حول تعليم حقوق الإنسان

                د. هيثم منّــاع

     يمكن القول أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هي نتاج أو آليات الأمم المتحدة مع ما يحمله هذا التعبير من تعقيدات . الأم ر الذي يعني أن المبادئ التي ندافع عنها ليست النتاج المباشرة للنضالات الميدانية أو التعبير عن مطاليب مدنية على الصعيد العالمي . لذا ، و مهما كان البعد المثالي و الإيجابي لهذه الشرعة ، فهي تبقى مجرد مجموعة من النصوص التي تهبط من فوق على أفراد و جماعات شديدة الاختلاف . و كمحصلة لذلك ، من الصعب ، بل من غير الممكن ، إيلاج هذه المبادئ الكبرى بشكل آلي في منظومات القيم المحلية و أقلمتها بنسق واحد مع البنى الجماعية أو النووية ، الريفية و المدينية ، التسلطية و الديمقراطية ، العلمانية و الدينية  الخ .

    

     فهذه المبادئ حصيلة غير منجزة لمجموعة نخب ، قائمة على نفي أي امتياز لمفهوم النخبة ذاته ، و هي تهدف إلى الدفاع عن الكائن الإنساني مهما كانت أصوله أو خياراته السياسية ، الاجتماعية ـ الثقافية أو الاقتصادية .

 

    في البحث عن منهج

     إن أول سؤال يجول في الخاطر هو : كيف يمكن اعتناق معطيات الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من قبل جمهور على درجة عالية من الاختلاف ؟ كيف يمكن إعطاء معنى لنصوص تتعارض مع الأعراف المحلية ؟ المعتقدات المسبقة و النظام الاجتماعي ـ السياسي السائد ؟ و كيف يمكن تنبيه الضحية إلى حقوقها في الوقت المناسب؟.

      

     ليس بالإمكان الحديث عن أنموذج تعليمي أو وصفة " صالحة لكل ظرف و مكان " . و تعلمنا التجربة المحدودة في العالم العربي و بلدان أخرى من الجنوب أن من الضروري تجنب الوقوع في الخطاب الأيديولوجي . و حتى عندما يدخل تعليم حقوق الإنسان في النطاق الأكاديمي ، من الضروري أن يبقى باستمرار تحت العين النقدية لنشطاء حقوق الإنسان و الديمقراطيين .

    

     لنبدأ قبل كل شيء ، ببعض البديهيات الضرورية لكل مسيرة تعليمية :

·       تحليل العناصر المعنية بالتعليم : السلطات الدولانية ، أشكال السلطة في صفوف المجتمع، القدرة الفعلية لمن يمثل " السلطة المضادة " .

·       فهم التكوينات العضوية في المجتمع و فرز المساحات الخاصة ـ العامة و مستويات التفرد.

·       امتلاك معرفة جيدة بالثقافات و الثقافات الفرعية السائدة الأمر الضروري لإعداد مشروع تعليمي .

·       القيام باستفتاء رأي في نطاق العينة المعنية من السكان حول تعريفها الأكثر تداولاً لكلمات مثل " حقوق الإنسان " ، " الديمقراطية " ، " دولة القانون".

·       كتابة تقرير عن التجارب التي حدثت مسبقاً ، في حال وجودها .

·       دراسة جدل الداخل ـ الخارج بين المعطيات الأساسية لـ " فلسفتنا " مع معطيات المجتمع المعني ، الأمر الذي يمكن أن يساعدنا بشكل كبير في تطبيق قاعدة تعليمية هامة : " من الداخل و ليس فقط من الخارج " .

 

     يكون التعليم فاعلاً إذا كان دائماً و شاملاً. وعليه أن يشمل المدرسة و الجامعة . و للأسرة بالتأكيد دورها الهام كذلك حال وسائل الاتصال السمعية و البصرية و المكتوبة . و ليس بإمكاننا أن نربح رهاننا دون كسب الإمكانيات الخلاقة في المجتمع لقضيتنا : فنانين ، كتاب ، شعراء ، صحفيين الخ . و يشكل تعاون الأوساط النقابية و الجمعيات دعماً حيوياً لنا .

     على الرحب و السعة بكل المراجع الإيجابية في المجتمع : من علاء الدين و ياسمين و شخصيات أطفالنا إلى قمم معرفية مثل الحسن البصري و أبو بكر الرازي مروراً بمن يغني للسلام و الحب و الحرية .

 

     إن تقدم حقوق الإنسان يعني بؤساً أقل و سعادة أكبر . هذا البعد من الأهمية بمكان حتى لا يتحول هذا المصطلح إلى أرقام سوداوية : يمكن الحديث عن الحريات دون نحيب و دون اللعب على التراجيديا . ففي أصل مصطلح حقوق الإنسان ، كان هناك الحلم الكامن في إنهاء التعبيرات الكبرى للظلم من وجودنا .

 

    بناء الجسور

     سنقوم سريعاً بالتعرض لأربعة مظاهر لإقامة الوشائج بين مبادئ حقوق الإنسان مع مجتمع محدد.

1 ـ التقارب الثقافي .

2 ـ معالجة الاتصال .

3 ـ تكنولوجيا الإعلام .

4 ـ القائمون بالعمل و التنفيذ .

 

 

       1 ـ التقارب الثقافي

     إذا كان البعد الحقوقي يحتل الصدارة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، فمن الضروري عدم نسيان الطابع المتعدد الميادين لهذه الحقوق . فالولوج المعرفي للحقوق السياسية ، المدنية ، الاقتصادية ، الاجتماعية و الثقافية يتطلب معرفة جيدة بالتاريخ و علم الاجتماع و الانتربولوجيا و علم النفس .

     فالثقافة السائدة تتأثر ، فيما تتأثر به ، بمنطق المرجع و منطق الاختلاف : و على صعيد الأول و لحقن مبادئ معاصرة لحقوق الأشخاص علينا إحياء أفكار التسامح و التعايش المتبادل بين الجماعات و الثقافات و إلقاء الضوء على الوسائل المختلفة لاقتصاد العنف في الثقافة المحلية و إعادة الاعتبار لمفهوم المســاواة . إن كــرامة الجنــس البــشري معطى ما بين ثقافي من الضروري تقييم طابعه الخاص في كل ثقافة كعنصر اغناء ، كذلك هو الحال بالنسبة للتضامن .

تصبح العالمية شأناً ما بين حضاري في كل مرة نستطيع فيها أن نشير إلى أن مٌثلنا هي الميراث الجماعي و الشرعي للحضارات الإنسانية الكبرى.

 

     من جهة أخرى ، من المفروض أن نعمل دون أوهام ، فسواء كان الأمر في أثينا أم في بغداد ، لم يكن لمصطلح المواطنة لا بالبعد و لا التقدم الإنساني الذي يحيط مصطلح الشخص في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان . و إن كان اختفاء العبودية رغبة تخالج العديد من الحكماء و الشعراء ، فان إلغاء العبودية لم يكن على بساط البحث في القرون الوسطى مهما كان مرجعنا المكاني . من أجل ذلك ، من واجبنا التمكن من عملية احتواء اطروحات التقارب في اتجاه الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و ليس في اتجاه انتقائي من أجل إرضاء منظومات القيم السائدة على حساب هذه الحقوق.

        

     إشادة ثقافة لحقوق الإنسان مشروع كبير يعنينـــا جميعاً و علينـا التمكـن مـن الابتــعاد عـــن الطوارئ للتفكير في تجاربنا الفردية و الجماعية ، متابعة تبادل الخبرات و التجارب مع الآخرين ، اغناء مكتبتنا بدراسات تتعرض لموضوعاتنا الأساسية في الزمان و المكان و تنسيق جهودنا مع رموز الفكر الحر و التنوير في عصرنا و في ثقافتنا المحلية .

 

     في تجربة العالم العربي ، بشكل عام ، ينبع التعاطف مع حقوق الإنسان من الآلام التي تسببها تجاوزات السلطة السياسية و التي تتناول بشكل خاص الاعتقال التعسفي ، التعذيب و الاختفاء القسري . و هذا يشكل مرجعية سلبية و موقف رد فعلي في الوعي الجماعي أكثر منه معرفة حقيقية على هذا الصعيد . فليس لكوننا " الملائكة الذين يبذلون المستحيل من أجل إنقاذ ابنها " فان لدى مواطنتنا نفس الرأي الذي نحمله حول وضع المرأة ، مثلاً . لقد قابلت معتقلين سياسيين سابقين لا يعرفون معنى " مذكرة توقيف " . و ليس لمنهج تعليمي مثمر أن يغفل هذا . حتى في السويد الأقل تسلطية من الأمثلة التي نعرفها ، كان أفضل مثال للتوعية المدنية في 1920 : " قم بواجبك ، طالب بحقك". إن واحداً من أهم المهمات الأساسية للتعليم هو العمل و دفع المشاركة و حس المسؤولية الجماعية قدماً في المجتمع .

 

2 ـ معالجة الاتصال

     لوضع استراتيجية فاعلة لتعليم حقوق الإنسان ، من المفيد الاستنارة ببعض قواعد الطب العربي : من الأفضل معالجة الوسط من الاكتفاء بمعالجة العضو المصاب ؛ الوقاية أفضل من العلاج ، استعادة التوازن مسألة تحتاج إلى الوقت و هذا الوقت كل تجربة تقدرها وفق حاجياتها ؛ من الضروري البحث عن التكامل ، تحديد المراحل و تحديد عناصر التمايز بين التجارب .

 

     هكذا يمكن أن لا نقع في فخ المشروع المثالي لأن كل تجربة وحيدة . إن روح النسبية و المرونة مع جرعة كافية من الدينامية و الليونة عناصر أساسية لنا لمهاجمة اللغة الخطابية لممثلي " الحقيقة المطلقة " . فحقوق الإنسان شأنها شأن الديمقراطية ، " تقوم و تبقى مع تفكيك مرتكزات اليقين " .

 

3 ـ تكنولوجيا الإعلام

 

     عالم اليوم قرية كبيرة ، الأمر الذي يجعل تأثير حدود الدول المحمية بعين غيورة في نفس درجة تفاهة النداءات إلى ثقافة نقية أو منقاة . إننا نعيش ثورة لا سابق لها على صعيد الإعلام ما بين الثقافي ؛ الأمر الذي يفرض علينا استراتيجيتا عمل :

     الأولى ، و تقوم على تعبئة على الصعيد العالمي من أجل :

·       خلق وسائل الضغط التي تجبر مصادر الإعلام الرئيسية لإعطاء حيز أكبر لقضية حقوق الإنسان .

·       شن هجوم مضاد على التقييم المعطى للعنف في الإنتاج البصري الغربي و بشكل خاص الأمريكي .

·       اقتراح مساحات أكبر للحياة البناءة لإعادة التوازن في البعد الكارثي للإعلام .

محاربة منطق الأقوى الذي يشكل الأيديولوجية السائدة المشتركة على صعيد كوكبنا .

     الثانية : التمكن من توظيف وسائل الإعلام في خدمة تأهيل و تعليم حقوق الإنسان على الصعيد المحلي. شريط التسجيل وسيلة محايدة ، و هو في خدمة المناضلين كما هو في خدمة المشعوذين ؛ هذا أيضاً هو حال الكومبيوتر ومختلف الاكتشافات التكنولوجية . و لكن و كما هو حال الطوارئ ، لا يجب علينا أن نقبل هيمنة التكنولوجيا على التفكير .

     إن تداول المعلومات وسيلة تعليمية . علينا أن نتعود على تسجيل و إعادة توزيع كل برنامج مفيد ، و تصويـر كل مقـالة جيــدة . إن مكتبــة حـــقوق الإنسان تعيش فراغاً كبيراً و لم يتعد البناء الثقافي لمعظم النشطاء حد الفقر .

 

4 ـ القائمون بالعمل و التنفيذ

     ليس بإمكاننا الاستمرار في العموميات ، دون تحديد نطاق التطبيق لكل مشروع و القدرات البشرية المعنية بتطبيقه.

     في بعض البلدان ، أصبح من الممكن إدخال مبادئ حقوق الإنسان إلى المدرسة بمبادرة وزارتي التعليم و/ أو الثقافة . و الحال هذه ، من المفيد التنسيق بين المنظمات غير الحكومية و المعاهد المستقلة لحقوق الإنسان من جهة ، الهيئات الرسمية المعنية و الحكومة. كلنا يعرف التجربة الناجحة لدور العاملين في الإطفاء في تعليم الدفاع المدني . لم لا تتوجه المدارس بالطلب إلى مناضلي حقوق الإنسان مباشرة ليتحدثوا إلى الشبيبة؟ .

 

     يقدم لنا الانفتاح الديمقراطي ، دون شك ، أفضل الضمانات لولوج مقبول لحقوق الإنسان في المدارس . و في هذه الحالة و حسب ، يمكن الحديث عن إنتاج واسع للمعرفة .

      

     اليوم ، ليس بإمكاننا تنظيم ندوة علنية للتعليم و التأهيل و التعريف بحقوق الإنسان في ثمانية دول عربية ، و في غيرها ، لا يمكننا أن نقوم بذلك بشكل حر فعلاً . و لا أخفي عليكم بأنني في حياتي قدمت من المداخلات السرية حول حقــــوق الإنسان و حقوق المرأة و حقوق الأقليات ما يعادل تلك التي قدمتها بشكل علني.

 

     في العديد من البلدان ، لم تقبل بعد فكرة استقلال نشطاء حقوق الإنسان عن الأحزاب السـياسـية . مـن ناقــل القــول أننـا نـرفض احتكـار النشطاء لتعبير " حقوق الإنسان " و أن من الضروري إقامة لجان خاصة بحقوق الإنسـان فــي كل حزب ديمقراطي و على الصعيد الحكومي . و لكن لا مجال لخلط الحابل بالنابل . فمشروع للوصول إلى السلطة شيء و منظمة غير حكومية لحقوق الإنسان شيء آخر . هذا التمييز ضروري في كل مرة تطرح فيها قضية التعليم فبالنسبة للمنظمات غير الحكومية ليست الشعبية غاية لذاتها . و يمكن ، بل يجب أن يكون خيارنا غير شعبي في كل مرة تكون مبادئنا فيها غير مقبولة من الأغلبية . فليس لدينا أصوات انتخابية نخسرها ، و لا مناصب نفقدها . و من أجل هذا فان دور المنظمات غير الحكومية حاسم في التعليم ، لأنه يضمن حيادية التعليم بالنسبة للرهانات السياسية و أشكال المواطنة قضية تتعلق بالدولة ، و أتبنى صيغة صديقي جان أنوييه الذي يعتبر أنه في العالم العربي " المواطنة تستنبط ضد الدولة " .

     ليس علينا البحث عن تجهيزات خارقة للمعتاد من أجل التعليم ، و بإمكاننا وضع فريق عمل من أجل مبادرات محددة و تنظيم ندوات تأهيلية للشرائح المعنية بالقضاء { الشرطة ، الموظفون ، الحقوقيون ..} و أخرى بعلاقة مع السكان { أئمة المساجد ، القساوسة }.

و يبقى المبدأ أنه بالإمكان فعل شيء ما مهما كانت المعطيات على الأرض .

     قبل القدوم إلى هنا ، استقبلت مريضاً جزائرياً في مشفى باريسي جاء من تيزي أوزو ، و عندما حدثته عن زيارتي قاطعني قائلاً : " هل فقدت عقلك ؟ " .   لأنني لم أفقد عقلي ، ها نحن هنا اليوم نتناقش في قضية تعليم حقوق الإنسان في الجزائر العاصمة .

 

الجزائر 8 / 7 / 1995