الافتتاحية: آفاق جديدة

 

 

 

 

بهذا العدد نبدأ سلسلة جديدة من "مقاربات" مجلة نظرية سياسية حقوقية مستقلة تعنى بالشؤون السورية وتطمح لأن تكون منبرا لكل الديمقراطيين ونشطاء حقوق الإنسان في سورية. من نافل القول أن صدور مجلتنا في المنفى وصمة عار في جبين سلطة تتعامل مع القلم الحر والمعارضة بالسيف والنطع. أما أقلامها وهيئة تحريرها فمن داخل وخارج سورية.

منذ مدونة حمورابي وبعدها عهد الرسول العربي وأهل نجران، والفعل السياسي يناقش باعتباره عقد مشترك بين مجموعة من المتعاقدين. وبقدر ما يكون هذا العقد عادلا، بقدر ما تمتلك السياسة المعنى الأقرب للنبل، ذاك الذي يحدثنا عنه الإغريق باعتبارها المشاركة الضرورية لكل مواطن في الشؤون العامة.

إن إدراك أعضاء المجتمع المصلحة المشتركة ووعي أهميتها، لا يكفي، بل يجب إيجاد ضامن موضوعي لهذه المصلحة، وهو لا يتأمن إلا بالوظيفة السياسية. والوظيفة السياسية تشمل كل شبكة العلاقات التي تغني النسيج المدني من نواد ونقابات ومنظمات غير حكومية وأحزاب وشخصيات اعتبارية ثقافية وحقوقية.. ولكن ما هي الغاية من هذه الوظيفة السياسية؟ يجيب الدكتور عصام سليمان في مدخله لعلم السياسة: "الحفاظ على وجود المجتمع الشامل، أي المجتمع السياسي، لأن كل الجماعات والأفراد يستمدون وجودهم من وجوده. والحفاظ على المجتمع يكون بتأمين الوفاق الداخلي والازدهار وتحقيق الأمن الخارجي".

من أجل الحفاظ على ما تبقى من المجتمع الشامل بعد عقود جرى فيها اغتيال الوجود المدني للأفراد والجماعات عن سابق إصرار وتصميم، من أجل عودة الوعي واستعادة المبادرة واستعادة الثقة بالنفس وبالإنسان، لا بد من أصوات حرة ومنابر حرة لا رقيب عليها تتحاور وتتصارع من أجل تشريح تضاريس الوطن واستقراء توجهات الأفراد والجماعات فيه وتفكيك مفاصل العسف والتسلط واستنباط معالم الديمقراطية في محياه.

لقد تعرضت سورية مع وفاة الرئيس حافظ الأسد لهزة عميقة في روتين وجودها السياسي الذي أدمن الطاقم نفسه من فوق وأشكال القمع نفسها بحق من هو تحت. وعوضا عن أن تفتح هذه الواقعة أعين السلطة التنفيذية على هشاشة الأنموذج التسلطي وضرورة تدارك ما يمكن تداركه قبل استفحال يودي بالبلد إلى العنف الأعمى، تصرفت وكأن كل شئ على ما يرام. بل وتتعالى أصوات تتحدث عن أن ما جرى كان دستوريا وبالتالي علينا القبول واستجداء ما يمكن استجدائه. وكأننا بهم لا يملكون للمواطن سوى تعريف واحد هو المتسول الذي يطالب بفتات الخبز. وعندما يأتي الحديث في الدمقرطة والإصلاح السياسي تعلو صيحات استنكار للغرب والتغريب. فإلى متى ؟

تأتي  "مقاربات" لتكون الصوت الرافض لاعتبار الحقوق مكرمة تعطى من الحاكم، وبذرة الوعي المؤكدة على أن الحرية لا لون لها ولا عمر ولا ثقافة ولا بلد.. طموح "مقاربات" أن تكون الذاكرة الحية لشعب عرف الحرية وسيعيشها مادام في أعماقه رفض قبول الظلم، والمفكرة الحقوقية التي تذكّر بأن سورية بتوقيعها على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قبل 31 عاما إنما التزمت ألف باء الحريات الأساسية والقيم الديمقراطية بالمعنى العالمي لهذه المفاهيم.

لسنا خوارج عن القانون، بل الصوت المدافع عن دولة القانون، ولكن عندما تزمن حالة الطوارئ ويغتال "قانون" حماية الثورة كل القوانين العادية نستذكر جملة الكاتب الأمريكي هنري دافيد تورو (1817-1862) في كتابه المعنون "العصيان المدني": "إن الواجب الوحيد الذي أملك الحق في قبوله هو أن أفعل في كل لحظة ما أعتقد أنه عادل، إن التصرف بعدل أكثر مدعاة للاعتزاز من إطاعة القانون.".

"مقاربات" لكم أولا، لأنها تتفق مع قول الشاعر السريالي جورج حنين:

"يكون الإنسان ديمقراطيا بهاجس من كبرياء معين ينطلق من رغبة أن يكون المجتمع أولا مجتمع أفراد يتحاورون وينتظمون بحرية بشكل يسبق أي شكل توسطي أو قمعي من قبل الدولة أو من قبل أجسام وسيطة.".

وبالتالي فهي تريد أن تؤكد على هذه الحرية في الحوار والتعبير والخلاف كجزء أساسي من التدريب الذاتي على الديمقراطية في عالم حرم أعلاه وأسفله من طعم الحرية.

 وهي لا تدعي امتلاك وصفات جاهزة أو حلول سحرية وتسعى لطرح الأسئلة قبل استنباط الأجوبة وتترك العنان لكل الهواجس الخلاقة للتعبير.

في هذا العدد، تبدأ "مقاربات" مغامرة ذهنية جديدة تعرف قراء العربية على الأقلام السورية والواقع السوري وتعرف القارئ السوري على أقلام عربية وعالمية والمنعطفات العربية والعالمية.. ولن يحول التأليف دون دور لنا في التوثيق لكل بيان أو عريضة أو نص هام يتناول القضايا السورية.

طموحاتنا ليست رهنا بنا، وإنما هي أمانة في يد كل الديمقراطيين. فهذه المجلة مستقلة تصدر بتبرعات هيئة التحرير والأصدقاء. وهي تحتاج لتطوعكم بالكتابة والاشتراك. وبقدر ما تشاركون في التحرير والتوزيع بقدر ما تتحول هذه الساقية إلى نهر ثقافي هام واسع التمثيل غني المشارب متعدد التيارات.

من أجلكم نبدأ، وبكم ومعكم نكمل الطريق

                                                                             هيئة التحرير