الأصالة و القوة في المعاهدة العالمية لحقوق الإنسان

إيف بونيك

ترجمة حنين الهامس 

سواء كان ذلك في قصته ، أو في نشأته و محتواه و شكله ، لا يشبه نص المعاهــدة الدولية لحقوق الطفل أي نص آخر لأي معاهدة أو اعلان على الصعيد العالمي . فللمرة الأولى تنبثق معاهدة صوتت عليها الأمم المتحدة من لدن المنظمات غير الحكومية لا من مبعوثي الدول و الحكومات الاعضاء . فقد ناضل افراد و جمعيات خلال أكثر من قرن مذللين العديد من اشكال المقاومة السياسية و الثقافية و الفلسفية و الاقتصادية لكي تخرج هذه الوثيقـة الى النور في العشرين من نوفمبر /ت2 1989 . و بلا شك ، فان هذه المسـيرة هي التي أعطت هذا الغنى و تلك القوة لنص المعاهدة .

فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحقوق الانسانية التي يجمع فيها نص عام كل من الحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بآن معا . لأن حقوق الطفل ، تقع ضمن كل واسع لا يمكن تجزئة مقوماته المختلفة . و بهذا المعنى ، تكتسب المعاهدة بعدا تنبؤيا مستقبليا يفتح آفاقا للعقود و القرون القادمة .

اخيرا ، هذا النص ذو طبيعة الزامية ، و هنا التجديد الكبير مقارنة مع ما سـبقه في حقل

 حقوق الطفل حتى يومنا هذا .

صحيح أنه صدر في عام 1923 اعلان عن حقوق الطفل ، و مرة أخرى في عام 1959 ، و لكن الأمر لم يتعد اعلانين من حيث المبدأ ، لا يلزمان الأطراف التي صوتت عليهما بشئ . فقد كان الاعلان رسميا من على منبر الامم المتحدة أن للاطفال الحق في التغذية و العناية الصحية و العائلة و الحب الخ ، و كانت جميع الاطراف متفقة ، ثم يعود كل واحد من حيثما جاء دون واجبات او التزامات من أي نوع كان . بالطبع ، يتم توزيع ملصقات طبعت بسرعة لهذه الغاية و يرى الجميع فيها عملا خيرا دون أي تعهد .

بينما تم اقرار المعاهدة الدولية لحقوق الطفل و من ثم التصديق عليها من قبل الدول الاطراف الأمر الذي يمنحها سمة الاتفاقية الملزمة ، و بذلك تقع على الدول الاطراف مسؤولية التعريف بها و شرح محتواها و تطبيقها على اراضيها . كذلك لكل بلد الحق و الواجب بتنبيه و انتقاد أي بلد آخر ، في حال تقصيره و اهماله في تنفيذ بنود المعاهدة ، فمثلا ، تستطيع البرازيل أن تقول لفرنسا : » انتم لا تطبقون النص الذي صوتنا عليه سوية ، نطلب منكم القيام بذلك « (والعكس بالعكس طبعا) . و نجد في كل مادة من مواد المعاهـدة : » الدول المعنية تلتزم بـ .. « و بعد لتوقيع و التصديق على ذلك يعطى هذا النص قيمة دستـورية ضمن النظام القانوني للبلد الطرف.

و اليوم ، اصبحت المعاهدة العالمية لحقوق الطفل مرجع لكل مواطن أو طفل ( عبر محاميه) أو والدين أو قاض و ذلك عند البث في أية قضية تتعلق بطفل .

و ان كان القانـون الفرنسي مثلا يتعارض مع المعـاهدة، فإن الكلمة الأخيرة و الحاسـمة

للمعاهدة. الأمر الذي يعطيها صفة غير عادية . و هكذا فقد بدأت المرجعية الفقهية للقضاة تدخل نص المعاهدة اليها مجبرة الدول الموقعة على ملائمة تشريعاتها معها .

بفضل هذه المعاهدة ، فان تغييرات في العقلية و التقاليد القانونية و السوسيولوجية ستحصل لا  محالة ، و من المفارقات التي ستظهر دون شك ، ان الاطفال هم الذين سيمهدون الطريق لتغيير المجتمع نحو وعي أوسع و أعـمق للحـريات و ربما لواقع سياسي و اقتصادي أكثر ديمقراطية .

و من الخطأ الاعتقاد بأن ضغوط المعاهدة و الزاماتها سيؤدي الى تطبيقها الكامل و في كل البلدان ، و بديهي أن ذلك للأسف لن يحصل ، و يتجلى الأمر بوضـوح في الحياة المعيشية اليومية للأطفال في انحاء العالم . فالمعاهدة بالطبع لم تنشئ لا محكمة عدل دولية لحقوق الأطفال و لا بوليس دولي للسهر على تطبيق قوانينها. و لو افترضنا  وجود هكذا مؤسسات فان معظم وقتها سيذهب في تنديد وادانةـكل بلدان العالم ، و بالتـالي فان هذا لن يسمــح بأي تقدم يذكر .

لقد فضّل صياغ نص المعاهدة ابقاء الطابع التربوي و الدينامي عليها مع بقائها المرجع و الأداة القانونية الأمر الذي من شأنه ان يقوم مقام السند و المحرك لمضاعفة امكانيات التقدم . و من هذا المنطلق تشكل المعاهدة مشروعا لمجتمع مستقبلي ؛ نص طـوباوي ؟ بالتأكيد ، ولكن الواقعية الجريئة التي تم وفقها اعداد المعاهدة تجعل منها قاعدة ديمقراطية قوية لكل تقدم قادم.

فمثلا ، الاعتراف بالذات القانونية للطفل و اعتباره شخص سيؤدي الى تغييرات عميقة في العقلية و العادات وسيرغم الكثير من المجتمعات و التقاليد و الاعراف الاقتصادية و السياسية على التحول ، و بهذا تكون حقوق الانسان و الديمقراطية هما الرابح الاساسي .

و بعد مرور ستة أعوام على معاهدة حقوق الطفل ، فان كل الذين ناضلوا من أجـل الطفل ، لكي يعترف به كشخص مستقل في ذاته ، و كل الذين يعتبرون ان له الحق - و بصفته طفل - في الحماية و التغذية و العناية و التربية و المحبة .. ، و كل الذين يعتبرون أن الطفل ليس فقط هو مستقبل الانسانية بل أيضا حاضرها و بدونه لا يكون الانسان انسانا ، كل هؤلاء جميعا تغمرهم السعادة ، نعم ، لقد هللوا فرحا عند قراءتهم لنص المعاهدة المجدد و الجرئ ، الثوري و التنبؤي احيانا .

منذ 20 نوفمبر/ت2 1989 تاريخ اعلان نص المعاهدة صدقت عليها مئة و خمس و ستون دولة ، حتى اليوم ، ماذا حدث و أين نحن ؟

لنعلم أنه و خلال الدقاق التي تقرؤون فيها هذه السطور هناك آلاف الاطفال الذين يموتون بسبب امراض التهابية قبلة للشفاء أو بسبب سوء التغذية . الحق بالعناية ، الحق بالغذاء !

المجاعة و الأمراض تقضي على ملايين الأطفال سنويا .

الحروب في العالم قتلت في عام 1975 مثلا عشرات بل مئات الآلاف من الأطفال الأبرياء ، في يوغسلافيا السابقة ، في رواندا و كثير من البلدان التي لا نتكلم عنها ابدا .

الألغام الفردية و المنسية في أراضي افغانسـتان أو كمبوديا و بعد انتـهاء الحروب مازالت

 تقتل و تشوه حياة آلاف الأطفال .  حق حماية الاطفال خلال الحروب و الصراعات المسلحة !الحصار المفروض من قبل  المجموعة الدولية كعقوبة بحق الانظمة الدكتاتورية أدى الى تجويع و موت عشرات الآلاف من الأطفال في هاييتي ، في العراق ، و حتى في كوبا . الحق في الحماية و التغذية و العناية !

أكثر من مئتي مليون من أطفال الشوارع همهم الوحيد هو البقاء على قيد الحياة بأي وسيلة كانت . حق الحياة ، حق السكن ، الحق في عائلة !

مئة و خمسون مليون طفل لم يعرفوا في يوم من الأيام مقاعد المدرسة ، و بالتـالي فلن يعرفوا في المستقبل سوى طريق مسدود و أليم من عدم التربية و الأمية .

أكثر من مئة مليون طفل في العالم يستغلون في العمل و منذ السادسة من عمرهم ، محطمون و مشوهون في أجسدهم و شخصياتهم الى الأبد . الحق بالاحترام ، و بالحماية !

عام 1990 ، اجتمع رؤساء دول و حكومات ليتخذوا سوية قرارات تهدف و خلال السنوات العشر القادمة لانقاذ الاطفال من المجاعة و من امراض الأطفال و من الحروب و توابعها . و أكدوا رسمي و ضمن اعلان تم في نيويورك التزامهم بالقيام بخطوات كفيلة لكي يصبح الطفل من أولويات اهتماماتهم .

بعد بضعة أسـابيع فقط انفجرت حرب الخليج و التي وصفناها بـ ( الحرب النظيفة ) و(عملية جراحية موجهة )  الخ متجنبين بذلك السكان المدنيين . و لكن الأطفال كانوا أول الضحايا.

لقد كنت في بغداد من بضعة اشهر ، و زرت الملاجئ التي تكدس فيها مئات من أطفال المدارس خلال قصف الحلفاء . ان آثار دماء الصغار الابرياء مازالت منثورة على الجدران ، و الذين سيبقى موتهم وصمة عار في ضمير الانسانية . الحق بالحماية في ظل الصراعات !

هل كان اعلان العشرين من نوفمبر/ت2 1989 قطعة ورق منسية ؟

لا أعتقد ، فوجوده بحد ذاته يعتبر مكسبا للضمير العالمي و مرجع تقدمي في درب الانسانية.

ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، وريث الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان و المواطن قد اثار الضمائر و الوقائع ، و ساعد في انقاذ حيـاة الكثير من البشر و استرجاع الكرامة المهدورة لمئات ملايين الأفراد ، و ساند الديمقراطيين في معاركهم ضد العسف و الاضطهاد. فباعتباره مرجعا اصبح من مقومات الوعي . و ان حدث تراجع مؤقت في تطبيقه ، فانه سيبقى منقوشا على لوائح حجرية و مكتوب في اللوائح القانونية و محفورا في قلوب البشر .

ان التأكيد المكتوب لحقوق الطفل له أهمية كبيـرة ، حيث اننا و باســمه ، نستطيع اليوم ادانة استغلال الاطفال في العمل ، و التنديد و الفضح للدعارة الطفولية ، ادانة قتلة اطفال الشوارع و استجواب المسؤولين عن اسباب المعاملة السيئة التي يرزخ تحتها الأطفال و محاربتها .

و لكن علينا ان لا نحلم كثيرا ، فهذه المعارك ليست مضمونة الانتصار مسبقا و علينا متابعة النضال بلا توقف .

بصفتي مسؤول عن » اطفال العالم - حقوق الانسان « ، و من خلال عملنا ، لم التق ابدا بمسؤولين سياسيـين يرفضون انتقاداتنا و الحجج التي ندعم بها دعوانا . صحيح انهم

 يعترفون بوجود اطفال يُقتلون في بلادهم و أخرون يجري استغلالهم ، وفي احيان اخرى ينكرون وجود سوق منظمة للاتجار بأعضاء الاطفال ، أو يرفضون وجود أطفال ضحايا المعاملة السيئة . و لكنهم مع كل هذا لا يستطيعون ابد الاحتجاج على نص الـ 20/11/1989 و الذي نرفعه دائما أمام اعينهم مذكرين بأن برلماناتهم قد صدقت عليه . و هذا بحد ذاته انجاز .

و اخيرا ، و هذا مهم جدا ، انه من خلال تجربتي المتواضعة رأيت قيام جيـش ضخم من المدافعين عن حقوق الطفل ، ان كان في فيتنام أو في هاييتي أو في البرازيل أو في بلـدان اخرى ننشط فيها . جيش يعمل يوميا لتغيير الواقع و المطالبة ببدء تطبيق الحقوق الاساسية وليدة معاهدة الـ 20/11/1989.

جيش من المساعدين الاجتماعيين ، اطباء ، جمعيات بمستوى وطني أو بمستوى أحياء ( حي فافيلا بمدينة رسيف البرازيلية ، في كاب و بورت اوبرنس في هاييتي ، في مدينة هوشي منه ، و في مدن الصفيح الأخرى الموزعة حول كبرى مدن العالم ) ، و بشكل خاص مجموعات من الأطفال تناضل لكي تصنع العالم الموعود و المكتوب في نص المعاهدة .

و كشاهد يومي في مدارس و معاهد فرنسا التي ازورها كحامل لرسالة حقوق الاطفال ، ارى عن كثب و عي الاطفال بأنفسهم و اكتشافهم لحقوقهم و كيف يبتكرون و بتضامن مدهش النشاطات الهادفة لتعريف زملائهم بما يحصل في مشفى الجــذام في بنسان و في مدرسة اطفال الشورع في هوشي منه و عمل صيادي المحارات الصغار في مدينة رسيف ، و تعلم مهنة البحارة في فايتون شمالي هاييتي الخ.

ان عالم الأمل و التضامن يولد و ينمو و لو بشكل خجــول و لكن حقيقي و الفضل للمعاهدة .

صحيح ان العالم مازال اسودا و خاصة عندما نــرى المصائب التي تحصد الابرياء ، و لكن هناك آلاف الوجوه الصغيرة التي تبتسم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ايف بوانيك هو رئيس منظمة » اطفال العالم - حقوق الانسان « و قد نشر المقال بالفرنسية في العدد الخاص التي اصدرته مجلــة » جنوب-شمال « الفرنسية عن الطفولة