ماذا يريد المجتمع من الشباب

وما الذي يريده الشباب من المجتمع

 

كريم أبو حلاوه

 

ماذا يريد المجتمع من الشباب ، وما الذي يريده الشباب لأنفسهم . ثم ما هي درجات ومظاهر الانسجام أو التناقض بين الطرفين ، وكيف يمكن تجاوزها كبوابة للعبور صوب المستقبل ؟ .

تشكّل الأسئلة السابقة الهاجس الرئيسي للعلوم الاجتماعية والسوسيولوجيا منها على نحو خاص.

إذ لم يعد من الممكن أو المستساغ تجاهل هذه الشريحة الاجتماعية التي تعد بالملايين سواء فيما يتعلق بالمشكلات والقضايا التي تعانيها وتواجهها ، أو ما يتصل بتطلعاتها وآمالها الواسعة صوب حياة أفضل .

وحيث أن التعرف العلمي والمنظم على الواقع الاجتماعي وتشخيص ظواهره هو المقدمة التي لا غنى عنها لفهمه وتفسيره ومواجهة ما يفرضه من استحقاقات واستجابات آنية أو بعيدة المدى ، فإن هذه المسألة لا تكتمل دون العودة إلى أصحاب الشأن ، أي الشباب أنفسهم لسماع آرائهم بكافة القضايا التي تعنيهم وإعطائهم الفرصة للتعبير عن هواجسهم وتساؤلاتهم مع أخذ اقتراحاتهم من خلال استطلاعات الرأي أو المقابلات المباشرة والحوار .

تهدف هذه الدراسة إلى معرفة واقع الشباب ورصد جملة التحولات التي يعيشها الشباب العربي ، مع التركيز على حالة سورية ، في طرق العيش وأساليب التفكير والاهتمامات الجديدة وما ينجم عنها من تغيرات في السلوك والوعي دون أية أقنعة أو رتوشات تجميلية ، أي الانطلاق مما هو عليه الحال فعلاً باتجاه الأهداف التي يصوغها المجتمع لأبناءه لتحقيق مصالح الجميع .

يعيش الشباب في العالم العربي مجموعة من التحولات في طرق العيش وأساليب التفكير وأنماط السلوك يمكن توصيفها بأنها مرحلة انتقالية تنطوي على تداخل التقليدي والحديث سواء على صعيد العلاقات الاجتماعية أو الثقافة و القيم السائدة. فالتداخل بين المحلي والعالمي بفعل التأثير المتعاظم لثورة الاتصالات والمعلومات قد انعكس على مختلف الشرائح الاجتماعية، إلا أن الشباب وبحكم خصائصهم وتطلعاتهم وتأهيلهم العلمي كانوا أكثر تأثراً بهذه التحولات وما نجم عنها من تأثيرات سلبية أو إيجابية على السواء.

وحيث أن الشباب يشكلون قطاعاً واسعاً من السكان في العالم العربي، إذ تبلغ نسبتهم 20.5% من إجمالي المجتمع فإن هذه البنية الديمغرافية النشطة والخصبة هي ما يميز المجتمع العربي ويضفي أهمية إضافية على قطاع الشباب في بلداننا. وقد أشارت الإحصاءات إلى أن

عدد الشباب العربي قد بلغ عام 2000 حوالي 58 مليون شاب من أصل 300 مليون نسمة(1). علماً بأن تقديرات أخرى تشير إلى أن الشباب يشكّلون حوالي ثلث السكان في العالم العربي(2).

ونظراً لاختلاف وتعدد وجهات النظر الاجتماعية والقانونية في تعريف مفهوم الشباب وتحديد السن والشخصية الشبابية من حيث النضوج والمسؤولية الاجتماعية والقانونية، فإننا سنعتمد تعريف الأمم المتحدة المتفق عليه الذي حدد الشباب بالفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و 24 عاماً(3).

أولاً - صراع القيم والمرجعيات الثقافية:

إذا كانت القيم الاجتماعية تعريفاً هي "تلك المعتقدات التي نتمسك بها بالنسبة لنوعية السلوك المفضّل ومعنى الوجود وغايته" (4) فإن القيم بهذا المعنى تشكل مصدراً للمعايير والمقاييس والأهداف وأشكال التصرف المفضلة. وهي متنوعة بسبب تعدد مصادرها وتوجهاتها وغاياتها، ولهذا ليس غريباً أن تتكامل في بعض الحالات وتتناقض في حالات مغايرة.

تشكل القيم أحد أهم ضوابط السلوك الاجتماعي، نظراً لمساهمتها في تحديد التفضيلات والاختيارات في المواقف الحياتية للأفراد والجماعات، فمنها تستمد المعايير والأعراف والعادات والتقاليد المتبعة في المجتمع، وهي بهذا المعنى تشكل جزءاً أساسياً من الثقافة العامة بمصادرها والاتجاهات التي تسهم في تعزيزها داخل الثقافة العربية المعاصرة. فما هي المصادر الرئيسية للقيم، وما الذي يحدث عندما تتناقض وتنتج توجهات قيمية متعارضة، وكيف يتأثر الشباب بهذه القيم في حالتي تكاملها وتعارضها؟.

تميز العلوم الاجتماعية بين قيم الغاية وقيم الوسيلة، وبين القيم العمودية والأفقية، وكذلك بين القيم النسبية والقيم المطلقة، علاوة على التميز بين القيم المادية والقيم الروحية، وهناك من يوسع هذا التصنيف ليشمل التمييز بين قيم الاتباع وقيم الإبداع،وقيم الامتثال وقيم التفرد، وقيم الشعور بالعار وقيم الشعور بالذنب، وقيم القضاء والقدر وقيم الاختيار الحر، وقيم العقل وقيم القلب، وقيم الشكل والمضمون، وقيم احترام السلطة وقيم التمرد عليها، وقيم الرحمة والإحسان وقيم العدالة الاجتماعية الخ(5).

لكن الغنى والتنوع الشديد الذي ينطوي عليه التصنيف القيمي السابق، لا يغير من حقيقة وجود اتجاهين قيميين سائدين ينتمي أحدهما إلى الثقافة التقليدية بمطلقاتها وتراتبيتها واستنادها إلى إرث ثقافي موغل في الذاكرة والتاريخ، بينما ينتمي الاتجاه الآخر إلى ثقافة عربية معاصرة تزاوج بين ما هو أصيل في تراثنا وتاريخنا وبين العصر الراهن بفلسفاته وتقنياته وأنماط عيشه. والصراع القائم بين هذين الاتجاهين مازال محتدماً رغم الغلبة الظاهرة للقيم التقليدية التي تميل إلى الجبرية والماضوية والاتباع والشكلية النصوصية والامتثال القسري والإحساس بالعار والانغلاق واحترام السلطة والتسليم بطاعتها، بينما تسعى الثقافة التغييرية لتعزيز قيم المستقبلية وحرية الاختيار والإبداع وتعزيز سلطة العقل والفردية والإحساس بالذنب ومحاسبة الذات والتمرد والانفتاح على الآخر والعدالة. في نفس الوقت الذي تحاول فيه ثقافة التغيير التنويرية تجاوز الثنائيات السابقة والموازنة بين العقل والقلب والشكل والمضمون والأصالة والحداثة.

وإذا استندنا إلى مقولة "عبد الرحمن بن خلدون" التي ذهبت إلى أن أخلاق الناس وقيمهم ـ وبالتالي ثقافتهم ووعيهم ـ تتحدد حسب فرصهم في  المعاش فسرعان ما سنكشف عن تأثير السياق المجتمعي العربي في أوضاع الشباب ومدى مشاركتهم. ولا تستكمل مقولة ابن خلدون قدراتها التفسيرية إلا بإضافة أثر العوامل الخارجية وخصوصاً في عصر العولمة، لأن تجاهل مفاعيلها القائمة والمحتملة يُخل بالتحليل، خصوصاً وأننا نعيش في عالم تزداد فيه الروابط والتفاعلات على صعد الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة ويزداد بشكل ملحوظ تأثيرها على الأفراد والجماعات والأمم أيّاً كان موقعها الجغرافي وانتماؤها الاثني أو الديني أو اللغوي.

ومن المسلّم به، أنه لا يوجد مجتمع يريد لأبنائه مستقبلاً مبهماً وغير آمن، وحيث أن الشباب عبارة عن طموح وآمال وأحلام فإن المشكلة تبدأ حينما تنعدم لديهم إمكانية تحقيق الطموحات والآمال، فظروف المجتمع المادية والاجتماعية والسياسية هي البيئة التي قد تساعد الشباب على تلبية حاجاتهم المادية والنفسية وتمكّنهم ذكوراً وإناثاً من أخذ دورهم والمشاركة في الحياة العامة، إذا كانت ظروفاً مناسبة، وهي نفسها التي تحول دون تحقيق غاياتهم وإشباع حاجاتهم وطموحاتهم إن كانت ظروفاً مأزومة وغير مناسبة.

وبشكل عام يمكن إرجاع القيم السابقة على تنوعها واختلافها إلى خمسة مصادر أساسية مستمدة من أنماط العيش، (البداوة- الزراعة التمدن) ومن العائلة بأشكالها الممتدة ، وكذلك من الدين الإسلامي أساساً وبقية الأديان الموجودة في المنطقة، إضافة إلى المدرسة والجامعة ، أي البيئة التعليمية بمعارفها وعلاقاتها، وأخيراً الحضارة المعاصرة وقيمها التي تسعى لأن تكون كونية وشاملة عبر آليات العولمة الثقافية والإعلامية كما ومن خلال الأدوات الاقتصادية والتكنولوجيا.

يؤكد كل من كلينارد وآبوت (Clinard&Abott) أن الشباب في الدول النامية من أكثر الفئات العمرية الراغبة في تحقيق أهدافها وطموحاتها. وأحياناً تتجاوز إمكانياتهم وقدراتهم تحقيق مثل هذه الطموحات والأهداف، الأمر الذي يدفعهم لمعايشة العديد من المشكلات والاتجاه نحو الطرق غير المشروعة. ومن ثم يقعون في الأخطاء ويرتكبون الجرائم مخترقين قيم المجتمع ومعاييره وضوابطه(6). وغالباً ما تستغرق المسائل المالية جزءاً كبيراً من اهتمام الشباب. وقد يتمحور هذا الاهتمام حول مسألة الحصول على المال، ولو بطرق غير مشروعة. إذ يمثل نقص الأموال مشكلة رئيسية لأغلب الشباب نتيجة للبطالة، أو العمل المتقطع أو الدخل المنخفض الذي لا يحقق للشاب متطلبات حياته. ومع التأرجح المستمر بين الأمان والقلق فقد يلجأ الشباب إلى ارتكاب العديد من أنماط الإجرام والانخراط داخل نطاق العديد من المشكلات الاجتماعية.

ونظراً لسرعة التحولات المحلية والعالمية، فإن الشباب في المنطقة العربية يعيشون مرحلة انتقالية لم تحسم خياراتها بشكل نهائي بعد. وباعتبارهم من أكثر الفئات الاجتماعية انفتاحاً على الثقافات الأخرى، وأشدها تطلعاً وطموحاً، فإنهم أكثر ميلاً إلى قيم التجدد والتغيير وأكثر تمرداً على ما يحيط بهم من قيم ومعايير وخيارات اجتماعية وسياسية وحياتية.

وقبل الدخول في التفاصيل المتعلقة بحياة الشباب ومطالبهم والمشكلات التي يواجهونها، نرى من المفيد وتجنباً للتعميم الإشارة إلى ما بينهم من تباينات. فمنهم من يعيش في الريف وآخرون يعيشون في المدن، وينتمون إلى أسر تتباين في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، منها الميسور والغني ومنها الفقير والمعدم، ومنهم من تلقى تعليماً أجنبياً أو دينياً أو فنياً أو عاماً. وبينهم من وجد فرصة عمل أمنت له الكثير من حاجاته، بينما يعاني بعضهم الآخر من البطالة والإخفاق في إشباع حاجاتهم. ومنهم كذلك من هو منسجم مع وسطه وبيئته بينما يقوم آخرون بالاحتجاج على بيئاتهم والتمرد عليها. من هنا لابّد من الاحتراز في إطلاق أحكام وتعميمها على الشباب ككل. لكن ذلك لا يمنع بطبيعة الحال من تحليل الظاهرة والوقوف على القواسم المشتركة التي تنطوي عليها والتي تسمح باستخلاص أحكام ومؤشرات وميول عامة تمهد السبيل للوصول إلى فهم القوانين العامة الناظمة لحراكها وعملها.

 

 

ثانياً- مشكلات الشباب واهتماماتهم:

نختار كمدخل علمي للتعرف على مشكلات الشباب العربي عموماً وشباب سورية بشكل خاص مدى التوافق أو التعارض بين ما يتوقعه المجتمع من الشباب وبين ما يريده الشباب لأنفسهم. ولعل خير وسيلة لمعرفة مشكلات الشباب هي الاستماع لآرائهم وإعطائهم الفرص للتعبير عن أنفسهم ومشاعرهم سواء تم ذلك عبر استخدام الدراسات الاجتماعية واستطلاعات الرأي أو عبر المقابلات المباشرة والحوار.

ضمن هذا الإطار تضمن "تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002" استطلاعاً لقياس اهتمامات الشباب أجري تحت رعاية مكاتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في البلدان العربية. وكان الاستطلاع  يهدف إلى معرفة آراء عدد محدد من الشباب العربي حول أكثر القضايا أهمية في كل دولة عضو في الجامعة العربية. غير أن الأجوبة التي تضمنها التقرير تعود إلى شباب ستة بلدان عربية (مصر ، الأردن، لبنان، ليبيا، الإمارات، السعودية).

تشير إجابات عينة المجموعة الشابة إلى أنهم يرون أن أكثر القضايا أهمية من بين المواضيع التي نظر فيها التقرير هي: أولاً: فرص العمل بنسبة 45% من الإجابات، يليها التعليم بنسبة 23% فالبيئة بنسبة 12%، ثم توزيع الدخل والثروة بنسبة 8%، فالمشاركة السياسية بنسبة 5%، فالرعاية الصحية بنسبة 4% وأخيراً الفقر بنسبة 4% أيضاً. وقد أظهرت الشابات اهتماماً بالتعليم والمشاركة السياسية والرعاية الصحية أكبر من الاهتمام الذي أظهره الشباب. ولعل أكثر ما يلفت النظر في نتائج الاستطلاع أن نسبة 51% من الشباب قد عبروا عن رغبتهم في الهجرة إلى بلدان أخرى، مبينين بوضوح عدم رضاهم عن واقع الحال وفرص المستقبل في بلدانهم(7).

وبالرغم من التحفظات المشروعة التي يمكن أن نسوقها على حجم العينة المستخدمة وهي 240 شاباً منهم 128 من البلدان العربية الستة المذكورة و 112 من الذين حضروا مؤتمر الأطفال العرب في عمان ومعظمهم من الأردن مما يزيد التمثيل النسبي للشباب الأردني ويجعل من تمثيل العينة غير دقيق سواء في حجمها أو توزعها، أقول أنه بالرغم من كل هذه التحفظات فإن الاستطلاع المذكور يعتبر مؤشراً مهماً يوضح اهتمامات الشباب خصوصاً وأن دراسات أخرى قد توصلت إلى نتائج متقاربة مع النتائج المذكورة.

ففي دراسة ميدانية أجراها المجلس الأعلى للشباب والرياضة في مصر على عينة مؤلفة من 3200 شاب للتعرف على اهتماماتهم، تبين أن النشاطات الطلابية تأتي في مقدمة اهتمامات الشباب بنسبة 84%، يليها الاهتمام بالسياسة بنسبة 82%، بينما حاز الكمبيوتر وشبكة الانترنيت على اهتمام 90% من الشباب، وقد جاء الاهتمام بالأدب في آخر قائمة الأفضليات عند الشباب المصري. وختمت الدراسة بنتيجة مثيرة تقول "الرياضة في مقدمة اهتمامات الشباب المصري والقراءة في آخرها".

بينما بينت الدراسة أعدها "مركز الأردن الجديد" للتعرف على بعض آراء الشباب الأردني حول بعض القضايا من خلال استمارة اعتمدت اقتراحات شبابية، أن نحو 34% من الذين شملتهم العينة يرون أن البطالة هي أهم مشكلة تواجه الشباب الأردنيين في حين رأى نحو 10% أن التمييز ضد المرأة هي المشكلة الأهم، وقال 8% من الشباب أن استثمار وقت الفراغ هو مشكلتهم الأساسية، وأخيراً رأى 8% أن تضخم مشكلة إدمان المخدرات تشكل استحقاقاً بدأ الأردن بمواجهته (8).

وخلصت الدراسة إلى أن مشكلات الشباب الأردني تتصل بالعديد من المجالات والمستويات أهمها:

1-    الأسرة : تدخل الأسرة في شؤون الشباب،وصعوبة التفاهم بين الأجيال، والتمييز بين البنين والبنات، وعدم مشاركة الشباب في اتخاذ القرارات داخل الأسرة، وأخيراً ضعف دور الأسرة في تنشئة الشباب.

2-    المشاركة في المجال العام:ويأتي في هذا الإطار عدم توفر المراكز الشبابية والطالبية، وقلة وعي الشباب بأهمية المشاركة في الحياة العامة، واهتمام الشباب بمشكلاتهم الحياتية الذي يقلل من مشاركتهم في المجال العام، والقوانين التي تعيق مشاركة الشباب، وقلة الحرية المتاحة أمام الشباب للمشاركة، إلى جانب ضعف المنظمات غير الحكومية وعدم الاهتمام برأي الشباب فيما يتصل بالقضايا العامة.

3-    العمل: شيوع الصورة السلبية عن بعض المهن والأعمال، وتدني الأجور ، والبطالة، واعتماد الوساطة بدلاً من الكفاءة في التوظيف، والظروف الصعبة لموظفي القطاع الخاص، وصعوبة الهجرة للعمل، وندرة التدريب والتأهيل، وقلة الصناديق التي تدعم مشاريع الشباب، وعدم تشجيع واعتماد الكفاءات الشابة.

4-    الثقافة والهوية الثقافية: وقد جرى التأكيد على عدم المساواة، وعدم وضوح سقف الحريات، واحترام الرأي والرأي الآخر، والتعصب والعشائرية وضعف التوعية والتنشئة الديمقراطية. إضافة إلى انتشار التقليد الأعمى للغرب، وسلبية بعض العادات والتقاليد، والابتعاد عن المبادئ الأخلاقية والدينية وأخيراً التأثير السلبي لعدم المساواة الاجتماعية على الوحدة الوطنية.

وقد صنفت دراسة أخرى مشكلات الشباب العربي عموماً والسوري بصفة خاصة إلى أربعة أنواع:

1-    مشكلات نفسية: كالشعور بالضياع والغربة والإحباط بسبب التفاعلات السياسية المتباينة وضغط الأسرة.

2-    مشكلات اقتصادية: وهي المتعلقة بالعمل والسكن وضمان المستقبل، أو بالبطالة والعوز والحرمان من آمال الغد.

3-    مشكلات أخلاقية اجتماعية: ناجمة عن التناقض القيمي بين جيل الشباب وجيل الآباء، كذلك ناجمة عن التطرف الديني وعن عدم استغلال أوقات الفراغ، وقلة أشكال الترويح وصولاً إلى مشكلات الانحراف والجنوح وتعاطي الكحول والمخدرات .

4-    مشكلات سياسية: وتتعلق ببعض النظم القائمة والحريات المهدورة ثم بالتجزئة الإقليمية(9).

فما هي القواسم المشتركة بين الدراسات السابقة، وإلى أي حد يمكننا التعرف من خلالها على أهم مشكلات الشباب واهتماماتهم؟.

تشير المعطيات المتوفرة إلى توافق معظم البحوث الاجتماعية والدراسات التنموية حول أهم المشكلات التي تواجه الشباب وهي: البطالة والفقر، التهميش والتمييز وقلة فرص المشاركة، ثم التطرف ومشكلات الهوية الثقافية، وأخيراً صراع الأجيال.

1-   مشكلة البطالة والفقر:

تترابط قضيتي البطالة والفقر بشكل وثيق. فمع انخفاض معدلات النمو وانعدامها استمرت معدلات البطالة بالتزايد في غالبية البلدان العربية. وسرعان ما أدت البطالة الناجمة عن الركود الاقتصادي إلى الفقر بمعناه الواسع. حيث أن الفقر من منظور تنموي لا يقتصر على انخفاض الدخل وعدم التمكن من تلبية الحاجات الأساسية، بل   يعني نقصاً في القدرات البشرية اللازمة لتحسين نوعية الحياة "Quality of life" والتنعم بالرفاه الإنساني.

وقد بلغت نسبة البطالة بين الشباب 73.2% في سوريا عام 1998، و 42.4% في فلسطين عام 1999 وقد ارتفعت هذه النسبة بشكل كبير جداً وتضاعفت بعد الانتفاضة الفلسطينية و إعادة احتلال مناطق الضفة منذ 2002، بينما بلغت البطالة 61.5% في مصر سنة 1998، 75% عام 1995 و 64.1% عام 1997 في البحرين على التوالي، انظر الجدول المرفق رقم (1). وتشير الإحصاءات إلى معدلات بطالة تقارب 14% من مجموع السكان في معظم الدول العربية عدا الدول الخليجية وليبيا. ويشكل الشباب غالبية أولئك العاطلين عن العمل(10). وقد بينت نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه تقرير التنمية الإنسانية العربية أن أكثر القضايا أهمية بنظر الشباب العربي هي قضية توافر فرص العمل 54% يليها التعليم 23% وتأتي الرعاية الصحية والفقر في آخر قائمة الاهتمامات وتبلغ 4% لكل منهما. (انظر الجدول رقم 2).

ومن الملح بالنسبة لمجتمعاتنا أن تنشط في مواجهة هذه المشكلة المركّبة أي البطالة والفقر من خلال سياسات تنموية تركز على تمكين الفقراء “Impowerment”عموماً والشباب منهم على الأخص من خلال توفير فرص عمل جديدة وتشجيع المشروعات الصغيرة وإنشاء صناديق دعم حكومي توفر قروضاً للشباب الأكثر حرماناً.خصوصاً أن حجم البطالة السافرة المرتفع حالياً والبالغ حوالي 14 مليون عاطل عن العمل معظمهم من الشباب يتطلب خلق فرص عمل كبيرة. وحسب آخر الاستطلاعات سيتوجب خلق فرص عمل لحوالي 50 مليون ملتحق جديد بقوة العمل بحلول العام 2010 (11).

2-   غياب الحوار: تهميش الشباب والتمييز ضد النساء:

يمكن التعرف على موقع الشباب داخل مجتمع ما، أو درجة تهميشهم من خلال مقاييس مشاركتهم في مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية (المدرسة-الجامعة) والمؤسسات الحكومية وفي المنظمات الأهلية والمجتمع المدني.

فقد شهدت الأسرة العربية تغيرات ملموسة في العلاقة بين أعضائها وخاصة دورها في التنشئة الاجتماعية. وذلك بفعل عوامل اقتصادية وتطلّعات استهلاكية، وسرعان ما أدت هذه التغيرات من منظور قيم الشباب ومشاركتهم- إلى نشوء تناقض بين قيم الأهل وسعيهم إلى تربية أبنائهم بالطريقة التي يعتقدون أنها الأمثل وبين ما يتلقاه الشباب من محيطهم وزملائهم ووسائل الإعلام المحلية والعالمية. مع ما رافق ذلك من انحسار زمن التفاعل بين الشباب وأعضاء الأسرة الآخرين. هذا إلى جانب الطابع البطريركي للأسرة العربية والتي تتميز مع بعض الاستثناءات بغلبة الأوامر والنواهي المترافقة مع قائمة طويلة من الممنوعات والمحرمات التي لا يجوز مناقشتها، وما ينجم عنها من ازدواجية وأقنعة تجعل من شخصية الشاب أشبه ما يكون بسفينة وصفها يوسف إدريس بقوله: يحيا العربي "كالسفينة جزء منه فوق الماء ظاهر للعيان، وجزء تحت الماء لا يراه أحد".

وإذا أضفنا لما سبق ما تفرضه الجماعة على الفرد وما تطلبه منه من قيم الطاعة والامتثال، فهمنا أسباب اتساع الفجوة بين العام والخاص في حياة الشباب بين الظاهر والخفي. وبقدر ما تجري محاولات لسحق شخصية الفرد وإلغاء خصوصيته، تنشأ بالمقابل حاجة نفسية ملحة لتأكيد الذات ويتم التمحور حول الأنا بشكل مفرط وهو ما ندعوه الأنانية.

إن شكوى الشباب المتكرر من صعوبة التفاهم مع الأهل وتغييبهم من دائرة اتخاذ القرارات التي تتعلق بحياتهم، تشكل ظاهرة يمكن تعميمها على العلاقات السائدة في المدرسة والعمل والحياة العامة. وتشكل أحوال الشابات معاناة من نوع خاص حيث يزداد ضغط العادات والتقاليد ويتعرضن إلى التمييز في التعامل وأمام القانون في العديد من القضايا المتصلة بالأحوال الشخصية والحقوق والواجبات. وهذا ما يفسّر -جزئياً- قلة مشاركتهن في الحياة العامة سواء في مجالات السياسة والاقتصاد أو من حيث تمثيلهن النسبي في مواقع المسؤولية والقرار. ومن هنا تكتسب توجهات إدماج النساء في الأنشطة التنموية وتمكينهن من الحصول على فرصهن في التعليم والعمل بعيداً عن التمييز على أساس الجنس أهمية إضافية واستحقاقاً لابّد من مواجهته، مع ملاحظة أن دور المرأة ومكانتها في بعض الدول العربية أفضل من مثيلاتها في دول عربية أخرى وعلى الصعيدين الاجتماعي والقانوني معاً.

لقد آن الأوان لإعطاء شبابنا فرصة التعبير عن أنفسهم والإفصاح عن اهتماماتهم ورغباتهم دونما قسر أو إرغام ، وإذا كانت مطالب الشباب تتمحور حول حقوقهم الأساسية في التعليم والعمل والمشاركة واحترام خياراتهم وآرائهم ، فإن من واجب المجتمع الإصغاء لأصواتهم من خلال تشجيع ثقافة الحوار وتعزيز قيم المشاركة والانفتاح للوصول إلى قواسم مشتركة تحقق مصالح وأهداف الجانبين.

3-   التعصب والتطرف: مشكلات الهوية والانتماء

يعتبر التعصب والتطرف من أكبر المخاطر التي تواجه الشباب العربي. فالظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وانتشار الفقر والجهل في المناطق الريفية وفي أحزمة البؤس حول المدن الكبرى؛ شكّلت مجتمعة بيئة مناسبة لانتشار السخط والاحتجاج بين الفئات الشابة المنبوذة والمهمشة والتي تعاني من الإقصاء وقلة الاستفادة من الثمار المادية للسياسات التنموية. وإذا ما أضفنا إلى ما سبق الخطابات التبشيرية التي تقدمها بعض التيارات الإسلامية المتشددة ووعودها الخلاصية لهؤلاء، إذا ما التزموا تعاليمها وتبنوا مرجعياتها، فإننا يمكن أن نفهم لماذا شكّلت هذه الفئات الرافد الأساسي لهذه الحركات وعلى مدى عقود عديدة.

ومن جانب آخر يشكّل التيار التقليدي في الثقافة العربية، بفهمه السلفي للدين وتقديسه للتراث ورموزه، وتعلّقه بالماضي بشكل تعويضي، رافداً مهماً لانتشار التطرف والتعصب والذي جاء في غالبيته كرد فعل على الممارسات والسياسات الغربية تجاه قضايا المنطقة العربية، وتحيّز غالبية هذه السياسات لصالح (إسرائيل ) على حساب حق العرب والفلسطينيين في تحرير أرضهم وتقرير مصيرهم.

أما المستجدات المتعلقة بالنتائج التي أسفرت عنها الحرب الأمريكية على العراق مع استمرار الاحتلال في فلسطين والجولان ، على المستوى الاجتماعي والنفسي ، فإنها تستحق من وجهة نظرنا وقفة تحليلية متأنية نظراً لآثارها البعيدة المدى على الأجيال الحاضرة والمستقبلية . والسؤال المركزي هنا هو : كيف ترد الشعوب المقهورة والمهزومة والشباب منها خاصة على الاحتلال الأجنبي والاستبداد العربي ، وإلى أي حد يساهم هذان العنصران أي الاستبداد والاحتلال في ولادة جيل عربي فاشي ومتعصب عند ملايين الأطفال والشبان الذين اختزنوا في وجدانهم وذاكرتهم مظاهر الانكسار والخيبة وانعدام الأمل ؟ .

وبالاحتكام إلى القوانين التي تحكم آليات وردود فعل الذات الجماعية المهددة على الأصعدة النفسية والثقافية والوجودية ، فإن هذه الاستجابات والردود سرعان ما تنقسم إلى نوعين متناقضين رغم ما بينهما من قواسم مشتركة، نوع يفضي إلى الوقوع في لجة اليأس والقنوط والعدمية ويؤدي في أحسن الحالات إلى البحث عن الخلاص الفردي، ونوع آخر يستشعر أصحابه فداحة الهزيمة وتدفعهم مشاعر القهر والغضب إلى الانتقام والسعي لإثبات الجدارة.  يأخذ النوع الأول منحى اليأس والقنوط بل والتنكر لكل القيم والشعارات التي أودت بأصحابها إلى حالة من الإفلاس التاريخي والخواء في مواجهة استحقاقات الحاضر، بما يحمله من فداحة وخبرات وخيبات يبدو أن الذهنية التبشيرية ، ومن خلال عدم قدرتها على التقاط الفوارق والتمايزات الواضحة والفجة بين عالم المثل والنظريات وعالم الحياة الواقعي ، لم تصل إلى استخلاص ما يعتبر تحصيل حاصل على مستوى المعرفة النقدية، وهو أن الخلل الفادح في التطبيق يكشف ويعري خللاً أفدح في المنظومة النظرية ، مع هذا تتفاجأ دوماً بأن حصاد البيدر المر لا يتطابق مع حسابات الحقل المجردة ، دون أن تعيد النظر في الأسس والمرجعيات والأفكار التي عاملتها كبداهات وفرضيات صحيحة وصالحة لكل زمان ومكان !

يعزف أولئك المحبطون واليائسون عن الحياة العامة من خلال رفض المشاركة أو الاهتمام بكل ما يجري لهم وحولهم ويبحثون عن خلاصهم الفردي كل على طريقته ، ويحاولون صبغ سلوكهم ومواقفهم بمسحة تشاؤمية مستمدة من الفلسفات والأفكار العدمية لخلق بعض الانسجام والتماسك في أوصال حالتهم المفككة وإضفاء المعنى على صيغة الوجود التي أوصلتهم إليها وضعية رد الفعل والشعور باللاجدوى . وفي هذا تعبير عن حالة الانكسار العميقة والخواء المخيف الذي وصلوا إليه بعد أن تبخرت آمالهم وأحلامهم وخسروا ثقتهم بالآخرين وبالتالي بأنفسهم .

لكن الإحساس بالكارثة لا يقتصر على استجابة أولئك الذين سقطوا في لجة اليأس والهزيمة . إذ سرعان ما يوّلد عند آخرين توجهاً مغايراً سمته الأساسية الغضب والقهر ولوم الذات الفردية والمجتمعية ، لكنه وعوضاً عن البحث عن مشاجب ومبررات وهمية يعلق عليها تبعات ما جرى كما تعود الخطاب التبريري السائد برده لكل المصائب والمشكلات إلى الاستعمار والصهيونية وأعداء الأمة ،وهذا صحيح لكنه غير كاف لتفسير الحالة ، ويفتقر إلى وقفه شجاعة مع النفس، وإعادة النظر في الكثير من الأمور لعل في طليعتها طرح السؤال عن السبب الحقيقي لما وصلنا إليه ، أي غياب المشاركة والإقصاء الذي يجعل من البلاد لقمة سائغة للطامعين . وبدلاً من طرح هذه الأسئلة وغيرها يعود إلى ذاكرته الجمعية وثقافته ليستخلص منها مواقف وخبرات ورموزاً تتمحور جميعها حول لحظات مختارة من تاريخ مديد تتصل بالإنجازات الحضارية أو مواقف البطولة والتضحية أو بشخصيات وقادة عظام أو بمعارك كان النصر فيها حليفاً للامة في وجه أعدائها . وكل ذلك يهدف إلى استخلاص عناصر القوة والتفوق والجدارة ، والبناء عليها لخلق إرادة التحدي التي ترفض واقع الهزيمة القاسية وتعمل على مواجهة مفاعيلها النفسية والوجودية على الذات الجمعية المهددة .

ليس متوقعاً على أية حال ، أن يكون الخطاب المستخدم عند أصحاب هذا التوجه عقلانياً ومنطقياً ومقنعاً دوماً . إذ من الطبيعي أن يقوم ، ومن موقع رد الفعل ذاته ، بتضخيم الجوانب الإيجابية واللحظات المشرقة في التاريخ وأن يضفي على شخوصها هالة من القدسية والأسطرة بحيث تغدو نماذج مفارقة وشخصيات فوق عادية ( سوبر مان ) . لكن وظائف التعبئة والشحن النفسي وخلق تماسك عضوي بين الأتباع ، يبرر من وجهة النظر هذه ، أية ثغرات منطقية ويضعف من المحاكمة العقلانية والحس النقدي ما دامت الغاية بهذه الأهمية والسمو ، أي التخلص من الإحساس بعار الهزيمة وإعادة الاعتبار للذات الجمعية الجريحة ، وبغض النظر عن الثمن والتضحيات والمصاعب التي تحول دون بلوغ ذلك . هكذا قرأ        " أدولف هتلر " حالة الغضب والقهر والإذلال التي عاشها الألمان ، وخصوصاً الشباب منهم ، إثر هزيمة ألمانيا إبان الحرب العالمية الأولى، واستشعر حاجة هؤلاء إلى الانتقام وإثبات الذات ، بعد أن فرضت عليهم شروطاً سياسية مجحفة عقب هزيمتهم عسكرياً . الأمر الذي يفسر التفاف معظم الألمان حول أفكار " الفوهرر " العنصرية المتمحورة حول تفوق العرق الآري ، والمجال الحيوي لألمانيا ، و " السوبر مان " الألماني ، والتي أفضت إلى انتخاب حزبه بأغلبية ساحقة وبانتخابات ديمقراطية ليصبح فيما بعد الزعيم الأوحد . وما تكرار المسألة ، بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وفرض شروط الحلفاء المجحفة عليها بعد تدمير معظم مواردها وقتل الملايين من الشعب الألماني ، وأن بطريقة مغايرة ، سرعان ما أفضت إلى ولادة ألمانيا جديدة وقوية اقتصادياً ، ومن ثم موحدة سياسياً ، وسباقة في غير ميدان علمي وتكنولوجي وفكري ، سوى دليل إضافي على قدرة هذا الشعب على العطاء والعمل انطلاقاً من أقسى الظروف للوصول إلى قمة الهرم العالمي وعلى أكثر من صعيد. 

وإذا كنا لا نعتقد بإمكانية استنساخ تجارب المجتمعات الأخرى نظراً للفوارق والخصوصيات التي تتميز بها كل تجربة على حدة وتجعل منها خبرة فريدة في سياقها وحيثياتها ، إلا أن المشترك بين خبرات الألمان واليابانيين والكوريين والعديد من دول أمريكا اللاتينية ، وبين المجتمع العربي لا يقتصر على سريان قانون التحدي والاستجابة بمعناهما الحضاري الواسع فحسب ، بل ويتجاوزه إلى الاستنتاج بان الشعوب تملك من الطاقات والقدرة على العطاء ما يكفي لتجاوز وضعيتها المأزقية ، إن  أحسنت التعرف على مكامن القوة فيها واستطاعت تنظيم طاقاتها وصفوفها لتحقيق مصالحها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والقادرين .

اجل ، تتبلور سريعاً ملامح تشكل جيل عربي فاشي التوجه سمته الأساسية التعصب القومي والديني ، وتتوافر اليوم كل مقومات نشوئه في أوساط الشباب . ولا يحتاج المتابع لأحوال بلداننا العربية إلى قدرات تنبؤية خارقة لتوقع هذه الإمكانية . فالعجز عن مواجهة الأعداء بسبب التسلط وتعطيل طاقات البشر ونهب ثروات الدولة والمجتمع وكم الأفواه وتفريغ النفوس من احترامها لذاتها ، يصبح من باب تحصيل حاصل . سواء قدم هؤلاء الأعداء من وراء البحار ، أو استوطنوا أرض فلسطين . إضافة إلى الإحساس بعار الهزيمة وقسوة الخذلان وما يترتب عليها من شعور بالغضب والسخط ، علاوة على الفشل في معركة التنمية بما تعنيه من مشاركة أصحاب المصلحة الحقيقية في التطور وبما تنطوي عليه من سوء توزيع للثروة والسلطة ، فضلاً عن هدر الموارد والفساد وتبديد ثروات الأمة وترحيلها إلى العواصم الكبرى ، إلى جانب انتشار الفقر والحرمان والاستبداد على معظم أرجاء الأرض العربية المترامية الأطراف. هذه الأسباب أو بعضها تكفي من وجهة نظرنا ، لولادة مقدار هائل من السخط والرفض وتتكفل بتغذيته ودفعه إلى حالة الانفجار . وذلك ما لم يواجه بسياسات بعيدة النظر وبإجراءات تحد من معاناة هؤلاء الشباب وتعمل على معالجة المشكلات الحقيقية التي يواجهونا وباختصار العمل على بناء سياسات تنموية تعطي  الأولوية لتوفير فرص العمل والتعليم لهؤلاء ، وتعيد إليهم الأمل والثقة بأن الغد سيكون أفضل من الحاضر عبر مشاركتهم ومساهمتهم وتوظيف الطاقات الهائلة التي يملكونها.

على ذلك فإن مواجهة التطرف في المنطقة يتطلب تضافر جملة من السياسات الداخلية الهادفة إلى معالجة المشكلات الأساسية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لأكثر الفئات الاجتماعية عوزاً وتهميشاً من طرف، وإلى علاقات دولية أكثر عدالة وإنصافاً في التعاطي مع مشكلات المنطقة تعيد لأهلها ثقتهم بنفسهم واحترامهم لانتمائهم الثقافي والحضاري بدلاً من إعطاء الفرصة لأولئك المتعصبين سواء في الغرب أو الشرق لتأجيج صيغ الصراع الثقافي والحضاري بين الشرق والغرب على أسس دينية تارة وحضارية تارة أخرى.

أما على صعيد الهوية والانتماء فإننا نشهد اليوم خطري التغريب "Westernization" والذوبان في الآخر أو التقوقع باسم خصوصية ثقافية مغلقة ومكتفية بذاتها. فمحاولات البعض تبني القيم ونماذج السلوك والعيش على الطريقة الغربية التي تدفع باتجاه المادية والفردية والربح والاستهلاك والكسب السريع بدعوى الانتماء العضوي إلى حضارة العصر، لا تقل خطورة عن دعوات الخصوصية المغلقة بما تعنيه من نزعة ماضوية ونظام عقيدي يسبغ على أتباعه طابعاً مثالياً مقدّساً غير قابل للنقد والتساؤل.

وكي تكون الخصوصية الثقافية المفتوحة والنقدية بديلاً لكلا الخطرين (التغريب، التقوقع)، فلا بد أن نجمع في نفس الوقت بين ضرورة التمسك بكل ما هو عقلاني ومضيء في إرثنا الحضاري، وبين الانفتاح على ثقافة العصر وإنجازاته.

4-   صراع الأجيال:

تشعر أعداد متزايدة من الشباب بوجود فاصل زمني ومساحة من التفكير المختلف بينها وبين الجيل أو الأجيال التي تسبقها. وتؤدي الاختلافات في طرق التفكير والسلوك إلى احتفاظ كل طرف بنظرة مسبقة عن الطرف الآخر غالباً ما تكون  نمطية وتحتوي على العديد من الأحكام الجاهزة والبداهات غير القابلة للنقاش والتغيير. فبينما ينظر الشباب إلى الأجيال الأكبر من أهل ومربين ومسؤولين ومثقفين على أنهم أكثر محافظة وجموداً وتمسكاً بالأعراف والضوابط الاجتماعية، ويأخذون عليهم تسلطهم في التعامل مع الأجيال الجديدة عبر التعليمات التي تتصف بغلبة  الأوامر والنواهي، وانعدام قيم التفاهم والحوار وممارسة الوصاية على الشباب والتدخل في اختياراتهم الشخصية على مستوى المهنة أو الزواج أو التعليم، وربما حتى في اللباس والمظهرالخ، لا يرى الكبار في الشباب إلا الحماس والاندفاع وقلة الخبرة ويتهمونهم بعدم تحمل المسؤولية واللامبالاة والطيش. وعوضاً عن سعي الطرفين إلى تجاوز الأحكام والنظرة المسبقة عبر آليات النقاش والتفاهم الهادفة إلى تقريب وجهات النظر، والاتفاق على خطوط وأطر عامة مع الحرص على ترك المسائل الخلافية للاختيارات الحرة لكلا الطرفين، والاحتكام إلى الوقائع قبل إصدار أحكام نهائية، يتمسك كل طرف باعتباراته وآرائه ويتعمق الشعور بالاغتراب عند الشباب خصوصاً مع ازدياد عوامل التهميش الأخرى الاقتصادية والسياسية والثقافية، وتطغى سلوكيات ردود الفعل ومحاولات إثبات الذات وانتزاع الاعتراف، على السلوكيات المبنية على القناعة وتحمل مسؤوليات الاختيار وتصحيح الأخطاء وذلك بسبب ضعف الحس النقدي وانقطاع قنوات الحوار.

ولا يقتصر تهميش الشباب على مجرد إحساسهم بأنهم مهملون ومتروكين لشأنهم، إذ أن المؤشرات التي تدلل على انخفاض فرصهم بالمقارنة مع فرص الجيل الأكبر، واضحة من خلال تفحص ما نسميه العلوم الاجتماعية بفرض الحراك الجيلي "Generation Mobility" على الصعد السياسية والمهنية.(12) فمن الناحية المهنية يلاحظ وجود قيم تربط الحراك الإداري والمهني بمعايير تتصل بالأقدمية والعلاقات الشخصية، أكثر من ارتباطها بالكفاءة والإنجاز الفردي، لهذا من النادر أن نجد الفئات الشباب في مواقع القرار رغم أن تحصيلهم العلمي قد يكون أعلى من تحصيل رؤسائهم في العمل. وهذا ما يخلق الشعور بالغبن ويحرم المجتمع من طاقات جديدة وقادرة على العطاء. وهذا ما ينطبق على الصعيد السياسي أيضاً سواء داخل الأحزاب والمشاركة على الصعيد الحكومي أو داخل هيئات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات والتي تشترك في غالبيتها في حصر إدارتها وقياداتها بكبار السن لدرجة أن بعضهم لم يبارح كرسيه منذ جلوسه عليه قبل عشرات السنين!.

والسؤال الذي يصعب تأجيله في هذا المجال: أيهما أفضل للطرفين وللمجتمع ككل، ترك مظاهر الصراع ونتائجه السلبية دون حلول، أم التفكير في طرق وأساليب للتخفيف من حدة الصراع بين الأجيال من خلال الاعتراف بالمواقف والآراء الإيجابية عند كلا الطرفين وتنشيط آليات الحوار على قاعدة الاعتراف المتبادل بحق الاختلاف للوصول إلى حلول مشتركة في المسائل الخلافية؟.

رابعاً - خاتمـــة:

يبيّن التحليل السابق أن صراع القيم والمرجعيات الثقافية على صعيد المجتمع العربي غير محسوم بشكل نهائي بعد، وإن ترجيح القيم الثقافية التي تعزز سلطة العقل والإبداع وتمكّن الشباب من ممارسة حرية الاختيار والتعبير وتحمّل المسؤولية، والتي ستبقى ناقصة ما لم تتعزز بتوفير فرص المشاركة السياسية بالرأي والممارسة من خلال فتح سبل الحوار بين الآباء والأبناء الطلبة والأساتذة وأجيال المدراء والمسؤولين الأقدم مع الأجيال الجديدة. فبمقدار ما تعترف الثقافة والقيم التربوية السائدة بخصوصية المرحلة الشبابية وتتفهم أوضاع الشباب ومشكلاتهم وأحلامهم، بمقدار ما يتم ترسيخ قيم ثقافية تغييريه توازن بشكل إيجابي بين ما يريده المجتمع من الشباب وما يريده الشباب لأنفسهم.

لقد آن الأوان لنعترف، كأهل ومربين، أن الحياة تتغير باتجاهات قد لا نرغبها دائماً. وأن الشباب يميلون إلى التأثر السريع بما يحيط بهم من متغيرات محلية وعالمية عبر التقليد والمحاكاة رغبةً في مجاراة الجديد والتميز بالمظهر واللباس وأنماط السلوك.

وبما أن إنكار المشكلات أو التقليل من تأثيرها لا يعني زوالها أو معالجتها، فإن العبرة في كيفية تناولها قبل أن تتحول إلى حالات مستعصية وبؤر للتعصب والعنف أو دوافع للانحراف السلوكي وتعاطي المخدرات كعلاج وهمي لحالات اليأس والإحباط وانعدام الأمل.

بالمقابل لا بد من التأكيد على العديد من القيم والعلاقات الإيجابية التي تتمتع بها الأسرة العربية، وما توفره لأبنائها من أشكال الرعاية والإشباع العاطفي، وما ينجم عنها من حماية للشباب من مظاهر العزلة والوحدة التي يعانيها العديد من أبناء المجتمعات الغربية المعاصرة. ويكفي إلقاء نظرة على أرقام انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) في مختلف مناطق العالم للتأكد بأن المنطقة العربية من أقل مناطق العالم إصابة بهذا المرض، والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى مجموعة القيم العربية والإسلامية التي ينشأ عليها شبابنا منذ نعومة أظفارهم مروراً بالمؤسسات التعليمية والتثقيفية المختلفة التي تساهم في عملية التنشئة الاجتماعية مثل المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام المختلفة، والتي أصبحت مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بتطوير مناهجها وبرامجها كي تستطيع المنافسة والقيام بالأدوار والوظائف المناطة بها في عالم مفتوح على كافة الخيارات والتأثيرات بسلبياتها وإيجابياتها.

يريد المجتمع العربي من الشباب أن يكونوا سند الأمة وثروتها، ويعلّق عليهم الآمال العريضة سواء على مستوى الأهل و الأسرة أو على مستوى الوطن، نظراً لما يملكونه من إمكانات وطاقات.ويتمنى الجميع على أبنائهم أن يكونوا على مستوى هذه الآمال، ويكملون ما بدأه ذووهم أو ينجزون ما لم يستطع الأهل إنجازه في الحياة. ومن أجل ذلك يقومون بإحاطة أبنائهم بالرعاية والمحبة ويحاولون أن يوفروا لهم كل ظروف وأسباب النجاح. لكنهم وبسبب المبالغة في الرعاية والاهتمام يفرضون وصايتهم وآراءهم، ويحاولون تطبيق خبراتهم الحياتية على أبنائهم دون الانتباه إلى تغيير الزمان والظروف التي مكنتهم من إنتاج تلك المعارف والخبرات والتي قد لا تتناسب مع ظروف وزمان الأبناء بفعل عوامل التغير الاقتصادية والاجتماعية والحضارية المتسارعة. ولعل الإفراط في الحب والخوف على الأبناء والحرص على تجنيبهم معاناة ذويهم، أن يكون حاجزاً يحول بينهم وبين الانخراط في التجارب ومعايشة الحياة عن كثب بما يمكّن شخصياتهم من النمو والتكامل الطبيعيين، ويفضي إلى نتائج معاكسة للمطلوب. ولهذا يعتقد العديد من علماء الاجتماع والتربية إن إتاحة الفرصة للشباب لعيش تجاربهم وتكوين خبراتهم لا يتطلب سوى تمكن هؤلاء من تحصيل المعارف والعلوم الضرورية والتعلم من أخطائهم واختياراتهم المعبرة عن وعيهم، أما النصائح واتباع أساليب الوعظ والحماية، فإنها على الأغلب لا توصل إلى الغايات المرجوة.

بالمقابل يريد الشباب من المجتمع أن يعترف بخصوصية سنهم ويوفر لهم إمكانيات التعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم دون خوف أو مواربة، ويطلب الشباب من الأهل الكف عن التدخل الوصائي في شؤونهم، ومنحهم فرصة المشاركة في تقرير ما يخص حياتهم الشخصية ومستقبلهم التعليمي والمهني وفقاً لميولهم وتأهيلهم واستعداداتهم الخاصة. فهل من سبيل للوصول إلى المطالب المحقة لدى الطرفين؟.

 


 

جدول رقم (1)

البطالة بين الشباب البالغين (15-24) سنة في بعض البلدان العربية، سنوات مختلفة

معدل البطالة بين الشباب (%)

نصيب الشباب من البطالة(%)

البلد

ذكور

إناث

جملة

ذكور

إناث

جملة

البحرين

 

 

 

 

 

 

1990

5.7

6.7

6.0

68.5

68.2

68.4

1995

11.9

13.5

12.6

77.6

71.1

75.4

1997

-

-

-

67.6

58.9

64.7

الجزائر

 

 

 

 

 

 

1990

46.2

14.4

38.7

65.0

78.0

66.0

1992

-

-

-

64.8

75.4

65.7

المغرب(حضر)

 

 

 

 

 

 

1999

-

-

38.2

41.8

33.1

39.5

سوريا

 

 

 

 

 

 

1998

-

-

-

73.7

71.3

73.2

فلسطين

 

 

 

 

 

 

1999

-

-

-

43.0

23.1

24.4

قطر(1997)

 

 

 

 

 

 

قطريون

-

-

-

44.2

45.4

44.6

غير قطريين

-

-

 

59.0

61.0

59.6

لبنان(1997)

 

 

 

 

 

 

19-15

29.7

21.6

28.6

-

-

-

20-24

20.1

11.5

17.8

-

-

-

مصر

 

 

 

 

 

 

1990

17.1

43.4

26.4

57.9

66.3

62.5

1995

24.5

59.0

34.4

66.4

70.5

68.4

1998

-

-

-

63.1

59.9

61.5

المصادر: (مصادر جدول معدلات البطالة حسب البلد والسنة): ما عدا جداول بيانات البحرين ومصر (1990و1995) والجزائر.

تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002.


المراجع والهوامش:

1-    الشباب وأمن المجتمع، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض،1408هـ، ص 242.

2-     المجموعتان الإحصائيتان، جامعة الدول العربية، إدارة الإحصاء، القاهرة، 1985-1990.

3-     الشباب وأمن المجتمع، مرجع سابق، ص 243.

4-   حليم بركات، المجتمع العربي في القرن العشرين، بحث في تغيّر الأحوال والعلاقات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص 637.

5-     حليم بركات، مرجع سابق، ص 655-684.

6-     A.B.Clinard and D. Aboot, crime in developping countries: A comparative perspective ( New York, N.Y): Thonwiley and sons,1973, p.p 48-86.

7-     تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، مجموعة مؤلفين بإشراف نادر الفرجاني، الطبعة العربية، عمان، 2002.

8-     حال البطالة والمخدرات والتمييز ضد المرأة، مركز الأردن الجديد، الحياة، العدد 13677، 22 آب/أغسطس، 2000.

9-     التفاوت الثقافي بين الأجيال في المجتمع السوري المدني، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة دمشق، 1999.

10- التقرير الاجتماعي العربي الأول، جامعة الدول العربية، الإدارة الاجتماعية، القاهرة، 2001.

11-انظر تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عمان 2002، ص91.

12-عبد الباسط عبد المعطي: حال الأمة (1999) الدراسات الأساسية، الأوضاع الاجتماعية، ورقة مقدمة إلى المؤتمر القومي العربي العاشر، الجزائر،2000، ص26.