صراع العالمية و الخصوصية داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان " الاشكاليات و الدروس"

د. منصف المرزوقي *

 

في إطار الصراع الفكري السياسي المرتبط بظهور الأصولية الدينية  منذ السبعينيات و خاصة إبان حرب الخليج انتشرت على أعمدة الصحف وفي الكتابات العربية لحقوق الإنسان صراعات محورها تناقض مزعوم بين  ثنائية غريبة  أي "العالمية" في مواجهة "الخصوصية"  وذلك دون سابق  وجود لمدرسة فكرية متكاملة الأركان لها نظرياتها ومنظروها اسمها "العالمية "انتشرت ببطء كما هو الحال بالنسبة للماركسية تحلّق حولها المريدون والأتباع  أو لمدرسة مناهضة لها اسمها  "الخصوصية".

وكلّ ما في الأمر أنّنا وجدنا  أنفسنا كمناضلي حقوق الإنسان  أمام خيارات سياسية إبان أزمات سياسية داخلية وخارجية  قسّمتنا إلى متعلّقين ومنادين بأولوية وعلوية وضرورة تطبيق المواثيق القيمية والتشريعية التي سنتها الأمم المتحدة  حرفيا على واقعنا العربي الإسلامي وآخرون ناهضوا هذا التوجّه .

لقد كانت حجج هذا التيار الأخير أن  المواثيق  الدولية عالمية القناع غربية الجوهر  وأنه يجب رفضها للاستعمال الانتقائي لها أي السـياسي من طرف الغرب إضافة إلى أنه  لايمكن

تطبيبقها   بحذافيرها نظرا  لوجود مميّزات في مجتمعاتنا تجعلها غير قادرة على استيعاب كلّ المفاهيم الواردة فيها .

إنّ القول بأن  قضية العلاقة بين " الخصوصية "ب"العالمية "إشكالية سياسية وليست فكرية لا يعني أنه ليس لها بعد نظري  خصب.

 يمكن أن تكتب  مثلا عشرات الأطروحات حول مدي دقّة وصف المواثيق  التي تنتجها الأمم المتحدة بالعالمية وإلى أيّ مدى تمثّل وتعكس التيّارات الثقافية الموجودة في العالم ومختلف رؤاها للإنسان وحقوقه.

كما يمكن أن تكتب غدا عشرات الأطروحات حول تقبّل مختلف الثقافات لهذه المواثيق والصعوبات التي واجهتها في التعامل معها وإدماجها وهضمها الخ .

 يبقى أنه لا يجب أن نغفل عن الرهان الحقيقي الذي أوجد هذه الإشكالية فالخصام القائم  ليس  كما يبدو ظاهريا  بين منبتّين مستغربين وبين   متجذّرين في هوّيتهم العربية الإسلامية وإنما هو أساسا بين قوى "راديكالية" داخل حركة حقوق الإنسان العربية وقوى مهادنة للأشكال الإستبدادية القديمة

..............................

*رئيس اللجنة العربية لحقوق الإنسان والرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .

إن تدليلي على هذه الفرضية ينطلق من معايشة  تجربة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان  في مراكز القرار ومعرفة مباشرة  بالأزمات وخلفياتها والاكتواء بنارها.

لكن هذه المعرفة محدودة مكانا لأنها لا تتعلق إلا بالرابطة التونسية ومحدودة زمانا لأنها لا تشمل إلا فترة 1984-1994 ومن ثمة تقديمي هذه الأفكار للنقاش حتى  يبلور التفاعل بين تجارب مختلفة رؤيا أكثر وضوحا ودقة قد تعاضد ما ذهبت إليه وقد تلغيه في الجملة أو في هذا التفصيل أو ذاك.

*

 لقد  عرفت  الرابطة سبع سنوات بعد انبعاثها  أول أزمة  داخلية خطيرة وذلك  سنة 1985  عندما  رأت من الضروري أن يكون  لها ميثاق يلتزم به جميع أعضائها إذ أتضح في مؤتمرها الثالث وجود تيّارات داخلها لم تتوانى مثلا  عن التحريض العنصري ضدّ اليهود داخل منظمة من ثوابتها محاربة كلّ أشكال العنصرية .

ولم يلبث الخلاف أن نشب حول مرجعية  هذا الميثاقبين بين  تيّار يساري علماني لائكي متمسّك بضرورة إدراج الحقوق الواردة في الإعلان العالمي بحرفيتها وتيّار إسلامي  تصدى لهذا الخيار.

 وقد اقترحت آنذاك صيغة توفيفية قبلتها كلّ الأطراف وشكّلت مدخل الميثاق تقول أن الرابطة تستمدّ مرجعيتها" من القيم التحرّرية في تاريخنا العربي الإسلامي ودستور الجمهورية التونسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان " .

لكن هذه الصبغةالتوفيفية لم تكن قادرة على إلغاء تناقضات جذرية بين التوجه" الخصوصي" و"العالمي".

فقد كان من الصعب وحتى من المستحيل أن يقبل التيار الديني الذي كان ضعيف التمثيل في الرابطة ببنود تتعارض صراحة أو بصفة ضمنية مع مبادئ الشريعة  وهي :

- الفصل الرابع للميثاق  (الفصل الخامس في الإعلان)المحرم  بوضوح للعقوبات الجسدية و  من ثمة للحدود.

-  الفصل الثامن من مشروع الميثاق (الفصل السادس عشر في الإعلان العالمي ) وينصّ  على " حقّ الرجل والمرأة متى بلغا سنّ الزواج في تأسيس أسرة دون أي قيد يسبّب العرق والدّين "  وقد أعترض عليه التيّار الإسلامي لأنّه يسمح ضمنيا بزواج غير المسلم بالمسلمة.

- الفصل التاسع (الفصل الثامن عشر من الإعلان ) وينصّ على أنّه  لكلّ شخص الحقّ في حرية الفكر والضمير والدّين ويشمل هذا الحقّ حرية تغيير ديانته أو عقيدة .

وقد اعترض عليه أيضا لأنّه يتنافى مع الشريعة التي تحلّ قتل المرتدّ.

- الفصل الخامس عشر (الفصل الخامس والعشرون من الإعلان ) وينصّ على  أن "ينعم كلّ الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء كانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أم لا" وهو الأمر الذي ترفضه الشريعة التي لا تعترف بوجود اللّقيط .

 لقد ثار آنذاك صخب كبير  في وسائل الإعلام لم يكن سببه التيار الإسلامي  المعارض وحده وإنما الإسلام الرسمي وبصفة عامة كل القوى المحافظة التي هاجمت الرابطة طوال أشهر

 على موقفها المتمسك بحرفية بنود الإعلان ونقلها كما هي دون "أقلمتها " مع "قيم" المجموعة الوطنية.

لقد أتهمت الرابطة من   أعلى منابر  بعض المساجد  بالكفر وطالب حزب لائكي بمنعها وعرف المجتمع نقاشا حادا حول  أولوية القيم وطبيعتها واحتدّت الخلافات  حتّى داخل الرابطة نفسها.

 إلاّ أن  الرابطة استطاعت آنذاك  أن تتبنّى المواثيق الدولية ضاربة بعرض الحائط كل الضغوطات الخصوصية لأنها كانت في قمة شعبيتها  وتماسكها و حسم الخلاف بالتصويت إبّان المجلس الوطني الذي انعقد في سبتمبر 1985 و أوردت البنود الأربع بأغلبية ساحقة  مع تنازلات شكلية لا تغير شيئا في الجوهر .

لكن المعركة الثانية إبّان حرب الخليج مع تيار علماني  هذه المرة كادت تِؤدي إلى كارثة.

  لقد أصدرت  الرابطة  يوم 4 أوت 1990  بيانا أدانت فيه  الغزو العراقي للكويت باسم حق كل الشعوب في تقرير مصيرها وقد أحفظ هذا البيان القوى القومية داخلها وكان لها خلافا للتيار الإسلامي تمثيل  هام في مختلف مستويات القرار وأحفظ الخصوص الرأي العام التونسي الذي كان مناصرا لحاكم العراق بصفة عميقة وشاملة . وبالطبع زاد التدخل الغربي من خلط الأوراق.

وقد حاولت القيادة تطويق الخلاف بإصدار بيانين في 12 و 18 أوت تدين فيهما هذا التدخل وتؤكد على ضرورة البحث عن حل سلمي لكن ذلك لم يغير من موقف الشارع تجاهها ومن تزايد تحرك القوميين لحملها على الاصطفاف في التأييد الشامل الذي كان يحظى به حاكم العراق .

ولم يزد نشوب الحرب وتدمير العراق وحصار شعبه  إلا في تعميق التأييد له  والكره للدول الغربية وسياسة المكيالين التي كانت تتبعها بصفة مفضوحة .

وفي شهر مارس 1991 تفاقمت الأزمة داخل الرابطة بعد صدور مقال لي أدين فيه بوضوح دكتاتور العراق(1) وأحمله جزءا كبيرا من مسئولية الكارثة فثارت ثائرة القوى القومية وطالب آنذاك نائب الرئيـس الأول ،وكان بعثيا،  باســتقالتي(2)  ولم تحفظ

  الرابطة وحدتها إلا بصعوبة كبيرة وبفضل عودة المشاكل الوطنية  الخطيرة  على السطح واستئثارها بالاهتمام.

ولا بد من الإشارة هنا إلى  الأزمة الداخلية تزامنت مع أزمة خارجية خاصّة مع الفيدرالية العالمية التي أخذت مواقف اعتبرت منحازة لإسرائيل والتحالف الغربي وتوظيفا لحقوق الإنسان في معركة سياسية بحتة.

*

لقد أثبت الأزمتان على الصعيد العملي  الخلفية السياسية المنحازةللطرح الخصوصي ففي المرة الأولى تصدى للميثاق  باسم الخصوصية طرف سياسي هو الطرف الإسلامي  ومورست ضد الرابطة ضغوطات سياسية في شكل حملات صحفية وكان الصراع بين أطراف سياسية وحسمت الإشكالية بطريقة سياسية أي فوز الأغلبية وإسكات الأقلية أما في حرب الخليج فقد استعمل الطرف القومي  هو الآخر وسائل سياسية لفرض مفهومه لحقوق الإنسان .

لقد إعتمد هذا  التيّار الخصوصي    على سياسة المكيالين التي كانت الأنظمة الغربية تمارسها في تعاملها مع العراق وإسرائيل ليركّز على طوباوية التمسّك بالشرعية الدولية ورفضها   ثم احتمى بمفهوم حقوق الشعوب ليواجه به مفهوم حقوق الإنسان متجاهلا أن الكويتيين شعب له هو الآخر حقّ تقرير المصير ومعمّمة لخبطة نظرية في منتهى

 الخطورة وكأنّه ليس للشعوب إلاّ حقوق في علاقتها بالغرب  وليس لها حقوق في نفس الأهمية في علاقتها بأنظمة استبدادية بل ومتوحّشة كالنظام العراقي .

 وهكذا كان موقفه موقفا سياسيا منحازا تحت غطاء شفّاف واستعمال وتفويض واضحين لخطاب حقوق الإنسان . أما  التيّار العالمي فقد تعامل مع  أزمة الخليج من منظور حقوق الإنسان الشامل فرأى  فيها أزمة انتهاكات متعدّدة ومتداخلة مدينا  بنفس الوضوح انتهاكات النظام العراقي لحقّ الشعب الكويت ولحقوق الإنسان داخل العراق  وانتهاكات التحالف الغربي لحق الشعب العراقي  المتواصلة إلى اليوم و انتهاكات  الأنظمة الخليجية لحقوق الفلسـطينيين واليمنيين ورافضا  أن توضع حقوق الإنسـان في مواجهة مع  حقوق

الشعوب  معتبرا  أن الأنظمة الدكتاتورية ليست هي الوصية  على الشعب الذي تخنق داخله الحريات الفردية والجماعية.

 ها نحن داخل  لبّ الإشكالية التي يطرحها الصراع أي علاقة السياسة بحقوق الإنسان .

لا أشارك في الرأي  والموقف العديد من مناضلي حقوق الإنسان الذين يصرون على فصل السياسة عن حقوق الإنسان والذين تكاد تبصر عبر ملامحهم نفورهم  الشديد  من السياسـة وهم يتلفظون  بالكلمة  ولا شكّ أن هذا الموقف يظهر  تواصل  تأثير  الثنائية 

الأزلية مقدّس - مدنّس في الفكر فالمقدّس هنا هو النضال الإنساني والمدنس هو النضال السياسي.

لكن ّ السياسة بما هي كلّ ما يتعلّق تفكيرا وممارسة بالشأن العام كالهواء  الذي يحيط بنا ونتحرك داخله بوعي أو بدونه فهي  عامل ملتحم ملتصق بالفعل الإنساني أحببنا أو كرهنا  ومن ثمة لاغرابة أن يكون النضال الإنساني  نضالا سياسيا في أهدافه ووسائله وتنظيمه  .إنه مجرّد شكل جديد من أشكال مقاومة الاستبداد  والظلم الاجتماعي والعنصرية والتعصب وكلها ظواهر مرتبطة متجسدة متطورة داخل أشكال سياسية أكانت نظاما سياسيا قائما أم معارضا  .

إن نفورنا الشديد من كلمة السياسة داخل حركة حقوق الإنسان ناجم  عن خلط دائم بين السياسي والحزبي، مما يؤدي آليا إلى إضفاء صبغة سلبية على كل ما هو سياسي بالمفهوم العام نظرا  لما  يعاب على النضال الحزبي من مكيافيلية .

لكننا لا نستطيع أن نرمي بالسياسي مع الحزبي في سلة المهملات لأن هذا غير ممكن وغير مقبول حيث سيكون الخيار   إما ممارسة السياسة خفية  وإمّا  الاستقالة من الشأن الجماعي.

إنّ تباين حركة حقوق الإنسان مع المنظمات السياسية الكلاسيكية كالأحزاب ليس في كون هذه الأخيرة تمارس السياسة   بينما تترفع حركة حقوق الإنسان على هذا " الدنس" وإنّما في  تفاعلها الطريف والمجدّد  مع الشأن السياسي.

يتلخص هذا التجديد  في كون السياسي ـ الإنساني ممارسة شاملة غير شمولية   للسياسة تواجه السياسي ـ الحزبي كممارسة شمولية وغير شاملة لها.

إنّ السياسي ـ الإنساني مثلا شامل في كونه يربط بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفردية ولا  يفاضل  بينها ولا يضحّي بإحداها لحساب الآخر  وهو شامل أيضا في كون هذه الحقوق تغطّي كلّ النّاس دون استثناء .لكنه غير شمولي  لأنّه لا يدعي  قداسة الصلة بالغيب   معترفا بأن حقوق الإنسان نتاج عقلي وضعه البشر في مرحلة من تاريخهم عبر حوار صعب متعدد الحضارات اتفقوا عليه بصفة سلمية .

هو غير شمولي أيضا لأنه لم يعوض ركيزة مقدسة بأخرى اسمها العلم بمفهومه السطحي والمبتذل  كما تفعل الماركسية فحقوق الإنسان ليست علمانية بمعنى أنها ترتكز على تصور للعلم كنتاج لا يجوز نقاشة فيه حقيقة مصعدة تنطلق من العقل البشرية تعوض الحقيقة المنزلة من السماوات  من قبل  القوة الغيبية المتباينة الاسم الواحدة الوظيفة .

 إن حقوق الإنسان تقبل  مثلا أن لا تقبل من منطلق حقّ الرأي للجميع ومن جملتهم من لا يؤمنون بحقوق الإنسان.

إضافة لهذا فأن الخيار السلمي هو الخيار الوحيد الذي يقبل به ويمارسه التيار السياسي الإنساني .

أمّا السياسي ـ الحزبي فهو شمولي لأنّه يؤمن بقداسة أو علمية مبادئه ومن ثمة أولوية حقائقه التي لا ترفض إلا  لجهل أو خيانة وهو غير شامل لأنه  على أهبة الاستعداد للتضحية بالحريات من أجل الحقوق الاقتصادية أو العكس   لتفضيله حقوقا على أخرى 

كما ينحصر نضاله من أجل حقوق محدودة على قطاعات محدودة وطنية أو عرقية أو طبقية إضافة إلى إمكانية الركون إلى الصراع المسلح للوصول إلى غاياته.

فالمبدأ الأساسي في حقوق الإنسان وما يميزه عن السياسي الحزبي  هو :"أدين الانتهاكات التي يتسبب فيها أصدقائي  السياسيين بنفس النزاهة  التي أشجب بها  التجاوزات التي  يتعرضون لها .

لقد كان بداهة موقف الإتجاه الإسلامي والقومي في المعركتين محاولة جر حركة حقوق الإنسان لأخذ مواقف هي في جوهرها مواقف سياسية منحازة لا تعتبر إلا ثوابتها ولا تدان فيها إلا الإنتهاكات التي تتعرّض لها .

وحيث أن محاولة فصل حقوق الإنسان عن الصراع السياسي أمر مستحيل وإعتبارا لمميزات التدخل السياسي الإنساني فإن السؤال  هو كيف  يجب أن يتعامل النهج السياسي الجديد   مع  السياسي الحزبي الكلاسيكي  المتسـتّر بخطاب الإنسـان  وكيف يجب أن يتفاعل  مع

 الخصوصية الثقافية بما هي  معطى  موضوعي يوظفه "الخصوصيون " لصالح إطروحاتهم المناقضة أو الحادة من حقوق وحريات نحن بأمس الحاجة إليها لتطوير هذه الخصوصية بالذات ؟

*

بين كلمة الحق والباطل الذي يراد بها

 

إن أهميّة  الرهان السياسي في إشكاليتنا لا ينفي أن لها مستويات أخرى أو أن على الحركة العربية  العالمية التوجه ( أي الراديكالية  في دفاعها عن حقوق الإنسان )تجاهلها.

 يبقى أن الخيارات  المتوفرة للتعامل معها لا تخرج عن ثلاث .

إنّ أوّل خيار لنا هو أن نعتبر الخطاب  الخصوصي غير شرعي جملة وتفصيلا  وأن نجعل من العالمية المحكّ لكلّ موقف "صحيح " هذا الموقف بداهة هو موقف أيدلوجي لأنّه ليس لنا في ميدان حقوق الإنسان معيار كما هو الأمر في العلوم الصحيحة لنصنّف العالمية فوق الخصوصية وإنّما نحن أمام ترتيب سلم القيم وهذا الترتيب لا يمكن أن يخضع للضغط وإنّما يجب أن يكون حصيلة مساومة ووفاق كما حصل ذلك إبّان تدبيج الإعلان العالمي نفسه .

إنّ اعتماد طريق كهذا أمر محفوف بالمخاطر ذلك لأنّ المقاومة ضدّ  توجّه  متهم بالتعالي والتغرب  قد تتعاظم باحتداد التناقضات السياسية العربية _ الغربية والخطر  كما وقع في حرب الخليج  رمي الرضيع مع ماء الحمّام القذر كما يقول المثل الفرنسي أي التضحية بحقوق الإنسان  لغربيتها المزعومة  .

 فنحن لن نستطيع إقناع  القوى  الاجتماعية والسياسية الفاعلة أو الصامتة  التي تعاني من عقـدة الإهـانة بأن وضع العـالمية فوق الخصوصية ليس امتهان  لما يميزها ثقـافيا

وحضاريا عن الغرب وهي الخصائص التي يقع استنقاصها في شتى الميادين الأخرى العلمية والتكنولوجية والاقتصادية .

لكن الخيار الثاني أي  الاستسلام للخصوصية لا يعني شيئا آخر غير التراجع أمام ضغط قوى سياسية أو عقائدية رجعية تريد إفراغ حركة حقوق الإنسان من شحنتها المطلبية وإخضاعها وتركيعها وكسر شوكتها ولا شيء حسب رأينا أخطر على تماسكك حركة حقوق الإنسـان مـن التفويت في قضـايا مركزية  لأيّ  شكل من أشكال الاستبداد

كالاستسلام لضغط الدولة في موضوع حقّ الرأي والتنظيم للجميع  أو لضغط الجماعات الدينية  في خصوص المساواة بين الجنسين و الإعدام و الحدود أو لأي طرف سياسي له نظرة دونية لهذا الحق أو لتلك الحرية.

إن ما يثير الانتباه هو أنه لا يوجد خطاب خصوصي على حد علمنا يجعل من توسيع رقعة الحريات المضمونة في الإعلان هدفه بل نكتشف دوما أن همه الأوحد التنقيص والحد من هذه الحرية أوتلك لتتساوى  مع خيارات سابقة  ومصالح هذا الطرف السياسي أو ذاك  .

فموقف الخصوصيين الإسلاميين معروف بما فيه الكفاية ويتمثل في مقولات رئيسية(3-4-5) أي

* إنّ الإسلام تناول حقوق الإنسان تناولا مثاليا وكاملا وسابقا  للغرب.

* إنّ الواجبات الدينية هي نفسها من حقوق الإنسان.

لكن التدقيق في هذه المقولات يكتشف  الخلط بين رؤيتين متناقضتين ومحاولة التوفيق بينهما قسرا كما يكتشف التراجعات الهامّة في حقوق محورية تتعلّق بالحرمة الجسدية والمغالطات في قضية حقوق المرأة مثلا فالموقف الخصوصي هو أنّ للمرأة حقوق معترف بها لكن ... في إطار شروط القوامة ومع تبرير  غير مقنع للحدّ من مساواتها مع الرجل  كأن يقدّم إرثها للنصف مثلا كنتيجة لواجب الرجل في الإنفاق. (7-10) إنّ قراءة مقارنة للمواثيق الإفريقية  والعربية مع المواثيق الدولية تثبت نفس الظاهرة لكن الطرف المتسبب في التقهقر بالنسبة للمواثيق العالمية  هو الدولة الإستبدادية هذه المرة  .

فالميثاق  الإفريقي  يقيّد الحقّ في الحرية ولا يفرد بندا للحقّ في الحياة الشخصية وحقّ الراحة والحق في المستوى المعيشي ولا يركز على مساواة الرجل والمرأة إبّان الزواج (المادة 16)  بل ويكتب بصريح العبارة ( الباب الثاني ـ مادة 29 (3) أنّه "يجب على المواطن عدم تعريض

أمن الدولة التي هو من رعاياها أو من المقيمين فيها إلى الخطر" ناسيا تعريف هذه الدولة  هل هي دولة ديمقراطية أم دكتاتورية وتعريف مفهوم أمنها .

وتوجد هذه الظاهرة بصفة كاريكاتورية في الميثاق العربي الذي أعدّ من قبل الجامعة العربية في سنة 1974 و الذي لا زال ينتظر التصديق من أكثر من دولة عربية.

إنّ الظاهرة البارزة في هذا الميثاق ضمور الحقوق السياسية التي يضمنها بالمقارنة  مع الحقوق الواردة في  الإعلان العالمي (الفصل 12 ) إضافة إلى تمكين الدول من التحلّل من

 التزاماتها حتّى مناهضة التعذيب  إذا " يجوز للدول الأطراف في أوقات الطوارئ العامّة التي تهدّد حياة الأمّة أن تتّخذ من الإجراءات ما يحلّها من التزامها طبقا لهذا الميثاق ".

لا جدال في أن هدف  كل هذه العملية  تعديل وتطويع خطاب حقوق الإنسان مع  مفهوم السلطة لها وإيقافه عند الخط الأحمر الذي لا تقبل سياستها بتجاوزه.

 هكذا يتضح أن " الخصوصية" تستعمل من قبل الدولة ومعارضيها للتنقيص دوما من جذرية وتكاما الحقوق في المواثيق الدولية وأن الميثاق الخصوصي لا يضيف شيئا  في أحسن الحالات إلى الوثائق العالمية  كما هو الأمر في مشروع الاتفاقية العربية ضدّ التعذيب بالمقارنة  مع الاتفاقية الدولية.

 إنني أطرح للنقاش تفسير هذه الظاهرة وقد تقدمت بفرضية وهي أن" الخصوصية" فكرا وتشـريعا تتطور في مناخ وطني خانق تنعدم فيه الحريات وتكثر فيه الضغوطات لذلك تأتيذ

نصوصه حذرة باهتة حتى لا تثير أخطار ردود الفعل من الدولة الاستبدادية والقوى الدينية   أو القومية التي تريد استعمال حقوق الإنسان  على قياسها .

بالمقابل فإن المواثيق العالمية فكرا وتشريعا تتطور في مناخ الحرية والتنافس بين الأيدلوجيات التي لا تستطيع أن تفرض على الوفاق الجماعي إلا أرقى وأحسن ما عندها.

الخيار الثالث والذي دافعنا عنه دوما هو أن العالمية بما هي جملة من القيم والتشريعات في ميدان حقوق الإنسان  وسيلة لإخصاب خصوصيتنا  الثقافية وهي تطوير وتحديث لها و

 تندرج في سياق عملية التحديث  الشاملة التي تنتهجها الأمّة العربية منذ بداية النهضة(8-9) وهذا الأمر ليس جديدا على هذا العصر فقد أوصانا الكندي أنه لا  " ينبغي ألا تستحي من استحسان الحق وإن أتى من الأجناس القاصية  عنا والأمم المباينة لنا" .

لقد أدمجت المجتمعات العربية الإسلامية وبصفة نهائية العديد من خصائص الحداثة وهي غير مستعدّة للتخلّي عنها وآخر ما هي بصدد استيراده ودمجه هي القيم والتشريعات الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

إنّ أهمّ آليات هذا الاستيراد والإدماج هي المطالب الداخلية الجذور كمطلب الحرية والعدالة مما يجعل الحركة العربية لحقوق الإنسان إفرازة من إفرازات هذه الديناميكية المتصاعدة السرعة.

بهذه النظرة تستطيع الحركة العربية الخروج من إشكالية أولوية العالمية على الخصوصية أو العكس لتهتم بإدارة المعركة الصعبة بحكمة وشجاعة .

إنّه من مصلحتها مع المحافظة بالطبع على توجهها الراديكالي الاستيلاء على المطلب الخصوصي وتحويل وجهته من التنقيص إلى التخصيص.

فعلى سبيل المثال تعرض المشرّع العالمي لحق التنقل في البند الخامس عشر من الإعلان  لكن بصفة عامّة.

 إنّ الخصوصية التي يجب أن يتبناها العالميون هنا هي الدفاع عن حق العرب في التنقل الحر والكريم داخل الوطن العربي

 وواجب الخصوصية أيضا تبويب الأولويات فحقوق المرأة  ليست الإشكالية الأولى في الغرب ولكنّها من أولى إشكاليتنا في الوطن العربي خاصّة في جزئه الخليجي .

ومن البديهي أنّ حركة  حقوق الإنسان العربية لا يمكن إلاّ أن تلقى دعما عميقا إن هي ركّزت على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية  وهو الأمر الذي لم تفلح فيه إلى اليوم بحكم تركيبها أساسا من مثقفي الطبقة الوسطى.

كما يمكن للحركة العربية أن تركّز على التعذيب لاستشراءه ولحساسية كلّ الأطراف الفاعلة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين الإسلامي ولسهولة الوفاق حول القضاء عليه وكذلك الأمر عن ظاهرة الفساد .

وفي هذا الإطار الذي تناضل داخله الحركة العربية المتميز بظروف اقتصادية ثقافية سياسية قد يكون من الضروري  إرجاء معارك سابقة. سابقة لأوانها كالإعدام بانتظار أن يصلب عود الحركة وأن تكتسب مصداقية كافية وتأثير قوي لكي تواجه قضايا حسّاسة وصعبة مثلا الحدود علما وأن الأمر لا يعدو قضية توقيت المعركة لا تفاديها والهروب منها.

إنّ المرونة التكتيكية في إطار الثبات على المرجعية هي من أهمّ عوامل نجاح حركة رسالتها مواصلة وتعميق التحديث للخصوصية  عبر خلق وتعهّد تيار جديد وقوي داخل الثقافة العربية.

*

إن الصراع سيبقى محتدما بين توجه متجذر ليس مستعدّا للتفويت في أي حق من الحقوق الواردة في الإعلان  ومواقف  سياسية -حزبية  تستعمل الخصوصية لتمرير مواقف   غلافها خطاب  حقوق الإنسان وبضاعتها ما تروج له في مواقع أخرى وبلغة أخرى.

وليس للحركة العربية من خيار آخر سوى  التمسك بالقيم الجديدة مع اعتبار الواقع الثقافي والاجتماعي في تبويب الأولويات وإدارة المعركة بشجاعة وطول نفس .

ما هو الآن  أحسن موقف تتخذه المنظمات الدولية تجاه هذا الصراع؟

إن علاقة الحركة العالمية بالحركة العربية  هي ضرورة علاقة الشريك في نفس القيم ونفس المرجعية والحليف في نفس المعارك تجاه الدولة الاستبدادية وكلّ البدائل الاستبدادية لها إيّا كان لونها وتغليفها الأيدلوجي .

 لكن مهمة إخصاب الثقافة العربية الإسلامية بالقيم الجديدة  وفرض أساليب  متطوّرة في العمل السياسي هي مهمة المناضلين العرب و عليهم إدارة المعركة بكامل الاستقلالية والاعتماد على الذات .

إن كل ما يمكن طلبه من المنظمات الدولية هو مواصلة دعمها لكل منظمة عربية تجعل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرجعها الأساسي دون أن تتدخل في مشاكلها الفكرية أو التنظيمية  مع  حملة  مشعل "الخصوصية"

***

                                                                 سوسة  في  25  فيفري   1998

المـــراجـــــع

1 - منصف المرزوقي  : إن بعد الالم أملا ـ مجلة حقائق عدد 289  ـ  14 مارس  1990

2 - الميداني بن صالح  :  إن أتاك حديث الغاشية مجلة حقائق 290  -  22 مارس 1990

3 - محمد فتحي عثمان  :  حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الغربي

                                      دار الشروق  ـ القاهرة  1982

4 - محمد عمارة  :   الإسلام وحقوق الإنسان  ضروريات وليست حقوق

                        سلسلة عالم المعرفة الكويت  1985

5 - ابراهيم  مدعور ـ عدنان الخطيب  : حقوق الإنسان في الإسلام ـ دار طلاس دمشق  1992

6 - محمد الغزالي  : التعاليم الإسلامية وإعلانان للأمم المتحدة  ـ دار الدعوة الإسكندرية 1993

7 - أحمد كمال محمود : البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام مكتبة الآداب  ـ القاهرة  1991

8- تجديد الفكر السياسي في إطار الديمقراطية وحقوق الإنسان  ـ اليتّار الإسلامي  والماركسي والقومي كراسات ابن رشد  ـ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان  1995

9 - المؤتمر القومي العربي : حالة الأمّة العربية المؤتمر القومي العربي السابع  ـ  مارس 1997                 

10-Abdullahi  AN Naïm :  Human Rights in Gross  -  Cultural perspective  a question

                        for  consensus University of Pennsylvania press - Philadelphia  1991