كوريا الشمالية: الأب والابن : الأبديان[1]

 

عباس عباس

 

 

لم تعد الستالينية حيَّة إلا في بيونغ يانغ، بيد أنها مأزومة إلى حدّ الانفجار. فلأول مرة يروي منشّق من الصف الأول حقيقة نظام "الحاكم الكبير"(كيم إيل سونغ) وكذلك "الحاكم الابن – ولي العهد" (كيم يونغ إيل) إنه لأمر مذهل!

"أنت لا تصدقني ، أليس كذلك؟ "يرصد( كويونغ هوان ) ردود أفعالي من خلف نظارتيه، يمجّ سيجارته وهو يرقب عبر النافذة حركة المرور الكثيفة  في سيؤول. إنه يتذكّر لحظة وصوله إلى هنا منذ عامٍ ونصف، ومنذ ذلك الحين وهو متخف. انه لأمر ينطوي على مخاطر عديدة أن يعلن ارتداده وهو في منصب رفيع في النظام الشيوعي لكوريا الشمالية.

لقد حقق كويونغ هوان الكثير من خلال عمله في السلك الدبلوماسي، إذ أمضى تسعة وثلاثين عاماً بوصفه دبلوماسيا من  الصف الأول، و المترجم الرسمي عن اللغة الفرنسية للرئيس المارشال كيم إيل سونع. ولأنه كان ملازماً لشخصية الطاغية المطلق، وابنه الدلفين الأحمر، كيم يونغ إيل، فقد كانت له مداخله إلى القصر، ولديه ما يكفي من الوقت لمراقبة النزوات الاستبدادية لآخر سلالة ستالينية حاكمة في التاريخ.

أخيراً بات بوسع كو يونغ هوان التعبير عن نفسه بحرية بعد أن تردد لزمنٍ طويل في الافصاح عن الوقائع الراسخة ، غير القابلة للتصديق ، التي تصدر عن هذا القصر اللا معقول ؛ فهل سنصدقه ؟ وهل نوافق على أنّ وراء الغموض الكثيف الذي يحيط بهذه البلاد العجيبة منذ (47 ) عاماً ، وعاصمتها القاحلة ، تختبئ بقية من الحماقات الوحشيّة والأحقاد الدموية ؟ 

      لقد جازف هوان بمنح حق التصرُّف لمجلة "الفيغارو" في نشر المشاهد غير المعقولة عن  حياة القصر، وعن" بقية حياة "21 مليون مواطن يعانون  كل ضروب النزوات التي يمارسها هذان المصابان بالهذيان. ويعقِّب هوان: " إن الأب يخبئ لعبته ببراعة"، بشوش، يبتسم  بشكل مستمر، يداعب رؤوس الأطفال، يخاطب مساعديه بكلمات لطيفة. ولكن تحت طائلة العقوبات الوخيمة التي قد تصل إلى النفي ينبغي، على كل فرد أن ينحني إلى الأرض "ينقسم  اثنين" من أجل تحيته، ويردّد الصيغة الثابتة: " قائدنا العظيم الغالي، نتمنى لك طول البقاء ". وثمة الزام بحمل  شعار محفورعليه رسم المارشال ، وكذلك حيازة صورته، مصحوبة بقطعة قماش نظامية مخصَّصة لتلميعها.

بقيت أعتقد لزمن طويل أن حاكمنا العظيم هو الكائن الأسمى، المثالي . وكنت فخوراً  به، وبحزبنا، حتى وبنفسي. وكنت أعتقد ، شأن أغلبية الكوريين الشماليين أنني أحيا في النعيم، بيد أنه كان الجحيم. هل تدري أن ألفاً من مواطنيَّ قد طلبوا اللجوء  السياسي إلى الخارج؟ وقد عرفت منهم إلى الآن اثنين من سكان المراكب : طبيب و زوجته.

 في عام 1983 بدأت الشكوك الأولى لـ كو يونغ هوان. فقد سافر إلى الخارج ، وهنالك استطاع المقارنة بين "جنته  والجحيم". لكنّه ظلَّ أميناً لنظامه حتى عام 1985 حين تحدّث غورباتشيف لأول مرة عن الاستراتيجية الجديدة. وحينئذ شعر أن الاتحاد السوفييتي سيتخلَّى عن كوريا الشمالية، فانفتُحت عيناه.و بعد عامين  شهد في موسكو تظاهرة في الكرملين ضد ستالين، وكان برفقة رئيس الحزب.ثم شهد سقوط جدار برلين. وبسقوط هذه الأوهام الأخيرة قلنا فيما بيننا، وبوجود أصدقاء ودبلوماسيين : "انتهت الشيوعية، لم يعد لدينا مستقبل، يجب أن نتغيّر."

لقد أخطأ هوان في التحدّث بإفراط عن رأي كهذا. إذ أرسلت أجهزة الأمن عناصر للتجسس عليه، وكان حينها السكرتير الأول للسفارة الكورية في الكونغو برازافيل، يدير قسم الشؤون الأفريقية المهم. انه متزوج من صديقة مقرَّبة جداً من أخت كيم يونغ إيل ، ورغم حداثة سنه، فقد قدِّم إلى الحلقة الأولى للسلطة. وفي آذار 1991 وصلت برقية إلى برازافيل تطلب إليه العودة إلى بيونغ يانغ فوراً ليقوم بالترجمة بمناسبة انعقاد مؤتمر اتحاد النقابات العالمي .استشعر هوان المكيدة، ففرَّ بالطائرة وحيداً إلى سيؤول.

 

ـ لا يجوز الإشفاق، على مناهضي الثورة ـ

من خلال إدراكي طبيعة ِ كيم يونغ إيل النفسية، كنت أعرف أن العودة إلى بيونغ يانغ مخاطرة بالنسبة لي. فابن المارشال العجوز، الفظ والعصبي، ذو العينيين  الحسيرتين، المختبئتين خلف نظارتيه، لا يردّ مطلقاً على أية تحية. يداه خلف ظهره، ببذلة كستنائية دائماً، وسمنته المتهدّلة (يزن 85 كغ)  ، يكافح عبثاً وبصورة دائمة  ضد وزنه، وذلك بالصعود مرات عدة في اليوم على درج القصر. إنه يفتل حولك محاولاً الإشراف عليك من طوله البالغ 165 سم، والذي يعدّله بإضافة كعبين طويلين لحذائه، يحدث ذلك كله وهو يتشمَّمك مثل وحش ضارٍ. وحين يعضُّه الغضب يصل به الحال إلى حد سحب مسدسه من الدرج وتصويبه نحو محدّثه، أو قذفه بمنفضة سجائر عبر القاعة. فقد شوهد يوقف فرقة موسيقية وهي في غمرة العزف لمقطوعة موسيقية لأن الجو لم يرق له، وشتم أحد المدعوين في قلب المنصَّة الرئيسية، وأرغم المشاركين في الحفل الذي كان يقدَّم لأحدهم في عيد ميلاده، أرغمهم على العودة إلى بيوتهم عراة،حليقي الرؤوس ، بغية تعطيل الحفلة. وقد أكدَّ المنشق أن كيم يونغ غالباً  ما يكون تحت سلطان الكحول، وأنه يعبّ الكونياك ثم الكونياك" ماركة هيني" دون أي نوعٍ آخر، ويأتي بها من فرنسا بصناديق لا تنتهي. إن سكره لأسطوري.

ساؤول[2]، وهو الشخصية الأجدر بين الجميع، سيّما في مشاركته، بتلذُّذ، في مجمل الممارسات الجنسية، أو القيام بها بنفسه. ويتذكر كو يونغ هوان قائلاً: " أدهشني ذات مرة الاختفاء المفاجئ لـِ فواين هي، الممثلة الجميلة الشهيرة جداً – والتي مثّلت حوالي مائة فيلم- وقد علمت أنها أعدمت رمياً بالرصاص، بحضور زوجها ومائة من الشخصيات الكادرية العليا – كانت فواين قد اعترفت في  إحدى جلسات النقد الذاتي أنها كانت على علاقة جنسية مع كيم يونغ إيل -  وبعد أن أوقف الاجتماع بفظاظة، جرّ كيم  إيل الممثلة بنفسه أمام فرقة التنفيذ (تنفيذ الإعدام) فانفجرت النسوة بالبكاء عند سقوط البائسة، وقد اخترقتها عشرون رصاصة خلال قيامهم بالنقد  الذاتي، "لا يجوز الإشفاق على مناهضي الثورة".

ما من أحد كان قد سمع قط نغمة صوت كيم يونغ إيل في أية تظاهرة جماهيرية حتى الخامس عشر من نيسان الفائت [3]، حيث كان يُحتفل ، بأبهة عظيمة ، بالعيد الثمانين لميلاد أبيه. ففي نهاية  العرض العسكري المدهش، والذي كان يضم عشرات الآلاف من الرجال الذين كانوا يطرقون اسفلت بيونغ يانغ بخطواتهم العسكرية، سُمع كيم يونغ إيل يصرخ عبر مكبّر الصوت: " المجد لأبطال الجيش الشعبي الكوري". وهكذا فُهم أن الأب قد قرَّرَ بصورة حاسمة التخليّ عن العرش لابنه.

ما إن سميِّ إيل مارشالاً حتى وعد بتعيين 600 جنرال جديد كي يحلّوا محل أولئك (القدامى) ثقةً أو ولاءً، حيث كان ثمة معارضة صامتة لشخصه بدت تسود في الجيش الشعبي (مليون ومائة ألف رجل لثمانية أعوام في الخدمة العسكرية).

انتشرت إشاعة بأن ضابطاً شاباً  أصيب بطلقة مسدس، فأحيل على الأثر عشرة ضباط قادة إلى فرقة الإعدام الاحتياطية الخاصة باستخداماته.

باهتة هي الأعياد الفرعونية التي كانت تقام كل عام بمناسبة عيد ميلاد القائد الكبير وابنه وليّ العهد، " لنلاحظ الفرق" ، قياساً بأبّهة الاحتفال الثمانيني للديكتاتور العجوز : تحشيد جماهيري عام ، في كل منطقة ، في كل مدينة ، في كل قرية ،  وفي كل مؤسسة. وفي الملعب الكبير لـِ بيونغ يانغ ذي ال 150 ألف مقعد، وبحضور البطانة الملكية، والثلاثة آلاف ضيف أجنبي الذين حضروا من أصقاع العالم خصيصاً لهذه المناسبة. يقدّم مليون  شخص استعراضاً ولوحات حيّة، على الطريقة الصينية، مشكّلة من عشرات الألوف من الشباب والفتيات المسلًّحين بالعصي الملونة، هادرين بكل طاقاتهم، وفقاً للطريقة المعهودة  "نحن سعداء، لا نرغب بشخص آخر على الأرض، ما يقرّره القائد العظيم ننفّذه". ولإرضاء جنون العظمة لدى الثمانيني، لبَّى كيم إيل الشاب كل رغباته، فأمر باصطياد 700 ألف عصفور دوري" دون أي نقصان"، لتحضير فراش من الزغب، لائق بهجعته الإمبراطورية، وأمر أيضاً بزرع ثمانية ملايين وردة بشكل مسبق، كي يزيّن تفتحها شوارع العاصمة. وقد وجّه أمراً للفلاحين" الذين ليس لديهم الحق في أن يستهلكوا سوى لحم الكلاب، نظراً لانقطاع المساعدات التي كان يقدمها الاتحاد السوفييتي"،  بالسهر على  تربية ثلاثمائة طير من البط، وعدد مماثل من الخنازير، وخمسة آلاف ضفدع لإشباع شهيّة حنك العجوز وضيوفه". كما أصدر أمراً إلى الجيش بجمع ثمانمائة سلحفاة، لأنها دماءها مفيدة لتجديد النشاط واستثارة الشهوة ."احتفظ الدلفين بأربعمائة منها لاستهلاكه الشخصي".

 

ـ تعقيم وجوه الأطفال وأيديهم بالكحول في الاحتفالات –

" الصحة هاجسهم"  أكد المترجم السابق، " ففي كل مقاطعة ثمة مزارع لا تعمل إلاّ من أجلهم، وأعرف عدداً منها تزودهم بالأعشاب الطبية… بلجنسنغ" ، والخضار وما إلى ذلك دون أي مقابل . لكن كيم إيل يفضّل المنتجات الأجنبية ؛ فمثلاً  يأتي بالبرتقال من البرتغال عن طريق البحر. وقد ضمن هناك مزرعة تقدّر بخمسة هكتارات، ولا يستهلك منها إلاّ بضعة صناديق في العام، وهو يشتري مسبقاً كامل المحصول شريطة ألاّ يكون قد استُخدم أي سماد كيماوي. ويستورد من أنغولا كبد القرش  النادر جداً ، لكنه الرائع للدورة الدموية، وتجديد بنية الجسد – لديهم خوف فظيع من الميكروبات، ويجب على مساعديهم أن يخضعوا لفحوصات دورية للتأكد من خلوّهم من الأمراض، كما أن عددا من السفراء قد أجبروا على تقديم شهادات تلقيح قبل تقديم أوراق اعتمادهم . وعلى الأطفال الذين يقدمون لهم الورود في الاحتفالات أن يعقّموا أيديهم ووجوههم بالكحول .

كويونغ هوان: " لا أحد من الكادر الأول يجهل وجود الورم الكبير الذي يشبه الإجاصة خلف الأذن اليمنى لـِ (كيم إيل سونغ، وهو ، كما يقال، عبارة عن كتلة  دهنية غير خطرة. وقد استطعت أن  أتفحصها بنفسي مراراً . إنه يرفض دائماً إجراء أي عمل جراحي لها، كما ويحظَّر على المصورين التقاط الصور من هذه الجهة.  ويوجد 500 اختصاصي، أؤكد 500 اختصاصي، منكّبين  باستمرار على متابعة حالة الأب والابن الصحية، ويعملون  فيما يدعى في  بيونغ يانغ "معهد العمر المديد"، حيث تجرى لهم التحاليل الطبية على مدار السنة. وما إن يبصق أحدهما أو يعطس حتى ترسل مناديله للفحص تحت المجهر. علاوة على ذلك فإن مشفى كونغ أي "الشعلة" يحتفظ بجناح خاص معني بالاختبارات المتعلقة بمداواتهما. وإن  عشرات من " فئران التجارب"، من عمرهما (الأب والابن) ، وبسمنتهما، يشاهدون وهم يتجرعون الأدوية الجديدة التي يؤمَر سفراء كوريا في كل أنحاء العالم بإرسالها  إلى بيونغ يانغ فور ظهورها في الأسواق. بينما، في ذات الوقت ، يموت الناس، الذين ليس أعضاء في الحزب، من قلّة الأدوية ونقص العناية".

 

-ـ فرقة اللذّة ـ

إن درجة تحمُّل الشاب حيَّرت أكثر من طبيب، فهو يعربد أربع ليالٍ في الأسبوع ، ولا ينام مطلقاً قبل الرابعة صباحاً ؛ ويقضي معظم هذه الليالي بصحبة الفتيات الجميلات اللواتي يحضرن طوعاً أم كرهاً، من السويد وفنلندا واليابان وتايلاند، تماماً كما يستورد الكافيار من كازابلانكا والسلمون من النروج والأحذية  ذات الكعب العالي " 10سم " من جنيف.

إنه من جهة أخرى، يستمتع بهذه المواكبة النسائية ؛ فثمة مجموعة من ثلاثين فتاة كورية، حسناوات، ويتم اختيارهن من  كل  أنحاء البلاد، ويُعتنى بتربيتهن،ويجري تجديدهن كل عام (والأمر نفسه بالنسبة للأب). وحضورهن دائم في أكثر المشاهد اليومية ابتذالاً، حيث يساعدنه حتى في حمّامه وارتداء ملابسه وطعامه. وتشكّل هؤلاء النسوة الشابات ما يسمّونه همساً "فرقة الرغبة – اللذة ". وهن الأكثر خبرة وحنكة في كوريا الشمالية، ويتمتعن بامتيازات تفوق امتيازات رئيس الوزراء: يتجولن بسيارات مرسيدس 600، ويفرضن النظام في كل مكان.

في حزيران 1990 كانت كيم يونغ إيل  قد أرسلهن في إجازة إلى موسكو، وهناك جُمع كل دبلوماسيينا وفرضت عليهم النزوات المفرطة بالشذوذ. وقبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات سُمح لي بحضور مشهد كنت حذراً جداً أن أروي تفاصيل وقائعه.

حدث ذلك في جناح مغنوليا(داخل حرم الهيئة المركزية، وبحضور كيم يونغ نام، وزير الخارجية، ودبلوماسيينا وسفراء أجانب): كأس الكونياك في يد كيم يونغ إيل، وفي فمه سيجارة دنهل مذهَّبة، طلب من الفرقة أداء رقصة" كان كان الفرنسي"، وبعدئذ طالبهن بخلع تنانيرهن ، ثم حمالات النهود. وقد تهامسنا  فيما بيننا: " ينبغي علينا ألاّ نتفوّه بأية كلمة لأي شخص كان، وإلاّ سينتهي بنا الأمر إلى الاعتقال.

 

ـ في الحرم السينمائي ـ

من الممكن أن يختفي المرء بين عشية وضحاها، مرة وإلى الأبد . ويكفي أن يقرّر ذلك الدكتاتور أو ابنه.  إن كل متنوّري كوريا الشمالية يعرفون في عائلاتهم حالة تعرَّضت إلى أمر من هذا القبيل ، فخلال دراستي اللغة الأجنبية، والتي استمرت اثني عشر عاماً، اختفى عشرون من زملائي في الدراسة من أصل ال 120 دارساً من أبناء الموظفين الكبار. لقد اختفوا بهذه الطريقة مع كل عائلاتهم. لماذا؟

من أجل كلمة على الأكثر. فغالباً ما يشكّل التفكير خطراً، أما التحدث  فإنه مُميت، خاصة حين يكون أحد الكيمات [4] موضوع الحديث!  يُرسل الناس إلى معسكرات مرقَّمة من 1 إلى 12 (الجميع في كوريا الشمالية يحملون رقمين ، يبتدئ الرقم واحد (1) بـ كيم إيل سونغ، والرقم  اثنان بـ كيم يونغ إيل. وتمتد هذه المعسكرات على مساحة عشرات الكيلومترات المربعة وتحتوي على 150 ألف شخص يتعفنّون باستمرار. فمنذ لحظة وصول المعتقلين إليها يُعطون الكبريت والملح ويقولون لهم:" تدبَّروا أنفسكم"؛ ووحدهم الأقوياء من يمكنهم مقاومة الجوع  والبرد . وفي البيوت يصمت الكوريون؛ فقد تشي بالمرء زوجته أو أطفاله، والميكروفونات محشوة داخل الجدران. فأنا، حين قررت مغادرة برازافيل إلى كوريا الجنوبية، لم أبلغ زوجتي بذلك مخافة أن تخونني وتشي بي. ومنذ ذلك الوقت ليس لدي أي خبر عنها، ولا عن ابني البالغ من العمر خمسة أعوام، ولا عن ابنتي ذات الثمانية أعوام. فهل هم الآن في أحد المعتقلات مع أمي وأخواتي وأخوتي؟ ومن سخرية الأقدار أن أملي الوحيد في إنقاذ عائلتي من هذا المأزق الرهيب هو صداقة أخت  الديكتاتور لزوجتي. آمل أن تكون زوجتي مستمرة في التردد على بيوت الطاغية العنجهيي!.

شيَّد كيم إيل سونغ في كل مقاطعة العديد من أماكن الراحة (قصور ضيافة) يصل عددها الإجمالي إلى مائة مقر، كل منها أكثر فخامة من الآخر. ويعتبر مقر جان سوغال  أكبرها. وقد أقيم على بعد ثلاثين كيلو متراً من العاصمة، على مساحة تبلغ ثمانية كيلومترات مربعة ونصف، وله خط حديدي خاص (تحت الأرض) يتّصل بمكتبه في بيونغ يانغ.

يوجد ثلاثة آلاف فتاة واثنا عشر ألف شاب يقومون بالسهر على راحة السيد وسلامته في مختلف هذه الأماكن. وقد بزَّ كيم يونغ إيل والده بتشييد أماكن الاستجمام (حوالي 150 قصراً). ويؤكد كو يونغ هوان أن فيها  العديد من حمامات الساونا وشبكات الستريو وأحواض السباحة، والأدراج الكهربائية وصالات العرض التي هيَّأ لها 15 ألف فيلماً أجنبياً من أفلام الغرب العاطفية والجنسية. إنه شديد الشغف في السينما، ففي عام 1978 عمل على اختطاف ممثلة كورية جنوبية(كان معجبا بها على نحو خاص) وزوجها المخرج الشهير من هونغ كونغ ، وقد فعل ذلك ليقوما بتطوير الصناعة السينمائية في كوريا الشمالية. وانتهى الأمر بالزوجين إلى الفرار بعد ثمانية أعوام.

 

ـ السيارات ، هوس صاخب آخر لدى كيم الشاب ـ

يروي الدبلوماسي السابق: كثيراً ما صعدت إلى جانبهما في السيارات ؛  إنه مجنون سواقة. ولحسن الحظ أن الطرقات  والشوارع تخلو من السير، خاصة في مثل هذه الحالة. وتُمنع الدراجات أيضاً، حيث يخصَّص لها ممر معلّم  بخط أصفر في وسط الطرقات كلها. ويوجد تحت تصرّفه عدد كبير من سيارات الجاكوار والبورش والفيراري المفضَّلة، وبعض السيارات القديمة المكشوفة، يابانية وسوفيتية الصنع، وكذلك سيارات المرسيدس 600 المصطفة كلها في المرآب الرئيسي. كما أن سيارات المدينة كلها موضوعة تحت تصرفه. وهذه السيارات تحمل لوحات بلا أرقام، أو تحمل  تاريخ ميلاده  (16 – 2) وهكذا لا يُعرف مطلقاً في أية سيارة يكون.

 

ـ 35 ألف تمثال للقائد الكبير ـ

مسرح الظلام هي بيونغ يانغ، مدينة الأشباح ، إنها عاصمة غريبة . والوحيدون الذين لديهم امتياز في الحياة هم أولئك الذين يثبتون، عن صدق وأمانة نموذجيين، احترامهم للكيميين ونظامهم . فيما يفتك الجوع بسكان  الريف البائس. عندما يمرّ وفد أجنبي على متن  قطار خاص، تفرَّغ المحطات، وكذلك البيوت المحيطة بالخط، وعندما يأتي زائر إلى بيونغ يانغ لا يجد أمامه سوى  أشكالٍ إنسانية (من مثل أولاء المستأجرين الذين يُشاهدون وهم يحركون أيديهم من نوافذ المساكن الجديدة التي رُسمت ديكوراتها المزيَّفة على طول الساحات الفارغة، وأكثرية هذه المساكن غير مأهولة كونها تفتقر لأبسط عناصر الراحة.

في عام 1985 بلغ عدد التماثيل في البلاد 35 ألف تمثال  لشخص كيم إيل سونغ، ناهيكم عن النُصب، التي لا تحصى،  المشيدة لمجده. أما الوريث الحالي فقد  قارب الأسطورة الرسمية، ولديه الحق في تلقي الولاء والاحترام شبه الدينيين اللذين لأبيه. وقد أُهدي إليه أكثر  من ثلاثين  موقعاً تاريخياً كاملاً دون أي نقصان. ومن بينها ذلك المكان المرتفع، المفتوح، الذي ينبغي على جميع الكوريين الشماليين  أن يحجّوا إليه، ويدعى (ميلونغ – المعسكر السرّي) ، وهو عبارة  عن كوخين من الجذوع فوق قمة جبل (باك جو). الجبل المقدس، الواقع في شمال البلاد، حيث يقوم عشرة آلاف مواطن تقي مطيع بالصعود يومياً إلى هناك، مرتّلين النشيد الرسمي : " إن عبقرية الجنس البشري هي التي قادت المقاومة ضد اليابانيين في الثلاثينيات". في الواقع كان كيم  إيل سونغ قد عاش في المنفى، في الاتحاد السوفيتي حتى عام 1945). وهناك ولد ابنه كيم  يونغ إيل في مدينة خبروفسك                                                                                                                                                                                                                                                                                                                (ولد في اللحظة التي ظهرت فيها نجمة مضيئة فوق الجبل، وسط الأنوار السماوية الأخرى، وقوس بهي من الأنوار في كبد السماء).

 

ـ قوس نصر أكبر من قوس باريس ـ

يوجد في  بيونغ يانغ أكثر من مائة منشأ ، من طراز الواقعية الستالينية، تمجّد عبقرية الأب . ومن بين هذه الزخارف يوجد قوس نصر بارتفاع 160 متراً ، وقد أرادوا له أن يكون أكثر ارتفاعاً من قوس نصر باريس . كما ينتصب برج من الغرافيت بارتفاع 170 متراً تنبثق منه شعلة هائلة تضيء الليل، ترمز لفكرة (شمس الإنسانية) ؛ إنه تمثال هائل الحجم – وهو في الأصل من البرونز -  مطلي بالذهب، وقد تبّرع به المحسنون ذوو الأسنان الذهبية ، وقد نُزع عنه الذهب إثر الدهشة التي أصابت الصيني ونغ سياو بينغ لدى رؤيته هذا                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 الإفراط في استنزاف البلاد، وعجز الزعيم عن إطعام شعبه، وطلبه لمساعدات اقتصادية إضافية.

                                                                                                                  

ـ سؤال يحرق الشفاه ـ

 لم يصل الكوريون  الشماليون إلى ا لتخلّص من أصنامهم. ولقد كشف الدبلوماسي السابق أنه عندما قتل الروماني تشاوشيسكو، طلب الديكتاتوريون أن يرسل لهم من باريس الأفلام عن محاكمته وقتله، وهذه الأفلام الخمسة كانوا قد وزعوها. لا أعرف ماذا أوحت لهم هذه  الصور، ما أعرفه أن الوضع يمكن أن يدوم لثلاث أو أربع أو خمس سنوات أخرى. ويبقى كيم إيل سونغ هو الله على الأرض، و"كيم يونغ إيل ابن الله مادام، هذا الشعب محاصراً داخل تلك الجدران العالية، وليست لديه الإمكانية للإطلاع على حقائق العالم الخارجي  (كما هو الحال لدى بعض المنشقين، وما كنت عليه أنا بالذات). مرة أخرى يكرر الدبلوماسي الشمالي عبارته: " أنت لا تصدقني… أليس كذلك؟

                    ملحق  - المنجل والزهرة -  

كانت السعادة تطفح من كيم إيل سونغ حين انتخب فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية الفرنسية عام 1981، هذا ما يرويه كويونغ هوان الذي كان في ذلك الحين مترجماً  عن الفرنسية برفقة الديكتاتور . وقد شهد  ساعات الفرح هذه في قصر "بيونغ يانغ" . فمسؤول سياسي وحيد كان قد صافح يد سيّد كوريا الشمالية حين أرسله فرانسوا ميتران إلى بيونغ يانغ قبل ثلاثة أشهر من انتخابه. وكان برفقته ليونيل جوسبيل، وغاستوف دوفار. ويقول كيم إيل سونغ فاركاً يديه، بانياً حساباته اعتماداً على هذا المرسل (المندوب) السماوي، "معزولون كما نحن، ومقاطعون من قبل أوروبا الغربية… إذا ما صارت فرنسا إلى جانبنا، فهذا يعني أن أوروبا كلها ستتأرجح لصالحنا".

للأسف ،كانت إعادة الحساب بعد فوات الأوان. ففرنسا الاشتراكية لم تغيّر سياستها في آسيا. وقدغضب كيم إيل سونغ وقتئذ، وأذكر أنه قال عن ذلك: " إن ميتران استعماري نموذجي حديث ".

أما العلاقات بين بيونغ يانغ  والأفارقة فقد كانت أكثر سهولة بشكل دائم، هذا ما أكده الرئيس السابق لقسم العلاقات الكورية الإفريقية. يكفي أن تقدم لهم الثمن ؛  وكيم إيل سونغ هو من الكرام بلا حدود نظراً لاحترامهم له،  وما يطلبونه يوافق عليه. فعلى سبيل المثال طلب الملاَّ غاشي (دي ديه لا تسيراكا) شقة (بيتاً مع مكتب)، فحصل على قصر بخمسة ملايين دولار. والزائيري يوبوتو طلب حمام ساونا رائعاً يعمل على البخار. ونائب الرئيس التنزاني طلب تشييد ملعب يتسع لثلاثين ألف مقعد، فسأله كيم إيل سونغ : " لماذا ؟ " أجابه : "كي يحتفل فيه بعيد ميلادك". عندها قال كيم: "هذا صغير جداً، سأبني لك ملعباً يتسع إلى سبعين ألف مقعد.

ينهض الأفارقة كرجل واحد، وأمام المترجم المذهول يصرخون ثلاث مراتٍ : " يعيش قائدنا الغالي الكبير كيم إيل سونغ.

 



[1]  مجلة الغيفارو /1993/

[2]  وتعني بالعربية الماجن

[3] من عام 1993

[4] جمع كيم