المسيرة الأوروبية ضد البطالة و العمل المؤقت و التشرد

 

د . جعفر أحمد

          إن وضع أوروبا اليوم يتمثل في الركود الاقتصادي و تعاظم البطالة و الفقر و التشرد و التسكع و وصول العجز في ميزانيات الكثير من البلدان الأوروبية إلى مستويات حرجة يجعل مؤشرات الأزمة الاقتصادية ، في ظل تزايد المنافسة العالمية و عولمة الاقتصاد ، تشتد و تتضاعف ...

      ففي أوروبا الآن أكثر من عشرين مليون إنسان عاطل عن العمل و خمسين مليون فقير و مشرد يعيشون في مستوى أقل من الحد الأدنى للمعيشة بالإضافة إلى ملايين العمال و الفلاحين المهددين بالبطالة و ملايين الشباب العاطلين عن العمل و اليائسين من المستقبل . إلى جانب ذلك ، لو أخذنا فرنسا كمثل على توزيع الدخل و الثروة القومية ، نجد أن شريحة اجتماعية لا تمثل 10 % من سكان فرنسا تستحوذ على 54 % من الثروة القومية الفرنسية بينما 50 % من الشعب الفرنسي لا يمتلك إلا 6 % من هذه الثروة و يمكن تعميم هذا المثل على أوروبا الغربية ... أضف إلى ذلك خيبات الأمل بعد حكم الاشتراكيين في بعض البلدان الأوروبية الغربية لعجزهم من تحقيق مجتمع أكثر عدالة و حرية ، و انهيار الأحزاب الشيوعية الستالينية الأوروبية قبل و بعد انهيار البيروقراطية الاشتراكية في الشرق.

      إن وضعاً كهذا قد أدى إلى تصاعد النضالات الاجتماعية في عــدد من بـلدان أوروبــا الغـــربية إذ نشــأت حـركات اجتمـاعيـة شـــجعـت المبادرات الجماهيرية و طرحت القضايا الاجتماعية في الشارع فتوسعت ساحة النضال لتستوعب النضال اليومي للتغلب على مشاكل و صعوبات الحياة اليومية كالعمل ، الأكل ، السكن ، التنقل ، التمييز بين الجنسين و العنصرية ، التفاوتات الاجتماعية الناجمة عن علاقات الاستغلال و السيطرة و انقسام المجتمع إلى طبقات . متجاوزة بذلك الكثير من الأحزاب اليسارية و النقابات و لم تعد هذه النضالات حكراً على تلك الأحزاب أو النقابات بل أصبحت المبادرات الشعبية أمراً تمليه ضرورات الحياة القائمة على الصراع الدائم من أجل البقاء في مجتمع رأسمالي شاخت مؤسساته الحزبية و النقابية و تبقرطت و لم تعد تشكل قوة معارضة للنظام بل أصبح النظام الرأسمالي يتكيف معها حتى فقدت نضاليتها و ثقة الكثير من الجماهير بفعاليتها النضالية . و بما أن المسألة الجوهرية بالنسبة للجماهير الشعبية الأوروبية الآن هي القيام بنضالات تتمثل في الصراع لضمان حق العمل ، ضد البطالة و الدفاع عن حقوق العاطلين عن العمل الذين يتزايد عددهم يوماً بعد يوم ، حق السكن و العلاج لكل إنسان ، أنسنة العمل ، تخفيض وقت العمل ، النضال ضد العمل المؤقت و المعدوم من أي ضمانة ، النضال من أجل رسم الحد الأدنى من المعايير لحماية العمال و حقوقهم و محاربة محاولات أرباب العمل و الإدارات الموجهة ضد العمال ، النضال ضد العنصرية ، ضمان الحريات النقابية و السياسية .

      و لذلك فقد نشــأت تجمعات اتخذت أشــكال جمعيات متخصصة في مشكلة من هذه المشاكل الاجتماعية " كجمعية الدفاع عن حق السكن " ،  "جمعية النضال ضد العنصرية " ، " جمعية التضامن مع العمال الأجانب " ، الخ ... " تحولت إلى حركات تناضل من أجل تحرر إنساني حقيقي منفتحة على ضحايا الرأسمالية بدون أي شرط سياسي أو أيديولوجي و إنما الشرط الوحيد هو النضال ضد نتائج الرأسمالية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و هذه الحركات تثبت بنضالها اليومي الملموس عجز النظام الرأسمالي مهما بلغت درجة تطوره عن حل مشاكل المجتمع الإنساني .

 

      و سنركز في كلمتنا هذه على شكل جديد من أشكال النضال يتخذ شكل مسيرة جماهيرية بادرت في تنظيمها جمعية فرنسية تدعى " النضال المشترك ضد البطالة " و قد بدأت هذه الحركة نشاطها بخمس مسيرات ضد البطالة في ربيع 1994 اجتاحت فرنسا شمالاً و جنوباً ، شرقاً و غرباً لتلتقي تلك المسيرات بعد مسيرة شهرين بمظاهرة في باريس ضمت أكثر من ثلاثين ألف متظاهر و هي أكبر مظاهرة ضد البطالة في تاريخ فرنسا . هذه الحركة تتواجد اليوم في أكثر من مائتين و خمسين مدينة فرنسية . في هذا العام 1997 تقوم نفس الحركة " حركة النضال المشترك ضد البطالة " بمسيرة أوروبية تدعى " المسيرة الأوروبية ضد البطالة و العمل المؤقت و التشرد " بدأت في 14 نيسان و ستنتهي في أمستردام عاصمة هولندا نقطة التقاء جميع المسيرات في 14 حزيران . يساهم فيها أربعة عشر بلداً أوروبياً و تتفرع هذه المسيرة إلى مسيرات فرعية يشارك فيها سائرون دائميون و سائرون مؤقتون يسيرون من نقطة انطلاق معينة إلى نقطة أخرى معينة أيضاً و بإمكان أي فرد الالتحاق بالمسيرة متى شاء حسب إمكانية السائر و ظروفه و يرافق هذه المسـيرات الصحفيون و وســائل الإعلام كمـا أنـها تُســتقبـل في كـل مدينـــة تمـر بهـا بمظاهــرة جماهيرية تنظم من قبل المنظمات المحلية المشاركة في تنظيم المسيرة مع سكان المدينة و بعد العشاء تبدأ سهرة نقاش مفتوحة للجميع ، عن موضوع المسيرة و أسبابها و الموضوعات الاجتماعية و السياسية المتعلقة بموضوع البطالة و أسبابها الحقيقية و الحلول المقترحة ، كل هذا بحضور الصحفيين و وسائل الإعلام من راديو و تلفزيون لتنتهي السهرة بحفلات و في كثير من الأحيان ينام السائرون عند الأهالي المستقبلين للمسيرة أو في أماكن عامة جهزت لاستقبال السائرين ليواصلوا مسيرتهم في اليوم الثاني إلى مدينة أخرى و هكذا ... تجتاح هذه المسيرات مئات المدن و الأرياف الأوروبية لمدة شهرين بلا انقطاع و تتظاهر أثناءها الجماهير أمام المعامل المعطلة التي أغلقت أبوابها بسبب المنافسة أو تهريب رؤوس أموالها إلى الخارج لاستثمارها في ظروف أفضل من وجهة نظر رأس المال أو التي طردت قسماً من عمّالها لمصلحة رأس المال و تقابل المسيرة المسؤولين المحليين لترفع إليهم مطاليب المنظمات المساهمة في المسيرة و تعرض لهم أسباب المسيرة و أهدافها .

 

      نظمت هذه المسيرة من قبل حركة النضال المشترك ضد البطالة في فرنسا مع جمعيات و نقابات و منظمات يسارية على صعيد وطني و محلي و منظمات أقصى اليسار من تروتسكيين و فوضويين ... بالإضافة إلى شخصيات و أنصار الحركات النسائية و البيئة و السلام لأربعة عشر بلداً أوروبياً و استغرق تحضيرها عدة سنوات و عشرات الاجتماعات و المؤتمرات بين المنظمين على صعيد كل بلد و في كل مقاطعة و على الصعيد الأوروبي . إن حركة " النضال المشترك ضد البطالة " حركة تقدمية تناضل بشكل مباشر ضد البطالة و نتائجها على الحياة الفردية و الاجتماعية و بصورة غير مباشرة ضد الرأسمالية و آثارها الآنية المدمرة على الحياة اليومية لملايين البشـر من عاطلين و مشـردين بلا مــأوى و لا دخل و لا حتى هوية شخصية .. يناضل في صـفوفـها نقــابيين ، عمـال ، طلاب ، متقاعدين ،  عاطلين عن العمل ، باحثين ، كتّاب ، فنانين ... نساءً و رجالاً ، فرنسيين و أجانب و من جميع الاتجاهات السياسية اليسارية .

      و يمكن تلخيص أهم أهدافها الآنية :

1 ـ بما تسميه بالإجراءات العاجلة ضد البطالة و بما أن البطالة هي نتاج الرأسمالية فلا يمكن فصل النضال ضد البطالة عن النضال ضد الرأسمالية .

      إن عملية الربط بين استغلال العاملين في القطاعين الخاص و العام و بين البطالة تحتاج إلى تحليل الوظيفة الاجتماعية للبطالة والتي تتمثل في:

·       تخفيض الأجور و تشديد شروط العمل بسبب وجود ملايين العاطلين عن العمل المستعدين لقبول أي أجر و أي شروط عمل مهما كانت قاسية فهي بالنسبة للعاطل عن العمل أفضل من البطالة و بالتالي فليس أمام العامل أي خيار فإمّا أن يقبل الشروط التي يفرضها رأس المال و إمّا البطالة .

·       إضعاف النضال العمالي و النقابي بسبب خوف العمال من الفصل و بسبب اختيار الرأسماليين فصل القادة النقابيين من العمال متحججين بحجج قانونية و اقتصادية .

·       خضوع العمال و العاطلين عن العمل خضوعاً تاماً لرأس المال و للدولة الرأسمالية ، فالعمال بسبب خوفهم من إلغاء مخصصات البطالة عنهم في حالة تمردهم يقبلون الشروط التي يفرضها عليهم النظام الرأسمالي و بالتالي يسلكون نفس سلوك العمال الخاضعين.

      و هكذا تعمل البطالة على خلق ظروف اقتصادية و سياسية تضمن سيطرة رأس المال و دولته في أوقات الأزمة .

·       تعتبر البطالة و الأزمة الاقتصادية بشكل عام أرضية خصبة للعنصرية و الفاشية إذ يتحول الصراع من صراع ضد الرأسمالية إلى صراع ضد الآخر " الأجنبي " كبش الفداء ، الذي يُتهم بكونه مسؤولاً عن كل الأشرار التي تسببها الأزمة .

2 ـالنضال لتخفيض وقت العمل ، بدون أي تخفيض للأجور ، باعتباره وسيلة حاسمة في تقليل البطالة بالإضافة إلى زيادة أوقات الراحة و تقليص أسبوع العمل ستساعد على إطلاق الطاقات المبدعة للعمال رجالاً و نساءً و الاستفادة منها في النشاطات الاجتماعية .

3 ـ حق الحصول على دخل يضمن الرفاه و حق السكن و العلاج لكل إنسان مهما كان وضعه و جنسيته .

 

      تتعاطف هذه الحركة مع كفاح شعوب العالم ضد التبعية و الدكتاتورية و التخلف باعتبارها مخلفات نفس النظام الرأسمالي المسؤول عن مآسي ملايين الأوروبيين فتعتبر الرأسمالية العدو المشترك للإنسانية و تدعو إلى مفهوم الاعتماد المتبادل الذي يعني أن كل بلد يهتم بأمن و تطور البلدان الأخرى كاهتمامه بشؤون بلده و هكذا يمكننا التخلص من الصراعات الإقليمية و مخلفات الإمبريالية و الكوارث الطبيعية و توفر حرية التنقل للمواطنين من بلد إلى آخر و التعامل الإيجابي مع المشاكل الكونية و إقامة نظام عالمي قائم على السلام و التعاون بين الشعوب .

                            فرنسا 1997