ملاحظات حول علم اجتماع الميول

د. محمـد مقــداد

         أصبح شائعاً القول أن الحكومات عموماً ، و بالأخص تلك التي تحتكر وسائل الأعلام المرئية و المسموعة و المكتوبة ، تستخدم احتكارها هذا لفرض رؤيتها على المجتمع أو محاولة تغيير مواقفه و ميوله ، دون أن يعني ذلك نجاحها بالضرورة . و كانت حرب الخليج نموذجاً لهذه السياسة.

          لقد طرح علماء الاجتماع في دراستهم لتحولات و تقلبات ما يسمى بـ "الرأي العام " ، عدة مفاهيم و أدوات لتحليله و محاولة التنبؤ به أو حتى تغييره .

          و يأتي في مقدمة هذه المفاهيم مفهوم الميل السياسي و هو استعداد ثابت نسبياً للتعبير عن ردة فعل منظمة بشكل معين تجاه موضوع أو موقف محددين .

·       يقسم عالم الاجتماع لانسيلو LANCELOT الميول إلى نوعين ، الأول منها هو الميول الفردية ، التي يمكن أن يتشاركها عدة أفراد ، و الثانية هي الميول الجماعية . و يعتبر أن الميول السياسية هي أيضاً ميول اجتماعية عندما تتعلق بأوضاع سياسية تمس قضية السلطة أو الحكومة ، أو في حالة أزمة عامة للمجتمع .

          إن كانت الميول السياسية للفرد تتشكل حسب تجربته الخاصة بالأوضاع التي تواجهه ، و يتأثر بإرثه من العلاقات العائلية و الاجتماعية و الجغرافية و التعليم ، و الجنس ...فإن آليات التحول و التغيير في الميول السياسية تتضمن :

1 - دينامية الموقف ؛ إذ أن ميول فرد ما أو مجموعة ما في لحظة معينة إنما تتوقف على العلاقة الدينامية التي تربطها بالأوجه المختلفة لوضع هو نفسه دينامي .

2 - التحول في التفسير ؛ علاوة على الآليات الوظيفية للتماهي فإن التجربة التاريخية تلعب أحياناً دوراً حاسماً في تعديل بنى الإدراك و بالتالي في تحول الميول السياسية عند الفرد . و تأخذ أحياناً شكلاً درامياً “ صدمة “ تقلب المفاهيم و الميول رأساً على عقب . و لذلك فإن كل مؤثر على مدى اتساع حقل الإدراك عند الفرد له تأثير على تحول ميوله السياسية .

3 - التحولات المقصودة ؛ و هي تشمل التحولات التي تسعى لتشكيلها وسائل الأعلام المختلفة ، و لا سيما في الدول المحتكرة لهذه الوسائل ، وخصوصاً مع التطور الراهن لتقنيات هذه التحولات من الدعاية إلى الإقناع مروراً بكل تقنيات و تطبيقات علم الاجتماع الجماعي و البحوث الثقافية التي تميز الحياة السياسية لعصرنا . بل و قد أشارت عدة بحوث و دراسات اجتماعية إلى أهمية تأثير البرامج “ غير السياسية " للإذاعة و التلفزيون ، و أنه ليس أقل أهمية من تأثير البرامج السياسية المباشرة نفسها . و هذا الأمر يطرح قضية الطابع الشمولي للتأثير النفسي الذي تمارسه وسائل الأعلام ، إذ لم يعد الموضوع يتعلق بتأثيرات ثقافية أو فكرية غير إرادية ، بل هي سياسة واعية تسعى لتركيب حقل إدراك و قيم ثقافية معينة ، بحيث تؤدي إلى تحويل الميول للوجهة المرغوبة . يضاف إلى مفهوم الميول ، مفهومين آخرين ، الأول هو مفهوم الشخصية السياسية ، و هو مفهوم يجمع بين الميول المتعددة لفرد ما في إطار زمن محدد . و الآخر هو مفهوم المزاج السياسي ، و هو ينطلق من قاعدة أن التعدد الهائل لأنساق الميول الفردية يمكن اختصارها إلى عدد محدد من الأنماط المتوافقة للميول السياسية المتعددة و العلاقات الاجتماعية ؛ التي تتضمن الحاجات و المصالح الاجتماعية ، و القيم ؛ إذ أن مراتبية القيم الشخصية تؤثر على توجه المزاج السياسي ، و التكوين الثقافي ؛ إذ أن الثقافة قابلة للتحليل ، طالما أنها سلسلة من الأنماط المتداخلة ، تتركب من ثلاثة أنساق ، نسق للمرجعية و نسق للإيمانيات و نسق للقيم .

        و يشير لانسيلو في دراسته للميول السياسية ، إلى أن كل قرار يتخذه الفرد يتضمن خياراً واحداً من عدة خيارات . لذلك فإن العمل السياسي يدفع إلى تبلور الميول السياسي بارتباطه بهذه الخيارات .

كان عالم الاجتماع ازينك EYSENCK قد ميّز بين عدة مستويات ضمن منظومة الآراء و الميول .

          في المستوى الأول القاعدي يوجد مستوى “ الآراء المحددة “ و هي عابرة ، و تلتقطها استطلاعات الرأي . المستوى الثاني هو مستوى “ الآراء المعتادة " و هي تلك التي تحتويها اللقاءات و الحوارات ، يلي ذلك مستوى " الميول " و هو المستوى الذي يقيم علاقة مترابطة بين الآراء المعتادة ، و في القمة يوجد المستوى الأخير ألا و هو " الأيديولوجيات " ، و هذا المستوى يقيم علاقة مترابطة بين عدة ميول.

          أمّـا " الأمزجة " السياسية ، فهي المقاييس التي يتبناها ازينك في دراسة و عرض توزع الأيديولوجيات ، و تصنيفها الواحدة تجاه الأخرى و دراسة مدى ارتباط الواحدة منها بالأخرى . و قد تعرضت اطروحات ازينك لانتقادات عديدة ، منها أن ترسيمته ذات البعدين المتقاطعين ( تسلطية في مواجهة ديمقراطية ) من جهة و ( محافظة في مواجهة راديكالية ) من جهة أخرى ، إنما جاءت من دراسته للمجتمع البريطاني أصلاً و الأنجلو - سكسوني عموماً ، و أن تطبيق منهجه هذا على دول العالم الثالث يصعب كثيراً و نتائجه ليست بالضرورة منطقية و عقلانية ، و دليلنا على ذلك أن الأيديولوجيا المحافظة تتوافق تماماً مع الراديكالية في حالة الحركات السلفية الإسلامية في منطقتنا .

        إن الأيديولوجيا باعتبارها نسقاً متماسكاً متحركاً يفسر و يبرر و يعبر عن ميول البشر تجاه العالم الذي يعيشون فيه ، هي أيضاً ، و هذا هو جانبها المحرك ، محرضاً للنشاط حسب رؤية محددة عن المجتمع . بهذا المعنى ، يمكن مقاربة الأيديولوجيا بنسق من الميول أو بفكرة المزاج السياسي . و لكن على نقيض موقف ازينك لا يمكن مماهاتها بأيّ منهما . فالأيديولوجيا تعبر عن رؤيا للعالم ، و هي نسق معقلن و مجرد ينبع جزئياً من الصراع الاجتماعي ، في الوقت الذي يساهم أيضاً في تغييره .

        مع أنه لا توجد أيديولوجيا ساكنة بالمطلق ، فإن الواقع الاجتماعي يعبر عن نفسه ، في كل لحظة ، بحركة مزدوجة للأفكار ، من جهة الأيديولوجيا المسيطرة التي تبرر الواقع القائم ، و من جهة أخرى مجموعة أفكار تغييريه ، تشكك و تعارض التنظيم الاجتماعي القائم .

        رغم إصرار الأحزاب و تمسكها بعقائدها و أيديولوجياتها ، أثبتت العديد من التجارب أن الأحزاب تتمثل بشكل ناقص ، كما يقول لانسلو ، الأيديولوجيات في ممارستها ، و أن انقسامات الأيديولوجيات لا تتطابق تماماً مع انقسامات الأحزاب ، و بالعكس صحيح .

        في الممارسة ، يبدو الحزب السياسي جاهزاً لتبديل مواقف أعضائه حسب أيديولوجيته الراهنة ، و في حال قيامه بمراجعتها فإنه يسعى لتبديلها ( أي مواقف أعضائه ) لتتوافق مع نسق ميول آخر . إن لأيديولوجيا الحزب السياسي دور مركزي إذ تشكل اللحمة التكوينية لأعضائه و جمهوره . و ذلك عبر مظاهراته و صحافته و اجتماعاته و نشاطه. هذه هي المجالات الرئيسية التي تبرز فيها أيديولوجيته المكونة .

          وعضو الحزب الجديد الذي جذبه جانب ما من هذه الأيديولوجيا يجد نفسه مدفوعاً لإدراك و وعي منطق هذا النســق ككل ، و أن يطـابق مواقفه و ميـوله معـها ، عند اقتنـاعه بها . هذا بالطبـع لا يمنـع الحـوار و النقـاش ، بيـد أن المطابقة بين ميول أعضائه و مبادئ أيديولوجيته ، لكن عوامل عديدة تعيق هكذا تطابق ، منها أن الأيديولوجيا ، المفترض أنها سبب وجود الأحزاب نفسها ، عندما تفتقد حيويتها و تكف عن القدرة على تحديد ماهية الأحزاب أو تحريكها ، في هذه الحالة يتغلب الطابع الاجتماعي للحزب على طابعه الأيديولوجي الصرف ، و الحال أن حزب كهذا لم تعد له مرجعية أيديولوجية ، أي رؤية عامة للوضع السياسي - الاجتماعي ، تصبح سياسته مجرد انتهازية فظة مغلفة بخطاب أيديولوجي رخو ، أو تلبس لباساً خرافياً أسطورياً. و تصبح غاية سياسة كهذه هي الحفاظ على الحزب و ليس على تحسين شروط الحياة الاجتماعية : إنه الانحطاط .

        مثال آخر ، هو حالة الأحزاب السياسية التي تكف عن أن تلعب دورها كمدارس أيديولوجية بحصافة و ذكاء . أي عندما تجهل ، أو لا ترغب ، على الوقوف على مسافة متساوية بين الموقف المبدئي ( النظري ) و الموقف العملي ذو الصلة بالروح العملية للمصالح المباشرة . و المخاطرة هي الوقوع من جهة في أحضان العصبوية ، و من الجهة الأخرى في أحضان الانتهازية .

        رغم أن أنساق الميول السياسية تجد تاريخياً تعبيرها الأيديولوجي الأمثل في الأحزاب السياسية ، لكن تجارب العقود الأخيرة أبرزت تزايد انتشار هذا التعبير خارج الأحزاب على شكل تجمعات متنوعة : نقابات ، حركات شباب ، حركات اجتماعية و جمعيات فكرية . بيد أن هذا الانتشار لا يبدو واسعاً لدرجة يشكل فيها خطوة نوعية لتجاوز مفهوم الحزب السياسي الحديث . مع ذلك ، من الملاحظ أن أيديولوجيات هذه الحركات قد توسعت لغاية التماس مع الحقل السياسي ، و هذا ما يساهم في التكوين السياسي للمواطنين ، و وعيهم باندماج مصالحهم الخاصة ضمن المجتمع السياسي . لكن السؤال المطروح هو تصور كيف بإمكان هذه الحركات التوصل إلى وعي شامل للمستقبل السياسي للمجتمع مع النضال من أجل تغييره دون أن تتحول إلى أحزاب سياسية ؟.

        و ربما يفسر هذا الأمر مع عوامل أخرى ، لا سيما انهيار الاتحاد السوفيتي و دول أوروبا الشرقية ، الاهتمام المتزايد الذي عبرت عنه ، في السنوات الأخيرة ، العديد من الأحزاب السياسية لتجديد نفسها و تعديل أيديولوجيتها . هذه الظاهرة تتفاوت من بلد لآخر و من حزب لآخر ، و تحتاج إلى تناول منفصل و عياني . رغم أن النظرة الأولى توضح أن هذه الظاهرة لم تشكل قفزة نوعية لا خارج الأيديولوجيات ، و لا خارج مفاهيم الأحزاب السياسية ، حتى الآن .