول الكبرى وتدخلاتها في المنطقة؟

ولما كان أول درس تعلمنا إياه التجربة التاريخية، هو أن الشعوب لا تستطيع أن تمتلك من الأرض أكثر مما تستطيع حمايته بقدراتها الذاتية وبتحالفاتها الإستراتيجية، وأنها لا يمكن أن تحمي مصالحها إن لم تك قادرة على  أن تضع هذه المصالح في مأمن من تلاعبات الآخرين ومطامعهم، وإن لم تفرض عليهم احترام هذه المصالح، فإن انهيار الموقف العربي في عملية التفاوض يبدو كذلك نتيجة منطقية لمعضلة تتجاوز المفاوضين أنفسهم و/ أو براعتهم وقدرتهم على التفاوض.

ولا مجال هنا للتفصيل في سذاجة الفرضية الذائعة في الوسائط الإعلامية والتي تتعامل مع التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي كما لو كان نتيجة مباشرة من نتائج التفاوض ومزاج المتفاوضين لحظة الاجتماع.  فالعودة الإسرائيلية إلى سياسة منطق القوة والغلبة، ومنها تكثيف الاستيطان ومحاصرة المناطق الفلسطينية وتوسيع القدس مصدره الضعف الإستراتيجي العربي ورسوخ القناعة في إسرائيل بأن في إمكانها فرض إرادتها على العرب وانتزاع التنازلات منهم من غير مقابل، أي من غير تقديم ما يتوجب عليها تقديمه وهو التخلي عن الأراضي العربية التي تحتلها والاعتراف بالحقوق العربية وفي مقدمها الحقوق الفلسطينية في الاستقلال والعودة والتعويض (وليس العودة أو التعويض). ألم يؤكد نتنياهو عشرات المرات أن غرض سياسته هو إنقاص سقف المطالب الفلسطينية وتحجيمها، ووأد التطلعات الفلسطينية التي تتوق إلى دولة حرة وسيدة (من سيادة) في الضفة والقطاع؟ ألم يؤكد دائماً أنه واثق من نجاح سياسته في السلام "لأن أية سياسة أخرى مستحيلة"؟

وتترجم مذكرة تفاهم واي ريفر (المعروفة باسم اتفاقية واي بلانتيشن) التي وقعت في البيت الأبيض بواشنطن في 23 تشرن الأول / أكتوبر 1998، تترجم الموقف الإسرائيلي وفي الحقيقة انهيار الموقف العربي (وليس الفلسطيني فقط) من غير لَبس. فلئن كان هاجس المفاوض الفلسطيني في منتجع واي هو "إطلاق عملية السلام" من سباتها الشتوي الطويل قبل فوات الوقت، ودفعُ بنيامين نتنياهو إلى القبول بعملية أوسلو، فذلك اعتقاداً منه بأن الخروج من المأزق العام الذي هو فيه يكون بإنجاح عملية أوسلو نفسها. فلقد حثّه إدراكه بالضعف الشديد إلى المحاولة وربما الاعتقاد بأنه سيضع إسرائيل في موقف المتعارض مع الإدارة الأمريكية، وأن هذه الأخيرة ستجد نفسها في النهاية في  موقف المكره على الضغط على إسرائيل وعلى إرغامها على الالتزام بالسلام.

غير أن "مذكرة تفاهم واي ريفر"، في قراءة الحكومة الإسرائيلية لها، تندرج بالضبط في سياق الحرب الإستراتيجية التي تخوضها ضد الفلسطينيين والعرب وحقوقهم في بلادهم. ويتعذر تفسير ممارساتها الاستيطانية واعتداءاتها العسكرية وإصرارها على تمزيق الأراضي الفلسطينية إلى جزر معزولة عن بعضها ومحاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية ومعسكرات الجيش، من غير إدراك طبيعة الحرب الإستراتيجية هذه، من ناحية، والمأزق العربي والفلسطيني بخصوص هذه الحرب من ناحية ثانية.        

يتكشف ذلك في عدد لا يحصى من البينات التي تفقأ العين لشدة وضوحها وتعبيرها. أولها أن إسرائيل تتعامل مع "مذكرة تفاهم واي ريفر" كما لو كانت الفصل الختامي في استراتيجيتها الرامية إلى فرض تصورها الخاص باتفاقيات أوسلو، وإلى ترسيخ الحقائق الواقعية التي جرى رسمها على الأرض، وتعميقها. فمنذ العودة من منتجع واي، والحكومة الإسرائيلية تتصرف كما لو أن مذكرة التفاهم كانت هي مذكرة الحصول على شرعية الاستيطان لاعلى الانسحاب، وأن على السلطة الفلسطينية أن تضمن مع ذلك للإسرائيليين أمنهم وتساعدهم على نهب البلاد. وهو يتكشف قبل ذلك في إدراك الإسرائيليين العميق بأن الفرصة متاحة لهم اليوم لنهب الأرض وضم القدس ومناطق واسعة من أراضي الضفة الغربية على وجه الخصوص، باعتبار أن انهيار العرب هو أعمق من أن يردوا على الحرب الإسرائيلية بغير الإذعان.

والذين يقولون بأن بنود "اتفاق واي بلانتيشن" الغامضة هي التي تتيح تلاعبات نتنياهو وتهربه، وتسمح له ولحكومته بفرض القراءة الإسرائيلية الخاصة، ينسون على الأرجح أن تلاعبات نتنياهو مصدرها الرئيس هو الثقة الإسرائيلية العميقة بقدرتها على انتزاع ما تريد من يد العرب من غير ثمن، وأن اختلال موازين القوى اختلالاً فاحشاً لغير صالح العرب يتيح لها، في ظل "السلام"، الحصول من العرب على ما ظلوا يرفضونه منذ عقود.  

إن المأزق الذي يحاصر العرب في عملية السلام ليس سببه لا التطرف الشخصي لنتنياهو ولا تفريط ياسر عرفات بالأراضي والحقوق. والمأزق الفلسطيني الحالي هو واحد من مظاهر المأزق العربي متعدد الوجوه. إنه حصيلة الاختلال الفاحش في موازين القوى لغير صالح العرب ومنهم الفلسطينيون. وهو حصيلة العطب الحقيقي في جسم الجماعة العربية والذي ينعكس سلباً على الأمن العربي على مستوياته المختلفة الداخلية والوطنية والإقليمية. وهو العطب الذي ولّدته الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها السياسات العربية تجاه قضايا التنمية والبناء والأمن الوطني والإقليمي والتعاون العربي ومواجهة إسرائيل وأخيراً في إدارة مفاوضات السلام.

وفي الوقت الذي نمعن في التفكك والإحتراب، وتتآكل أوضاعنا وتتراجع إمكاناتنا على الصمود، ويثبت زعماؤنا أنهم أعجز عن الارتفاع إلى مستوى التحديات الكبيرة والمسؤوليات الوطنية والقومية العامة، وعن تجاوز إنيّاتهم الفردية ومصالحهم الشخصية المباشرة، تجمِّعُ إسرائيلُ عناصرَ القوة وتُراكِمُها في كل اتجاه، وتنجح في تدوير أزمتها والالتفاف عليها بِيُسْر، وتفرض علينا جميعاً تصورها الخاص بالسلام الذي هو بالضبط زيادةُ رقعتها الجغرافية ومضاعفة سكانها من اليهود وإبعاد العرب ما أمكن عنها و/ أو محاصرتهم وتمزيقهم في حالة حصول احتكاك لا مهرب منه بهم كما هو الحال في الضفة الغربية اليوم.

لا يكمن العجز العربي عن وقف التوسع الإسرائيلي لا في نصوص "مذكرة تفاهم واي ريفر" ولا في عدم مُكنة الطرف الفلسطيني على فرض تصوره الخاص بالسلام، وهو تصور الحد الأدنى، ولا في تخاذل المفاوض نفسه عن المطالبة بالحقوق، بل في عجز العرب أنفسهم عن حماية أراضيهم من تلاعبات تننياهو وتعديات المستوطنين، وحماية الذات. وتكفي قراءة سياسية متأنية للطريق المفضية إلأى أوسلو لبيان ذلك.