سورية : تجديد العهد أم عهد جديد و في أي اتجاه ..!؟

قراءة في خطاب بشار الأسد الرئاسي

 

ميشيل سطوف

 

لا تحتاج الأهمية الجيوسياسية لسورية الى تأكيد . كما أن أهمية دورها و انعكاساته الاقليمية معروفة أيضاً ، سواء أبقي على اعتبارها " قلب العروبة النابض " أم تراجع هذا الاغتبار مسافة ما .

و بهذا المعنى يمكن تقدير حجم المسؤولية المتعلقة بسورية المجتمع و التاريخ و الموقع – تجاه ذاتها و تجاه المحيط – بعيداً عن نزوع الديماغوجيا أو التمايز المفتعل . كما يتوجب استيعاب ما جرى في سورية من توريث معلن العنوان منذ سنوات ، تنشدّ إليه عيون الكثير من الحكام العرب ، و في المقدمة معظم الجمهوريات العربية المتفردة – قياساً – " بالاحتفاظ " برؤسائها حتى الموت .

إذن في هذا الشوط الحساس من مسار الوطن و في هذه اللحظة السورية – المنعطف - ، تتجلى أكثر ضرورة التعبير عن نبضات هذا القلب المعتصر بعشرات السجون و المحن و الآمال ، و العامر بعبر التجارب و حقائق العصر و التطور ، الخافق ببوصلة – الانسان – المواطن و بالحق في الحرية و المساواة و التقدم ، لا يخنقه تسلط أو تزمت و لا تحرفه عصبوية من أية طبيعة .

هكذا ، و بعد أن اكتمل – على السطح – سيناريو التنصيب الوراثي الرئاسي المعذ لبشار الأسد ، الذي ما زال ، رغم المديح الأمريكي و بعض الاشادة العربية ، يطرح السؤال حول واقعية استعداداته و أهلية اعداده لجملة المواقع التي وضع فيها في قمة الجيش و ( الحزب ) و السلطة وفق قانون مفصل على مقاس حاكم شمولي مطلق الصلاحيات .. و بعد أن تمّ الاطلاع على الخطاب الرئاسي لبشار الأسد أمام " مجلس الشعب " ، و المتميز – فيما يتميز به – بديماغوجية ابتدائية تفتقر الى انسجام المنطق الداخلي و الى جدل العلم و الواقع ، تتمازج مع قدر ملحوظ من المواعظ و العواطف .. و بما يعبر موضوعياً عن صعوبة مهمة جمع المتناقضات التي نختار منها :

 

·            الاعلان عن استمرارية النهج ( نهج القائد الخالد المتميز الذي يصعب الحفاظ عليه ... بأرضيته الصلبة و أساسه المتين و التراث العظيم من القيم و المبادئ ... إضافة الى البنية التحتية و الانجازات الكبيرة في المجالات كافة على امتداد ساحة الوطن ...).

 

·            و الاعلان عن التطوير الذي ( استطاع القائد الأسد خلال العقود الثلاثة الأخيرة وضع استراتيجة عامة تلبي الحاجات المختلفة للتطوير المنشود ، شملت مختلف القطاعات . و قد برهنت الاستراتيجية السياسية التي وضعها و أشرف على متابعتها و تنفيذها و تطويرها عن نجاحها الكبير حتى يومنا هذا . أما في المجالات الأخرى و كما نعرف جميعاً فلم يتماشى الأداء فيها مع الأداء في المجال السياسي لأسباب عديدة . لذلك كانت هناك فجوة كبيرة بينها ... فكانت المعالجة الاقتصادية مثلاً تتسم بالتجريبية أحياناً و بالارتجال أحياناً أخرى و في البعض منها كرد فعل ..الخ ) كما لو أن حافظ الأسد كان خلال ثلاثين عاماً متخصصاً بالشؤون السياسية فقط ، غير معني أو مسؤول عن المجالات الأخرى ، أو كما لو يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد و المجتمع ..!

 

·            في ذات الوقت الذي يطالب فيه بشار الأسد ( بوضع استراتيجية عامة للتطوير تكون اطاراً محدداً للخطوات و الاجراءات الواجب اتخاذها في سبيل تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية ..) و ( المعالجة المستلكة من بدايتها و ليس من نهايتها ، و معالجة السبب قبل النتائج ..) ( فالمجتمع هو الطريق التي يسير عليها التطوير في حقوله العديدة ، فإذا كانت هذه الطريق غير صالحة تعثر التطوير و تأخر أو توقف ..! الى آخر ما هناك من تناقضات و مغالطات و تطورات غريبة يبدو أنه وُرّط أو تورط بها في المهمة الصعبة لجمع المتناقضات و قلب الحقائق .. تجدر الاشارة – إذن – الى بعض مواطن الخلل في معادلة الوضع الراهن ، و التي تتجلى – بين ما تتجلى به – بفبركة دوائر القرار في النظام الشمولي القائم لشاب محمول من أسفل كي ينصب في الأعلى ، حتى و لو كان هذا الشاب هو الدكتور بشار الأسد ابن حافظ الأسد .

 

·            كما تتجلى بنبرة الحديث عن التطوير و التحديث ، في الوقت الذي زجت به سورية في بدعة التوريث و الخلافة ، دون غيرها .. حيث لا تستطيع مختلف مظاهر البيعة و عملية " الاستفتاء " أن تبدل من جوهر الأمور شيئاً ، ألا و هي ادراك بشار الأسد أنه ليس بالرئيس المنتخب ، أو الواصل على ضوء برنامج محدد ، و بشكل ديمقراطي .

ناهيك عن أن ما جرى لم يحترم المفهوم الحقيقي للاستفتاء كما لم يستوفي شروطه الطبيعية و الضرورية المعروفة .

فما يبنى على ما هو غير شرعي يفتقد تأسيساً لجذر الشرعية . و عقدة الافتقاد الى الشرعية لا يمكن لها أن تكون حيادية ، فإما أن تدفع حاملها الى " ممارسة التعويض " إذا سمح المناخ المحيط به .. أو تدفعه الى مركب النقص و الاندفاع في أسر التسلط المتنامي . زيادة على ما يبدو " قانونياً في الشكل " ليس بالضرورة شرعياً . و أن ما يبدو " شرعياً في الشكل " ليس بالنتيجة ديمقراطياً . { مثال الصلاحيات المعطاة لقيادة واجهية ( كالقيادة القطرية ) لتنظيم واجهي حاكم ( كتنظيم البعث القائم ) } .

 

·            على هذا لا بد من أن يستدعي سلسلة تفاعلات ستعبر عن نفسها بإضافة عناصر جديدة للأزمة نظام شمولي و مريض مزمن ، لم يبق في رصيد المجتمع المغلوب و المسلوب أي احتياطي للغبِّ منه و انعاش دينامية مفقودة . حيث بدا تسويق التفاؤل و الارتياح لبشار الأسد كما لو أنه ارتياح من حافظ الأسد في عمق لا شعور المخرج الدرامي كما في العقل الباطني للكتلة المعنية في المجتمع .. إذ من المنطقي ادراك أن معظم دوائر القرار و الواجهات البارزة كانت تنتظر بفارغ الصبر اختفاء حافظ الأسد ساعية الى تأكيد حصتها و توسيع هامش صلاحياتها و مصالحها في اللوحة الجديدة ، اعداداً و مواكبة لعبور بشار الى قمة الهرم ... و مدركة لإلحاحية ضرورة تخفيف حدة الأزمة البنيوية في نظام مريض متكلس .. من خلال اعطاء نفس جديد يمتص بعضاً من احتقان المجتمع سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً و ينفتح على " طموحات " الجيل الثاني المتفرخ من دوائر القرار و تقاطعاتها الأخرى .

 

·            فما بعد حافظ الأسد ، و رغم كل مظاهر الاستمرارية و ارادة الاستقرار و الثبات ، لا بد من أن يختلف عما قبل رحيله ، ليس فقط في منظور الحركة الطبيعية في أية أوضاع .. بل أيضاً من منظور الهامش الذي تحمله أية دينامية جديدة بعد تكلس مزمن ، مهما كانت قدرة التحكم بها من قبل النظام ظاهرة ... و مهما بدا تفاعل المجتمع في هذه المرحلة منفعلاً و بطيئاً .. ناهيك عن جملة التطورات المتحركة في الجوار .

 

·            هذه العناصر لا تتناقض مع كون الخطاب يؤكد و يجسد استمرارية النهج السابق ، بل يعكس المزيد من الجمود و التراجع الذي تعكسه كيفية التعاطي مع القضايا المثارة في الخطاب الرئاسي التي تعبر بالضبط عن مدى ضبط الدوائر العليا لإيقاع حركة الزعيم الجديد .. كما هو واضح في تناول قضايا : الديمقراطية و " الجبهة الوطنية التقدمية " و الخصوصية و الفساد و نموذج العلاقة مع لبنان .

 

·            ففي المجال السياسي يشيد خطاب بشار الأسد .. دون أن يذكر أو يؤشر الى أي من نجاحاتها ... و دون أن يتذكر ما حل بالوضع الداخلي المثخن على مختلف الجبهات و بالمجتمع المدني المغيب المسحوق .. أو باستمرار احتلال الجولان و فشل " مشاريع " قبول قرار مجلس الأمن 242 و المراهنة عليه – جبهة الصمود و التصدي – التوازن الاستراتيجي – المشاركة في العدوان على العراق .. و غياب أي مشروع للتحرير سوى الالحاح على الولايات المتحدة أن تأخذ كامل دورها كراعي لعملية "السلام" .. زيادة على حصة النظام السوري الخاصة في سوء العلاقات مع العراق و فلسطين على سبيل المثال .

أي النجاحات إذن ، و سورية هي على ما هي عليه من أوضاع مأساوية خطرة تبقى تتحكم بمجتمعها القوانين الاستثنائية و الطوارئ و المحاكم العرفية و أمن الدولة .. أو ما شابه .

 

·            و في مجال الديمقراطية يتجلى الوجه الكبير الآخر لهذا الخلل حيث يتحدث خطاب بشار الأسد عن ( عدم جواز تطبيق ديمقراطية الآخرين على أنفسنا ..) و يتساءل عن ( الدلالات على وجود الديمقراطية أو عدمها : هل هي في الانتخابات أم في حرية النشر أم في حرية الكلام أم في غيرها من الحريات و الحقوق . أقول و لا واحدة من كل هذا ، فهذه الحقوق و غيرها ليست الديمقراطية بل هي ممارسات ديمقراطية و نتائج لها و هي تنبني جميعها على فكر ديمقراطي .. و هذا الفكر يستند الى أساس قبول الرأي الآخر و هو طريق ذو اتجاهين حتماً .. و أن كل أساس صمم لبناء معين ليناسب ما يحمله ، أي هذا الأساس لهذا البناء و ذاك الأساس لذاك البناء ... و علينا أن تكون لنا تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا المنبثقة عن تاريخنا و ثقافتنا و شخصيتنا الحضارية و النابعة من حاجات مجتمعنا و مقتضيات واقعنا ...) و ( جبهتنا الوطنية التقدمية نموذج ديمقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا و قد أدت دوراً أساسياً في حياتنا السياسية ) .

إن التعليق على هكذا مفاهيم ، و تحليل معانيها ، خلفيات و مقاصد ، يستلزم بحثاً خاصاً و طويلاً لشدة ما تحمله هذه التصورات من القصور و الدوخان و المغالطة في حقائق واقع المجتمع و حقائق الديمقراطية الثابتة مهما تمايزت تعبيراتها و تجاربها الشاخصة عبر العالم .

إلا أن بعض الملاحظات يمكن لها أن تكفي للتدليل على تخبط هذه المفاهيم :

 

أ‌-           هناك الدعوة الى استبعاد نموذج الديمقراطية الغربية لعدم تطابق مستوى تطورنا الراهن مع مستلزماتها ، و بالمقابل الدعوة " الى تجربة ديمقراطية خاصة منبثقة من شخصيتنا الحضارية و نابعة من حاجات مجتمعنا و مقتضيات واقعنا " هذا دون ذكر ما هي هذه المواصفات و الحاجات و المقتضيات .. و متى ظهرت و ماذا تم من انجازها خلال الثلاثين سنة الماضية . فلقد عرفت سورية فور استقلالها ( و هي رائدة الاستقلال في بلدان العالم الثالث ) تجارب متواضعة من النموذج البرلماني .. و لم تكن حال المجتمع السوري خلالها أسوأ مما هي عليه الآن أو أكثر تخلفاً .

 

ب‌-      و هناك الحديث المتكرر عن الخصوصية " دون تحديد أيضاً لمواصفاتها و مقتضياتها .. متى و كيف بدأت و تطورت ، و هل هي خصوصية سورية أم عربية أم اسلامية .. و ماذا تقدمت به " الاستراتيجية و الأداء السياسي الناجح " خلال الثلاثة عقود من حكم حافظ الأسد على هذا الصعيد ؟ و بماذا تتميز به سورية عن بلدان أخرى من مثل لبنان أو تركيا أو الجزائر أو مالي أو موريتانيا .

فلم يكن النموذج البرلماني في سورية بعد الاستقلال هو السبب في عدم الاستقرار في سورية .. بل كان استيلاء قيادات الجيش على السلطة و اختراقات خارجية أحياناً .. ثم انزلاق بعض القيادات الحزبية في لعبة العسكر و قبولها واجهة الوصاية على الشعب تحت شعار الشرعية الثورية السائد في حينه و التي سرعان ما تحولت الى نظام فردي شمولي مطعّم بمختلف الأمراض الاجتماعية المعروفة .

هكذا فإن الخصوصية المعلنة في الخطاب الرسمي السوري إنما تتجلى بفرض ( استقرار قاهر ) مناقض للاستقرار الحقيقي الذي يعني توفير الأرضية الصلبة للبناء و التقدم .. كما تتجلى بتحويل الجمهورية الى خلافة .

 

ت‌-      و الادعاء بأن ( الجبهة الوطنية التقدمية ) هي ( النموذج الديمقراطي الذي تطور و لعب دوراً أساسياً في الحياة السياسية ) السورية طيلة ثلاثة عقود . في الوقت الذي لم يعقد الحزب ( الحاكم !) و ( قائد هذه الجبهة !) مؤتمراً له خلال 15 عاماً .. و حيث أن مدير المكتب السياسي لرئيس الجمهورية ( آغا ) أعلن في أواسط حزيران 2000 على قناة الجزيرة عن توجه السلطة لاعادة النظر في ( الجبهة الوطنية التقدمية ) حيث أن الأحزاب الأخرى المشاركة فيها فقدت قواعدها و برامجها الخاصة .. و حيث أن صفوان قدسي ( عضو هذه الجبهة عن تيار من تيارات الاتحاد الاشتراكي ) برر عدم وجود مكاتب خاصة بالأحزاب الجبهوية بحجة التقشف و عدم التبذير ..!؟

 

·            التأشير الى التوقف عن متابعة الفساد ، بعد أن تحول من حصان طروادة للوصول الى الرئاسة الى عنصر ارباك و متاعب في اللوحة الجديدة ، يتوجب تجميد متابعته في الحدود التي وصل إليها سابقاً .. فكان حديث الخطاب الرئاسي ( عن وجود نسبة خطأ في كل عمل لا تدعو للقلق ، و عن الخطيئة البسيطة .. و الخطيئة غير المقصودة ..) و حديثه عن ( ضرورة رفد المؤسسة القضائية بالكوادر الكفوءة و النظيفة ..) فقط .. في الوقت الذي يشكل فيه حال المنظومة القضائية في أي بلد العاكس الحقيقي و الأدق لصحة مؤسسات الدولة و أداء المجتمع ، على صعيد شرعية و مشروعية القوانين القائمة ، استقلالية فعلية و تامة لهذه المنظومة حريتها و إمكاناتها اللازمة للتطبيق على قاعدة مساواة الجميع أمام القوانين و خضوع مختلف المؤسسات لها .

 

·            و أخيراً و ليس آخراً ، تقديم الخطاب الرئاسي ( العلاقة مع لبنان الشقيق كنموذج للعلاقة بين بلدين عربيين ، دون ذكر أساسات و مظاهر هذه النموذجية المطروحة ..! هل هو دخول القوات السورية الى لبنان قبل ربع قرن و بقاؤها فيه حتى اليوم رغم توقف الحرب الأهلية و اندحار القوات الاسرائيلية .. أم هو ضرب المخيمات و القوات الفلسطينية في لبنان .. و واقع الهيمنة السورية على مختلف تضاريس النظام اللبناني بعد ضرب الفصائل اللبنانية يساراً و يميناً و دورة التحالفات الموسمية .

 

إذن على ضوء الخطاب الرئاسي و على ضوء ما سبقه و ما تبعه حتى الآن ، هل يصح الحديث عن تجديد العهد أم عن عهد جديد و في أي اتجاه ..؟

لا شك أن دائرة القرار العليا المركزية في النظام جد مهتمة بتجديد العهد على السطح و في القمة مع المحافظة على استمرارية النهج السابق في العمق ما أمكن ذلك ، حيث لا مفر من بعض الانفتاح الذي تريده ، بطيئاً و مضبوطاً تماماً و محصوراً في مجالات محددة .

كما لا شك أن عهداً جديداً يفرض نفسه ، كما هو الحال بعد اختفاء أي حاكم مطلق مزمن . إلا أن الجدة التي تجمع هذين الوجهين لعملة النظام هي عملية التوريث .. و هو الاتجاه الذي لا يستطيع ، لا حلّ أزمة النظام و لا حلّ احتقانات المجتمع المدني الكثيرة و لا يتوافق مع طموحات الشعب السوري في التغيير الديمقراطي و التطوير و التقدم .