لماذا ؟ " عملية السلام " هذه لن تقود إلى السلام

                    رشيد خالدي

            ترجمة : صليبا مـراد

إن العديد من مؤيدي السلام الإسرائيليين و اليهود يصابون بالذهول لدى سماعهم أن الفلسطينيين لا يرون اتفاقية "واي" إنجازا مهماً بل مجرد إحكام قبضة الاحتلال الإسرائيلي و خضوع الفلسطينيين لقوة غاشمة . لكن أحداً لم يصب بالصدمة للخطوات التي اتخذها بنيامين نتنياهو مباشرة بعد الاتفاقية . كتوسيع مستعمرة كريات أربع الموالية للجناح الأكثر تطرفاً في اليمين . و إقامة حي استيطاني جديد لليهود  في القدس الشرقية . هذه الخطوات التي اعتاد عليها الفلسطينيون و التي جعلت من عملية أوسلو ، مجرد اتفاقات رمزية تقنّع إحكام قبضة الاحتلال الإسرائيلي و بمعونة الشريك الفلسطيني الرئيسي .

واي ليست خطوة انتقالية ، إنها بالتأكيد آخر انسحاب ممكن أن تقدم عليه إسرائيل طالما بقي نتنياهو في السلطة . فإن ما يحصل عليه الفلسطينيون بموجب واي أقل بكثير مما دخلوا من أجله عملية السلام في مطلع التسعينيات: حكم ذاتي انتقالي و إعادة انتشار جيش الاحتلال .كانت الرسالة التي أوصلها المحاورون عن اسحق رابين في أوسلو للفلسطينيين ، كما اعترف بذلك نتنياهو نفسه ، أن الفلسطينيين سيحصلون على نسبة 80-90% من أراضي الضفة الغربية لكنهم بدلاً من ذلك يحصلون الآن على ما هو أقل من 18% " و من الضروري التذكير أن كل أراضي الضفة الغربية لا يشكل أكثر من 20% مما كان يدعى فلسطين يوماً . و 22% إضافية من أراضي الضفة سيكون اسمياً تحت إدارة مشتركة لكن إسرائيل هي التي ستتحكم بالأمن هناك ما يعني أن هذه الأراضي ستبقى تحت الاحتلال أقاليم محتلة بينما سيبقى مليون فلسطيني محشورين في 62% فقط من قطاع غزة الذي عرضه 8 كم و لا يتجاوز طوله الـ 45 كم . في الوقت الذي يتمتع 6000 مستوطن إسرائيلي بحق التحكم المطلق على باقي الـ 38% من أراضي القطاع .

مقابل هذه التنازلات الضحلة و النهائية لنتنياهو ، وافق  الفلسطينيون على السيطرة الإسرائيلية على جهاز الأمن الفلسطيني . اتفاقية واي أصبحت تلزم السلطة الفلسطينية أن تسن  قوانين تحظر فيها جميع أشكال التحريض على العنف و الإرهاب  . لكن هذه القوانين لم تشدد الخناق على أعمال العنف أو التخطيط لها فحسب بل نالت أيضاً من حرية التعبير و الاجتماع و هذا واضح من الطريقة التي استغل بها الاحتلال العسكري الإسرائيلي لهذه القوانين في احتجاز الآلاف من الفلسطينيين ، و الكثيرون منهم بدون محاكمة ( بسبب ما قالوا أو مع من تعاملوا ) .

بما أن السلطة الفلسطينية سبق أن اتخذت إجراءات ضد التحريض على العنف فمن الواضح أن هذه الاتفاقية الجديدة أريد لها أن تكون موجهة خصيصاً ضد المعارضة السلمية و التنظيمات السياسية الأخرى ، سواء أكانت هذه  المعارضة موجهة ضد السلطة الفلسطينية أو ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمعظم أراضي الضفة الغربية . فبينما أصبحت السلطة الفلسطينية بموجب واي خاضعة كلياً للمخابرات الإسرائيلية و القضاء الإسرائيلي . أدت هذه الاتفاقية "واي" إلى إعادة صياغة السياسة الإسرائيلية بشكل تمكن فيه نتنياهو من أن يصبح في الواقع ملك إسرائيل حتى إشعار آخر ، و بالسماح له أن يقدم نفسه المرشح المركزي الذي يمكن اعتباره صانع السلام الواقعي ، هذا في الوقت الذي يقوم نتنياهو حقيقة بإحكام قبضة إسرائيل على معظم الضفة الغربية كما يحتفظ بالمستعمرات الإسرائيلية هناك في الوقت الذي يُترك الفلسطينيون في شريط ضيق من الأرض مفكك الأوصال أو ما يشبه الجزر ضعيفة الاتصال ببعضها . أما السلطة الفلسطينية فقد تحولت إلى ذراع للاحتلال " كما صرح بذلك أحد وزرائها إلى صحيفة النيويورك تايمز في الرابع من تشرين الثاني ، شاكياً أن نتنياهو كان مصرَّاً و منذ اللحظة الأولى على أن يُقر الفلسطينيون و بشكل علني بعلاقة التبعية التي وافقوا عليها بشكل مستور .

صحيح أنه لو طبقت واي لتم تخفيف الجور و الحرمان غير العادي الذي فرض على الفلسطينيين منذ توقيع أوسلو لكنه سيبقى من المتعذر عليهم أن يتنقلوا من أي مكان في الضفة الغربية الفلسطينية إلى مكان آخر دون المرور عبر نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية و التعرض لإجراءات التفتيش و التحقيق ( أسوء وضع منذ احتلال عام 1967 ). يؤمل لهذه الجزر أن تكبر ،كما من المفروض إقامة ممر آمن بين الضفة و القطاع في اتفاق الحل النهائي . لكن تطبيق واي بهذا الخصوص ليس بالأمر المؤكد كما أن القيود ستبقى على حرية الحركة بين فلسطين و إسرائيل و بين الأولى و القدس مستمرة مما يجعل حياة الفلسطينيين شاقة غير محتملة .

إن تطبيق اتفاقات واي حتى لو أمن كلينتون صعوداً في شعبيته ، و سهل الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية بل حتى لو حقق هذا التطبيق ما خطط له ( و هذا في الحقيقة أمر مشكوك فيه ) فإن ما يحققه لهم يبقى لقليل جداً و بعد فوات الأوان . إن أهداف حكومة نتنياهو المعلنة هي الاستيطان و الضم لأكبر ما يمكن من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة و منح الفلسطينيين أدنى ما يمكن و أقل بكثير من إقامة دولة مزعومة ، و حق تقرير المصير و السيادة على هذه الدولة .

لقد نجح نتنياهو في تعطيل جزء كبير من اتفاقيات أوسلو بإعاقة و تأخير محادثات " ثلاثين شهراً " انسحابات الجيش الإسرائيلي ،إقامة الممر الآمن بين الضفة و القطاع ، إطلاق سراح المعتقلين ، إنشاء مطار و مرفأ غزة . و من خلال هذا التأخير و المماطلات استطاعت الحكومة الإسرائيلية ، من مصادرة آلاف الفدادين من الأرض الفلسطينية و تدمير مئات المئات من منازلهم ثم إنشاء مئات الأميال من الطرق الالتفافية و إقامة آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية ليسكنها آلاف الإسرائيليين و بتسهيلات مالية من الحكومة و بأسرع وقت ممكن .

إن هذه الحقائق على الأرض لم تثر للمحادثات الإسرائيلية – الفلسطينية ما يمكن النقاش حوله عندما يحين موعد الحل النهائي : المستعمرات ، الأرض ، المياه و السيادة .

من المحزن أن الحكومة الإسرائيلية تمادت في ارتكاب مثل هذه الأعمال بسبب عدم فعالية سياسة الإدارة الأمريكية من جهة و لا مبالاة دافع الضرائب و مباركة الكونغرس الأمريكي من جهة أخرى و المثال الصارخ هو مسألة المستعمرات ، فتلك مخالفة للقانون الدولي خاصة البند الرابع من معاهدة جنيف التي تحرم على قوة محتلة أن تسمح لسكانها الإقامة في الأراضي التي احتلتها . فمنذ عام 1967  و في عهد ريغان بالذات صوتت الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار ضد المستعمرات في مجلس الأمن و اعتبرتها غير قانونية . كما أن إدارتا ريغان و بوش سميتا المستعمرات صراحة " عقبة في طريق السلام " فرفضت الولايات المتحدة منح أية ضمانات لقروض أو أية معونات أخرى يمكن استعمالها في الأراضي المحتلة . أما في عهد كلينتون و مع تصاعد حمى الاستيطان و نشاطاته ، بالكاد سمت إدارته الاستيطان بعبارة " غير مساعدة " كما أن الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على استعمال الأموال الأمريكية في الأراضي المحتلة قد تبخر كلياً .

إن المستعمرات تشكل في الحقيقة أعظم عائق مباشر لأي قرار من أجل حل الصراع و أن حكومتنا " الأمريكية " لم تفعل شيئاً ضد توسع هذه المستعمرات لا قبل و لا خلال أو بعد واي . و لسوء الحظ أن موضوع المستعمرات " على جسامته " لا يشير إلى جانب من الخلل في المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية . و ربما كان أبرز خلل في هذه المباحثات هو فشل الطرفان ، الإسرائيلي و الفلسطيني في طرح المواضيع الصعبة بينهما ، كموضوع القدس و اللاجئين و السيادة و الحدود و المستعمرات و التي أجلت للمرحلة التي سميت بمباحثات الحل النهائي " الوضع الدائم" .

في مستهل عملية المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية كانت توجهات جيمس بيكر أن تتعامل هذه المباحثات مع اتفاقيات مؤقتة للحكم الذاتي الفلسطيني و كان منطق تلك الاتفاقات " الإجراءات " التي فرضت على الفلسطينيين بإصرار من الولايات المتحدة و إسرائيل أن الحكم الذاتي سيحرر الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي المباشر على حياتهم اليومية و سيعزز في نفس الوقت الأمن للإسرائيليين و بذلك يتمكن الجانبان من بناء الثقة و الثقة ضرورية لتناول مواضيع " الحل النهائي " الصعبة . و بعد سبع سنوات تبين أن النتيجة الواضحة كانت عكس النوايا المعلنة لأن إسرائيل لم تمنع من الاستمرار في بناء المستعمرات أو من تغيير الوضع في القدس لصالحها أو من سيطرتها الكاملة على مصادر المياه في الأراضي المحتلة و الوضع القائم في الأرض المحتلة استمر في التحول لصالحها بشكل كبير بل أكثر من ذلك فإنه لم يكن هناك ضمانات أن الإجراءات الانتقالية سيتم الالتزام بها أو أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع حكومة إسرائيلية ستلتزم بها حكومة إسرائيلية أخرى .

و بالمقارنة مع ما كان الوضع عليه لسبع سنوات خلت فإن الفلسطينيين يجدون أنفسهم في وضع اقتصادي أسوأ فقد انخفض دخل الفرد بأكثر من 40 %  خلال الأربع سنوات الماضية ، كما أن عدد العاطلين عن العمل في تزايد       ( 37%  ) فالفلسطينيين يعيشون تحت سيطرة إسرائيلية أشد قسوة على تحركاتهم في جميع المجالات و كل الاتجاهات مما كانوا عليه قبل محادثات مدريد .

إنه أصعب عليهم الآن السفر من و إلى القدس ، إلى إسرائيل ، أو من الضفة إلى القطاع أو حتى ضمن الضفة الغربية. و ربما لم يعد الإسرائيليون أكثر أماناً أو قل أنهم أقل مما كانوا عليه قبل مدريد . و أمرّ الحقائق هي تسليم منظمة التحرير شؤون الفلسطينيين في الضفة و القطاع . صيغة أوسلو خلقت حاشية محمية لها مصالح في استمرار عملية كانت هي المستفيدة منها على حساب المواطنين الفلسطينيين .

و اليوم فإن جزء كبير من موارد ( مداخيل ) السلطة لا يذهب للمدارس و المستشفيات ، الطرق و البنية التحتية بل يذهب إلى العدد الضخم من قوى الأمن و إلى بيروقراطية وجدت في الأصل لتمنح المناصب و الوظائف على المنتفعين المؤيدين للنظام ناهيك عن الهبات التي تجد طريقها مباشرة إلى جيوب الموالين بإرضاء قيادة و كوادر منظمة التحرير قبل تأمين الحاجات الأساسية لغالبية الشعب الفلسطيني . أوسلو ساعدت في إحكام قبضة طبقة تخدم مصالحها الخاصة بطرق عديدة ، و مصالح إسرائيل أكثر من أن تخدم شعبها " الفلسطيني " . و الفلسطينيون يجب أن يعيدوا النظر في مسؤولياتهم بالسماح لهذه القيادة أن تنزل إلى هذا الدرك .

علاوة على هذه الحقائق المرة ربما كان أهم خلل في عملية السلام الحالية أنه خلال هذه السنوات السبع أضيعت فرصة ذهبية للبدء بإقامة سلام حقيقي بين العرب و إسرائيل . سلام كهذا يجب أن يكون مبنياً على مبدأ المصالحة ، و هذا بدوره يتطلب من الفلسطينيين و الإسرائيليين على السواء بدء محاولة تسوية قصصهم التاريخية " المتناقضة " فالشرخ بينهما هائل و بشكل خاص اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون غالبية الملايين التي تزيد عن الستة من الشعب الفلسطيني . هؤلاء الذين تم تجاهل حقوقهم الأساسية بشكل تام في جميع المباحثات التي تمت لغاية اليوم ؛ كما هو حال القدس و التي تشكل المحك للمشاعر الدينية و الوطنية فكلا الجانبين يرى هذه المواضيع تعد مسائل مركزية وطنية : بالنسبة للفلسطينيين إقصاء " استثناء " نصف تعدادهم في 1948  حدث مركزي في تاريخهم ؛ أما بالنسبة للإسرائيليين فيعني تأسيس دولة بأغلبية يهودية و في نفس السنة ، و لا تقل مركزيته لا عما هو بالنسبة للفلسطينيين . كما أن كلا الطرفين يرى القدس و بشكل مطلق مسألة مركزية لأمانيه الوطنية و لمعتقداته الدينية .

إن التعامل بشكل فعال مع هذه و تلك من المواضيع ذي الحضور الدائم يتطلب مواجهة مع التاريخ هي ضرورية جداً لحلها و ليس تأجيلها مرة أخرى . و من المفيد في هذا الخصوص أن نقوم بمقارنة حالة عملية السلام العربي الإسرائيلي مع تلك الصراعات العالمية العسيرة السابقة مثل جنوب أفريقيا و ايرلندا . فهناك لم يتم تجاهل التاريخ ، و العدالة لم تؤجل و لجنة تقصي الحقائق و المصالحة الجنوب أفريقية ، قد نبشت كل الهياكل العظمية رمزياً أحياناً و حرفياً أحياناً أخرى ثم ساعدت على طمسها و نسيانها كجزء من عملية لأم الجراح و التي لا تزال غير كاملة و لكنها للآن ساعدت على تسهيل الانتقال السلمي للسلطة من الأقلية إلى الأكثرية . في ايرلندا شاهدنا مشهداً غير متوقع من رئيس وزراء بريطانيا يعتذر عن دور بلاده في المجاعة الايرلندية منذ قرن و نصف .

بالتأكيد تلك المبادرات " حسن النية " و غيرها التي تدل على إعادة نظر " شاملة " للتاريخ الرهيب للعلاقات بين بريطانيا و ايرلندا و بين البيض و السود في جنوب أفريقيا قد سهل " مهد " للاتفاقيات الحساسة و التي بدأت بالظهور في الحالتين . إذا قارنا هاتين الحالتين مع العلاقات اليابانية – الكورية أو اليابانية – الصينية حيث لم تتم مواجهة التاريخ و حيث لا تزال الحكايات الوطنية متباعدة و بناء عليه لم تتم المصالحة بين تلك الأقطار بعد .

إن النتائج المريرة للسنوات السبع الماضية أثبتت بشكل حاسم أنه لو قدر للفلسطينيين و الإسرائيليين ذات يوم الدخول في عملية سلام تستحق التسمية لوجب أن تبنى هذه العملية ليس على الترتيبات العقيمة لاتفاقيات أوسلو و واي بلانتيشن بل الأحرى أن تبنى على التجارب الغنية لأولئك الذين اعتمدوا ما يبدو أنه الطريق الشائك لمواجهة التاريخ بحثاً عن العدالة ، عدالة يمكن تحقيقها على الأقل . إنني سأذهب إلى أبعد من ذلك و أقول : إذا بقي نتنياهو في السلطة و انتصر الأسلوب الذي يعتمده فان الحل القائم على فكرة دولتين سيصبح استحالة مطلقة . لن يكون هناك دولتان ، بل دولة واحدة تحكم شعباً مضطهداً مستعبداً عالة على غيره بالرغم من السيادة الوهمية لهذا الشعب على قطع صغيرة من الأرض و بالرغم من أ‘لام ترفرف و نشيد وطني يعزف . إن دولة فلسطينية في ظل ظروف كهذه لن تكون دولة بأي معنىً من معاني الكلمة بل ستكون دولة مزيفة .

من غير المعقول و على المدى البعيد أن يسمح الفلسطينيون لتلك القلة التي استفادت من التغييرات في الوضع القائم منذ أوسلو لتخدعهم بالاعتقاد أن الحرية التي يمكن أن تمنحهم إياها أوسلو و واي ستكون مرضية فقط عندما يركعون . إذا كان ما يقدم لنا هو تكريس الاحتلال و الظلم و الاضطهاد فلنعترف ، و بعكس ما ندعي ، أن السلطة الوطنية / منظمة التحرير الفلسطينية حالياً لا تنطق في الواقع باسم الفلسطينيين و لا تمثل طموحاتهم الوطنية و الإنسانية بشكل صحيح . مع أن جميع الفلسطينيين يتحملون بالتأكيد مسؤولية قبول هذه القيادة المستبدة ، و الطريقة التي تكرست بها هذه السلطة و القيادة التي طورت أسلوبا مكنها من أن تخرق أبسط حقوق الإنسان . و لا يمكن عزل ذلك عن الدعم المالي و العسكري الذي تتلقاه من إسرائيل و الولايات المتحدة . كخطوة أولى يجب أن يتوجه الدعم المالي الأمريكي إلى تلبية حاجات الشعب الفلسطيني ، مثلا لمساعدة المعدمين أو لتنمية البنية التحتية ، لا أن يرفد هذا الدعم الجهاز العسكري القمعي للسلطة ، " و الاتحاد الأوروبي يفعل ذلك بالتحقق من أن المزيد من دعمه و معوناته يصل للذين هم بحاجة للإعانة .

يمكن القول ببساطة طالما أن الحل الحقيقي لقيام دولتين غير مطروح الآن فالمفروض بالفلسطينيين أن يكفوا عن الادعاء أنهم حاصلون على أي شيء و يجب أن تتركز المعركة على المطالبة بحقوق الإنسان الأساسية بدلاً من دولة مزيفة وهمية . أنا براغماتي لكنني أعتقد أن حجر الزاوية في كل مرحلة من المراحل يجب أن يكون رؤية ما هو حق و عادل . إن أقاربي غير قادرين على التنقل في فلسطين و لن يتمكنوا من ذلك حتى لو طبقت واي ، بينما يستطيع أي إسرائيلي الذهاب حيث يشاء . فأنا لا أستطيع قبول هذا ، كما لا يمكنني قبول أن الفلسطينيين الذين صودرت أرضهم يطلب منهم اليوم أن يكونوا البوليس الذي يضمن هذه المصادرات بالقوة .

هذا الظلم الكبير الشامل بحق الفلسطينيين يساعد على إنتاج شيء آخر خاطئ هو معاناة ضحايا العنف من الإسرائيليين . لذا فإن العنف ضد المدنيين الإسرائيليين من قبل فلسطينيين و ضمن هذا السياق فقط هو خاطئ سياسياً و معنوياً ، و يصعب الدفاع عنه مع أنه يمكن تفهمه . كما أنه من المفروض أيضاً فهم أن غالبية الفلسطينيين لا يشاطرن النزوة في إمكانية إزالة إسرائيل أبداً ، مع أن البعض يعتقد ذلك كما يريد بعض الإسرائيليين أن يطرد الفلسطينيين . لكن الفرق يكمن أن إحدى المجموعتين تتمتع بقوة جامحة و دولة ذي بأس أما المجموعة الأخرى فواهنة القوة .

حقيقة أن عملية السلام هذه لا تسير بالاتجاه الصحيح هي مسألة تحتاج إلى أن نواجهها بصدق كما يجب أن نكون جاهزين للحديث عن مواضيع أساسية في الأولوية كرفع الحيف من المظالم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني و الذي ينادي ضمير الإسرائيليين و العالم أجمع لاستعادة حقوقه . إنني لا أدعي أن تناول مواضيع كهذه هو بالأمر السهل . لكن أكثر ما يضايقني عن عمليتي أوسلو و واي أنهما قد تجنبتا مواجهتها " هذه المواضيع " . لقد حان الوقت لمواجهتها ولإثارة الفزع في نفوس بعضنا البعض بخصوصها ، حتى نتمكن من الحديث بصدق عن حلها . و يجب أن نسأل : هل يحق لكل يهودي أوكراني أو لاتفي أن يهاجر إلى إسرائيل بينما لا يحق للفلسطينيين المشردين عبر الحدود إلى لبنان و الذين يعانون الأمرين و ترى عيونهم الأرض التي تحوي رفاة أجدادهم ، هؤلاء يمنع عليهم حق العيش في وطنهم . أمن العدل أن نرى ما يزيد عن مليوني فلسطيني في الضفة و القطاع " ناهيك عن الملايين الثلاثة في المنفى " أن يحرموا في الواقع من حق الصلاة و الدراسة أو العيش في عاصمتهم الوطنية و الروحية،القدس؟..

هذه المسائل تمس ينبوع المشاعر الوطنية ، يجب على المرء مواجهتها إن هو ادعى النية في حل النزاع و ما نراه الآن هو التغاضي عنها و تجاهلها بدل مواجهتها ، و سيستمر تجاهلها ما دام الأسلوب الحالي للحل مستمراً .

لقد حان وقت التغيير و وقت سلوك طريق تأتي الأخلاق و العدالة حجر الأساس فيه . لأن البديل عن ذلك سيكون قاتماً أكان ذلك عاجلاً أم آجلاً .