حقوق الإنسان للأحياء والأموات

 

رياض القداح *

 

لقد وهب الله الإنسان  عقلاً يميزه عن بقية مخلوقاته و خلقه في أحسن تقويم  ليكون مؤهلا لنشر مبادئ العدل والمساواة،  والتصدي للظلم والاستبداد وانتهاك الحقوق. وإن كان حق الحياة يفصل بين الكائن الحي والجماد، فحرية الإنسان هي الفاصل بين الكائن الإنساني والكائنات الحية الأخرى، ولهذا نتحدث عن حقوق الإنسان شملا بالأمر الحريات الأساسية أو الديمقراطية ولو أن البعض ألغى هذه الجملة حرصا على عدم تخريش مشاعر أجهزة الأمن. كما تناسى أنصار القراءة شبه الرسمية لحقوق الإنسان أن نزار نيوف وهيثم  مناع ومحمد علي حبيب وعفيف مزهر وثابت مراد وهيثم المالح أسسوا لعودة حقوق الإنسان في سورية بعد اغتيال النظام للرابطة السورية لحقوق الإنسان وهذا تاريخ سورية المعاصر لا يمكن لأحد أن يزور فيه بمجرد دخوله في مرحلة تفاوضية مع هذا أو ذاك. كذلك نؤكد على أن حقوق الإنسان هي في صلب حياة المدينة وفي صلب التحول إلى المدنية ولهذا فهي نضال سياسي بوسائل مختلفة وهي ليست جمعية خيرية وتختلف عن العمل الحزبي ولكن لا تبتعد عن قضايا المواطن والمواطنة.

 

يتبادر إلى الذهن سؤالاً محيراً ما الذي جرى لسوريا أمّ الحضارات والقوانين والمبادئ الإنسانية ؟ إن سورية العربية كانت وستبقى المشعل الذي يضئ درب الحرية والمساواة والعدل بالرغم من الظروف الصعبة والمهينة التي يمر بها هذا الشعب الأصيل. فشعبنا رغم التجهيل والضغط والخناق ككل الشعوب التواقة لكرامتها يريد الحياة، ولهذا يريد الحرية، ولهذا فهو مؤهب للديمقراطية والتغيير. إن تسلق أي شخص أو فئة وتمكنه من مقدرات سورية لا يعني بالضرورة  انتهاء  هذا الصرح الحضاري العظيم بل هو الحافز لاجتياز الامتحان الصعب ولإثبات الذات الإنسانية ومتابعة الدور الإنساني في بناء الحضارة والتطور.

 

من المؤسف حقاً أن نرى كيف  تكافأ سورية من قبل الذين  ألبستهم حريراً دمشقياً وأفخرت فرسانهم بالسيف الدمشقي وأعطتهم أم العلوم بهذا الشكل الذي نراه اليوم .

 

حيث تصمت كل الأمم  التي استفادت من الحضارة العربية على كل ما يجري في سورية اليوم من انتهاك فظ لحقوق البشر وتعطيل الفكر ..

إن الطغمة العسكرية ( الفئوية ) المستبدة و المتخلفة في سورية حرمت الأحياء من أبسط حقوق الإنسان في حرية التعبير والرأي. وفي كل مرة يحصل فيه انتهاك، نطرق أبواب الإعلام فتغلق الأبواب، وعندما تسري إشاعة عن إفراجات نجد الأرقام تتضاعف ولا قائمة واحدة باسم من خرج. لماذا هذا التواطؤ مع السلطة السورية؟ هل هي مصالح السوق أم مصالح الترتيبات الإقليمية الجديدة

 

أين منا من يهتم بعملية تحويل البلاد لمزرعة النهب والسلب. أين منا من يذكر بأن القطط السمان لا تراها أعين المختصين في الفساد؟ أين منا أطراف سورية وعربية تحيي الانتخابات التمهيدية لحزب البعث التي لم تحدث ليتحدث عن انفراج؟ أين منا من أصبح يتغنى بانفتاح لا تراه أحسن مجاهر العلم الحديث؟

 

لقد صودرت حرية التعبير لدى العربي السوري في وطنه ليصبح أداةً للاستغلال البشع حيث لم يعد له حق التساؤل عن سبب فقدان سورية للجولان ( علماً بأن القائد العام للقوات عام 1967 كان حافظ أسد ) .

 

وقد تطور الأمر إلى حد التنازل عن لواء اسكندرون و انطاكية على الخريطة السورية واعتبارها أرضاً تركية ( ظهر ذلك واضحاً في الجناح السوري لمعرض هانوفر لعام 2000 ) وباختصار شديد نقول أنه لابد من إصدار عمل موسوعي توضح انتهاكات حقوق الإنسان و النبات والحيوان والبيئة في سورية كي يطلع عليها كل الأخوة العرب، ليعرفوا أسباب تخلف سورية  والأمة العربية وتعثرها  عن متابعة دورها الحضاري الذي يليق بها ..

 

لقد نال الإرهاب المنظم من كرامة الإنسان العربي السوري في الصميم وعلى كل الأصعدة الدينية، السياسية، القومية،  الاجتماعية والاقتصادية. تمثل هذا الإرهاب في مؤسستين تابعتين إلى الفئة المتخلفة المتسلطة في سورية :

 

أولها الأجهزة الاستخبارية المتعددة  السيئة الصيت و التي تتولى ممارسة الإرهاب الجسدي و الاقتصادي التفاصيل سترد في (مجلد الإرهاب والتعذيب الجسدي في أقبية أجهزة الأمن السورية) إضافةً إلى التعسف وابتزاز الأموال والتخريب الاقتصادي المتعمد والتي سترد في  (مجلد التخريب و الفساد الاقتصادي في سورية).

 

ثانيها المؤسسة الإعلامية التي تمارس الإرهاب النفسي والفكري (مجلد الاستخفاف بعقول الناس).

إن الحصار المطبق في كل جوانب الحياة على الشعب السوري أدى إلى تعطيل دور  الأحرار في تحقيق وحدة الأمة وتحرير الأجزاء العربية المغتصبة وعلى رأسها فلسطين.

 

الحقيقة المهمة هنا  هي أن حق المعارضين السوريين مهضوم حتى بعد الممات حيث لا يسمح  بدفن جثثهم في وطنهم الأم.

 

فهل أصبح الخوف من الأموات إلى الحد الذي باتت السلطة المستبدة في سورية تخشاه؟  والله إن هذا  لأمر عظيم. هذا يدل على أن أهل الباطل يخشون كلمة الحق حتى من الأموات الذين  لا يستطيعون المطالبة بحقهم ولكن نعوشهم تنطق بذلك . .

 

هنا يطرح السؤال المحرج هل سيسمح الخلف بعد السلف بدفن جثث المعارضين في بلدانهم ؟   على هذا السؤال ننتظر الجواب.

 

باختصار شديد أصبحنا الآن نطالب بالحرية للأموات من أصحاب الرأي والذين لم يساعدهم  الحظ بدفنهم في مسقط رأسهم.

 

البعض يحاول اليوم الحديث عن داخل وخارج. لن أدخل في هذا الجدل، فهناك خطاب جدي وحازم في الداخل والخرج وخطاب مهادن وانتظاري في الداخل والخارج. فالجغرافيا لا تميز البشر.  شأننا في ذلك كأخوتنا الفلسطينيين فكلنا واحد وعلينا واجبات تجاه الوطن المباح. هناك أصوات شريفة ومشرفة عليها أن تجتمع دون حاجز ودون حدود من أجل الديمقراطية وكرامة الإنسان. وعلى هذه الأصوات أن تبتكر الوسائل الراقية والجديدة المناسبة لوضع حد للتسلط.

 

في هذا الصدد أود التذكير بأنه لدينا أكثر من مئات الآلاف من السوريين خارج البلد ويمثلون الطليعة العلمية والاقتصادية في العالم ولديهم الرغبة في العودة بأموالهم وخبراتهم والمساهمة في بناء الوطن، لكن عندما تتوفر الكرامة واحترام حقوق الإنسان في الوطن الأم ..

 

في هذا السياق أقول أن كل السوريين متساوون داخل الوطن وخارجه يجمعهم حب الوطن والتمسك بثوابت الأمة العربية.

 

مع بداية القرن العشرين كان المرء يبحث عمن يقرأ أو يكتب له رسالة بسبب ارتفاع نسبة الأمية.

 

كانت الناس في تلك الفترة وبالرغم من الظروف الصعبة تحتفظ بسماتها الإنسانية من كرامة ووفاء وقول الحق أمام سلطان جائر والأمثلة على ذلك كثيرة من استشهاد عبد الرحمن الكواكبي في مصر إلى استشهاد نخبة السياسيين والمثقفين في  السادس من أيار (مايو) على يد جمال باشا السفاح في دمشق وبيروت، والذين كانوا مثالاَ رائعاَ لكل نخبة تؤمن بكرامة الإنسان والأمة وتحافظ على علياء الوطن. حيث معهم ارتبط اسم السوري بمن يضع عزة وكرامة الوطن فوق كل الاعتبارات ومن يجهر بكلمة الحق أمام السلطان الجائر.

 

ألا نتذكر هذا مع بداية القرن الواحد والعشرين؟

إن المطالبة  بالسماح لعودة  كل السوريين الذين دفنوا خارج الوطن  والذين حرموا من هذا الحق الطبيعي هو واجب إنساني وأخلاقي على كل سوري وعندما نتحدث عن عفو عام فهو للسجين والمنفي والمحروم من حقوقه المدنية والمبعد عن عمله. وعندما نواصل النضال من أجل الحريات الديمقراطية فهي من أجل سورية حرة كريمة لكل أبنائها. 

* سياسي سوري يعيش في بون