المسألة الطائفية من منظور وطني

  

بقلم : محمد الحسناوي *

 

هناك مسالة مهمة في الوضع السوري ، تفرض نفسها على الأطراف الوطنية جميعا ، لكن قلّ من يجرؤ على مقاربتها ، وإن تجرأ أحد ما على هذه المقاربة لم يحالفه التوفيق ، لأسباب كثيرة – غير النوايا والخلفيات والمقاصد – منها صعوبة الحسم أو اليقين في القضايا الاجتماعية أو البشرية ، التي موضوعها الإنسان ، ذلك الكائن الذي تتناوله العلوم الإنسانية  وما هي بعلوم حقيقية كعلوم الطبيعة ، لسبب بسيط ، هو أن الإنسان - هذا المخلوق المكرم ، أسمى واصعب من أن يدرس بمعادلات رقمية ، أو يخضع لتجارب وضعية جمعية . ومع ذلك لا بدّ من المقاربة والدراسة .

من المعلوم أن في سورية شرائح اجتماعية ، دينية ومذهبية وعرقية، وإن كانت الأغلبية عربية مسلمة سنية. وإذا كانت الديموقراطية تأخذ برأي الأغلبية ، فإن الديموقراطية – أيضا – لا تلغي الأقلية أو الأقليات ، مهما قلّ عددها ، لأن المواطن شريك للمواطن الآخر في التمتع بكل حقوق المواطنة ، ولاذنب للمواطن فيما كتب عليه اجتماعيا أو وراثيا من العرق أو الدين .

ومن المعلوم أيضا أن هذه التعددية السورية قديمة قدم التاريخ ، وقد عرفت صورا مشرقة من التسامح الحقيقي والتعايش ، يشهد على ذلك استمرار هذه الشرائح إلى يومنا هذا ، لكن وضعا طارئا – وهو وضع سياسي – عكّر صفو هذا الجوّ المتسامح في العقود الأخيرة ، ولعله السبب الأول الذي يدعونا ، ويدعو غيرنا إلى فتح هذا الملف ، لمعالجته في مرحلة التحول التي نمرّ بها، آملين أن تستعيد فيها اللحمة الوطنية تماسكها ، وتستأنف مسيرة الوفاق الوطني على أسس رشيدة وطيدة .

  إن المسألة الطائفية – على حساسيتها – في القطر السوري ، وفي العالم العربي بأسره ، يمكن تناولها من أكثر من زاوية نظر أو منهج ، فهناك المنهج التاريخي الذي يبحث عن البدايات والجذور والمراحل والتطورات والصدامات السياسية وغير السياسية . وهذا الجانب يمكن  أن ينهض به المؤرخون       .

وهناك المنهج الفكري ( الفلسفي – الكلامي ) الذي يتناول العقيدة وتجلياتها وإسقاطاتها ، ومدى بعدها أو قربها أو تناقضها مع العقائد الأخرى ، ومدى مقاربتها للعقل والمنطق ، أو خروجه بها عن العقل والمنطق ، ومدى تأثرها أو تأثيرها بما حولها أو بما سبقها أو لحقها من أفكار ومبادئ وعقائد ، وما دخل عليها من مصادر غريبة ، أو مرت به من تحولات . وهذا يمكن أن تهتم به المجامع الفكرية أو الدينية والكليات الجامعية ( ومجامع التقريب الديني ) .

وهناك المنهج الاجتماعي الذي يبحث في البنية الاجتماعية لكل شريحة وعلاقتها بالشرائح الأخرى ، وبأبعادها الطبقية ، وبهجراتها وبداوتها وتحضرها .

وهناك – تجاوزاً للحصر – أيضا المنهج الوطني الديموقراطي .

ولتوضيح مرادنا بلفظ المنهج هنا .. نذكّر بأنه ( زاوية النظر أو المعالجة ) ، ذلك أن المنهج التاريخي يمكن لأن يتناول المسألة التاريخية من وجهة نظر ماركسية أو رأسمالية أو إسلامية .. وهذا يقتضينا توضيح مرادنا من المنهج الوطني الديموقراطي .

إن تعريف المنهج الوطني الديموقراطي ، هو من الناحية الأولى : منهج لا يأخذ من المناهج الأخرى المعلومات والأرقام والإحصاءات إلا بقدر ما ينفع الوطن والشعب - بما في ذلك الطرف الوطني غرض الدراسة -  أي إن التاريخ لطائفة معينة - في عمومه – قد يثير حزازات ، ويبعث صراعات ، أو ينكأ جراحات ، ومثل ذلك البعد الفكري أو العقدي ، لا يقل حساسية وإشكالية عن البعد التاريخي ، ذلك لأن بعض الخلافات السياسية تحولت مع الزمن إلى خلافات فكرية ، وعملت على التخندق في خندق مباين للآخرين ، ولا ينفع تناول هذه الخلافات إلا بين الدارسين المتخصصين ، الباحثين عن الحقيقة بتجريدها وتجريد أنفسهم عن الملابسات والعصبيات، كما أن اللجوء إلى لغة الأرقام والإحصاءات القديمة والحديثة لا تخلو من استفزاز مشاعر ( أغلبية – أكثرية ) ، وكذلك صعوبة البت بالحجم الحالي لكل طرف وطني ما لم تكن هناك عمليات إحصاء هادفة حديثة ، نحن بغنى عنها وعن تكاليفها المنظورة وغير المنظورة في مرحلة التجاوز والتسامح والوفاق الوطني الذي ندعو إاليه .

إذن نحن بصدد منهج لا يلغي الواقع ، لكنه يلغي الحساسيات ، لا يلغي التاريخ والفكر والاجتماع ، لكنه يلغي ما لاحاجة لنا به في مشروعنا النهضوي الحضاري ، أي لكل من التاريخ والفكر والاجتماع ميدانه في الجامعات والمجامع والدراسات وعامل الزمن والتفاعل السلمي أيضا ، أما الأولوية فهي هنا للتعايش أو المواطنة في تناول الوجود البشري السياسي الراهن .

هذا تعريف للمنهج المقترح (  الوطني الديموقراطي ) من جهة أولى، ومن جهة ثانية : هو وضع معيار للمصلحة العامة ( للشعب والوطن ) في معادلة تراعي المصالح المتعددة (للشرائح الاجتماعية ) أو لا تتناقض معها . فكما أن المصلحة العامة – عادة – تراعي مصالح الأفراد ( المشروعة ) ، أو لا تتناقض معها في كل جماعة راشدة ، كذلك نقترح أن تكون المعادلة السورية مبنية - بالإضافة إلى مصالح الأفراد المشروعة – على مراعاة مصالح الشرائح الاجتماعية المشروعة أيضا .

ونحن من خلال منهجنا المقترح لا نرى الآن مناسبا فتح الملف على طريقة ما جاء في مقال ( قراءة هادئة للخريطة الطائفية ) : بتعداد ما يمكن تسميته نقاطا سلبية أو إيجابية لكل من الطرفين القطبين موضع الطرح (السنة- العلوية ) ، لأن هذا التعداد لا يخلو من إثارة وانتقائية وتسويغات ، يقال : إنها غير متحيزة .

إن الإشكال واقع ، كما أن فهم هذا الإشكال لدى الأطراف الوطنية كلها حاصل ، وعلى الرغم من أهمية المسألة للوطن والشعب وللأطراف الوطنية كلها ، فإن الجانب الملحّ الراهن منها هو ما يتعلق – حاليا – بالقطبين المذكورين. فهل من الضروري الآن صب الزيت على النار ؟ إن البورجوازية ( السنية ) – مثلا –  لا تعني كل أهل السنة ، كما أن العسكرية العلوية لا تعني كل العلويين ، وقس على ذلك . فكيف ترتب المسؤوليات الحقوقية أو التاريخية في سياق مثل هذه التعميمات ؟!

إن الحديث عن التفاوت الطبقي ، وما أصاب إحدى الأقليات من بؤس اجتماعي يغفل أن البؤس الاجتماعي لم يميز بين الأكثرية والأقلية ، كما أن سكان المدن لم يكونوا كلهم بورجوازية دينية واحدة موحدة ! ثم إن ثلاثين سنة من ( التطبيق الاشتراكي ؟) عند بعضهم ، خلطت الأوراق ، ولا نسمح لأنفسنا - من باب سد الذرائع – بالقول بوجود طبقة بورجوازية جديدة ، ورأسمالية جديدة ، تفوقان الطبقتين ( المندثرتين ) فسادا وإفسادا . وهذا المنطق أيضا – إذا فتح بابه – يصب النار على الزيت ! هناك من يقول : إن الرأسمالية جربت حظها في سورية ، وإن الاشتراكية جربت حظها أيضا ، فلماذا لا تجرب الإسلامية حظها أيضا ؟ وهناك من يقول : إن كل ما طبق في سورية ليس برأسمالية حقيقية ولا اشتراكية حقيقية ! فأين الحقيقة ؟ و هكذا تكتشف خطأ من يحمل أهل السنة جرائر البورجوازية ، كما يحملها جرائر أفراد أو مجموعات منها ، أو يحمل الإسلام نفسه جرائر المسلمين . هناك دوما فارق يضيق أو يتسع بين الإسلام (دينا ) وبين ( منتسبين لهذا الدين ) ،  وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى الشرائح الاجتماعية الأخرى والى مرجعياتها الفكرية أو العقدية.

 إن الأمر- كما هو ملاحظ – مشتبك معقد ، تتداخل فيه الحقائق بالملابسات والمؤثرات والخلفيات .. وخروجا من كل هذه الإشكالات ندعو إلى منهج تجاوزي جامع مانع ، أساسه الانطلاق من الواقع ، والقبول بالآخر ، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات والمواطنة ، والاحترام المتبادل . فالوطن ملك لكل أبنائه ، وعلى أبنائه جميعا حمايته والدفاع عنه ، ولهم جميعا حق الإسهام في بنائه والنهوض به . والصيغة لهذه المواطنة هي الصيغة الديموقراطية (وبعيدا عن الصيغة الشرقية الشمولية أو الغربية الانفلاتية ) ، ومهما كانت لنا من خصوصية سورية ، فإنها لا تلغي ولا يجوز أن تلغي الديموقراطية أساسا .

 هناك من يطرح حلا للإشكال الطائفي من خلال الطرح القومي أو الطرح العلماني ، أو منهجا يأخذ بالعلمانية والقومية معا . وهناك من يقول :أن مقتل الطرح القومي أو العلماني كان بسبب الممارسات الطائفية نفسها للقوميين والعلمانيين ! أن فهم العلمانية من جهة، وتطبيقها الاستفزازي من جهة ثانية ، ثم إن فصم العلاقة المحكمة بين القومية العربية والإسلام من جهة ثالثة ...كل ذلك سبب كاف لإجهاض كل من القومية والعلمانية . فأين الحقيقة ؟ وأين يؤخذ بالخصوصية ومتى لا يؤخذ ؟

مما يؤكد صواب المنهج الديموقراطي الوطني الذي نقترحه حلا للإشكال الطائفي السوري .. ما ذهب إليه مصلح اجتماعي ( جامعي عراقي ) الدكتور محسن عبد الحميد يدعو – حلاً للإشكال الطائفي هناك – إلى الخروج من التاريخ أي العودة إلى الأصول ، إلى ما قبل الخلاف في الصدر الأول للإسلام . انه الأصل الذي لا خلاف عليه.

فهل نستطيع نحن السوريين أيضا الخروج من التاريخ القديم والحديث ، والعودة إلى مبدأ المواطنة ، والصيغ الديموقراطية ( كالاعتراف بالآخر ) ، والتعايش الوطني السلمي معه ؟

حتى الآن لم نتحدث عن الآليات والإجراءات العملية لتطبيق المنهج الوطني الديموقراطي ، على أهمية هذه الآليات والإجراءات، التي قد تنسف الطروح كلها إذا لم تعط حقها من متانة  الصياغة وانسجامها الجوهري مع معيار ( الديموقراطية الوطنية ) . نحن نحصر جهدنا هنا في تثبيت المنهج ، ثم يصار إلى رسم الآليات والإجراءات أيضا بمنهج ديموقراطي وطني ، أي أن تسهم الأطراف الوطنية كلها ، لاسيما الأطراف المعنية نفسها في التأطير والتنفيذ ، مثل : عقد مؤتمر وطني ، طيّ صفحة الماضي ، ردّ المظالم ، إعادة الترتيب والتوازنات ، إحالة ما يلزم إحالته إلى القضاء العادل ... ثانيا و ثالثا ورابعا وخامسا..

لقد تعمدنا تأخير الحديث عن تعريف ( الطائفية ) ، على الرغم من ضرورة الشروع بالتعريف منذ الخطوات الأولى ، لأن من مستلزمات أي بحث جادّ الابتداء بالتعريف ، ثم البناء عليه . فما تعريف الطائفية ، ولماذا تعمدنا التأخير ؟

أما الطائفية ، فهي مصدر نسبة إلى الطائفة ، والطائفة مجموعة من الناس ، تربط بينها رابطة ما كالنسب أو الدين أو المذهب الاعتقادي ،أي كالقومية نسبة إلى القوم . والطائفية هي تمسك الجماعة أو الطائفة  بمصالحها ومنظومة قيمها المشتركة ، وبتعصبها في الحق والباطل . وهنا يتقاطع مصطلح ( الطائفية ) مع مصطلح ( الأقلية ) وإلى حد ما مع ( الفئوية – القبلية – العشائرية – الحزبية ) . فإذا كانت العصبية الطائفية قذرة وتافهة – وهي كذلك – فلماذا لا تكون العصبية الحزبية أيضا قذرة وتافهة ؟‍‍ ؟ إن الأحزاب تحاول أن تحل أو تكون بديلا للأديان والمذاهب ، وهي تتعامل مع الأحزاب الأخرى التعامل نفسه ، لا سيما إذا جعلت نفسها قائدة للدولة والمجتمع . أليس هذا التعامل طائفيا أيضا لأنه لا يقبل التعايش ؟ فالمقيت والتافه في الطائفية هو التعصب ، وهو نفسه المقيت والتافه في الأحزاب وفي كل الجماعات البشرية المتعصبة  . ومن أجل القضاء على التعصب ، ومن أجل إحياء الاعتراف بالآخر ، وشيوع هذا الاعتراف .. نحن ندعو إلى المنهج أو الطرح الوطني الديموقراطي ، الذي لا يحل الإشكال الطائفي وحده ، بل يحل الإشكالات الحزبية والعشائرية والفئوية والأقلية وسواها  .

 

                                                           * كاتب سوري - لندن