المواطن السوري بين مطرقة أجهزة الأمن وسندان القنصليات السورية

 

يتساءل المواطنون السوريون عن الأسباب التي تجعل أركان الحكم في سورية يجفلون عند ذكر الإصلاح السياسي، ويحاولون أن يدوروا وأن يلتفوا حوله، وأن يستبدلوا به أنواعا أخرى من الإصلاح. فمرة يطرحون للتداول نغمة الإصلاح الاقتصادي، ويحار المواطن كيف يمكن أن يصلحوا اقتصادا عملوا هم على إفساده، حتى غدا الموظف يبدأ بالاقتراض في بداية العشر الثاني من الشهر. ومرة يطلبون من إحدى الدول أن تسعفهم بخبراء يقدمون لهم النصيحة في الإصلاح الإداري.والمواطن السوري يحار أيضا عما سيقدمه لهم خبراء تلك الدولة، وهل سيأخذون بتوصياتهم؟ وسورية أصلا لا تشكو من قلة الخبراء، وإنما تشكو من تفرد البعثيين الذين لا يقبلون إلا آراء أنفسهم.

وطبعا ستجد من يزعم بأن سورية لا تحتاج إلى إصلاح أصلا، وإنما هو بعض التطوير. وأن القضية كلها لا تزيد عن فساد إداري أو تعثر اقتصادي. وأن إصدار بعض القوانين كفيل بأن يقوّم المسيرة ويضبط الفلتان في هذه الناحية أو تلك، مما نتج عنه كمّ هائل من القوانين... ولكن لا تطبيق!.

أركان نظام حزب البعث لا يسمعون إلا صوت أنفسهم

المنظرون،الجدد القدامى، في حزب البعث، يزعمون أن القول بالحاجة للإصلاح السياسي  ينطوي على لغم مضاعف. فهو من جهة محاولة مقنعة للانقلاب على نظام الحكم. وهو من جهة ثانية توجيه الاتهام بالفساد لأركان الحكم كلهم، وعلى رأسهم الرئيس الراحل. وهذا القول يؤدي إلى إسباغ القداسة على العهد ورجال العهد، وكأنه عهد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا يعني أن المس بالعهد وبرموز العهد، من الكبائر التي تلقي بمن يقترفها في غياهب السجن، كما فُعل مع الأستاذ رياض الترك عندما قال على فضائية الجزيرة "مات الديكتاتور".

 وإذا فشل هذا الأسلوب في إقناع قيادة العهد الجديد، لجأ المنظرون إلى أسلوب التخويف من مصير كمصير الاتحاد السوفياتي، عندما سمح "جورباتشوف" بانتقاد سياسات من سبقه من قادة "الكريملين". وما يريده هؤلاء المنظرون أمران، أولها الإبقاء على مكتسباتهم التي اقتطعوها من خيرات الوطن، التي غرقوا فيها حتى آذانهم،وثانيها أن ينقذوا أنفسهم من مصير كمصير قيادات الحزب الشيوعي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

ولقد حاول كتاب ومفكرون، ممن ليسوا من وعاظ السلاطين، أن يقدموا النصيحة تلو النصيحة، بالإيماءة مرة، وبالإشارة أخرى. وألمحوا بأن ثلاثة عقود مرت كانت أكثر من كافية، كي يراجع أركان النظام حساباتهم، وأن يعيدوا الاعتبار للمواطن السوري، بعد أن كان هذا المواطن هو آخر ما يفكر فيه مسؤولو ذلك العهد.

ومع أن هؤلاء الكتاب والمفكرين ما قالوا لأركان الحزب الحاكم،ارحلوا عنا ودعونا نحكم سورية بدلا منكم. ولم يهددوا بالقيام بانقلاب على النظام الحالي، وإدخال رجالاته إلى المعتقلات التي كان يسكنها هؤلاء الكتاب والمفكرون حتى وقت قريب. وكل ما طالب به هؤلاء أن يعيشوا ما فضل من حياتهم بحرية تليق بآدميتهم، بعد أن اقتطعت أجهزة أمن النظام منها، أكثر من ربع عمر الإنسان المفترض، في السجون والمعتقلات.

ولقد كان المفترض أن يقرأ أركان النظام المتغيرات الدولية، وأن يعلموا أن الماء الذي كان يملأ أفواه السوريين، لم يعد قادرا على منعهم من الكلام بعد أن رأى السوري ريح الحرية تهب على كل أقطار الدنيا إلا في سورية وكوريا الشمالية.

وبدلا من إعادة الحسابات من خلال تلبية الحد الأدنى من مطالب المواطن السوري بما يحفظ على سورية أمنها واستقرارها، فقد قامت دنيا حزب البعث ولم تقعد، وألقي بهؤلاء المفكرين والكتاب في السجون والمعتقلات، وأغلقت تماما، كوى ديموقراطية، كانت قد أشرعت بشكل موارب، ليهب منها بعض أنفاس الحرية،وعاد إعلام حزب البعث ليوزع على الكتّاب والمفكرين شهادات العمالة للأجنبي،ويتهمهم بالاتصال بالسفارات والقنصليات ،وكأن سورية عادت إلى عقد الستينيات.

والعجيب في الأمر، أن إعلام النظام كان يوزع شهادات العمالة للأجنبي، في نفس الوقت الذي كانت فيه عناصر المخابرات المركزية (سي ، آي ، إي) تدخل إلى سورية من الباب الرسمي، لتنقب في آثار قلعة حلب، على آثار "محمد عطا" القائد المزعوم لتفجيرات مركز التجارة العالمي في 11 أيلول "سبتمبر" 2001 . 

وبحلول هذا الشهر تموز "يوليو"، يكون قد مضى أربع سنوات على خطاب القسم الذي اعتبره السوريون فاتحة عهد جديد، واستبشر به الناس خيرا. أي أن أكثر ولاية الدكتور بشار قد مضى "والأكثر له حكم الكل". وبجردة بسيطة يكون ما تحقق حتى الآن إنما هو تحسينات تجميلية هنا وهناك، نادرا ما تجاوزت القشور إلى لب المشاكل.

وبما أن "الخرق قد اتسع على الراقع"، فإن سياسة الترقيع لم تعد واردة أصلا في إصلاح النواحي المهترئة ، ولا بد من وقفة مع الوضع، وإعادة الصياغة من جديد. 

الإصلاح مطلوب، دفعة واحدة أو بالتدريج

لقد جرى فرض الإفساد دفعة واحدة عندما قامت النخب العسكرية في الوطن العربي بانقلاباتها على أوضاع دستورية أو شبه دستورية، على اختلاف في الطريقة التي جرت فيها تلك الانقلابات. وعليه فليس صحيحا أنه لا بد من التدريج في الإصلاح كما يزعم أهل الحكم في البلاد العربية عامة وفي سورية على وجه الخصوص. ومع ذلك فقد رضي الشعب السوري،على ألسنة المعارضة ودعاة المجتمع المدني،بالتدرج في الإصلاح.

ولأن نظام الحكم السوري قد استمرأ سياسة البقاء في الحكم، وليس واردا لدى أركانه بأن يعودوا بالبلاد إلى الوضع الدستوري، كان لا بد من التخطيط لفرض هذه العودة على النظام، ولكن بأسلوب ديموقراطي.وحتى تتحقق هذه العودة، لابد من العمل على الخروج من حالة الاستعصاء الحالية. ولا يكفي أن نقول إن الفساد حالة عامة، فلا بد من تشخيص  الفساد وتعيين مواطنه في كل ناحية من النواحي على حدة، إذ لا بد من تفكيك مكوناته إلى عناصر يسهل محاصرتها، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تعيين الوسيلة المكافئة، طالما أن أهل السلطة لا يعترفون بالحاجة إلى تقويم مسيرة الحكم.    

صحيح أن بعض المصاعب التي يعاني منها المواطنون قد تفاقمت عما كانت عليه سابقا، في شتى مناحي الواقع السوري،ولكن الصحيح أيضا أن السكوت عليها ليس هو الحل، بل  هو نوع من الانتحار البطيء. ولأن الإصلاح يجب أن يشمل كل مناحي الحياة،والكلام فيه جميعا غير ممكن في مقالة واحدة، ومن كاتب واحد، إذ لا بد من عمل جماعي يقوم بالتصدي للواقع المتردي. وسأقصر كلامي على الحالة الإنسانية التي يعاني منها قطاع من الشعب السوري، محصور في بلاد الغربة هم المنفيون السوريون في بقاع الأرض، الذين تتجاوز أعدادهم مئات الألوف. 

"البدون" السوريون

كلنا سمع عن جماعة "البدون" في الكويت، وعن محاولة المجتمع الرسمي هناك علاج هذه الظاهرة، التي تشكلت من دخول بعض العرب من بلدان مجاورة، -خصوصا بعد الطفرة التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة- إلى الكويت. ومع إحساس أهل الكويت أن هؤلاء جاءوا ليقاسموهم الثروة،فإن الكويت الرسمية لم تعمل على إخراجهم، بل إنها فرضت لهم من الرعاية ما يكفل لهم العيش الكريم، والتعليم والرعاية الصحية، دون أن تصل الرعاية إلى منحهم الجنسية. وبمقارنة بسيطة بين هؤلاء وبين السوريين المنفيين سنصل إلى نتيجة  تجعل المنفي السوري في مرتبة رابعة أو خامسة من أنواع"البدون"،مع ملاحظة أن البدون السوري لا يحظى من حكومته إلا بجزء صغير مما يحظى به أيّ "بدون" في العالم. 

المنفيون السوريون

ورث السوري ،فيما ورث عن أبيه وجده، حقه الكامل الذي يتيحه له انتسابه إلى وطنه سورية. ومع أن والد هذا المواطن المنفي أو جده،  ما استشار حزب البعث عندما انتمى إلى هذا الوطن انتماء عضويا منذ مئات وآلا ف السنين. وأن هذا المواطن المنفي له كل الحقوق الوطنية الأصلية، بالتساوي مع كل أبناء هذا الوطن بحكم كونه يملك جزءا من هذا الوطن السوري .

ومع ذلك فإن أجهزة أمن حزب البعث أعطت لنفسها حق حرمان هذا المواطن المنفي من بعض تلك الحقوق أو كلها، مثل حرمانه من حقه في العودة إلى سورية متى شاء، بشكل آمن وغير منقوص. وحرمته من الحصول على جواز سفر له ولعائلته، وهذان الحقان هما بعض حقوقه التي حرمته منها أجهزة أمن النظام السوري.

بل إن هذه الأجهزة قد خالفت نص الدستور الذي فصله حزب البعث على مقاسه ومقاس قياداته، حيث نصت المادة 43 منه على أن "القانون ينظم الجنسية العربية السورية ويضمن تسهيلات "للمغتربين العرب السوريين". 

القنصليات صورة مصغرة عن فروع الأمن العسكري.

ولئن كانت قنصليات دول العالم كلها بلا استثناء، قد جعلت كل همها خدمة مواطني تلك الدول، فإن القنصليات السورية، جعلت كل همها التضييق على المواطن السوري المنفي. ونقلت معاناة المواطن من داخل سورية إلى الشوارع الجانبية التي تقع فيها تلك القنصليات  . بل إن من يدخل إلى قنصليات سورية في دول الخليج ، يعاني من الإرهاب، ما يعانيه شقيقه المواطن داخل سورية، عندما يستدعى إلى فروع أجهزة الأمن السورية. ويتمنى لو أن "العولمة" الجديدة قضت بإلغاء جوازات السفر كوسيلة للتنقل بين دول العالم،عله يرتاح من الوجوه المكفهرة التي تطالعه عند زيارته إلى القنصليات السورية.

معاملة موظفي القنصليات للمواطن السوري.

عموما فالمعاملة خشنة مع الجميع، المنفيين أو العاديين. وتختلف من موظف لآخر،  ومن بلد لآخر. فعناصر القنصليات السورية في دول الخليج، هم الأسوأ من باقي دول العالم. 

القنصل العام الذي تود مقابلته ،لشرح قضيتك التي تعسرت في مكاتب القنصلية وتحتاج إلى "ولادة قيصرية"، ،دائما مشغول ،بحسب ما يفيدك به موظف الاستعلامات "أبو علي". وإذا حاولت أن تتصل به بالهاتف، فهو أيضا مشغول بحسب ما يفيدك به "أبو الخير".

 معاون القنصل لشؤون الجوازات قد يرد عليك هاتفيا، وقبل أن تشرح له قضيتك يقول : قدم الطلب للموظف على الشباك. فتذهب إلى الموظف الواقف داخل الشباك. تقدم له جواز سفر ابنك الذي انتهت صلاحيته لأن مدته ستة أشهر، ينظر فيه ويقول لك: هذا الجواز ممنوح من"فوق الأساطيح"،لماذ؟لأن مما هو متعارف عليه في عهد معاون القنصل العتيد، أنك إذا كنت من المنفيين الذين لا ينزلون إلى سورية، فأنت وأبناؤك وأحفادك محرومون من جوازات السفر. وبدلا من أن يكون حرمان المواطن من جواز السفر هو تصرف من "فوق الأساطيح"، صار منحك جواز السفر هو الأمر المنكر.

وإذا سألت هذا الموظف عن الحل لمشكلة ابنك؟ قال: قدم الطلب وسنرفعه إلى سورية. ولأنه ليس أمامك سبيل آخر، فما عليك إلا ملء الاستمارات وتصوير جواز السفر وإرفاق كل ذلك بعدد معين من الصور، ويقال لك: اتصل بعد شهرين.

وقد تطول المدة حتى يأتيك الجواب، وقد تصل إلى سنة، وفي أثناء ذلك ليس لك من عمل إلى الاتصال بالهاتف والاستعلام عن الجواب.

تتصل بالقنصلية،ويرد عليك "أبو علي"،وتسمعه وهو يتكلم مع مواطن سوري آخر قائلا له :مبروك. وقد يظن غير العارف أن هذه المباركة لحصول المتصل على  الشهادة الجامعية ،أو على القبول موظفا في إحدى الوزارات في دولة خليجية. وطبعا فالمباركة ليست على هذه ولا تلك، وإنما على الموافقة على جواز سفر لمدة ستة أشهر أو سنتين، وفي النادر قد تصل إلى ست سنوات.

أما الجواب على طلبات المنفيين وأبنائهم،فيأتي بالرفض غالبا،ونادرا ما يأتي مع الموافقة. وإذا سألت عن سبب الرفض قيل لك: "ضرورات المصلحة".وهو يعني "بالمشرمحي بالقلم العريض"، أن الرفض كان لأسباب أمنية.

وتتساءل وأنت شارد الذهن: ما العمل؟ فيأتيك صوت "أبي علي"قائلا: لم لا تقابل المسؤول الأمني؟. وتقول في نفسك: لم لا؟ "الحق الكذاب إلى باب الدار".

 

فتطلب من "أبي علي" أن يرتب لك لقاء مع "أبي هاني" مندوب الأمن العسكري في القنصلية. وستعجب عندما يقول لك: إن أبا هاني في انتظارك الآن. ولكنها القنصلية، قلعة العجائب يا صاحبي.

مندوب الأمن العسكري في خدمتك.

يستقبلك "أبو هاني" في مكتبه الكائن في الدور الثاني، ويطلب لك كأسا من الشاي، وينفخ دخان سيجارته، وقد وضع رجلا فوق رجل، يسأل وهو شارد الذهن: أية خدمة؟ ثم يتذكر  مهمته فيقول: هل أنت جاهز لتسوية وضعك، حتى ترجع إلى بلدك الذي يسكن في صميم قلبك؟. وتحاول أن تشرح له أن الأمر يتعلق بولدك الذي ولد في المهجر، وتخرّج من الجامعة، وترغب بتمديد جوازه ليتمكن من تجديد رخصة الإقامة التي انتهت صلاحيتها. فيقول: "ومالو!"،نحن جاهزون لتسوية وضعك ووضع ابنك. فتقول له: يا أخي أنا محكوم عليّ بالإعدام. فيجفل أبو هاني خوفا من أن يكون الجالس أمامه إرهابيا خطيرا. ثم يهدأ روعه عندما تقول له: إنك من الإخوان المسلمين، وإن القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ما يزال ساريَ المفعول و..و. فيقطع عليك الاسترسال ليقول لك: إن القانون مجمد، وإن تسوية وضعك ستجعلك بريئا! كيوم ولدتك أمك. ويمسك بالقلم بعد أن وضع الأوراق أمامه ويقول: ها! هل نبدأ؟.   فتقول:على كل حال أنا جئت من أجل ولدي، وسأبحث معه الأمر. فيقف مودعا قائلا لك: نحن بالانتظار وبالخدمة على كل حال. 

ثم يتبين لك فيما بعد، عندما تخبر معارفك بدماثة خلق أبي هاني واستعداده للخدمة، أن عقدة المصائب في القنصلية ليست في مكتب أبي هاني، وإنما عند "أبو طارق" مندوب مخابرات أمن الدولة، ولا بد من أخذ رأيه عند كل موافقة على منح جواز سفر.

تسوية الوضع والعودة من البوابة الأمنية.

"تسوية الوضع" ليست من الأمور المقبولة عند جميع المنفيين. فبعض من يقدم عليها ،إما غادر سورية قبل أحداث 79 – 80 ،ومضى عليه سنوات دون أن يعود إلى سورية، فهو خائف على نفسه من سطوة المخابرات إن عاد إلى سورية. والبعض الآخر ليس له انتماء إخواني أصلا، ولكنه طال به الزمن وعومل أمنيا كأنه واحد منهم، فأراد أن يزيل هذا الاشتباه. وهناك قلة من الإخوان شعروا بإرهاق طول الطريق، وأتعبتهم المعاناة التي يلاقونها فقرروا الاستقرار في سورية بعد أن تقدم بهم العمر.

ولكن الأمر المؤكد أن تسوية الوضع ليست بالضرورة حلا لمشكلات المنفي، كما أنها ليست متيسرة لكل من يرغب بها. إذ لا بد من دفع الفدية، وهو مبلغ لا يقل بحال من الأحوال عن نصف مليون ليرة سورية، وليس كل منفي يستطيع دفع مثل هذا المبلغ. ونادرا ما يكون مندوب الأمن العسكري هو الوسيط في ذلك، لأن مهمته محصورة بإغراء من تقطعت به السبل أمام أبواب القنصليات فيلجأ إلى آخر الدواء عند أبي هاني.

وغالبا ما يقوم بهذه المهمة رموز من داخل سورية، لهم مكانتهم عند الناس وحظوة عند أجهزة المخابرات، نضرب صفحا عن الإشارة إلى أسمائهم ومناصبهم، لأن تلك المناصب تتصل بوظائف كانت حتى عهد قريب لا يصل إليها إلا أهل الثقة وأهل العلم الشرعي.

وهذه الرموز يُشعرون من يتابع قضيتك من أقربائك في سورية، بأنهم إنما يقومون بهذه الخدمة لوجه الله. وبعضهم يفعل ذلك حقا،ولكنه من القليل النادر، خصوصا إذا اطلع على وضعك وما تعانيه أسرتك، التي يعيش نصفها معك في المنفى ونصفها الآخر في سورية.

ولابد أن نذكر هنا أن كثيرا ممن سووا وضعهم عن طريق أمثال "أبي هاني" قد انتهى بهم الأمر إلى السجن. وهم إما من أبناء المنفيين، عادوا تحت ضغط الوثيقة، وبقي آباؤهم في المنفى، أو ممن لم يدفعوا الفدية.

 تسوية الوضع إهانة للمواطن السوري

لا يستطيع أحد أن يتهم مواطنا منفيا سوى وضعه ليعود إلى وطنه تحت ضغط الظروف الصعبة التي يلاقيها المنفيون السوريون في بلاد الغربة. وإذا كان هناك متهم فهو النظام السوري الذي أجبر هذا المواطن السوري على تسوية وضعه، واضطره ،أكثر من مرة، أن يدفع من كرامته ثمنا للعودة إلى وطنه.مرة عند ما حرمه حقه الشرعي  في العيش في وطنه، وشرده في الآفاق يعاني من آلام الغربة ومن وشظف العيش، من دون أن يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون. ومرة ثانية لأنه ألجأ هذا المواطن بسبب ضغط الغربة وما تجره عليه،أن يدين نفسه عن أعمال لم يقم بها،وإلا فلا عودة.ومرة ثالثة يلزمه أن ينقل أخبار من قابله في المنفى، أو من عاش معه قبل الهجرة. ورابعة أن يتردد على فروع المخابرات كلما عاد إلى وطنه، يقدم لها تقارير دورية، صحيح أنها روتينية، ولكن الصحيح ،أيضا، أن المرور على تلك الفروع مما يثقل على النفس وينغص العيش. ولو لم يكن إلا هذه الرابعة، لكفى بها ثمنا باهظا يضطر إليه من سوى وضعه. ولو علمنا أن أجهزة أمن النظام لم تترك سلاحا نفاذا تضغط به على المنفي إلا جردته في وجهه. ولعل أمضى سلاح كان سلاح جواز السفر، الذي يستحق أن نقف معه وقفة نوضح فيه للقارئ الكريم كيف اضطهدت أجهزة أمن النظام السوري المنفي عندما شهرته في وجهه.   

جواز السفر الحلم! و"ضرورات المصلحة"      

الحديث عن الضغط النفسي الذي يفرضه الحصول على جواز السفر، يحتاج إلى بعض التفصيل. لأنه قضية ذات شجون، ولها تفرعاتها وتشعباتها، التي تتلون وتتشكل باختلاف الموظفين الموجودين في القنصلية. وللأمانة فإن بعض القناصل "مساهم الله بالخير" كان يقول للمضطر للحصول على جواز سفر –وكل المنفيين مضطرون، ولكن بعض الشر أهون من بعض-:إن التعليمات لا تسمح بمنحك جواز سفر،ولكني لا أسمح لنفسي ،وأنت في بلاد الغربة، أن أدعك تتعرض للحرج. ثم يأمر بمنحه جواز سفر لمدة ستة أشهر.

وبعضهم تكلس عنده المخ والمخيخ والمخ المستطيل، وارتفع منسوب "الوطنية" عنده إلى مستويات عالية في دمائه، لدرجة أن القنصل أو نائبه إذا ما شعر بأنك من المنفيين، أوصد باب مكتبه في وجهك ، وأخذته العزة بالإثم عند عرض طلبك عليه، فيؤشر عليه "مع عدم الموافقة". ولا ينسى أحيانا أن يزكيك، فيأمر برفع طلبك إلى سورية مزيلا بحاشية "لا ينزل صاحب الطلب إلى سورية".

وهناك صنف ثالث، لم تصل الوطنية عنده إلا إلى الدرجة التي تفتح طريقا للدولارات إلى جيبه. فله على كل جواز يوقعه "جعل" يتفاوت بتفاوت مظهرك ودخلك الذي لا يخفى على أمثاله. وغالبا ما يشكل مع مندوبي أجهزة الأمن شركة اسمها "حج قسام"، ولعله الصنف الأكثر قبولا عند المنفيين رغم ما ذكرنا عن مسالبه.

ولعلني لا أنسى صنفا رابعا، علم أن أجله في القنصلية محدود، ولا يريد أن يخسر راتبه ومنصبه، فاستقال من المسؤولية وجلس في مكتبه كالصورة المرسومة بإتقان داخل إطار مذهب، وترك المهمة لنائبه ومندوبي أجهزة الأمن، يتحكمون بعباد الله، فيقطعون أرزاقا ويصلون أخرى. وأعرف سوريا قصد قنصلا من هذا الصنف، وأطلعه على وضع ولده الصحي المتردي، فهتف القنصل من داخل قلبه: يا لطيف يالطيف وهو يرى الولد بحالة صحية صعبة، قد أكلت الحساسية المزمنة جلد وجهه ويديه. ولما أخبره مسؤول الجوازات أن على الولد "ضرورات مصلحة"، "زمّ عينيه وأبدى أسفه"، ووقف مادا يده مودعا قائلا: أن لا حيلة لديه طالما أن الولد ممنوع لضرورات المصلحة.

(قارن ،إن شئت، هذه القصة بقصة القنصل الذي منح المواطن السوري جواز سفر مع أن التعليمات تحظر ذلك، حتى لا يحرج المواطن).

أما ضرورات المصلحة تلك، فهي "كليشيه" تعني أن الطلب مرفوض لأن صاحب هذا الطلب أو والده، من المنفيين الذين لا ينزلون إلى سورية.

هذه عينة لما يلاقيه المنفيون وأبناؤهم من تضخم "وطنيات" كثير من موظفي القنصليات، وخصوصا في دول الخليج.

ولكن كيف عالجت وزارة الداخلية مشاكل المنفيين؟

وأنقل إلى القارئ الكريم مقتطفات من رسالة من مواطن سوري نشرتها جريدة تشرين السورية في  28 / 2 / 2004 جاء فيها:

رسالة من مغترب نشرتها تشرين في 28/2/2004

.. وقد بادر معظم المغتربين إلى دفع البدل النقدي عن أولاده "خمسة آلاف دولار عدا ونقدا"، قطعها من تحويشة العمر التي نقصت كثيرا بسبب الدراسة الجامعية التي كانت تكلف الواحد منا "الشيء الفلاني"، على حد تعبير إخواننا المصريين.

وبدفع البدل، ظننا أن مشاكلنا قد انتهت. ولكن خاب فألنا عندما فوجئنا بأن القنصليات السورية، والخليجية منها على وجه الخصوص، ترفض منحنا جواز سفر دون العودة إلى وزارة الداخلية، لأخذ موافقة. وعندما جادلنا المسؤول القنصلي، بأن قرار وزير الداخلية الذي صدر في عام 2002 قد حدد الأسلوب المتبع في منح الجوازات، وأن من دفع البدل النقدي، يمنح جواز سفر لمدة ست سنوات. كما أن وزارة الداخلية ألغت الموافقات الأمنية منذ أكثر من ثلاث سنوات، سيما وأن معظمنا ولد في المهجر أي أنه ليس من المعارضين ، إلا إذا كانت تعليمات وزارة الخارجية تنص على أن الولد الذي يولد لأب معارض، فهو معارض في الفطرة.   السعودية   -   المواطن السوري أحمد أحمد

وقرأنا مرة ثانية في "تشرين" في 10 / 4 / 2004 توضيحا من وزارة الداخلية –كثّر الله خيرها على تنازلها بالرد- ردا على الرسالة السابقة جاء فيها:                                                             من السيد العميد عبد الفتاح الصباغ مدير العلاقات العامة وصلنا التوضيح التالي:     السيد رئيس تحرير جريدة "تشرين":                                                         (..أما فيما يتعلق بعدم منح جوازات سفر من قبل بعض البعثات، فقد نصت المادة السابعة من القرار رقم /1378/ الصادر عن إدارة التنظيم والإدارة في وزارة الداخلية بتاريخ 25/11/2002، على ما يلي: تخول البعثات القنصلية للجمهورية العربية السورية المعتمدة في الخارج صلاحيات منح جوازات ووثائق السفر للمواطنين وتجديدها دون الرجوع إلى وزارة الداخلية،­إدارة الهجرة والجوازات، ولمدة ست سنوات، للفئات التالية:

من أدى خدمة العلم. ‏ ­ دافع البدل النقدي. ‏ ­ المعفو وحيد لوالديه. ‏­ من تجاوز الخمسين من العمر. ­ المعفو صحياً. ‏ المعفو لأدائه الخدمة في جيش دولة أخرى. الإناث. الأطفال  دون سن الحادية عشرة من العمر. وكذلك الطلاب الموفدون والطلاب الذين يتقدمون مباشرة إلى البعثات القنصلية بوثائق تسجيل دراسية ويشترط أن يكون المذكورون قد غادروا البلاد بصورة قانونية وليس بحقهم أي إجراء ويؤخذ رأي إدارة الهجرة والجوازات في الحالات التي يقدرها القنصل....) انتهى ما ورد في رسالة سعادة العميد.                                                                 

ومع التحية والتقدير لما ورد في التوضيح أعلاه، فإن سعادة العميد تحاشى الإجابة على رسالة الأخ المغترب "أحمد أحمد" بعد أن دفع البدل النقدي. فشرط مغادرة البلاد بصورة نظامية لا يلزمه، لأنه ولد في المهجر. إلا إذا كانت وزارة الداخلية تعتبر "أن من ولد لأب معارض، فهو معارض في الفطرة".كما جاء في رسالة المواطن السوري "أحمد أحمد" التي نشرتها تشرين. ثم ماذا يعني تعبير "إجراء"، الذي ورد في توضح سعادة العميد؟ ألا يكفي المواطن السوري إجراءات أجهزة الأمن التعسفية داخل القطر؟..                                                                   كما أن القنصليات كثيرا ما حرمت زوجات المنفيين وبناتهم من جوازات السفر، مع أن كتاب وزارة الداخلية لم يقيد منحهن الجوازات بأي شرط، والأمثلة على حرمان الإناث من منح جواز السفر أكثر من أن تحصى. وكثيرا ما تعطلت "خطبة" فتيات، لأن بعض من يتقدمون للخطبة كانوا يشترطون وجود جواز سفر نظامي.                                               ولا يفوتني هنا أن أذكّر بالتعميم الذي أصدرته وزارة الخارجية رقم / 38 / بتاريخ 17 شباط عام 2001 الذي قضى بمنح السوريين المنفيين جواز سفر لمدة عام واحد، خلافا للتعليمات المكتوبة على الصفحة الداخلية للجلد الأخير في الجواز، التي جعلت مدة الجواز سنتين يتم تجديدها حتى ست سنوات، وكأن وزارة الخارجية تعتبر السوري المنفي "سدس" مواطن. ومع هذا فقد عادت هذه الوزارة ولحست هذا التعميم بعد شهر من صدوره.                                                      هل بقي شيء يتعلق بموضوع جوازات سفر المغتربين وأولادهم؟ نعم لقد بقي الشيء الكثير، ولكن المساحة لا تتسع. ولكن هناك الكثير من الظلامات الأخرى التي أوقعها نظام حكم حزب البعث بحق هؤلاء المغتربين، نذكر منها على سبيل المثال:تعطيل كل متعلقاتهم في سورية ،مثل: عدم اعتماد أي وكالة عامة أو خاصة ما لم تعرض على أجهزة الأمن، ومن ثم رفض هذه الوكالات. عدم الموافقة على بيع أو شراء لهذا المنفي طالما أن القضية تحتاج إلى توكيل.. و.. و.. والأمر أوسع من أن يحصى أو يعد.                              

حق العودة المصادر وحتى إشعار آخر:

قبل أكثر من عام، وبعد قيام قوات التحالف باحتلال العراق، أجرى حسن معوض" مراسل قناة "العربية" مقابلة مع الرئيس بشار الأسد، نقتطف منها ما يلي:                    فحول سؤال محرر"العربية" عن (اللاجئين السوريين،الذين لم يعد العراق بدار مقام لهم بعد 9 نيسان الماضي وهم "أعضاء في حزب البعث وأخوان مسلمون يريدون أن يعودوا إلى وطنهم الأم.لماذا منعتموهم؟.").رد الرئيس بشار الأسد: "كمرحلة أولى أدخلنا العائلات وفي المرحلة الثانية طلبنا من الأجهزة المختلفة في سورية تدقيق وضع كل واحد بالاسم. من هو مسؤول عن عمل إجرامي معين. هل يدخل مكرماً معززاً؟ من الطبيعي أن يدخل ويحاكم فلا بد من تحديد الأسماء...".

وإذا كان هذا الرد قد ورد ببساطة وتلقائية على لسان الرئيس فإن موضوع العودة هذا ليس بتلك البساطة عند السوريين الذين يصل أعدادهم إلى مئات الآلاف موزعين في أقطار المعمورة، وهم محرومون من حق العودة إلى وطنهم الأم، لماذ ؟.

سنستعرض فيما يلي غيضا من فيض هذا الهم السوري ،الذي ما زالت القيادة السورية معرضة عنه، رغم خطورة عدم التعاطي معه بجدية على النسيج الاجتماعي الداخلي، تاركة أمر التصرف فيه إلى أجهزة الأمن، التي ترفض بشدة أن يغلق هذا الملف لأسباب تعسفية.

أولا:  لقد بقيت أجهزة الأمن السورية على مدار عقدين من الزمن تدرس وضع هؤلاء المنفيين "القسريين"، ولم تسمح إلا للنذر اليسير منهم بالعودة، بعد دفع "المعلوم"،ومن خلال البوابة الأمنية، التي فيها من إذلال المواطن السوري العائد إلى وطنه، الذي ورثه عن أبيه وجده، ما يجعل تلك العودة كأنها تتم إلى وطن مملوك للأجهزة الأمنية، ترفض عودة من تشاء، وتقبل عودة من تشاء، بعد دفع الثمن الباهظ من كرامة ومال هذا المواطن. وربما فضل هذا المواطن أن يبقى في الغربة مدفوعا على أبواب القنصليات في كل مرة، يحتاج إلى وثيقة سفر، أو حتى تسجيل طفله الذي شاء له قدره أن يولد على أرض غير أرض أبيه وجده. ونحن هنا نسأل فخامة الرئيس بشار ،بعد أن ذكر صراحة أنه "طلب من الأجهزة المختلفة في سورية تدقيق وضع كل واحد بالاسم..":لماذا هذا التدقيق من قبل تلك الأجهزة التي لم يكن لها ،في يوم من الأيام، صلة بثبوت هذا الحق من عدمه، حتى يحتاج الأمر إلى إذن أو دراسة.

كما أن واقع ما يصدر عن تلك الأجهزة لا يقتصر على البحث والتدقيق، بل إنها فرضت على كل "عائد" مراجعتها عند كل قدوم وقبل كل مغادرة، وفي هذا ما فيه ،أيضا، من إذلال له، وخوف لأهله أن لا يعود إليهم ثانية من مقر هذه الأجهزة. 

ثانيا: ليس هناك من معنى للإصرار على أن يمر ،عبر أجهزة الأمن، كل عائد إلى وطنه بعد طول اغتراب قسري، أو أن يطلب ،حسب ما ورد في كلام الرئيس: "..من الأجهزة المختلفة –ولماذا لا يطلب ذلك من القضاء؟- في سورية تدقيق وضع كل واحد بالاسم. من هو مسؤول عن عمل إجرامي معين...".و شرائع الأرض الوضعية كلها قد قننت إسقاط العقوبة بالتقادم، في حق مرتكبها، وحددت لذلك خمسة عشر عاما، علما أن هذه الشرائع لا تعتبر الانخراط في المعارضة السياسية جريمة يعاقب عليها القانون. و قد سبقت شريعة الإسلام كل تلك الشرائع والقوانين عندما قررت إسقاط عقوبة مرتكب "الحرابة" –وهي لا تنطبق على المعارضة السياسية على كل حال- بمجرد توبته قبل المقدرة عليه، فورا ومن دون انتظار زمن التقادم. قال الله تعالى: 

( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم...) (الآية 33 من سورة المائدة ).

 ثالثا:كيف يطلب تدقيق وضع المغتربين من قبل أجهزة أمن، معظم قياداتها لا تعرف شيئا عن هؤلاء المنفيين، لأن تلك القيادات جاهلة، انخرطت في تلك الأجهزة بعد تلك الأحداث. فهذا  مسؤول أحد هذه الأجهزة في إحدى محافظات القطر السوري، حين جاءه أحد أعضاء النقابات المهنية (من الأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة ،الذين اعتقلوا في 31 آذار1980 بسبب إضراب تلك النقابات احتجاجا على ممارسات أجهزة الأمن، وأطلق سراحهم في عام 1992 دون توجيه أية تهمة لهم ودون أن يحقق معهم)، يطلب تأشيرة خروج في عام 2000 .وبعد أن اطلع ذلك المسؤول على ملف هذا النقابي، قال له: " أنت من جماعة رياض الترك". وعندما قال: إنه اعتقل لأنه من جماعة النقابات، تساءل ذلك المسؤول ،مستغربا: وما هي تلك النقابات ؟. ". فإذا كانت هذه حال مسؤول جهاز أمني، فكيف هو حال عناصر ذلك الجهاز الذين سيدققون وضع المنفيين؟. "ومن يعش رجبا يجد عجبا!".

رؤساء دولة سوريون، وأشخاص أعلام لا يوقرون

رابعا: لقد كان من ضمن العالقين على الحدود العراقية السورية ،بعد 9 نيسان عام 2003 ،الفريق "أمين الحافظ" ( لم يسمح له بالعودة إلا قبل أقل من أربعة أشهر من الآن) الذي لم يشفع له كبر سنه ،حيث قارب التسعين، ولا كونه رئيسا للدولة السورية في أول عهد حزب البعث ( قبل أن ينقلب عليه رفاقه البعثيون في انقلاب 23 شباط 1966)،بأن يسمح له بالعودة، وبقي عالقا على الحدود مع العالقين.

ونحن نتساءل هنا عن مغزى ظاهرة تكررت في عهد حزب البعث؟! وهي عدم تكريم   – إن لم نقل إهانة- قادة سوريين، يفترض أن يتم تكريمهم لا إهانتهم. فلقد سجل التاريخ أن "نور الدين الأتاسي"رئيس الدولة السورية الأسبق، (أطاحت به الحركة التصحيحية التي قام بها الرئيس السابق "حافظ الأسد" وأودع المعتقل، لأكثر من عشرين عاما) لم يطلق سراحه إلا بعد أن فتك به المرض، حيث مات بعد أشهر قليلة من خروجه من سجن "المزة" الشهير.

أما شكري القوتلي أول رئيس للجمهورية السورية، وقائدها إلى الاستقلال عن فرنسا،

وانتخب رئيسا لسورية لثلاث فترت. ومع كل ما سبق فقد رفضت سلطات حزب البعث ‘في الستينيات، إعطاء الإذن لأهله بإدخال جثمانه لدفنه في دمشق، مسقط رأسه ومركز رئاسته. ثم أذعن النظام خوفا من عواقب الرفض لكون الرئيس القوتلي معروف عالميا. وقد كانت جنازته مظاهرة كبرى واستفتاء عفويا، ضد حكم حزب البعث. فقد تبعت دمشق ،بقضها وقضيضها، جثمان الرئيس "القوتلي" إلى مثواه الأخير، ،ومن دون حشد أو تحشيد من السلطات أو أجهزة الأمن.

ولم يكن "القوتلي" الرئيس السوري الوحيد الذي مات في المنفى. فقد توفي الدكتور ناظم القدسي عام 1998 في عمّان ودفن فيها، منفيا من قبل سلطات حزب البعث.

ولم تكن هذه المعاملة محصورة فقط في رؤساء الدولة، فقد شاركهم فيها زعماء سوريون وقادة أحزاب قاتلوا المستعمر الفرنسي وعلماء أفاضل أعلام كان يشار لهم بالبنان، وأدباء أفذاذ، نذكر منهم على سبيل المثال:

- الشيخ عبد الفتاح أبوغدة المحدث المشهور وزعيم جماعة الإخوان المسلمين في سورية ، توفي الرياض عام 1997 ،ودفن في المدينة المنورة.

- رشدي الكيخيا زعيم حزب الشعب، رئيس وزراء سابق شارك في القتال ضد الفرنسيين ، توفي ودفن في لبنان عام 1984 .

- الشيخ علي الطنطاوي، أديب سورية وعالمها المشهور ، عاش في السعودية وهو يحن للعودة إلى مسقط رأسه دمشق. توفي في جدة عام 1999، ودفن في مكة المكرمة.

- الشيخ مصطفى الزرقا، فقيه سورية غير المنازَع، وصاحب النظريات المشهورة في الاقتصاد الإسلامي، توفي ودفن في الرياض عام 1999 .

- أكرم الحوراني، علم من أعلام سورية، رئيس الحزب العربي الاشتراكي، ثم رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي حتى آذار 1963، رئيس أسبق لمجلس النواب، نائب رئيس الجمهورية في عهد الوحدة، توفي ودفن في عمّان في عام 1996 .

- الشيخ سعيد حوى، العالم الفقيه ، والداعية الرباني، صاحب تفسير الأساس، توفي في عمّان ودفن فيها عام 1989 .

- الشيخ عبد الله ناصح علوان الداعية الأريب، صاحب المؤلفات المشهورة، عالم حلب الرباني، توفي في جدة عام 1987، ودفن في مكة المكرمة في مقبرة المعلاة. 

- ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، ورئيسه بعد آذار 1963، عاش منفيا بعد أن قام "الشباطيون" بانقلاب شباط 1966 على القيادة القومية لحزب البعث،توفي ودفن في بغداد.

- صلاح البيطار، رفيق ميشيل عفلق في تأسيس حزب البعث، أول رئيس وزراء بعد انقلاب 1963، أطيح بوزارته وسجن ثم أطلق سراحه، اغتيل في باريس بعد مقال، هاجم فيه القمع البعثي بعد أحداث 79- 80 . 

وإذا كانت هذه هي معاملة الرؤساء والزعماء، ومنهم رؤساء وقياديون في حزب البعث، فعلى باقي المواطنين السوريين السلام.

القريب العاجل متى؟؟!

لقد أصبحت قضية عودة المنفيين ( تصر أجهزة الأمن ورموز الشد العكسي التي تسيطر على مفاصل صنع القرار في سورية، على اعتبار هذه القضية ملكا خاصا لها مسجلا باسمها في "سجلات الطابو"، لا يحق لأحد حتى لرئيس الوزراء أو... أن يتدخل فيها) دملا كبيرا يعتمل في خاصرة سورية.وقد آن الأوان أن يقول الرئيس كلمته الحاسمة فيها، سيما وأن جميع من رأى المقابلة مع "العربية"، أو قرأها في جريدة البعث التي نشرت نصها الكامل في 10 حزيران 2003 ، قد فهموا أن ذلك سيكون قريبا جدا،كما جاء ذلك في رد الرئيس على سؤال محرر العربية: "هل تتوقعون مثلاً أن تتم العودة في القريب العاجل؟.‏ هذه الأمور تأخذ وقتاً طويلاً..". حيث أجاب الرئيس: "لا، في القريب العاجل، ولن تأخذ وقتا..ً".‏ فمتى توضع كلمة (عاجل ) موضع التطبيق؟ ومتى تمنع أجهزة الأمن من الالتفاف حول تعليمات تصدر بوعود؟ مثل أن يتم إطلاق سراح المعتقلين أو إصدار عفو عام أو إطلاق الحريات المصادرة أو.. ويقال بأن ذلك سيتم بمناسبة الحركة التصحيحية أو في يوم 8 آذار أو بمناسبة إعادة الاستفتاء أو... وتمر المناسبات في كل سنة ولا نرى شيئا..

 

الطاهر إبراهيم    كاتب سوري    عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام