كتاب كمقدمة

د. هيثم منّاع

 

من المعتاد أن يخصص للكتب تبويب غالبا ما تضعه المجلات بعد الدراسات والأبحاث، إلا أن الكتاب الذي بين أيدينا يشكل محورا رئيسيا من محاور موضوع السلام في المشرق العربي، هذا المحور تّم ويتم تأجيله وكأن التأجيل يمكن أن يؤصل مبدأ السياسة الإسرائيلية الأول والمركزي: الأمر الواقع هو الذي يفرض نفسه على البشر والقوانين والمبادئ.

"اللاجئون الفلسطينيون وعملية السلام: بيان ضد الابارتايد" هو عنوان كتاب الدكتور محمد حافظ يعقوب مسؤول البحوث في اللجنة العربية لحقوق الإنسان الذي صدر مؤخرا عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. والكتاب الذي أعده باحث لاجئ  يحاول كاتبه منذ البداية إخطارنا بضرورة "تحاشي الانزلاق في مطبات المرارة التي تخلقها خبرة اللجوء ومجموعة الاحباطات التي تتصل بها". فوضع الكاتب كلاجئ هو الباعث على التناول الخلاق لانتهاك خطير لحقوق الإنسان وليس التباكي على النكبة التي أنجبت هذا الوضع. وهنا قدرة الارتقاء الفكرية والفلسفية التي يحاول عبرها المفكر الفلسطيني أن يخاطب العالم وليس فقط الفلسطينيون والعرب. خاصة وأن الهم الرئيسي للكاتب ليس قرع طبول الحرب وإنما إعادة الاعتبار للمفاهيم المركزية للسلام ، "فليس غير السلام موطنا لإنسانية تستوطن إنسانيتها وترتقي بشرطها الطبيعي إلى أفق الحرية".

 قضية اللاجئين كما يوجز الدكتور يعقوب بحق " تترابط بثلاث قضايا وتتداخل معها جدليا، أولاها هي القضية الفلسطينية  ووجهها الآخر دولة إسرائيل. وثانيها هي قضية الصراع العربي الإسرائيلي ووجهها الآخر قضية السلام. في حين تتمثل الثالثة في قضية استقرار المنطقة ونمائها وخصوصا قضية الديمقراطية فيها".

يلخص الكاتب قضية اللاجئين الفلسطينيين اليوم بالانطلاق من ثلاثة أسئلة مترابطة:

"أولاً: ما المقصود بقضية اللاجئين الفلسطينيين؟ وما هي ترابطاتها على القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضية العربية بشكل عام؟ بمعنى آخر، هل يمكن التفكير بحل لقضية اللاّجئين بمعزل عن القضية الفلسطينية؟ بل وهل يمكن التفكير بحل للقضية الفلسطينية بمعزل عن القضية العربية؟ 

ثانياً: في إطار ما صار يعرف منذ مؤتمر مدريد باسم عملية السلام في الشرق الأوسط، هل هناك إمكانية فعلية أي واقعية لحل جذري يقوم على مبادئ العدل والمثل الإنسانية وحقوق الإنسان لقضية اللاجئين؟ أم أن زمن اللاجئين الفلسطينيين انقضى، وجاء وقت التخلي عن مطالبهم في العودة، وفي حقهم في تقرير المصير؟ وهل ستتمكن إسرائيل في خاتمة المطاف من إيصال الجيل الحاضر من الفلسطينيين إلى الإذعان إلى الأمر الواقع، وإلى النكوص عمّا شكل أس الهوية الفلسطينية خلال نصف قرن، وهو مطلب العودة؟ بل وحتى في هذه الحالة المحتملة الأخيرة، هل سيشكل ذلك نهاية لقضية الفلسطينيين الساخنة، أم ستظل تعتمل في التاريخ اعتمال كمون ينتظر لحظة الانفجار؟

  ثالثاً: ما هي الشروط التي ينبغي توفيرها للانتقال بهذا الحل من الممكن إلى التحقق في التاريخ؟ وهل يمكن الحديث عن حل عادل للقضية الفلسطينية من غير الوصول إلى حل جذري لقضية اللاجئين الفلسطينيين؟ بل وما هي سمات هذا الحل ومبادؤه العامة؟".

هل تكتفي الدراسة بالتشريح وعرض السياسة الإسرائيلية (في غياب سياسة عربية متماسكة حول الموضوع) ؟ لحسن الحظ أن المؤلف يسعفنا بما يمكن اعتباره بحق "مرافعة لصالح اللاجئين الفلسطينيين وبيان من أجل حقوقهم الإنسانية، وإذن السياسية"، مرافعة تصلح كأنموذج في التحليل لمأساة اللجوء التي تشكل واحدا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي أنجبت واحدة من الجرائم الكبرى ضد الإنسانية وفقا لميثاق المحكمة الجنائية الدولية: جريمة الاستيطان.

لقد قرر الغرب تعزيز حالة العمى الحقوقية المصاب بها إثر اتفاقيات كامب دافيد عندما نصب السادات وبيغين رمزان للسلام، ولم تلبث العدوى أن أصابت قطاعا من أصحاب القضية أنفسهم، عبر تحول الاتفاقيات المبتسرة إلى ممهد لتحطيم حقوق فلسطينية ثابتة ومعترف بها. ولم تلبث الشرعية الدولية أن تركت مكانها للاتفاقيات الجانبية التي يلعب فيها عناصر المخابرات المركزية الأمريكية دورا أهم من الحقوقيين وتغيب عنها تماما مرجعية حقوق الإنسان. فمنذ أوسلو، كما ينوه الدكتور يعقوب، ونحن نعيش "سلام المنتصر وقاعدته كسر إرادة الخصم فقط".

لعل إسرائيل من الحالات القليلة في التاريخ التي يطرح عليها "الوسيط الدولي" قضية التسوية السلمية من موقع يؤكد هيمنتها وتفوقها على جميع الأصعدة. يتساءل اريك رولو الأخصائي المعروف بشؤون المنطقة "كيف يمكن صناعة السلام بممارسة الضغوط على جانب واحد وطلب التنازلات من طرف واحد". لقد قلبت أوسلو العديد من المفاهيم البديهية في القوانين الدولية والقواعد الحقوقية الإنسانية، فحولت مواضيع مثل ضم الأراضي المحتلة وتهجير السكان بالقوة وطبيعة الكيان الفلسطيني إلى مباحثات الحل النهائي، أي همشتها. هذا الكتاب يحاول إعادة التوازن إلى التعاطي الحقوقي مع القضية الفلسطينية ومن هنا إصراره على الأهمية المركزية لموضوع اللاجئين، وحسب تعبيره :

"إن قضية اللاجئين الفلسطينيين تشكل، بالمعنى العميق، أساس القضية الفلسطينية والنواة الصلبة للهوية الوطنية الفلسطينية؛ ويتعذر نجاح العملية السلمية في المنطقة كما سنرى من غير مقاربتها مقاربة سياسية في المقام الأول. تكمن قضية اللاجئين في قلب قضية السيادة الفلسطينية التي هي مبدأ كل دولة على الإطلاق. ففي السيادة وبتوسطها، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جيرار ميريه، يفصح الشعب عن هويته التاريخية والثقافية ويعيد امتلاك ذاته في آن. هكذا يتكشف لماذا أن الطريقة التي تتم فيها حل قضية السيادة هذه لا تحدد مستقبل فلسطينيي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، بل مستقبل "الشعب الفلسطيني أينما كان".

يتناول الكتاب هزالة الخطاب الصهيوني أمام أية مقاربة عقلانية وهو يفكك عبر توثيق دقيق لضعف فكرة السلام العادل عند رواد عملية أوسلو وكيف فشلت أجيال السياسة الإسرائيلية حتى اليوم في الوصول إلى نضج يتجاوز التهافت على عقدة الذنب الغربية والدعم الغربي غير المشروط إلى خطاب تاريخي. ويساهم بشكل غير مباشر في إظهار أن هذا الفشل هو شئنا أم أبينا من عوامل تقوية التصلب الديني الذي أسس له أكثر "العلمانيون" وضوحا عبر تقوقعهم في الجانب الأسطوري لبناء الدولة : " لا يستطيع الإسرائيليون الخروج من مأزق الانتماء الأسطوري للأرض إن لم يقوموا بدمقرطة العلاقة بها: دحرجتها من عليائها ودهرنتها في خدمة الأحياء والحياة".

ويظهر الكاتب بوضوح كيف أن الحركة الصهيونية لم تكن يوما حركة اندماج وكيف أنها "لم تطالب يوما بمساواة المهاجرين الجدد مع أهل البلاد الأصليين ولم يكن هدف الصهاينة يوما التحول إلى مواطنين فلسطينيين". فلقد شكلت عملية إبعاد الفلسطينيين سياسة مخططة وكانت كل الوسائل لتحقيقها مباحة من اللحظة التي أعطي فيها لبناء الدولة الصهيونية قداسة المثال الأخلاقي الأسمى " فالمشاريع الخلقية كما يؤكد عضو اللجنة القومية للصندوق القومي اليهودي إلياهو هاكرملي، تنفذ كلها بالإكراه".  ولقد بنت إسرائيل حجراً حجراً الثقافة العنصرية التي تحول كل عربي إلى مصدر خطر وبالتالي تعتبر وضعه في خناق دائم جزءا من الأمن القومي. ومهما كانت خطورة ما يترتب على هذه العملية ، فليس "فليس هذا هو وقت البكاء على الوحش النازي الذي استيقظ فينا" كما يقول يوشع بار يوسف

الفشل والنجاح نسبيان بالتأكيد إلا أن من المهم تحديد التناقض المركزي في أية واقعة:

"ليست أسطورة التأسيس هي ما يمثل التناقض المركزي في دولة إسرائيل، يقول الكاتب،  وهو ليس طابعها الاستيطاني التوسعي من حيث هو كذلك. فبهذا تشترك إسرائيل مع كثير من الدول القائمة أو التي كانت قائمة إلى حد قريب. ما يمثل التناقض المركزي، التناقض الذي هو كالسرطان الداخلي الذي يفترس الجسم الذي يعتاش منه، هي "قضية فلسطين"، وفي الحقيقة فشلها الذريع في سحق الفلسطينيين والانتهاء منهم إلى الأبد، من ناحية، وفي العجز البيِّن عن مراجعة نفسها وأساطيرها وهويتها وإعادة تنظيم نفسها وتعريف هويتها بما يتناسب مع هذه الواقعة، من ناحية ثانية".

يشكل فصل "معنى النكبة الفلسطينية : الجريمة ضد الإنسانية" أول مقاربة حقوق إنسانية لمعنى النكبة وفق آخر تعريف للجريمة ضد الإنسانية في مؤسسات الأمم المتحدة (المحكمة الجنائية الدولية)، وهذا الفصل لا يزرع فقط بذور تناول فلسفي إنساني للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإنما أيضا يزرع إسفين الفرقة الضرورية بين السياسة بالمعنى الضيق الأفق والوصولي، والسياسة بالمعنى التاريخي النبيل. بين عنجهية القوة ورزانة الحقوق. ويبدأ الفصل بجملة لموشيه دايان تختصر رؤية جيل كامل من الإسرائيليين للقضية الفلسطينية :" ما عادت فلسطين موجودة، انتهت. كان علي أن أقول آسف. ولكنني لست آسفا في الواقع". شيمون بيريز يعود باللائمة على الدول العربية التي رفضت اندماج الفلسطينيين في مجتمعاتها. إن الحديث عن هجرة طوعيه لشعب فلسطين هو أفضل وسيلة لتبرير الهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين، أما التذكير بالمجازر التي رافقت عمليات التهجير فقد قتلتها مسبقا قداسة محرقة واحدة دون غيرها.

كيف يمكن تصنيف كل تلك المجازر "الصغيرة"، المجازر التي نظمت بحق المدنيين الفلسطينيين في عدد يصعب حصره من المرات في دير ياسين وقبية وعين الزيتون واللد والرملة وعيلبون وكفر قاسم وبيروت والقدس والخليل وغيرها وغيرها كثير؟ كيف يمكن تحديد المسؤوليات الشخصية للذين قاموا بتنفيذ عمليات القتل الجمعي وبالتعامل مع الموت الفلسطيني بهذا الشكل؟ وبخصوص المسؤولية، كيف يمكن تحديد المسؤوليات التي تتصل بحقوق أولئك الكثيرين من بين الذين نجوا من حملات القتل الجمعي ولكنهم قضوا نحبهم في المنافي كنتيجة لها: بفعل سوء التغذية أو البرد أو نقص العناية الطبية و/أو البؤس والغم واليأس؟ كيف يمكن الوصول إلى إدانة السياسة الرسمية لدولة إسرائيل القائمة على التصفية المادية للشعب الفلسطيني: مسح القرى الفلسطينية، تغيير أسماء المواقع، نسف المنازل، تحريك السكان، والاستيلاء على الأراضي؟ وكيف يتسنى التوصل إلى تحديد المسؤولية الشخصية واالسياسية للأجهزة الرسمية، أي أجهزة دولة إسرائيل ومؤسساتها التي تخصصت طيلة العقود الماضية في الإجهاز على الحركة الوطنية الفلسطينية وتصفية قياداتها وممثليها ونخبتها المثقفة إن بالإغتيال أو بالطرد أو بالإعتقال وبالتعذيب؟

 الذين يتحدثون عن فرادة المحرقة محقون من غير شك. ولكن ليس بالمعنى الذي قد يتبادر إلى ذهن بعضهم في الوهلة الأولى. فلا قداسة لمذبحة دون غيرها. ولا علو لمذبحة على غيرها من المذابح. فالقتل هو القتل، والجثة هي الجثة والمسؤولية هي المسؤولية، وكل موت نبيل. لكل مذبحة فرادتها الخاصة ووقائعها الخاصة وحيثياتها الخاصة وتاريخها المخصوص. ألا يعلمنا القرن العشرون، على سبيل المثال، أن المآسي الجمعية لاتتشابه، وأن لكل مجزرة بشرية خصوصيتها ويتعذر بالتالي مقارنتها بغيرها ؟ فالمأساة التي تخص يهود أوروبا لاتشبه تلك التي تخص عرب فلسطين أو مسلمي البوسنة أو توتسي رواندا. لكل من هذه المآسي الفظيعة سماتها وعملياتها الإجرائية التي تتصل إن بالقتلة أو بالضحايا على حد سواء.

ولئن كان لابد من المقارنة مع ذلك، فإن السمة الوحيدة التي تتشارك فيها هذه المآسي جميعها، وهي سمة مركزية وأساسية، هي أن منظمي كل واحدة منها يريدون، جميعهم من غير استثناء، الإستئثار بالبلاد، ويرفضون التشارك فيها مع "الأغيار". وأن رفضهم هذا ولَّد لديهم العزم على قتل آخريهم لالخطأ إلا لأن انتماءهم إلى البلاد نفسها هو قوي من غير لبس. ولا لخطأ إلا لأن ولادتهم حدثت في البلاد، وأنه لابلاد لهم غيرها. ولا لخطأ إلا لأن آدمية كل واحد من أفرادها اختزلت حتى الحد الأقصى الذي يسوغ قتله في لحظة اختزال وجوده إلى فكرة، أي إلى مكوِّن من مكونات رقم هو عدد أفراد الجماعة التي يُرادُ استئصالها من الوجود و/ أو إنقاص عددها وتصغيره حتى الحد الأقصى الممكن.  

ثم إن تباين المجازر في الوقائع لايمنع مع ذلك تشابهها. فالقتل يتم فيها جميعها بالجملة، أي من غير أسماء أو سجلات أو شهود. ذلك أن القتل فيها هو استراتيجي، أي لايستهدف أشخاصاً بعينهم، يلاحقهم ويعمل على تصفيتهم، بل استئصال جماعة معينة  من على الأرض: جماعة ليس لأشخاصها ملامح واضحة أو وجوه محددة سلفاً. إنه قتل استراتيجي بامتياز."

كان من الضروري نقل هذا الاستشهاد الطويل الذي يمهد فيه الكاتب لتعريف النكبة باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، هذا التعريف المستنبط من المعطيات الحقوقية الراهنة يعني أن نقطة إعادة التذكير بما هو مغيب بحكم موازين القوى ولكن لا يمكن تغييبه إلى الأزل و كما يقول الكاتب "لايشكل اعتراف الدولة العبرية بمسؤوليتها التاريخية والسياسية المباشرة في إنتاج مأساة اللاجئين الفلسطينيين الشرط الضروري لسلام ممكن، فقط، بل وللتوصل قبل ذلك إلى حل لهذه القضية التي تبدو الآن شائكة أو مستعصية على الحل. ففي هذا الإعتراف توفير لشرط بسيكولوجي ضروري لطرفي العلاقة، الجلاد والضحية على السواء، من أجل التحرر من عبء الجريمة. ضروري للجلاَّد كيما يعتذر من الضحية ويشرع في رحلة تحرره من وزر ذنبه وما اقترفت يداه، ويرتفع من وضعيته كجلاد إلى وضعيته كإنسان. وضروري للضحية كيما يستطيع أن يتحرر من آلامه وعذاباته ويبدأ سيرورة الغفران الضرورية لتحرره. وضروري لكليهما كيما يتحررا من السياق الذي أنتج منهما ضحية وجلاداً في الوقت نفسه. ليس الإعتراف تحديداً للمسؤولية هنا، فتحديدها ممكن اليوم على وجه الخصوص بفعل الوثائق التاريخية التي صارت متوافرة، بل من أجل تحرير إنسانية الجلاد من جريمته، ومن الإحتماء بغطرسة القوة، ومن صَغار اللعب بالكلمات المجوَّفة والتهرب من الإعتراف، ومن أجل تحرير الضحية من عذابه ونقمته وغضبه وحقده، و، باختصار، من وضعيته كضحية. و، وهذا هو الأهم، من أجل تأسيس وضعٍ تتوفر فيه الشروط الكفيلة بمنع وقوع الجريمة في المستقبل: وضع يتيح للإنسان أن يرتقي إلى شرطه كإنسان، وألا يتردى في دَرَك البهيمية والتوحش ومهاوي العنف.".

عن التعقيب المناسب لهذه القراءة يتلخص بأن ما يجري في فلسطين هو عكس ما يجري في جنوب افريقيا، ففي حين أفضت العملية السلمية في الأخيرة إلى تصفية العنصرية، فقد جرى تثبيت وتأصيل مواقعها في "الشرق الأدنى" عبر تقنين الأبارتايد ورسم تفاصيله الحقوقية وإطاره الجزائي" . ولعل في هذه النتيجة مكمن السؤال الكبير: أليست مخاوف  الدمقرطة في اللاوعي الإسرائيلي مرتبطة أيضا بعدم قدرة الإسرائيليين الحالية على دمقرطة العلاقة مع الآخر غير اليهودي، أي على إلغاء العنصرية في الرأس والمؤسسات والجيش والأراضي المحتلة؟ أليس الخوف من قضية اللاجئين هو أيضا الخوف من فتح جرح الجرائم التي خلقها المشروع الصهيوني؟ هل يمكن الوصول إلى السلام  بإعطاء شبه الوطن لشبه دولة في شبه أرض أي في الاغتيال السلمي لما نجا من الاغتيال العسكري؟

نعود لنذكر مع المؤلف " أن الفضيلة الرئيسية لـ "عملية أوسلو وما تلاها واتصل بها من اتفاقات وسياسات وتطبيقات قائمة على الأرض، أنها كشفت تعذر السلام الإسرائيلي-الفلسطيني في داخل الشروط والمعطيات الراهنة".

                                                                 هيثم مناع