الصرع العربي الإسرائيلي و تطور الديمقراطية في العالم العربي

د. هيثم مناع

 

أود بادئ الأمر ان أشكر "جماعة تنمية الديمقراطية" لدعوتي لإلقاء محاضرة بهذا العنوان و هو  فخ  قبلت  الوقوع فيه سواء من الناحية المنهجية أو من الناحية الشكلية المحض . فبمتابعة الكتابات التي تناولت الموضوع من قبل ،  تفاجأت الحقيقة بغياب دراسات معمقة حول هذا الموضوع (1). و أظن أن السبب عائد إلى أن مسألة كهذه تحتاج أولا إلى مقاربة متعددة الميادين تأخذ بعين الاعتبار :

1- علم نفس الجماهير المعنية بالصراع

2- أوليات تكوين الوعي السياسي السائد

3-طبيعة تكوين هياكل السلطة في أطراف الصراع و تطور هذه الهياكل و علاقة التطور بالعوامل الداخلية و الخارجية من جهة و التاريخية و المعاصرة من جهة ثانية 

4- اواليات (ميكانيزم) تكوين الطبقة السياسية و تجمعات المصالح المختلفة و طبيعة السلطة.

* فإذا ما تناولنا القضية من وجهة نظر جيو سياسية و استراتيجية أو من وجهة نظر الانعكاسات المباشرة على التركيب المجتمعي يصعب اعتبار العالم العربي وحدة متجانسة في تأثرها بالصراع العربي الإسرائيلي . فمن الضروري تقسيم الدول العربية إلى فضاءات ثلاثة 

1- المجتمع الفلسطيني الذي شكل هذا الصراع بالنسبة له خطرا وجوديا مباشرا .

2 - دول التماس التي زرعت خارج حدودها قوة استيطانية عسكرية معادية و داخل حدودها مخيمات تأوي ضحايا هذا المشروع الاستيطاني .

3 - باقي الدول العربية  التي تعاملت مع الصراع ضمن منطق سياسوي عام أو تضامني شعبي دون أن تتأثر بنيتها الدولانية و نظامها السياسي ، و لو أنها على الصعيد العسكري بقيت جزءا من حسابات التفوق العسكري الإسرائيلي المتفق عليه غربيا.

* أما على صعيد التكوين النفسي و أوليات الوعي الجماعي ، فالمسألة مختلفة تماما و لا بد لنا من تناول يقوم اكثر على عنصر الزمان منه على عنصر المكان . و هنا يمكن الحديث عن تواريخ أساسية طبعت  التوجهات العامة للشارع العربي سواء بشكل عام أو في مناطق محددة من العالم العربي : ما قبل 1948 ، ما بعد 1948، 1956-1958 ، 1967 ، 1979 ، 1990. و سنحاول استقراء ما نراه اساسيا مع قناعتنا المسبقة بأن محاضرة واحدة غير كافية للالمام بكل جوانب الموضوع والاسهاب فيه.

الصراع العربي الا.سرائيلي و النسيج الا.جتماعي - السياسي

حطمت نشأة دولة اسرائيل الخارطة البشرية الطبيعية لشعب فلسطين ، و سواء كان عمل المحلل ماركسي النزعة او فيبيريا ، فقد اعيد نمط الحياة نفسه وفق ماآلت اليه حرب 1948 و اصبحت كلمة المخيم جزء لا يتجزأ من الوعي الجماعي من جـهة و التركيب الاجتماعي

من جهة ثانية . و يشبه المخيم الحياة بعد زلزال ارضي او بركان فلا ارض و لا سكن و لا زرع و لا مؤسسات . و بهذا المعنى  حطمت ولادة دولة اسرائيل و هزيمة شعب فلسطين ما يمكن تسميته دون حرج بالترف الديمقراطي لحاجة الناس الماسة الى اوليـات البقاء على قيد

الحياة . ان اعادة ترتيب الاوليات هذه قد شلت الطموحات الديمقراطية الضعيفة بالاساس . اما دول التماس  التي خسرت حرب 1948 ، فقد علت فيها صيحات جيل جديد يعتبر نقص الجاهزية الحربية و الاستعداد من اسباب الهزيمة.  الأمر الذي اعطى العسكرة قوة اعتبارية و قيمية كان الضباط بحاجة لها ليثبتوا جدارتهم في قيادة الامة في الحرب و السلم . و لقد توجهت سورية و مصر باتجاه العسكرة بنسب مختلفة ، ثم جنح الانموذج السوري الى الافراط في حجم المؤسسة العسكرية التي اكتشف فيها قاعدة الاستقرار الاقوى لسلطته الهشة . فمنذ 1967 و عملية العسكرة تجري على قدم و ساق ، بحيث ان قوات الجيش و الشرطة العسكرية تتجاوز في سورية النصف مليون شخص. لقد اعادت عملية العسكرة هذه تنظيم العلاقة بين التجمع المصلحي العسكري الحاكم و المجتمع جاعلة من الأخير الرعية الطائعة للأول. و استطاعت السلطة التسلطية العسكرية من لجم اي تحرك باسم المخاطر الخارجية. لن نكشف سرا عسكريا ان اشرنا الى ان جدارة الجيش لا علاقة لها بهذا التضحم الباثولوجي و ان الوحدات الاحدث تسليحا هي تلك المكلفة بحماية السلطة و ليست تلك المسؤولة عن حماية البلاد.

ليس بالامكان القول ان العسكرة كانت خيارا استراتيجيا ناجحا او ضروريا من وجهة النظر العسكرية ، فاقوى اشكال المواجهة العربية الاسرائيلية كانت على حدود البلد العربي

الاقل عسكرة (لبنان) . ومنذ 1973 و سورية تعيش في ظل اتفاق وقف اطلاق النار و لم يجر اي اختبار فعلي لقدراتها على الجبهة السورية، و قد كان حضورها في اجتياح 1982 لبيروت مهزليا . لقد كان بامكان سـورية دون أية اشـكالية أمن قومي ان تخوض في هامش من

 الحريات مشابه لذلك المسموح به في لبنان مثلا ، الا ان العقلية و التركيب كلاهما لا ينسجمان مع اية مغامرة تأخذ بعين الاعتبار كرامة المواطن .  و من المؤكد ، ان هذه العسكرة المفروضة على المجتمع قد قضت على اية طموحات للدمقرطة مهما كانت متواضعة .

 من جهته ، لم يحتج الملك حسين الى الايديولوجية البعثية لفرض استتباب النظام منذ ايلول الاسود و حتى فورة الخبز الاردنية في 1989. ان الصورة الليبرالية الاقتصادية التي تعطيها المملكة في هذه السنوات لا يمكن ان تخفي واقع دولنة اكثر من نصف الاقتصاد المحلي و امساك الحكم بمفاتيح السلطان السياسي و المالي . و ان كان ولاء البداوة له قد حجم مخاطر التواجد الفلسطيني ، فان هذا التواجد عينه ، و الذي تضاعف في ستة ايام ، هو الذي خلق حالة من "الفوضى" سمحت بين حرب 67 و مأساة ايلول بتجربة غنية للتعدد و الحوار و الصراعات السياسية و الفكرية في المخيمات و معسكرات العمل الفدائي. لقد فتحت المقاومة الفلسطينية بمجرد وجودها في معسكرات اليأس الجماعية ساقية النقاش الحر من حولها مفجرة  حركة القوميين العرب و الحركة الناصرية و الحزب الشيوعي السوري و منعشة اتجاهات جديدة متعددة . و من المؤسف ان انحسارها الى بيروت قد ترافق مع تعزيز أجهزة الأمن على حساب أجهزة الثقافة  بحيث لم يتمكن مجلس أركان الفاكهاني من اعطاء الديمقراطية الاسـبقية على التصفيات الجسدية و المؤامرات التنظيمية و التحالفات

المخالفة للطبيعة ، و كانت علاقة المقاومة التعسفية مع سكان جنوب لبنان من أسباب ردود الفعل العنيفة التي تولدت في الجنوب و أعطت الراية لحركة  امل و حزب الله ، و كلاهما ضعيف الايمان بأهمية الديمقراطية. و تبقى الهمجية الاسرائيلية من اسباب زعزعة ثقة الناس في

 هذه المنطقة بكل شئ من الامم المتحدة الى القوى العظمى و حتى المنظمات غير الحكومية . فقد جربت اسرائيل كل ما في جعبتها من تشكيل دولة لحزام أمني  لاحتلال كامل لقصف متتابع. و كما قالت فيوليت داغر بمرارة في مداخلة  لها  : " منذ عشرين عاما و الطائرات الاسرائيلية تبعث بالقنابل لتعلم ابناء جنوب لبنان طبائع الديمقراطية " . 

يصعب الحديث عن تحولات بنيوية في بنية السلطة و الجيش خارج دول الطوق . فالجيش العراقي لم يزد عدده عن 90 الف مقاتل قبل حرب الخليج الاولى .  أما العسكرة القذافية فمن المثير للسخرية ان نطرحها كعنصر في التوازن الاستراتيجي الاسرائيلي العربي و هي مفيدة أكثر كفزاعة لجمع أموال أبناء الجاليات اليهودية لصالح اسرائيل المهددة منها  لاستعادة شبر من أراضي فلسطين . و لا يزيد حجم المساعدة السعودية برأينا أهمية عن ذلك ، فقد دفعت المملكة خوة  لأنظمة و منظمات لجمت عنها مخاطر الأعمال المسلحة طيلة فترة الهيجان الفلسطيني في المنفى .

علم نفس الجماهير و تتابع  إفراز النخب 

أوجدت ولادة إسرائيل في المنطقة العربية صدمة نفسية هائلة على صعيد الوعي الجماعي العربي . لم يكن بمقدور الإنسـان العربي أن يقبل بوجود دولة إسرائيل بأي مقاربة كان ،

فلا هو مؤمن بوعد التوراة لشعب الله المختار و هو لم يكن طرفا في مشروع الإبادة النازية لليهود و قد سمع من تعلم منه في مدارس المستعمر أن دوله الديمقراطية قد حلت مشكلة الاقليات الدينية في الغرب إضافة إلى علمه بوجود شعب فلسطيني على ارض الميعاد . لم يكن من واجب الخطاب الوطني أن يبصر براءة الأطفال في عيون المشروع الصهيوني ، و لم

 يكن للعلمانيين الراديكاليين أن يقبلوا بدولة قائمة على الأسطورة الدينية و هم ، كما قال حينها الشاعر المصري جورج حنين ،  يحاربون كل مرجع ديني للدولة . لقد فرض على الشيوعيين الموالين للسوفييت قبول موافقة موسكو لمشروع التقسيم و كانت النتيجة أن هذا الموقف قد همشهم اكثر مما همشهم خوف المؤمنين من الشيوعية .

إن الرفض الجماهيري للمشروع الصهيوني رفض حسي يقوم على أساس عقلاني رغم عفويته و يعتمد على إحساس رافض للظلم و شعور بالخطر . كان جدي الفلاح الذي توجه مرارا إلى حيفا للعمل المؤقت  قبل 1948 يحدثنا عن تلك المرحلة بالقول  : " يا جدي كنا نشتم رائحة الموت ، هالناس عمتشتغل لتحكمنا كلنا". لم يكن من مصلحة  الحركة الصهيونية أن تلجم عقال متطرفيها كما أن حركة التحرر الوطني العربية كانت تحتوي على كل أنواع مرق التوابل . و من المجحف بحق عناصر الصراع الإقليمية أن نبحث في مملكة سليمان عن نوازع كره غير اليهودي أو في الخلافة الإسلامية عن أصول غياب الطلائع الديمقراطية . فأهم مصادر الاستلهام و التأثر العالمية و الإقليمية و التاريخية لم تكن ديمقراطية . و عندما كانت ، لم تكن بالقوة الكافية لاقناع مهديي العوام بالضرورة التاريخية للالتئام الاجتماعي في إطار تقاسم السـلطة . فهذا المفهـوم يعني طبقات الأمس

الاجتماعية و السياسية و مناقشة إمكانية التعايش المشترك بين التعبيرات السياسية و المشاريع السياسية المختلفة .  لقد تزامنت نهاية المشروع القرون وسطي المحلي (الخلافة العثمانية ) مع تصاعد الاتجاه العالمي للاوتوريتارية الثورية أو العنصرية :  بداية عهد موسوليني (1922) و سـتالين (1924) و صعود الفاشـية في ألمانيا و الأزمة الاقتصادية و الاتجاهات المتصلبة في

 الولايات المتحدة . ان التواتر بين صعود الفاشية في أوربة و التفهم العالي لهذه الظاهرة  في الولايات المتحدة مع تواجد اتجاهات قومية غير ديمقراطية قد طبع جيل حركة التحرر القومية الصاعدة الذي سبق و انكشفت هزالة الشعارات الديمقراطية في ممارسات المستعمرين الغربيين. و ليس من الغريب أن نقرأ في الآن نفسه في تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية صدر في 1937 : "إن الفاشية تناسب روح إيطاليا " فقد "جلبت النظام بعد الفوضى و الانضباط بعد التسيب و الوفرة بعد الإفلاس ". (2)

إلى أي حد يمكن الحديث عن هوامش ديمقراطية في الحياة اليومية في ظل سلطات الانتداب في سورية الطبيعية ؟ لا شك بأن من المستحيل للقوات الاستعمارية أن تقيم سريعا أجهزة القمع اللازمة  لإخراس البشر خاصة و أن الجهاز العثماني لم يورث جزاريه لأحد . و في مراحل الانتقال في بناء الكيانات السياسية من قبل قوات أجنبية هناك هوامش متعددة للعمل السياسي ، هذه الهوامش ازدادت أهميتها مع بناء طرق المواصلات و إدخال التقنيات الحديثة التي أدمجت العوام في العملية التاريخية عبر وسائل  لم يبذلوا عسير جهد للحصول عليها. و بذلك غزت القرى السهلية و الجبلية المدن حاملة معها كما يقول محمد حافظ يعقوب أحقـادها الصغيرة و يقظتها التي لا تميز بين تصفية الحساب القروي أو الطائفي و

المشروع الحضاري (3 ) . أما في بوتقة الصراع المباشرة ، فلسطين ، فيمكن القول أن الصراع الوجودي قد فرض أولوياته بحيث لم يكن تعبير تطور الديمقراطية في فلسطين ذي دلالة أساسية ، في حديثه عن تلك الحقبة كتب جول ميجدال : " في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين ، فان الصراع المتواصل بين اليهود و العـرب ، فضلا عن النظام الكولونيالي

 الذي شجع الانقسام المؤسسي ، قد منع تنامي مجتمع مدني يشتمل على كلا الشعبين في كافة أنحاء البلد . و حتى في داخل الحدود الاجتماعية لكل مجموعة من مجموعات المجتمع ، فان ضرورات الصراع ، و الحاجة إلى حشد و تعبئة الناس و الموارد بأوسع قدر ممكن ، و مجابهة تحدي عملية التنظيم في إطار ظروف الكولونيالية ، قد ركزت الاهتمام حول المنظمات السياسية المركزية لكل جانب . كانت تلك الفترة حاسمة لكل من الجانبين في مجال تطور العلاقات بين السياسة و المجتمع . و بالنسبة لليهود و العرب على السواء ، فقد تدافعت المجموعات الأساسية من أجل بناء منظمات سياسية مركزية لمواجهة البريطانيين و بعضهما البعض ، حتى قبل ذوبان المجتمعات نفسها في إطار الحدود الجديدة التي فرضها البريطانيون . لم يكن هناك مجال كبير لنشأة المنظمات المدنية ذاتية الاستقلال في كلا المجتمعين اليهودي و العربي ، إذ أن المنظمات السياسية تطلبت السيطرة الكاملة على تنظيم الحياة الاجتماعية . "(4).

لقد صنعت النكبة أساطيرها و أيديولوجيتها المتمركزة حول العودة ، الثأر و النصر . فقد ألغت قرارات الأمم المتحدة مفهوم الشرعية الدولية في أذهان الناس و وضعت الشرعية الركيكة لأبناء الليبرالية الكولونيالية على كف عفريت . و تعبر سـرعة وتيرة الانقلابات

العسكرية في سورية عن مدى هشاشة كل مرجع محلي للشرعية بعد حرب 1948 ( 3 انقلابات في عام 1949 ؟ ) و لقد بدأت تنشأ شرعية "ثورية" بدون ثورات ، شرعية تربط المصير بالمخلص -بالمفرد - حزبا أو فردا أو جيشا . " لم يكن الطلب على الديمقراطية من قبل المحكومين في عقدي الخمسينات و الستينات واهنا فقط بل و ملتبسا على الأرجح .

فلئن انخرط المحكومون في العقيدة التي يروج لها الزعيم الملهم بخصوص مساوئ الحزبية و التعددية و فضائل تغيب الرأي المختلف و سيطرة الحزب الواحد الذي يقوده الزعيم نفسه ، فان هذا الأخير زرق خطاب التحرر السياسي بجرعة قوية من الأساطير التي تخلط بين الخصوصية و الاستبداد و العدل و العسف " (5)

لم يكن التسلط خيارا وحيدا لدول التماس العربية و الدول الأخرى بل لعله و بكل المعاني قد شكل الخيار الأسوأ ، فلا وطن و خطاب وطني في غياب أسس المواطنة ، لقد حقق المماليك انتصارات عسكرية هامة تبعتها عقود انحطاط و لم تكن انتصارات الجيش الانكشاري العثماني اقل عارا . أما بالنسبة لدولة إسرائيل و حملة إيديولوجية الدولة اليهودية فقد كانت خياراتهما محدودة إلى حد كبير، و لا نستغرب شبه الإجماع على شكل طائفي للنظام السياسي مع هيكل برلماني للقادمين من بلدان ليست ذات خبرة ديمقراطية ، ففي الوعي الجماعي و السياسي لحقبة نشأة الدولة ، يشكل العمق اليهودي في الغرب المحور المركزي لالتزام دول الغرب بدعم إسرائيل و المنظم الأساسي لقنوات الثروتين الوافدتين  البشرية و المالية . و لا يمكن للإسرائيليين تعبئته أو منحه  السـلاح اللازم على

المدى الطويل دون انتساب الحد الأدنى في الأنموذج و المصالح مع الدول الغربية . لقد حول الإسرائيليون عدوانيتهم باتجاه الشعب الفلسطيني و العرب للتمكن من بناء شبه انسجام داخلي أساسه النحن و الآخر ، و شكلت فكرة القبيلة المحاطة و المحاصرة  التي تخوض معركة وجود أو لا وجود  أساس الضرورة الحيوية لمفهوم المشاركة في السلطة و تداولها .

إلا أن البعد الطائفي للدولة لم يتوقف عند غير اليهود ،  فقد دخل في شرايين التركيب الاجتماعي اليهودي نفسه خالقا هوة كبيرة بين اليهود الشرقيين و اليهود الغربيين من جهة  و تحت انتماءات وفق بلدان المنشأ من جهة ثانية. على صعيد الانسجام الأيديولوجي ستبقى الصهيونية لسان حال الأغلبية الساحقة رغم قراءاتها السياسية المختلفة . أما العسكرة البنيوية للمجتمع و الدولة فقد أظهرت منذ وقت مبكر أن الجيش وسيلة ارتقاء سياسية اكثر هيبة من الحزب و الجامعة ، و في اجتماع هذا الثلاثي تكتمل الصورة .

بنت الإيديولوجيات القومية العربية خطابها المهدوي على حتمية و اقتراب الانتصار الذي يزيل العار عن الأمة المغتصبة ، و قد منحتها التجربة الناصرية الصاعدة زخما نفسيا هائلا  فعبد الناصر أمم القناة و حقق الاستقلال و أول وحدة عربية معاصرة و بالإمكان الذهاب معه إلى آخر الشوط لتحقيق الرسالة الخالدة المنشودة . لذا و رغم الإنتاج السياسي الخصب لتجربة 1954-1958 لم تناقش بجدية من أي طرف جماهيري قضية الحفاظ على التعددية الحزبية و الاستقلالية النقابية و الأهلية. و على العكس فقد استخدمها خالد بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري كذريعة لرفضه للوحدة و حل حزبه . أما

 بالنسبة لعبد الناصر فلم يكن هناك أية أوهام حول ضرورة العودة إلى ما اعتبره جيله النظام الملكي القديم :  في مقابلة للرئيس جمال عبد الناصر مع رئيس تحرير جريدة هندية في مارس 1957 قال الصحفي : هل يمكنني أن أوجه إليك السؤال التالي : ماهي الديمقراطية ؟ و يجيب ناصر : كان يفترض وجود نظام ديمقراطي في مصر في الفترة الواقعة بين عامي 1923 و 1953 . و لكن ما الذي قدمته هذه الديمقراطية لشـعبنا ؟ أقـول لك : في تلك الفترة كان

 ملاك الأرض و الباشوات يحكمون شعبنا . لقد استخدموا هذا النمط الديمقراطي :أداة سهلة لتحقيق مصالح النظام الإقطاعي . لقد رأيتم الإقطاعيين يجمعون الفلاحين و يسوقونهم إلى غرف الاقتراع ، حيث كان الفلاحون يدلون بأصواتهم طبقا لتعليمات سادتهم .. إنني ابغي تحرير الفلاحين و العمال سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الاقتصادية ، بحيث يمتلكون القدرة على قول "نعم" . إنني أود أن يصبح بمقدور الفلاحين و العمال أن يقولوا "نعم" و "لا" دون أن يؤثر ذلك على سبل رزقهم و قوتهم اليومي . و هذا من وجهة نظري هو أساس الحرية و الديمقراطية "(6) .

لم تكن قناعة الضباط البعثيين السوريين تختلف قيد أنملة عن هذه الاطروحات ، و قد كان في جمجمة معظم أعضاء اللجنة العسكرية التي تشكلت سرا في مصر هذه الشعبية الأسطورية للزعيم التي يمكن أن يعاد إنتاجها، عبر شخصه ،  في ماركة بعثية مسجلة .

لم تشكل حرب حزيران 1967 بهذا المعنى المنعطف الذي أعاد للديمقراطية الاعتبار بعد هزيمة النظامين الناصـري و البعثي في الحرب ، فالأقـلام الجديدة تتحدث عن حرب التـحرير

الشعبية و نجاح ستالين في عملية تصنيع الاقتصاد السوفييتي كما يؤكد صادق جلال العظم، و تجمع الستالينيات "الجديدة"  على أن الثورات الناجحة هي تلك وحسب التي قادها حزب شيوعي ثوري، وان من الترف إضاعة الوقت مع القوى الانتهازية على يمينه و الطفولية على يساره. إلا أن كره الستالينية نفسه و سيف القمع، أكثر منه وعي ضرورة تاريخية ، سيجعل للمدافعين عن الحريات الديمقراطية أنصارا في صفوف اليسار في مصر و سورية و لبنان .

لقد كنا جميعا نعيش تحت طائلة هزائم الجيل الذي سبقنا و هاجس هزيمة محتملة الأمر الذي عزز مواقع أصحاب المواقف الصارمة و اظهر الاتجاه الأكثر ديمقراطية كتعبير للميوعة و الهلامية و ضياع الرؤية الواضحة. و للأسف فان أول حملة الكتابات الديمقراطية كشعار مركزي كانوا في الممارسة يغطون تجاوزات الأصوليين و يتسترون على الطبيعة التعسفية لمصادر لقمة خبزهم الفلسطينية أو الليبية أو العراقية أو السورية  و بشكل أقل من اليوم ،  السعودية . أما الجمهور الأوسع فلم يعد يثق بعالم الإنسان فصعد إلى السماء بحثا عن نجدة الله لإنقاذه من ظلم حكامه و الصهيونية و الإمبريالية الذين اتفقوا على كون الديمقراطية علاج غير ناجع له. إن إسرائيل ، كما يقول عزمي بشارة ، " تميل إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية في أي بلد عربي تعتبر مجازفة كبيرة ، بمعنى أن إسرائيل لم تتغلب - و لا اعتقد أنها في المدى القريب سوف تتغلب - على شعورها بالغربة في المنطقة ، و على شعورها بأن التقدم و التكنولوجيا و الديمقراطية العربية هم تهديد لها." (7).

و لا شك بأن مفهوم السيادة بمختلف تعريفا ته السياسية و الاقتصادية ذو صلة مباشرة و بآن معا بالديمقراطية في العالم العربي و بالصراع العربي-الإسرائيلي في ذاته و في مجمل صلاته بالحقبة الكولونيالية الجديدة.(8)  و بالانطلاق من هذه المسلمة يصعب تصور سيناريوهات أمريكية تصب في صالح تشكل دولة-أمة ذات طابع ديمقراطي و تنموي في الأرض العربية . و بهذا المعنى التقت المصالح الأمريكية و الإسرائيلية مع الكيانات التسلطية على أكثر من جبهة و من أكثر من منظار .

فلقد فرغت هذه الدول مفهوم السيادة من محتواه بتغييبها للمواطنة باسم الوطن و خلطها بين أمنها كسلطات و سيادة الأمة، فالحكومات المتتابعة لحافظ الأسد  ، القائد العام للقوات

المسلحة في دولة تماس لأطول فترة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تعتبر هذا الأمن عينه سببا لغيابٍ مشروعٍ و إرادي لديمقراطية ليست مناسبة لهذه الدولة  التي " لا تشكل نسخة مطابقة لأي دولة في العالم" ،   ناهيكم عن حرفها شعبنا الصامد عن متطلبات الصراع مع العدو :

في ردها على حملة لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية و حقوق الإنسان في سورية للإفراج عن أعضائها أجابت الحكومة السورية عبر بعثتها في جنيف السكرتير العام المساعد لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في مراسلة سرية :

" إن نظام حالة الطوارئ في أي بلد من بلدان العالم نظام استثنائي لا يخرج عن روح الدستور و نصه. و هو نظام شائع في كثير من دول العالم التي لها ظروفها الاستثنائية ، و نظام حالة الطوارئ في الجمهورية العربية السورية قائم على الخطر المحيط بالوطن في ظروف

طارئة تسوغ للسلطة المدنية إصدار تشريعات استثنائية مستنبطة من روح القانون لحماية أراضي الدولة و مياهها و أجوائها ضد الأخطار المحدقة بها . و قد أنشأت حالة الطوارئ في وطننا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها وطننا نظرا لحالة الحرب القائمة مع إسرائيل و احتلالها لجزء من أراضينا حتى الآن ، إضافة لتهديداتها المستمرة لأمن و سلامة وطننا ، و هذه الحالة الاستثنائية تفرض إيجاد صيغة تشريعية استثنائية لاستيعابها و التي قد تكون متشددة بسبب حالة التهديد المستمرة الناجمة عن ظروف الحرب مع العدو الإسرائيلي ." (9).

لقد أوجد تحطيم التعبيرات السياسية و الاجتماعية و الثقافية في المجتمع السوري فراغا هائلا يتجاوز بكثير أبعـاد الصراع العربي الإسرائيلي الأمر الذي يجبر السـلطة على التذرع بهذا

 العامل في الحرب و السلم كلاهما. و لا أوهام البتة حول ضغوط غربية لدمقرطة البلاد فأقصى ما تطالب به الحكومات الغربية هو  تخفيف حجم المؤسسة العسكرية و وقف الهجرة البشرية إليها و ضمان سلامة من تبعده عن أراضيها و إسداء النصح غير المباشر لعقلنة أفضل للقمع . و يمتلك الأردن اليوم هامشا كبيرا لاستعادة الصرامة الضرورية لضرب "أعداء السلام" ، فليس ثمة من يتحمل فتح جبهة أردنية بعد ما آلت إليه الأمور بفضل اليمين المتطرف الإسرائيلي.

أما على الجبهة الإسرائيلية و حيث هاجس الاستفادة القصوى من حقبة الهيمنة الأمريكية قد رافق مخاوف صعود الحمى الإسلامية فقد تغيرت نسب مكونات المجتمع الإسرائيلي من

 جديد بوصول موجات كبيرة من اليهود الروس الملوثين بالتعصب و آفات المافيا الروسية .

و من الصعب الحديث عن اندماج مدني بقدر ما يمكن الحديث عن تماسك عصبوي بالمعنى الخلدوني . تتحول التجربة البرلمانية بشكل اكثر وضوحا إلى تحالفات ما تحت دينية يشكل الدين بالنسبة لها الغطاء الشرعي الأقوى ، و يعيش هذا المجتمع ثنائية الخوف من كلا استمرار الحرب و ضرورة استمرارها باعتبار هذا الفوبيا المزدوجة الإنتاج الأكثر تماسكا و قوة منذ بدء الصراع ، لقد كشف اغتيال اسحق رابين و من بعده انتخاب اليمين المتطرف عن البعبع المختبئ وراء التعبئة الحاقدة و العنصرية تجاه غير اليهود و التي لم يعد بالإمكان إيقافها دون زعزعة جملة الأسس الإيديولوجية التي تربت عليها الشبيبة الإسرائيلية . هذه الأسس  أضحت تهدد المنظمات غير الحكومية نفسها بل و الهامش البرلماني الإسرائيلي .

تفتت موضوعة الصراع المركزي و آثارها على العملية الديمقراطية

ليس بالإمكان حصر مفهوم النكبة و آثار النكبة السياسية و البشرية بشعب فلسطين ، و إن كان من المبالغ فيه مقارنة من خسر كل شئ مع من تباكى تضامنا مع الشعب الشقيق الخاسر . إلا أن هذه النكبة قد أدخلت القضية الفلسطينية  في سلم أولويات الوعي العربي الناشئ . و في معركة السويس كما في جبال الأوراس ، لم يكن الجرح الفلسطيني غائبا ، و بهذا المعنى لم تكن الحدود لتؤثر على مشاعر الجمهور . و قد شاركت الأنظمة العربية مجتمعة ، بنسبة أو بأخرى في ضرب موضوعة الصراع المركزي ليس عبر التوجه نحو البناء الداخلي و الاهتمام بالشعب و إنما عبر تحالـفات و صراعات حددتها مسـبقا تحول دون

 السماح من الاستفادة من الجانب التعبوي للقضية الفلسطينية . و لعل أكبر عملية ناجحة في زعزعة مركز الصدارة للصراع العربي الإسرائيلي كانت في التعبئة الخارقة للمعتاد في المملكة العربية السعودية من اجل تحرير أفغانستان من العدو الملحد الشيوعي. فقد جمعت أفغانستان الصورة المثالية للجهاد الوهابي : دولة مسلمة محتلة من جيش احمر شيوعي و المجاهدين فيها يتعاونون مع الولايات المتحدة الصديقة .

لقد خففت حملات التضامن الهستيرية مع أفغانستان في السعودية من بريق المقاومة الفلسطينية التي تتحدث عن دولة علمانية ديمقراطية و يعادي أكثر من فصيل فيها  الولايات المتحدة ، الحليف الرئيسي في المنطقة . إلا أن هذه الحملة لم تكن بقوة الحرب العراقية الإيرانية التي خرجت من حدود السعودية و العراق لتصبح موضوع نقاش الفضاءات السـياسية في البلدان الإسلامية كافة . و لعل هذه الحـرب   التي كلفت اكثر من مليون و

 نصف مليون قتيل في ثماني سنوات كانت وراء نقل الصراع العربي الإسرائيلي إلى الدرجة الثانية أما احتلال الكويت فقد اصل تهميش أهمية هذا الصراع في البلدان النفطية الخليجية و البلدان البعيدة كتونس و المغرب و أظهر بنفس الوقت أولا هشاشة الاطروحات الديمقراطية العربية حيث اكتشفنا هاجس البحث عن الفحولة المنتصرة عند عدد كبير يتغلب على طبيعة النظام العراقي و ثانيا مهزلة ما سمي بالنظام الدولي الجديد الذي استنفر العالم ضمن الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على مصادر الطاقة النفطية . و برأينا ، لم يكن هاجس الديمقراطية يدغدغ مشاعر أحد، و حتى حق الحياة ، أول حقوق الإنسان إقرارا في

 تاريخ البشرية، اصبح محتقرا إلى درجة الاشمئزاز مما آل إليه الوضع البشري . و على مشارف مدريد  احتلت الهموم الداخلية في الجزائر و العـراق و ليبيا و اليمن  الصدارة في

التسعينات ، و اتبعت الأطراف  المفاوضة سياسة " كل من يده له" باستعارة تعبير الكوميدي السوري دريد لحام. أي أن فترة سقوط جدار برلين و إعدام شاوشسكو و ما تبعها  توافقت مع أهمية اعتبارية اقل  للصراع العربي الإسرائيلي، و من الصعب برأينا  الحديث عنه كعامل في الدمقرطة على الشاطئ العربي . و كما تغيب بصمات القضية الفلسطينية عن انقلابي 1989 في السودان و 1992 في الجزائر و الحرب الأهلية في اليمن ، يصعب إبصار الانفراجات المحدودة كنتائج مباشرة أو غير مباشرة لبداية عملية مدريد. لقد حاولت السلطات العربية في العقدين الاخيرين من صراع مستمر منذ نصف قرن  إقناع الناس بأن تحرير القدس يمر عبر كابول و الأهواز و الكويت و تشاد ، و أوجدت حالة قرف من الاستعمال الكلامي البضاعي و التجاري لكلمة فلسطين، فيما همش في الواقع كلمتي الصراع العربي الإسرائيلي و مبدأ التعامل مع الناس كمواطنين بالغين عقلاء ،  إن هذا الدور

 الهامشي للصراع يبدو اليوم أيضا في نهاية حقبة الأسد التي نعيشها و التي يصعب المراهنة على الصراع العربي الإسرائيلي كطرف موجه لخيارات البلد السياسية الداخلية . كذلك الأمر في حيثيات السعي العربي الرسمي لتسوية الحد الأدنى و هشاشة السماح الديمقراطي في الأردن و أولوية الأمن الإسرائيلي و الاستقرار الإقليمي في التصور الغربي لمستقبل المنطقة .

من كفر قاسم إلى قانا ، قامت إسرائيل بفعل ما يجب لإذكاء شحنات حقد هامة في الوعي الجماعي العربي رجحت الهم الوطني على الهم الإنساني و الديمقراطي . إلا أن التوظيف السياسي المبتذل للأحاسيس الشعبية قد ارتد عليها سلبا فيما زعزع الثقة بالسياسة بالمعنى الواسع للكلمة أي بثقة الأفراد في فكرة المشاركة العامة في قضايا و هموم الأشخاص و الجماعة. وبعد أن عززت الإيديولوجية الصهيونية الإيديولوجيات القومية العربية بشكل رد فعلي، لم يلبث النموذج الإسرائيلي أن أصبح مثلا يضربه الإسلاميون لنجاح دولة اعتمدت الدين أساسا لمفهوم الشعب و الأمة . و ليس بالإمكان اعتبار ولع المغلوب بتقليد الغالب وفق ابن خلدون تفسيرا كافيا لهذه الظاهرة ، فالتمييز الطائفي بين   اليهودي و "الغوي"(غير اليهودي) يجعل من عاديات الأمور إقامة تمايز بين المسلم و الذمي.

 و ها نحن في حقبة تتميز بجسامة الضغوط لتهميش  مزدوج للصراع العربي الإسرائيلي و للديمقراطية معا ، الأمر الذي يعقد إشكالية العلاقة بينهما أكثر فأكثر . فقد أوصلتنا التشكيلات التسلطية إلى ما يعبر عنه محمد السيد سعيد بالقول  " التشكيلة السياسية السائدة لا تسمح بتولد الديمقراطية إلا بقدر يسير . إذ أن الاسـتقطاب شبه الثنائي بين الدولة شبه

 الليبرالية و القوى شبه الشمولية لا يستدعي كثيرا من الآمال الديمقراطية . فالدولة ذاتها لا تصور نفسها باهتمام كبطل للديمقراطية و القوى الإسلامية المنافسة لا تدين الدولة  لأنها ديمقراطية أو حتى لأنها غير ديمقراطية . فالصراع لا يدور أصلا حول الديمقراطية إلا كنتاج ثانوي" (10).

إن تتبع مسألة الصراع العربي الإسرائيلي و تطور الديمقراطية يوجه أنظار الباحث إلى عاملين أساسيين في الصراعات البشرية هما الذاكرة الجماعية لشعب و تأثير التصرفات العدوانية ذات الطابع التفوقي ، أي القائمة على إذلال الآخر ، على أواليات تشكل الوعي في المجتمع. فمهما كانت أهمية العوامل الجيو استراتيجية و الطبقية و الاستراتيجيات الإقليمية و العالمية ، فان نفسية الأفراد و الجماعات ترتكز ايضا على شحنات انفعالية و عاطفية هامة تجعل الحديث عن تهميش موضوعي للصراع العربي الإسرائيلي  مسألة جد نسبية و متعددة الاتجاهات. إن نظريتي الأمن الأحادي الجانب و الحفاظ على التفوق العسكري اللتان يجمع عليهما اليسار و اليمين في إسرائيل منذ قرابة خمسين عاما تشكلان المصنع الأكبر لإنتاج الحقد و العنف في المنطقة على ضفتي الصراع . ان أكثر الأحاسيس إيلاما الشعور بالظلم و لم يشكل اغتصاب كرامة الآخر في يوم من الأيام عامل أمان و استقرار نفسي للغاصب . من هنا الإحساس العفوي الرد فعلي و الغالب إلى أن استعادة الحق مسألة تسبق الحق في الحريات . هذا الحس التلقائي الخديج (غير المكتمل)لم يبلغ بعد حالة عقلنة الضروريات في حاجات شعب، أي إدراك دور الديمقراطية في القضاء على العدوان ، كونه في غيابها ،  بوعي أو بدون وعي، تنفذ الضحية برنامج الجلاد .

بالنسبة  لنعوم تشومسكي" ليست النظريات الاستراتيجية و العلوم السياسية إلا أدوات طيعة و مرنة مما يجعلها مستعدة باستمرار لتقديم الحجج و التحليلات اللازمة لتدعيم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في لحظة معينة" (11) ، بالنسبة لنا ، ثمة راهنية لوقف  استعمال قميص عثمان كذريعة أو كمبرر ، في الحرب و السلم و اللا حرب و اللا سلم ،

 كأداة  لا غنى عنها لحاجة السلطات التسلطية و المشاريع التسلطية إلى أمنها الخاص المبطن بخطاب تعبوي عند الضرورة و شحنة ضرورية من اللاعقلانية . فمن الواضح أن  المنظم الأساسي للعلاقة بين الديمقراطية و الصراع العربي الإسرائيلي يكمن أولا في العقد المجتمعي و السياسي  بين الحاكم و المحكوم .

---------------------------------------------------

ملاحظات :

1 ) لم يجد نعيم شهرباني  ما يجعله يصنف كلمة ديمقراطية في كتابه " النزاع العربي -الاسرائيلي : ببلوغرافيا مشروحة لكتب و نشرات عربية " ، الجامعة العبرية في القدس ، 1988.  و لا يتجاوز ما قرأناه مقالات صحفية  سطحية التناول غالبا.

2 ) نعوم تشومسكي ’ ردع الديمقراطية  1992 ، مؤسسة عيبال ، نيقوسيا ، ص 46 . Noam Chomsky   DETERRING DEMOCRACY

3 ) من نقاش مع الكاتب الفلسطيني حول موضوع هذه الدراسة .

4 ) عن كتاب : الديمقراطية في الشرق الاوسط، الطبعة العربية .محرر الطبعة العربية : أحمد عبد الله.جامعة واشنطن، مركز الجيل: جول ميجدال : المجتمع المدني في إسرائيل، ص 275

5 ) محمد حافظ يعقوب ، العطب و الدلالة في الثقافة و الانسداد الديمقراطي، مواطن ، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 1997 ، ص 110-111.

6 ) مقطع مترجم في كتاب  الديمقراطية في الشرق الاوسط نفسه عن :

British Broadcasting Corporation Summary of World Broadcasts (reading) 12 march 1957  194

7 ) التسوية السياسية ، الديمقراطية و حقوق الانسان ، نصوص جماعية قدم لها  عبد المنعم سعيد و حررها جمال عبد الجواد . كراسات ابن رشد ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان 1997 ص 47. يشاطر الصديق محمد السيد سـعيد عزمي بشارة هذا الرأي ذاهبا الى القول " ليـس ثمة ادنى مصلحة لاسرائيل في

 تحول النظم السياسية العربية الى تبني قيم الديمقراطية و الحداثة  و التسيير العقلاني للمجتمع . بل  العكس هو الصحيح . أي أن من مصلحة اسرائيل ان تستمر لدى العالم و كأنها واحة الديمقراطية في محيط لا عقلاني و متخلف. بل ينبغي أن نخطو مسافة أوسع للتأكيد على ان سياسات اسرائيل هي ذاتها أحد أهم اسباب تأخر التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية ، و انها تكرس واقع الاستبداد و التعسف و العنف في السياسات العربية " ( محمد السيد سعيد ، انه الاحتلال و ليس الأمن او فقدان الجاذبية ، الحياة ، 3 سبتمبر(ايلول) 1997 .

8) لا نشارك عزمي بشارة في نفس المصدر أعلاه قوله " لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون مفهوم الأمة ، سواء كانت الأمة متجانسة أم غير متجانسة ثقافيا" (ص 44). من هنا محاولتنا اعادة الصياغة الحذرة للعلاقة بين السيادة و الديمقراطية و الصراع .

9 ) رسالة البعثة السورية في جنيف الى السكرتير العام المساعد للامم المتحدة ، تاريخ 14/7/1992، مسجلة في 4 سبتمبر 1992 .

10 ) محمد السيد سعيد ، اشكاليات تعثر الديمقراطية في العالم العربي ، ورقة مقدمة الى مؤتمر بهذا العنوان ، القاهرة ، 29 فبراير-3 مارس 1996.نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان و مؤسسة مواطن و مجلة  السياسة الدولية .

11) تشومسكي ، نفس المصدر ، ص 8                                                    

( 1/9/1997)