نظرة موجزة لواقع النظم التعليمية في سوريا

 

ناصـر الغزالي

" إن الصنائع تكسب صاحبها عقلاً " (1  ).

          التربية ضرورة فردية و اجتماعية على حد سواء فلا الفرد يستطيع الاستغناء عنها و لا المجتمع ، و هي حق أيضاً يجب أن تتمتع به جميع الطبقات و هذه شرعة حقوق الإنسان تنبئنا بأن التربية حق من حقوق كل مواطن و بأن التعليم يجب أن يكون إلزامياً في مرحلته الابتدائية ، و مجاناً في مراحله الأولى و الأساسية على الأقل ( 2 ).

        و بالرغم أن إلزامية و مجانية التعليم مطبقة في سوريا بشكل رسمي على الأقل منذ فترة تجاوزت الأربعين عاماً إلا أننا نلاحظ وجود عدد لا بأس به من الأميين بين الأحداث ترتفع نسبتهم بين الفقراء و بين الإناث ، هذا يعني وجود خلل في عملية تطبيق قانون إلزامية التعليم و مجانيته ناتجة عن تقصير الجهات الرسمية و المسؤولة و خاصة وزارة التربية و عن الوضع الاقتصادي و الاجتماعي للأسر الفقيرة التي تدفع بأبنائها إلى سوق العمل لتحسين وضعها الاقتصادي .

          لا يمكن إعطاء تعريف دقيق للعملية التربوية التي تبدأ ببداية الحياة و تنتهي بنهايتها تلك العملية التي تأخذ صفة الاستمرارية هدفها التطور الحضاري " عمرانياً ، و ثقافياً " و تنبع عن الحياة و تصب فيها ، من هنا تأتي أهمية العملية التربوية في بناء التطور الحضاري لأي مجتمع و يعتبر العلم جزء من هذه العملية المعقدة .

          ترتكز عملية التعليم على أساسين هما " المتعلم ، المعلم " و تتوسط هذه العلاقة بين هذين الأساسين عدة مؤثرات أهمها " المناهج التعليمية ، الإدارة التعليمية ، الوضع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ".

          المتعلم :يخضع المتعلم لظروف اقتصادية و اجتماعية و ثقافية تؤثر على بنيته الفكرية و بالتالي على سيرورته التعليمية و على المجتمع في عملية التطور ، و على اعتبار أن العملية التعليمية تبدأ من الطفولة و من خلالها يؤسس الفرد في المجتمع لذلك يجب التركيز على هذا الأساس من خلال التربية الحديثة ، إذ أكدت التربية الحديثة على أهمية الانطلاق من الطفل، من قابلياته و ميوله و طباعه و مقومات الشخصية و رأت أن الطفل ينبغي أن يكون المحور الحقيقي و المركز الفعلي للعملية التربوية ، خلافاً للتربية التقليدية التي تجعل مركز الثقل خارج الطفل ، في مناهج التعليم و في المعلم و في الامتحانات و في النظام المدرسي ( 3 ).

          و لا تقف العملية التعليمية على الطفل بل تتعداه إلى نهاية حياة الفرد . لذلك يجب على الدوائر المعنية و وزارة التربية حث الراشدين على الاستزادة من تطوير معارفهم حسب تطور العصر و آخر ما توصلت إليها العلوم من خلال خلق ظروف مؤاتية لذلك من برامج و خطط و دوائر تعليمية مختصة مهمتها تحقيق ذلك .

          المعلم : إن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التربوية و أنه يحتل مكان الصدارة بين العوامل التي يتوقف عليها نجاح التربية في بلوغ غاياتها . على اعتبار أنه لا يمكن الفصل بين مسؤوليات المعلم و المتغيرات الأساسية التي تتم في المجتمع ( 4 )، و لذلك يجب العناية بالمعلم " بحسن اختياره ، بصحة تدريبه ، بتنمية المسؤولية فيه ، بتعزيز شأنه في المجتمع " و أن يمتلك المعلم عدة مؤهلات أهمها " ذوو فلسفة تربوية رشيدة و ذوو خبرة واسعة ثقافياً و مسلكياً و يمتلك وعي اجتماعي و أن يكون قادر على توجيه العملية التربوية  ( 5 ).

            واقع المعلم في سوريا

          في بداية هذه الدراسة أشرنا إلى أهمية المرحلة الأولى - الابتدائية - في عملية التعليم و بالتالي على عملية التطور الحضاري للمجتمع من خلال الطفل ، و بما أن المعلم حجر الزاوية في العملية التعليمية و خاصة في هذه المرحلة بالذات - الابتدائية - فما هو واقع المعلم في تلك المرحلة ؟.

          إن أبرز المشكلات التي يعاني منها المجتمع في مجال المعلم هي :

·       ضعف الكفاية - للنقص في الأعداد من ناحية التخصص و التكوين المهني .

·       ضعف الانتماء للمهنة بالرغم من ممارستها .

·       النظرة الاجتماعية الدونية للمعلم و الأخص في تلك المرحلة .

·       انشغال المعلم بأعمال إضافية أخرى لرفد دخله المادي * .

·       تدني مستوى الوظيفة و بخاصة معلم المرحلة الابتدائية بسبب توجه من لا يحالفه الحظ في متابعة دراسته الجامعية إلى معهد إعداد المدرسين " الصف الخاص " .

          لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للمعلم في المراحل الأخرى بالرغم من القدرات التخصصية لمعلمي تلك المراحل إلا أن الوضع الاقتصادي و الضغط الاجتماعي يزيد في الإحباط و الملل لديهم و من أجل تحسين هذا الوضع يلجأون إلى العمل الإضافي و الدروس الخصوصية التي تأخذ منهم وقتاً و عناءاً كبيرين و هذا على حساب التحضير للمادة التدريسية .

          العملية التعليمية و واقع المؤثرات عليها

          المناهج التعليمية :إن مناهج التعليم تعاني من النمطية و الاقتصار على المواد التقليدية " رياضيات ، علوم ، لغات ..الخ" بينما واقع العلوم و متطلبات العصر تطرح المداخل المتعددة للمواضيع الهامة التي تتطلب اهتماماً خاصاً لتضمينها في :

المناهج المعاصرة :

·       التقانة و المعلوماتية " الحاسوب و الإلكترونيات ".

·       البيئة و التلوث و تدهور الموارد الطبيعية .

·       التربية السكانية و في هذا الصدد تعتبر سوريا من الدول الأكثر زيادة في السكان في العالم مما يؤثر هذا الأمر على عملية التنمية.

·       الصحة و الجنس و الأمراض المصاحبة " مثال الإيدز" .

·       المخدرات و الوقاية منها عن طريق التوعية .

·       التربية الوطنية و وحدة المجتمعات و سلامتها و استقرارها ** .

          و لا يقف هذا الأمر على مناهج التعليم إذ تعتبر الامتحانات و التقويم عنصر مهم في المناهج التربوية التي ما زالت تحمل أسلوبها التقليدي و التي تخلق فئوية اجتماعية حسب أنواع التعليم الموجه لها الطالب حسب معدلاته في الاختبارات النهائية للمراحل الدراسية المتتابعة( 6).

          الإدارة التعليمية : إن أهم المشكلات التي تعاني منها الإدارة التعليمية هي :

·       ضعف القدرات الإدارية " من مديرين و موجهين " و ذلك بسبب نظام التعيين الوظيفي القائم على المحسوبيات .

·       النزعة التسلطية في الأساليب الإدارية .

·       قصور الإدارة التعليمية سلفاً عن مواكبة التطورات الحاصلة في التعليم .

·       عجز هذه الإدارة بطبيعتها " أي بشكلها و محتواها و أساليبها و أدواتها الراهنة " عن فتح الطريق أو التمهيد للتطورات التعليمية .

·       بُعد هذه الإدارات عن مجرى التطور في علوم الإدارة و التكنولوجيا الإدارية الجديدة .

·       الأسلوب البيروقراطي في العملية الإدارية .

·       اتخاذ قرارات مهمة بدون دراسة مسبقة للأسباب الداعية لهذه القرارات و نتائجها على المتعلم و المعلم و مثال ذلك القرار بتحويل 70 % من الطلاب إلى الدراسة الفنية بعد المرحلة الإعدادية مما يؤثر عكساً على التخصصات الفنية من خلال الاختيار القسري .

·       عدم تقويم النظام التربوي للتعرف على كفاءة أدائه و مدى فعاليته و نجاحه في تحقيق أهدافه .

·       عدم توفير الجو الديمقراطي و ضمان المشاركة في صنع القرار التربوي .

·       عدم توفير الجو المريح المؤدي للسلوك عن طريق مشاركة الطلاب *** .

الظرف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و أثره على العملية التربوية

                   يحتاج هذا الأثر إلى دراسة مستقلة و مستفيضة لكي نحدد الأبعاد و المخاطر الكبيرة لهذا الأثر على العملية التربوية ، إذا استمر تكريسه في الوضع الحالي . لذا سنعطي لمحة بسيطة و مختصرة و بطريقة وصفية لهذاالأثر.

إن الحالة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في سوريا تمر الآن في أزمة حقيقية تتجلى في زيادة الغلاء المعيشي و زيادة الفقر في المجتمع و ظهور طبقة غنية تستأثر بقسم كبير من الدخل القومي هذا بدوره يؤثر على الوضع الاجتماعي من خلال التفسخ الاجتماعي و زيادة البطالة و الأمية و الجريمة و بالتالي الانهيار الثقافي من خلال عدم الاهتمام بالشؤون القومية و الوطنية . كل هذه النتائج تؤثر بشكل مباشر و غير مباشر على العملية التربوية و التعليمية و تزيد الأزمة في النظم التعليمية .

                   الهوامـــــش:

                                                ــــــــــــــــــــــــــــــــ

                        1 ـ مقدمة ابن خلدون ص 438 .

          2 ـ شرعة الأمم المتحدة ـ المادة 26 .

          3 ـ د. عبد الدائم ـ التربية عبر التاريخ ص 512 .

          4 ـ " جورج شهلا ، عبد السميع حربلي ، الماس شهلا " الوعي التربوي و مستقبل البلاد العربية ص 349 .

          5 ـ نفس المصدر ص 348 .

          * ـ الاتحاد الإماراتية عدد 1997  04  08 .

          ** ـ الاتحاد الإماراتية عدد 1997  04  09 .

          6 ـ د. عبد الدائم تقرير مراجعة الاستراتيجية لعام 1993 ص 118 .

          *** ـ الاتحاد الإماراتية عدد 1997  04  09 .