ملاحظات حول الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب

د. عمر المستيري

 

في 22/4/1998 صادق ممثلو الدول الاعضاء في الجامعة العربية على الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب. و لقد بات فعلا من المؤكد ان ظاهرة الارهاب قد تفاقمت في بعض المجتمعات العربية، مقترنة بتنامي التيارات الاسلامية المتطرفة على وجه خاص، متخذة أقصى اشكال البشاعة في الجزائر . ولا جدال أيضا في أن الاجماع الرسمي العربي من شأنه أن يضفي مزيدا من النجاعة الى مجهودات الأنظمة الرامية الى تطويق هذه الظاهرة المدانة.

من ناحية أخرى، يمكننا أن نعتبر أن اي معاهدة بين الدول العربية تمثل خطوة ايجابية في اتجاه توحيد التشريعات والمرجعيات القانونية شريطة أن تنخرط في السيرورة العالمية من أجل ازدهار قيم العدل وحقوق الانسان وأن تنص بوضوح على اعتماد المواصفات القانونية والاجرائية لهذه الحركة.

الا أن التقييم الفعلي للأبعاد المنهجية والميدانية للاتفاقية يستدعي تمعنا أدق في عدد من جوانبها، بالاضافة الى تقديم بعض الملاحظات وطرح بعض التساؤلات.

نسجل بالاساس أنه وقع اعتماد تعريف الارهاب باعتبار أنه يشمل جميع اشكال العنف السياسي الذي من شأنه أن يصدر عن جهات معارضة، باستثناء الذي يعتمد في مواجهة احتلال أو استبداد خارجي (الاسرائيلي على وجه الخصوص)، حيث أقرت المعاهدة بشرعية هذا الصنف من العنف. فاذا سلمنا بهذا التحديد وافترضنا أن مواجهة عنيفة لاستبداد عربي وطني رسمي لا تحظى بأي شرعية، واذا اعتبرنا ان ما جاء به الاعلان العالمي لحقوق الانسان في توطئته من أن " التمرد على الاستبداد والظلم يضطر اليه المرء آخر الأمر " اذا افتقد لعامل جوهرى وهو " أن يتولى القانون حماية حقوق الانسان "، واذا افترضنا أن المقصود بهذا التمرد هو تمرد مدني سلمي ، فان قراءة اكثر تعمقا في نص المعاهدة تثير بعض المخاوف. سببها الأصلي أن تحديد الانظمة لمفهوم الارهاب مازال يعتريه بعض الغموض لا سيما وأن الحدود بين "جرائم" الرأي والجنايات الارهابية ليست جلية. وهنا نخشى بالتحديد ان تضع البدعات التي ادخلتها بعض الدول العربية على تشريعاتها حديثا معتمدة هذه المعاهدة، ممارسة حق التعبير والنشر والاجتماع وحق التنظيم والتظاهر السلميين  مثلا في صف الاعمال العنيفة. ولا شك أن ما جاء في نص الاتفاقية حول "الجرائم ذات الصبغة السياسية" من شأنه أن يدعم مخاوفنا.

وحتى اذا قبلنا جدلا بأن ندين "كل عمل من أعمال العنف وكل تهديد باللجوء الى العنف مهما كانت دوافعه وأهدافه ويقصد الى القيام بعمل اجرامي ضد الافراد والمجموعات"، حسبما جاء في نص المعاهدة ، فهذا يجرنا الى التساؤل عما اذا كانت الانظمة العربية بدأت تقر العزم أيضا على الحد من العنف الصادر عن اجهزتها الأمنية الرسـمية منها والموازية ؟

والحال ان هذا الصنف من العنف يعد الأكثر انتشارا في عالمنا العربي وهو المتسبب في نصيب وافر من الدمار والمآسي البشرية والاقتصادية والاجتماعية، حسبما جاءت به الشهادات المتطابقة للمنظمات الدولية والاقليمية غير الحكومية ذات المصداقية في مجال حقوق الانسان. وهو أيضا المصدر الرئيسي للرعب وافتقاد الأمان ( ولعل ما يسترعي الانتباه أنه في أغلب الحالات لا مبرر له حيث أنه متفشي في فضاءات خالية من أي عنف معارض). والملاحظ هو أن أغلب الانظمة مصّر على أن يتمتع مسؤولو وأعوان الاجهزة الأمنية بحصانة مطلقة مهما كان تورطهم في أعمال العنف ازاء المواطنين ؟ وكأن هذه الأنظمة غير مبالية لاحتلال اجهزة أمنها صدارة التقارير الشاجبة لانتهاكات الحريات والحقوق الفردية والجماعية ؟ ونستنتج من كل هذا أن استجلاء كل الأبعاد المنهجية للاتفاقية يبقى رهين الاجابة على هذه الاسئلة وبكل وضوح.

في هذا الاتجاه نذكر بأن دول أوربا الغربية مثلا عندما واجهت خلال السبعينات وبداية الثمانينات موجة من الأعمال الارهابية بالمعنى الدقيق للكلمة، فان حكوماتها لم تستغل الأوضاع المترتبة عن تلك الموجة لمضايقة الصحافة أو لمنع انعقاد الاجتماعات العمومية المستقلة والمناهضة للحكومات، ولم يتم تعليق أي ممارسة انتخابية. وفي المقابل، فان هذا السلوك لم يعق الأجهزة الأمنية عن القيام بمهامها حيث استطاعت أن تفوز على الارهاب وأن تقضي حتى على جذوره. فشهدت البلدان المذكورة عقب تلك المحنة ازدهارا لمؤسسات المجتمع المدني وانتعاشا للحريات لا شبيه لهما في السابق، مثلما ساد مزيد من الشفافية على دواليب الادارة.

واذا لعبت اتفاقيات التنسيق بين الدول المشار اليها دورا اساسيا في الحملات المحاصرة للنشاطات الارهابية ( والبعد التنسيقي في الاتفاقية العربية اساسي أيضا)، فانها كانت خاضعة لتراتيب صارمة ومواصفات دقيقة ( على سبيل المثال يمنع منعا باتا تسليم شخص مطلوب بسبب ظنون لتورطه في أعمال ارهابية من طرف دولة ثانية، اذا افتقدت ضمانات اساسية للسلامة الجسدية للمظنون فيه، أي اذا كان يخشى أن يعاقب بالاعدام او اذا كان التعذيب يمارس داخل البلد الطالب) .

أما اذا اردنا التطرق الى النتائج الميدانية، فلا مناص من الاعتراف بأن المعالجة الأمنية الصرفة للعنف السياسي، التي تتعنت أغلب الانظمة العربية في اعتمادها كخيار لا بديل عنه، تساهم بقسط وافر في تغذية المناخ الملائم لتفشي العنف. فكلما ضاقت أو انعدمت الفضاءات الدنيا لتعبير المواطنين عن تطلعاتهم، واستمر اقصاء أوسع الشرائح عن المساهمة في صياغة القرار وتعطلت ملاجئ الاحتكام ضد الظلم وتفشى احتكار موارد البلاد وعم الشعور بالقهر والحرمان، الا وتكاثرت عوامل انتاج العنف السياسي. فاللجوء للارهاب (الذي لا مناص من اعتباره ظاهرة مرضية في صلب مجتمعاتنا) ينجم من شعور عميق بانسداد جميع الآفاق ومن سيطرة تشاؤم مطلق، وهو ردة فعل عمياء.

وقد يكون من المفيد التذكير بما أكدته عدة تجارب عالمية، بصورة خاصة في امريكا اللاتينية، من أن الخيار الأمني قد أخفق اخفاقا ذريعا في الغاء دمار العنف السياسي طيلة عقود كاملة من الزمن، وأنه في المقـابل قد أمكن تجاوز الأزمـات حينما ترجح الأطراف

 المتناحرة التحاور وتلجأ للتفاوض وتقبل الجهات الحاكمة مبدأ التخلي عن المصادرة التامة للحياة العامة، وفي النهاية يتم اقرار المصالحة الوطنية. حدث ذلك في غواتيمالا والسلفادور ونيكاراغوا والتشيلي مثلا حيث تم تذليل أحقاد وتنافرات مقيتة وتقريب أكثر الآراء تباعدا وتوفيق أكثر المواقف تباينا لفائدة السلم الداخلية التي لم يكن من الممكن احلالها دون تطور عميق لدى الأطراف الممسكة بزمام الحكم لجعلها قابلة لشئ من الاحتكام. وفي هذا الاطار تبقى نهاية نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا "الابارتهايد" بمثابة انموذج أقر مفاهيم جديدة ساعدت على حل معضلات في غاية التعقيد ومكنت من اقامة مؤسسات جديدة تعكس الاصرار على التجاوز، وجندت كل ما أمكن تجنيده من قدرات البلاد دون التخلي عن المحاسبة وتسليط كل الاضواء على محنة الماضي وتقصي الحقائق وابراز كل العبر وشجب التصرفات والآليات التي ارتكز عليها النظام المشؤوم. وهكذا اختارت القيادة الجديدة ان تفرض سيطرة كاملة على نزعة الانتقام لفسح المجال أمام المصالحة الوطنية ولمنع تعويض استبداد بآخر .

لقد حان الوقت للنخب العربية لكي تسعى الى تأصيل مراجع فكرية جديدة والى خلق انماط مؤسساتية تبجل الاحتكام والتفاوض والتشريك واحترام الخصم حتى يتفاعل عالمنا العربي أكثر مع تطورات العصر وحتى تغادر بلداننا المواقع الخلفية للصيرورة العالمية من أجل الارتقاء الى الديمقراطية.

·     نشير مثلا الى قوانين مناهضة الارهاب في الجزائر ومصر والتنقيحات التي ادخلت الى مجلة الاجراءات الجزائية والى المجلة الجنائية بتونس في نهاية سنة 1993

·     عمر المستيري من رموز اللجنة العربية لحقوق الانسان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان .