مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية

نحو عقد وطني جديد

برهان غليون

هناك لحظات فاصلة في التاريخ يحسن بالشعوب أن تتوقف عندها، تسترجع الأهداف التي وجهت سيرها وتفحص إنجازاتها وتتأكد من صلابة الطريق التي تسير عليها فتؤكد ما كان صالحاً في مسيرتها وتعيد النظر فيما هرم أو تجاوزه الزمن من أساليبها ووسائلها. وهذه هي لحظات الحقيقة التي تحتاج إلى جرأة في مصارحة الذات وقدرة على الارتفاع على المصالح الآنية للنظر من أفق المستقبل بدل البقاء في سجن اختيارات الماضي. ولا تعني المصارحة محاكمة أحد، نظاماً كان أم معارضة أم رأياً عاماً، ولكن مساءلة النفس، أي مساءلة المجتمع عن إنجازاته وإخفاقاته في ما يزيد عن نصف قرن من الحكم الاستقلالي. فالنظم التي تقوم والنتائج التي تتحقق ليست في النهاية إلا محصلة نضال البشر وصراعاتهم، وبالتالي محصلة وعيهم وقدراتهم التنظيمية واستعداداتهم للعمل والتضحية. وهي قابلة للإصلاح والتغيير بإرادتهم وعزمهم. وبالرغم من كل ما يبدو على السطح من معالم الاستمرار والاستقرار، تعيش سورية لحظة مراجعة حقيقية وإن كانت هذه المراجعة لا تريد أن تسمي نفسها. وهي مراجعة تجري، وسوف تجري، مهما حاولنا أن نمنعها أو نحد منها، بصرف النظر عن إرادة أي واحد منا. فهي لا تهدف إلى شيء آخر سوى تقويم المسيرة الوطنية وإنقاذ الرهانات الاجتماعية الأساسية. ويدفع الشعور بالاستحقاقات التاريخية المجتمع السوري إلى الغليان ويفتح باب الحوار والصراع كما لم يحصل من قبل. فلا يمكن لطرف من الأطراف الاجتماعية أن يقبل بأن يظل بعيداً عن النقاش الذي يتوقف عليه تحديد طبيعة النظام الاجتماعي القادم وأهدافه وأولوياته. ولا يعني أن يترك ذلك إلى طرف آخر سوى التخلي الإرادي عن حقه في المشاركة في تشكيل المستقبل وبالتالي في ضمان مصالحه الأساسية فيه.

ومن هنا أخذت ظاهرة المنتديات السورية مكانها في النقاش العام وتحول وجودها ذاته إلى موضوع معركة سياسية. فلا يتعلق الأمر بالحفاظ على وسيلة للتعبير وممارسة الحريات الفكرية كما يبدو للوهلة الأولى، ولكنه يتجاوز ذلك بكثير، فهي تمثل اليوم الإطار الوحيد الذي يقدم للقوى والأطراف الاجتماعية الكثيرة المفتقرة لأي تمثيل سياسي والمبعدة عن وسائل التعبير العامة في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع وعن النوادي ومراكز الثقافة والجامعات والأحزاب، الفرصة للتعبير عن نفسها وبلورة إرادتها وتفعيل وزنها وبالتالي ضمان أن لا يصاغ المستقبل من وراء ظهرها وضد مصالحها. ولا أعتقد أن هدف المثقفين الذين ساهموا في إطلاق هذه المنتديات وإحيائها يتجاوز مساعدة المجتمع ككل على التواصل من خلال الحوار إلى تفاهم يضمن مصالح كل السوريين، خاصة تلك الأطراف التي لا تستطيع وليس لديها الوسائل الكافية لتعبر عن نفسها وتؤكد مصالحها. ولا نستطيع أن نضمن أن يكون المستقبل للجميع، أي قائماً على التوازن في المصالح والتساوي في الحظوظ، من دون مشاركة جميع الأطراف في تصوره والتفكير فيه. فليس الإصلاح مسألة تقنية بقدر ما هو مسألة اجتماعية، وعندما نتحدث عن المجتمع، فنحن نتحدث عن مصالح بالضرورة متباينة أو متناقضة، وفي معركة كبرى كهذه، يتقرر فيها مستقبل مجتمع كامل، من السذاجة أن يتصور المرء أن تجري الأمور ببساطة وسهولة وسرعة، وأن لا يترافق التحول بتفاقم التوترات واشتداد الصراعات والضغوط المتبادلة من شتى الأطراف. وكما ستشهد هذه التوترات والصراعات نمواً متصاعداً ستعرف مرحلة الانتقال الطويلة الكثير من المد والجزر، فلن تتوقف القوى التي تريد أن تبني المستقبل على ضوء الماضي ونموذجه، وأن تجعل منه مناسبة لإعادة تعويم نفسها وتوسيع قاعدة مصالحها وامتيازاتها عن السعي للوي ذراع المجتمع للقبول بالأمر الواقع وبما هو موجود. لكن مسار التحول سوف يستمر، وسيفرض نفسه في كل مرة أقوى من قبل، فليس هناك بديل عن التغيير إلا الإعلان عن الإفلاس الشامل، أي إفلاس المجتمع والنظام في الرد على استحقاقات التاريخ، وبالتالي انهيار الأوضاع والسير نحو غياهب المجهول.

سوف أركز مداخلتي على الإجابة السريعة على خمسة أسئلة:

1-ما هي حقيقة أوضاعنا

2-ما هي طبيعة الأزمة السورية وأين تكمن المشكلة

3-المصالحة الأهلية والعمل لبناء عقد وطني جديد

4-شروط الإصلاح الوطني وأهدافه

5-دور المعارضة والقوى الديمقراطية

1-حصاد نصف قرن من الاستقلال

ليس لدينا من سبيل لتكوين معرفة موضوعية بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والوطنية عموماً إلا وسيلتين: الأولى، كمية تقوم على الاستنارة بالمؤشرات الإحصائية. والثانية، كيفية تعتمد على الملاحظة والتحليل. والمعطيات الإحصائية أصبحت اليوم متوفرة بكثرة وفي متناول الجميع، ومعظمها يرجع لتقرير التنمية البشرية وتقرير البنك الدولي السنويين وبعض إحصاءات صندوق النقد الدولي، أو لمصادر محلية، هي تلك التي يقدمها المكتب المركزي للإحصاء. وجميع الأرقام المستخدمة هنا مستمدة من هذه المراجع، وبشكل خاص من دراسات الاقتصاديين السوريين الذين جمعوا غالباً بين الإحصاءات السورية الرسمية والإحصاءات الدولية وقارنوا فيما بينها.

ماذا تقول هذه المعطيات؟ تبين الأرقام الإحصائية أن هناك تراجعاً ثابتاً في كل المؤشرات الاقتصادية: فقد هبطت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين عام 1980 وعام 1997 أي خلال 18 عاماً بما يعادل 6937 ل.س أو نسبة تقارب 16%. وانخفض متوسط نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي من 7،6% لأعوام 1953-1965 إلى أقل من 1% لعامي 1998-1999، مع وجود تقديرات أخرى تقول أنه كان سالباً، في هذه السنة، وتراجع معدل التراكم الداخلي من 19% عام 1980 إلى 12% عام 1990 و14% عام 1997، وزاد الدين الخارجي من 10842.8 مليون دولار عام 1985 إلى 20864.7 مليون دولار عام 1997، أي أن الدين ازداد بما بقارب 5.6 % سنوياً وهو معدل أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لنفس الفترة، وارتفعت نسبته إلى الناتج الإجمالي من 5،66% عام 1985 إلى 126.4 عام 1997. وارتفع عجز الميزان التجاري السوري إلى معدل 35% عام 1991، واستقر في حدود 25% في الأعوام 1993 و1996، (يظل عام 1997 استثناء إذ انخفض هذا العجز إلى 3% فقط بحكم انخفاض الواردات بمعدل 25% بالنسبة للسنة التي سبقتها).

لكن إذا ما وضعنا الصادرات النفطية جانباً تفاقم هذا العجز ليبلغ الثلثين بالمتوسط، فقد ارتفعت نسبته إلى 73% عام 1996 وهبطت إلى نسبة 57% عام 1997، وارتفع معدل التضخم السنوي بنسبة 15.7% وسطياً للفترة 1985-1996، وهبط نصيب الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة، من 67.5% عام 1970 إلى 29% عام 1997. أما معدل البطالة فهو يتجاوز 20% من قوة العمل ويمكن أن يبلغ 23% منها عام 2000. وقد ارتفع وسطي فرص العمل المطلوبة للقادمين الجدد إلى سوق العمل من نحو 75 ألف فرصة في السبعينات إلى ما يقارب 250 ألف فرصة عمل عام 2000. وتضرب البطالة بشكل خاص فئة الشباب، فحسب المسوحات التي قام بها المكتب المركزي للإحصاء كانت نسبة العاطلين عن العمل من فئة 15 ـ 24 عاماً تقارب 72.3% من مجموع العاطلين عن العمل، أي ما يزيد عن ثلاثة أمثال حصتهم من السكان والمقدرة بـ 22.8% وما يقارب ضعف حصتهم من قوة العمل، وحسب مسح عام 1999 كانت نسبة المتعطلين والذين لم يسبق لهم العمل نحو 83.75% من إجمالي عدد العاطلين عن العمل، مما يؤكد انعدام فرص العمل الجديدة وعدم مواكبة التنمية والنمو الاقتصادي بشكل عام للنمو السكاني وللنمو في قوة العمل. وتشير إحصاءات عام 1999إلى أن نسبة الذين يعملون في القطاع غير المنظم آخذة في الازدياد، فقد بلغت 43 % من إجمالي المشتغلين في قطاعات الاقتصاد الوطني بعد أن كانت تبلغ 40.7% في مسح القوى العاملة لعام 1995، وبلغ عدد العاملين في هذا القطاع (1999) 1755 ألف فرد مقابل 1096 ألف فرد في القطاع العام و 1222 ألف فرد في القطاع الخاص المنظم.

وفي الميدان الاجتماعي تشير الأرقام إلى تدهور مستمر في مستوى الخدمات الاجتماعية وتصاعد سريع في عدد الفقراء، فقد تراجع الإنفاق العام على الصحة إلى ما يقارب 1.02% من الإنفاق العام لموازنة عام 1998 بعد ما كانت نسبته 2% في موازنة عام 1980. وتراجع الإنفاق على التعليم بكافة مستوياته خلال السنوات 1985-1996 مما يقارب 6.1% من الناتج القومي الإجمالي إلى نحو 4.2% من الناتج عام 1996، هذا في الوقت الذي ازداد فيه عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية بمعدل وسطي سنوي يقارب 2.6% خلال السنوات 1985-1998، أي بزيادة إجمالية تقارب 40% عن عددهم عام 1985، وازداد عدد طلاب المرحلة الإعدادية بما يقارب 24% خلال نفس الفترة، كما ازدادت نسبتهم في التعليم الثانوي بفروعه المختلفة بما لا يقل عن 30%· وهذا يعني أن نصيب الإنفاق على تعليم الفرد قد لحظ انخفاضاً هائلاً في العقدين الماضيين. وبينما تبلغ نسبة الطلبة الذين يتابعون دراساتهم الثانوية 74.3% من أصل الذين يبلغون السن المناسبة في تونس، و 75.1% في مصر، لا يتجاوز في سورية 42.3%. ولحظت الأجور تدنياً ملفتاً جعلها تقل عن مستوى الكفاف. وقد قدرت إحدى الباحثات السوريات أن الحد الأدنى للأجور يقل 300% عن حد المعيشة. كما حصل تدهور مماثل في القوة الشرائية، فقد وصل الفارق المتراكم بين الارتفاع في الأسعار والأجور منذ عام 1985 وحتى عام 2000 إلى 200%· وتفاقم التوزيع غير العادل لعوائد النمو والثروة الاجتماعية. وتشير حسابات الدخل القومي إلى أن كتلة الأرباح زادت بمقدار 184 مرة عن كتلة الأجور، وأن الأجور تتراجع بالفعل بنسبة 12% في العام وذلك قياساً لارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية، ويقدر الباحثون أن نسبة الفقر في سورية في ارتفاع مذهل، فبالمقارنة مع مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، يتبين أن النسبة العظمى من السكان العاملين بأجر، أي نحو 75.6% يتقاضون أجراً شهرياً أدنى من خمسة آلاف ليرة سورية لا يكفي الاحتياجات المطلوبة للغذاء فقط لأسرة من خمسة أشخاص. وإذا أخذنا بعين الاعتبار استمرار المعدل المرتفع لنمو السكان الذي لا يزال من أعلى المعدلات في العالم أي 2،3%، وأن حجم الاستثمارات المطلوبة لإيجاد فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمالة كل عام تقدر بـ 187.5 مليار ل.س تبين لنا حجم التحديات التي توجهها سورية في السنين القليلة القادمة. إن من يتأمل بشكل معمق في مؤشرات التنمية السورية التي تبدو جميعاً في هبوط لابد أن يلاحظ بوضوح أن تراجع هذه المؤشرات بالنسبة للفرد لا يعني أنه لم يحصل نمو بشكل عام للثروة الوطنية، ولكنه يعني أن هذا النمو قد تركز في بعض الميادين وعند بعض الفئات وترك الميادين والفئات الأخرى من دون نمو فعلي، إن لم يكن في تراجع.

ومن هنا، أعتقد أنه لا ينبغي أن نتحدث هنا عن ضعف النمو فحسب، وإنما أيضاً وأكثر من ذلك، عن النمو المشوه. والفرق بينهما كبير، فالتشوه يعني عدم التناسب في النمو في أطراف الجسد الواحد. ليس هناك خلاف بين جميع الباحثين حول ما تعنيه هذه المؤشرات، لكن السؤال الذي يتوقف على الجواب عليه نوع الحلول المقدمة، هو معرفة فيما إذا كان ما تعيشه سورية من أوضاع اقتصادية واجتماعية متراجعة هو تعبير عن أزمة اقتصادية نابعة من سوء الإدارة والفساد، كما تميل إلى تأكيد ذلك الدوائر الرسمية، أم هو تعبير عن أزمة تنمية لم تأخذ بالاعتبار المؤشرات الإنسانية والاجتماعية، أم هو تجسيد لأزمة نظام مجتمعي. وإذا أردنا التوضيح قلنا: هل تكمن المشكلة في سلوك الأفراد وكفاءتهم وفي انعدام الخبرة والمهارة في المجتمع؟ أم في قواعد العمل التي يقرها النظام العام بحسب الأهداف التي يسعى إليها، والتي تتحكم بتنظيم الموارد وتشجيع السلوك؟

2-أزمة الوطنية السورية

شهدت السنوات الأخيرة تركيزاً كبيراً من قبل المسؤولين الرسميين في الحزب والدولة على أطروحة الفساد لتفسير أسباب الأداء الضعيف للاقتصاد. وهناك من يسعى اليوم إلى الربط بين هذا الفساد وظاهرة العولمة، ليشير إلى أن ما يصيب سورية هو مرض عالمي لا يقتصر على نظام حكم أو قطر، وإنما ينتشر في جميع البلاد والأنظمة، النامية منها والصناعية. ويميل عدد كبير من الاقتصاديين إلى التركيز على مسؤولية الإدارة الاقتصادية اللاعقلانية التي أساءت إساءة عامة للقطاع العام ودفعته إلى الإفلاس، وهو ما يعتقده الاشتراكيون، أو التي عرقلت الاشتغال السليم والضروري لقوانين السوق الطبيعية في العرض والطلب وقيدت النشاطات الاقتصادية كما يشير إليه الليبراليون.

بالمقابل تنزع أوساط المعارضة وعلى رأسها المثقفون إلى تحميل المسؤولية بشكل أكبر للنظام السياسي الاستبدادي أو التسلطي الذي يلغي أي مراقبة أو محاسبة شعبية. ومن هنا أصبحت الديمقراطية هي كلمة السر ومفتاح الخروج من مأزق الحالة الاقتصادية والاجتماعية المتردية، كما أصبح إحياء المجتمع المدني المنصة التي يستطيع من خلالها الناشطون من أجل الديمقراطية وتخليص البلاد من نير السلطة الاستبدادية المطلقة الوصول إلى التعددية وتغيير قواعد عمل النظام السياسية. بالرغم من ملامسة كل منها للحقيقة، لا تستطيع هذه العوامل إذا أخذت كل على حدة تفسير ما حصل. فالفساد ليس سبباً بقدر ما هو نتيجة لغياب القواعد السليمة في الإدارة، وما يبدو وكأنه سوء في الإدارة الاقتصادية ولا عقلانية يمكن أن يكون عقلانياً جداً من وجهة نظر المصالح الاجتماعية التي تخدمها الإدارة. كما أن الديكتاتورية الفرانكوية في الماضي والكورية الجنوبية في فترة أقرب إلينا لم تمنع هذين البلدين من تحقيق تراكم في العديد من الميادين الصناعية والتقنية والعلمية. باختصار، ليس الفساد الأخلاقي والسياسي، وسوء الإدارة والتسلط السياسي وإلغاء المجتمع المدني والحريات الأساسية والتحكم المباشر في الإعلام وتنظيم مراقبة شمولية وعامة على حركات كل فرد وأفكاره، ليس ذلك كله إلا مظاهر لحقيقة واحدة ومتكاملة هي النظام المجتمعي الذي خضعنا له خلال العقود الماضية، وهو النظام الذي أطلق عليه الغربيون اسم النظام الشمولي والذي أسميه النظام البيروقراطي لأنه يعتمد في تشغيله والسيطرة عليه وتوجيهه على طبقة بيروقراطية عسكرية ومدنية استطاعت من خلال تماهيها مع الدولة والاحتماء بها من توحيد نفسها والتصرف كطبقة قيادية أي أيضا سياسية وليست مجرد طبقة إدارية.

وعندما نتحدث عن نظام مجتمعي فنحن لا نتحدث عن أشخاص أو فئات، ولكن نعني مجموعة القواعد والمبادئ والقيم التي تنظم العلاقات بين الأفراد فتحدد نوعية المؤسسات التي تؤطر نشاطهم، وعلاقة هذه المؤسسات فيما بينها، وعلاقتها بالمجتمع، وطريقة عملها وتجديدها والسلطات والصلاحيات المرتبطة بها. وهذا ما يجعل من المجتمع كياناً واحداً ينتج عنه من الموارد والنشاطات والقيم والمعايير والمعارف غير ما ينتج عن كل فرد فيه بالكلية. فالنظام المجتمعي، أي أسلوب انتظام الأفراد في سياق واحد هو الذي يحول الفرد إلى عضو في مجتمع، أي جزء من كل واحد وموحد، وهو الذي يجعل من المجتمع، أي من مجموع الأعضاء المتفاعلين، وعلى قدر ما يتيح لهم من التفاعل والتواصل والإثراء الذاتي، مجتمعاً منتجاً ومبدعاً يستخدم موارده لتطوير قدراته وتعميم القيم الإنسانية على أفراده كما يمكن أن يجعل منه مجتمعاً بائساً تعساً غير قادر على استخدام موارده ولا تثميرها، فالنظم الاجتماعية هي التي تفقر وتغني، وهي التي تنشئ الحريات أو تلغيها، لا الأفراد. وقد دخلت سورية في هذا النمط من التنظيم الاجتماعي منذ نهاية الخمسينات، مثلها مثل المئات من البلاد الأخرى· وافتتنت نخبها به لما أظهر من فاعلية في تعبئة البشر وقيادتهم، ولما اتسم به من تطابق مع أفكار التقدم التاريخي والعقيدة التحديثية التي نشأت في الصراع ضد النمط الاجتماعي القرسطوي السابق المتميز بالركود والتكرار. وقد تبين مع الزمن أن هذا النظام الذي يظهر ديناميكية قوية في المرحلة الأولى لا يلبث بسرعة حتى يقود إلى الجمود والركود والاستنقاع، وذلك بسبب تعرض الطبقة الحاكمة التي تكرس نفسها بنفسها نخبة قيادية ولا تقبل بإخضاع ممارستها واختياراتها لأي محاسبة شعبية جدية، للفساد، وفي إثرها إلى فساد شامل يمس جميع نشاطات الحياة والعلاقات الاجتماعية. ولعل من أهم نقاط الضعف التي ميزت هذا النظام هو أنه يقصر اختيار جميع عناصر القيادة والإدارة والتسيير والتنظيم والتعبئة، أي كل ما يتعلق بتنظيم الحياة العمومية، والخصوصية أحياناً، على نخبة أحادية، تشكل حلقة مغلقة، تدور حول نفسها، ولا تتجدد إلا نادراً وبشق النفس. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه النخبة التي سرعان ما تدرك أنها تسيطر على مقاليد الأمور جميعاً وتتحكم بكل موارد البلاد، ليست معرضة لأي نوع من المنافسة أو المزاحمة أو الصراع الذي يمكن أن يحثها على الارتقاء بأدائها وتحسين تأهيلها ورفع كفاءاتها، فهي نخبة مكرسة ومحمية حماية مطلقة بمنظومة من أجهزة الرقابة والتفتيش والتحقيق ومن الأجهزة القمعية. ولأنها تستند في وجودها وتعرف أنها تستند إلى الدبابات وليس إلى تصويت الرأي العام وموافقته، فهي تميل بسرعة إلى الجمود والتراخي وتفقد شيئا فشيئاً أي حافز لبذل الجهد والقيام حتى بمسؤولياتها الروتينية، بل تفقد حتى الشعور بالمسؤولية العمومية والشخصية. إنها نخبة سياسية مدللة تعيش في كنف الجيش والأجهزة، ولا تخضع في سلوكها ولا في قراراتها لأي محاسبة أو مساءلة من خارجه.· ومن الطبيعي أن تنزع مثل هذه النخبة التي تعيش في دارة خاصة معزولة ومنعزلة عن بقية المجتمع وعن مشاكله وانشغالاته إلى التنافس فيما بينها والصراع بين أفرادها وفرقها على حيازة أكبر ما يمكن من سلطة القرار أو من التحكم بالموارد المادية والمعنوية، وتكوين شبكات دعم وتضامن زبائنية من داخل النظام وخارجه لتدعيم مركزه، وسرعان ما يؤدي الاقتسام الثابت والمكرس للموارد ومناطق النفوذ إلى التجميد والتحييد المشترك لجميع الفرق المتنازعة، ومن وراء ذلك إلى القضاء على هامش الفعالية الذي كان يميز نظامها، أي علي ميزة السرعة في اتخاذ القرار والحسم في تنفيذه. وقد وصلت الأوضاع في بعض مراحل الحكم السوفييتي إلى العجز عن اتخاذ أي قرار، بل إلى الجمود والشلل الكامل للدولة. لكن تكوين نخبة مكرسة ومحفوظة لا تخشى أي منافسة وليس لديها أي حافز لتحسين أدائها ليست العلة الوحيدة لهذا النموذج. فإلى جانب ذلك، ينبغي الإشارة إلى ما يكلفه بالنسبة للمجتمع نظام قرار يستبعد المجتمع كلياً من المشاركة ويقصر أمر مناقشة القضايا العامة، إذا تمت مناقشة بالفعل، على نخبة صغيرة، بل على أعضاء المكتب السياسي للحزب، إن لم يكن على أمينه العام وحده، من آثار سلبية على الرأي العام. إذ يقضي نظام القرار هذا في الواقع بالتحييد الكامل للمجتمع وإخراجه تماماً من ميدان التفكير بمصيره وبالتالي من ميدان الشعور بالمسؤولية. ومن الطبيعي أن ينزع مثل هذا المجتمع المستبعد من الأمور العمومية والمطلوب منه العمل والطاعة والتنفيذ وتلقي الأوامر إلى أن يصبح مجتمعاً سلبياً عديم التفكير بمصيره العام، أو مسلماً به لغيره، وغير قادر على محاكمة أي قرار من القرارات السياسية. وكما يؤدي الوضع الاحتكاري وغير التنافسي بالنخبة الحاكمة إلى الترهل وفقدان الشعور بالمسؤولية والبحث عن تحسين الكفاءة الشخصية، كذلك يؤدي الوضع الهامشي والتحقيري للمجتمع إلى تساهل الأفراد في كل واجباتهم المهنية والشخصية وانعدام الحافز للتقدم والارتقاء بالجهد وبالنفس. وهذا هو الذي يفسر أن جميع هذه الأنظمة تسير في مرحلة أو أخرى نحو التسيب الكامل وتدفع إلى الاستهتار المعمم بالموارد والمصالح والحاضر والمستقبل. كل يبحث عن موقعه الصغير ويسعى إلى حماية امتيازاته المحدودة وليس لديه لا طموح للتغيير ولا للتحسين، بما في ذلك تحسين أوضاعه المادية، إنه التسليم للأمر الواقع والاستسلام لدافع التقهقر والانحطاط العام. والواقع أن جميع هذه الأنظمة انتهت إلى ما يشبه الآلة الجهنمية التي تولد القهر المستمر لكل فرد فيها، ويشكو منها الجميع ويعاني من جمودها وتخشبها بما في ذلك في قمة الهرم، لكن من دون أن يستطيع أي فرد أيضاً أن يقف ضدها أو أن ينجح في التفاهم مع غيره لمقاومته، ومن ينجح في نزع نفسه من سياقها، ويتحرر من قهرها، وذلك لقاء تضحيات وجهود استثنائية وأحياناً فوق إنسانية، يصبح خارجاً على المجتمع، أي منشقاً وليس صاحب رأي أو عقيدة، إنه متعاون أو متآمر أو مدسوس على الدولة والمجتمع، ومن الطبيعي والقانوني إرساله إلى معسكرات الاعتقال أو إلى المصحات العقلية بعد نزع حقوقه السياسية والمدنية. والسبب في ذلك هو أن شبكات المصالح المكرسة لجميع الفرق والعصبيات لا تقوم على أي أسس قانونية ثابتة، فهي تحتمي بعضها بالبعض الآخر، وأي انشقاق عنها يهدد بالعمق استقرارها.

وفي سورية ترافق توطين هذا النموذج البيروقراطي الاجتماعي مع الأزمة السياسية الخطيرة التي واكبت الانفصال عن مصر وأدت إلى انقلاب موازين القوة والانهيار الكامل للنخبة الحاكمة المدينية في الستينات وصعود نخبة قيادية من أصول ريفية مكانها. وقد دفع ذلك إلى حصول تحوير في وظائف النظام الشمولي الكلاسيكي كي يلبي الحاجة الطارئة إلى التمكين لنخبة عديمة النفوذ في الدولة والإدارة ومساعدتها على إرساء أسس قوية وثابتة، مادية واجتماعية، لسلطتها المتنامية. وهو ما أضفى على هذا النظام طابعاً عشائرياً وفلاحياً ميزه عن تلك النظم البيروقراطية الشمولية القانونية التي عرفتها الدول الشيوعية. وقد أظهرت التجربة على أن الالتقاء بين نظام شمولي بيروقراطي يقوم على التركيز الشامل للسلطة من جهة ونظام العصبية العشائرية أو الزبائنية من جهة أخرى يضاعف من تراكم القوة ويشكل محركاً انفجارياً جباراً لتسريع النقل الخالص للسلطة والثروة، فقد تحقق في هذا المجال في أقل من ثلاثين سنة ما كان يحتاج إلى قرن من الزمن في الحالات العادية. وهذا النقل الذي هو جوهر النظام كما تبلور في العقود الثلاثة الماضية هو الذي يفسر كل ما تميز به الأداء الاقتصادي والإداري والاجتماعي والتعليمي ومؤشرات التنمية البشرية المنخفضة. فكيما يتحقق نقل الثروة على نطاق شامل وبسرعة كبيرة كان لا بد من خلق حالة تسمى في العلوم الإنسانية بالفوضى الخلاقة، وهي فوضى منظمة هدفها تحرير العناصر من القواعد والالتزامات المعروفة وخلق فرص للحراك الاجتماعي ولتبديل المواقع لم تكن ممكنة في إطار السير العادي للنظام. لقد كان المضمون الاجتماعي الرئيسي للوضع الذي عرفناه في العقود الثلاث الماضية هو دمج الريف، من خلال نخبه العليا، في المجتمع الوطني، أي في الثقافة والسياسة والحضارة المدينية، بعد حقب طويلة من الإقصاء والتهميش. بيد أن ثمن ذلك، بسبب الطريقة التي تم بها، كان مرتفعاً جداً، وهو تدمير البيئة السياسية والاجتماعية الحديثة التي تكونت خلال مرحلة الصراع ضد الاحتلال وبعده، فلم يكن من السهل تحقيق الصعود والارتقاء الكاسح والسريع للنخبة الجديدة إلى موقع القيادة الاجتماعية والسياسية ونشر قوتها في كل النظام الاجتماعي وطرد النخب المدينية الراسخة الجذور في كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني تقريباً من دون التعليق العملي للقانون وتدمير الأطر المؤسسية وتفريغها من محتواها لصالح تنمية علاقات التبعية الشخصية والزبائنية، وتحويل الدولة، بما تتضمنه من وسائل أمنية وقانونية وقضائية، إلى أداة حماية خاصة من جهة وأداة قهر للآخر وسيطرة عليه من جهة ثانية، ومن دون تحييد وتهجير أو تشريد عناصر النخبة المدينية وأطرها بطريقة أو أخرى.

وقد حصل ما يشبه ذلك، وإن بطريقة مختلفة، منذ الربع الأول من القرن الماضي، في العراق وبعض دول الخليج، حين استبعدت النخب المدينية، بدعم مباشر من البريطانيين، لصالح نخب ذات أصول بدوية، وما حصل لم يكن في الواقع إلا شكلاً من أشكال الانقلاب الاجتماعي العنيف الذي عرفته العديد من الشعوب على طريق تكوينها الطويل والصعب، ففي دولة أخذت بمبادئ الوطنية الحديثة، من عدالة ومساواة بين جميع الأفراد، لم يكن من الممكن الحفاظ على النظام الاجتماعي التقليدي الذي سيطرت عليه النخب المدينية سيطرة مطلقة خلال القرون السابقة ووضعت جميع العراقيل التي تحد من استيعاب النخب الجديدة والاعتراف بها ودمجها في النظام الوطني. وبالمثل، ما كان بإمكان النخب المدينية التي اعتادت في أغلبيتها الساحقة على مثل هذه السيطرة واستبطنت كل رموزها، بما فيها نبذ النخب الفلاحية وتجاهلها وأحياناً تحقيرها لضمان السيطرة المعنوية عليها، أن تقبل ببساطة الخروج السريع من ساحة العمل السياسية.

وجاءت أحداث الثمانينات لتهدم كل ما بقي من أوهام وطنية تساعد على تجاوز الهوة وتحقيق الحد الأدنى من التواصل الذي يحفظ مظهر الوحدة الاجتماعية ويخفف من مناخ الحرب الأهلية الاجتماعية. ومن هنا شكلت هذه الأحداث نقطة فاصلة أيضاً في تطور النظام ذاته. فمن يتأمل جيداً في المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، يجد أن هذا العقد هو الذي شهد بداية التدهور الذي سيستمر فيما بعد بالرغم من كل محاولات الإصلاح الاقتصادي حتى يومنا الحاضر، فقد انقطعت الروابط القائمة بين الدولة والمجتمع بقدر ما تحولت الدولة إلى دولة الفريق المنتصر وحده، وزال مضمونها العمومي والقانوني، وأصبح المجتمع كما لو كان في حالة حصار. وزال الدافع لدى النخبة المسيطرة لبلورة أي سياسة اجتماعية فعلية، ودب التسيب والبحث عن المصلحة الشخصية والخاصة محل السياسة الوطنية. وفي موازاة ذلك عم الفساد وساد الشلل في الإدارة وتوقف أي جهد استثماري أو إصلاحي، وكانت النتيجة كارثة بيئية بالمعنى الاجتماعي جعلت النظام العام، أي كل ما يؤطر المجتمع وينظم علاقاته ويبث فيه الاتساق والانسجام، ينهار ويصبح غير صالح للاستثمار والعمل وبذل الجهد والإنتاج، بل للحياة. ولم يكن ممكناً في إطار نظام مجتمعي يلغي كل مكتسبات الدولة الحديثة والنظام العمومي المواطني، ويمسك بالدولة من أحشائها من خلال تعميم منطق التبعية الشخصية والولاء والاستزلام، أن تنمو أي ممارسة مؤسسية وأن يتحقق أي تراكم إيجابي فيها.

هذا هو في نظري مضمون الأزمة التي تعيشها سورية منذ عقدين، وهي أزمة تتجاوز بكثير الميدان الاقتصادي لتدخل في عمق الوجود الوطني، وفي أساسات الاجتماع السياسي. إنها أزمة الوطنية السورية التي تعني انهيار الأسس الضرورية لقيام جماعة سياسية موحدة ومتضامنة ومتفاهمة ومتفاعلة. وتتجلى هذه الأزمة العميقة في الشرخ الذي يخترق جميع هيئات ومؤسسات الدولة والمجتمع ويقسمه إلى مجتمعين متنابذين ومتباينين تماماً، لا تجمع بينهما لا وحدة هدف ولا وحدة صف ولا وحدة عقيدة ولا وحدة قيم ولا وحدة شعور، وليس لهما أي تقييم مشترك للماضي ولا تصور مشترك للمستقبل: المجتمع الذي تتكفله الدولة وترعاه وتحميه، والمجتمع المتروك لنفسه من دون حماية قانونية أو أمنية أو قضائية، المجتمع الغالب والمجتمع المغلوب. والنتيجة هي ما يميز الأوضاع السورية الحالية من ركود اقتصادي وإفقار اجتماعي وشلل للمؤسسات والهيئات المدنية وإحباط معنوي وعجز واضح في القيادة عن تحفيز الأفراد ودفعهم إلى المبادرة والعمل وبذل الجهد وعلى الاستثمار والتثمير في الحاضر والمستقبل، بما في ذلك الأفراد التابعين للنظام والمنضوين في مؤسساته الحزبية.

والترجمة المباشرة لهذا الوضع، ما يعيشه معظم السوريين على مختلف مستوياتهم وانتماءاتهم اليوم من إحساس مؤلم بالإحباط والخسارة ونقص الإنجاز. وهكذا لم تنجح سورية، بالرغم من التضحيات المادية والمعنوية الهائلة التي قدمها المجتمع في نصف القرن الماضي في الرد على أي تحد من التحديات التي كانت تواجهها في الخمسينات: لا في مواجهة سيطرة إسرائيلية ولا في بناء دولة وإدارة أو تطوير علم أو تجديد تقنية أو توطين بيئة صناعية حقيقية. وتكاد تخرج من صراع القرن الماضي كله وهي مفتقرة إلى أي نظام ناجع من النظم المؤسسية التي ترتكز عليها قوة المجتمعات في العصر الحديث، فهي لا تملك لا نظاماً صالحاً للانتاج، ولا للدفاع ولا للإدارة ولا للبلديات ولا للسياسة ولا للأجور ولا للتعليم ولا للصحة ولا للبحث العلمي ولا للتأهيل ولا للتأمين عن البطالة أو ضمان الشيخوخة ولا حتى في المواصلات والنقل، أو في التغذية بالماء أو الكهرباء. ولا يتفق أي منها مع الحد الأدنى من معايير الإدارة العصرية أو يعمل حسب أدنى مستوى من هذه المعايير. وإذا لم يكن لدينا نظام واحد سليم من النظم المدنية قادر على تلبية الحاجات الراهنة، فليس لدينا بالأحرى أي نظام يستطيع أن يصمد أمام التحديات القادمة والمستقبلية.

3- المصالحة الأهلية وبناء عقد وطني جديد

هذا التحليل هو المدخل الإجباري لفهم مسألة الإصلاح المطروحة اليوم في سورية، ذلك أن في الإصلاح يمكن أن نعدد ما شئنا من التصورات والمشاريع، وكلها يمكن أن تكون بالمطلق صالحة ومفيدة حسب ما نحدده لأنفسنا من أهداف، فتحديث الإدارة إصلاح، وتعديل الدستور إصلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات الصناعية، بل مؤسسة صناعية واحدة إصلاح. إنما المهم هو أن نعرف ما هو مضمون الإصلاح الذي تحتاجه سورية لتصلح أحوالها وتخرج من أزمة الانقسام على الذات الذي يحكم عليها بالجمود والشلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي تعيشه منذ عقدين. وهنا لا يمكن أن يوجد مائة إصلاح صالحة معاً، لا يلغي ذلك بالتأكيد، أن للإصلاح جوانبه المتعددة والمختلفة، الاقتصادية والإدارية التي يبدو أن الحكومة الراهنة تشدد عليها.

لكن لا يمكن لأي إصلاح في اعتقادي أن يعطي نتيجة أو يترك أثراً ما لم ننجح في إعادة بناء الوطنية السورية على أسس قوية وثابتة وترميم النسيج الاجتماعي، ويستدعي هذا فتح حوار وطني منظم وواسع وعميق، يعيد التفكير في الأساسات التي تقوم عليها الحياة الوطنية، أي الفردية والجماعية معاً، في سورية ويعيد تجديد العقد الوطني الذي أصابه الدمار، وهو العقد الذي تم إنضاجه في حقبة الصراع ضد الاحتلال، وقام على التفاهم الضمني بين مكونات المجتمع السوري الدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية، واستبداله بعقد جديد يأخذ بالاعتبار المعطيات والقوى والمصالح والتحديات الجديدة. وأعتقد أن إعادة بناء العقد الوطني على أساس تعاقد مواطنين أحرار لا زعماء جماعات وعصبيات ومناطق، هو الوحيد الذي يستطيع أن يخرج الوطنية السورية القديمة من أزمتها الراهنة ويمكننا من إعادة بناء الدولة والمجتمع المدني معاً على أسس ثابتة وعصرية بالفعل. أعني على أسس قادرة على الوقوف في وجه الرياح العاتية التي تعصف بالمجتمعات في هذا التاريخ الصعب وفي المستقبل الأصعب، وعلى توفير الضوابط اللازمة لمنع التسلط الداخلي، وكذلك المرونة الكافية لامتصاص التوترات والتناقضات والاختلافات من دون تهديد الوحدة الاجتماعية والاضطرار إلى تكرار الحروب الأهلية، كما هو الحال في العديد من الدول النامية، التي لم تعرف كيف تنضج مثل هذا العقد الوطني على أسس ثابتة ومتينة. ولا يمكن إطلاق مثل هذا الحوار وإيصاله إلى أهدافه المنشودة، أي في الواقع إلى إعادة بناء إطار التفاهم والتضامن بين جميع مكونات الشعب، ما لم يتحقق الخروج من الأوضاع الاستثنائية والعودة إلى الحالة الطبيعية. ذلك أن غياب مثل هذا التفاهم الوطني الحقيقي، هو الذي يمنع من الخروج من النظام البيروقراطي الذي هجرته مئات المجتمعات الأخرى منذ عقود بقدر ما يزيد شك المجتمع بنفسه ويضاعف خوفه من أن يقود التغيير إلى صراعات أهلية وتمزقات أكثر مما يؤدي إلى تحسين الأوضاع.

لكن من المؤكد أننا لن نستطيع أن نخطو الخطوة الأولى والضرورية على طريق إعادة بناء الوطنية السورية ما لم نمتلك الجرأة على مواجهة الحقيقة، مهما كانت أليمة، وما لم ننظر إلى التاريخ ببصيرة، وأن تقبل جميع الأطراف الحقائق الجديدة، وطي صفحة الماضي وتصفية آثار ونتائج المرحلة السابقة، وبدء صفحة جديدة. وتعني مواجهة التاريخ ببصيرة، أنه لا ينبغي علينا أن نخفي عيوبنا وأمراضنا سواء أكان ذلك بسبب خوفنا من مواجهة الحقيقة أو خشيتنا من الاعتراف بالمسؤولية واحتمال التعويض عنها، فلا يفيد إخفاء الحقيقة التاريخية إلا في جعل آثارها ممتدة أكثر وجروحها غائرة بشكل أعمق. إن جميع الشعوب الكبرى قد مرت بحرب أهلية قبل أن تنجح في بلورة عقد اجتماعي يضمن لها الاستقرار البعيد القائم على التفاهم الواعي والتعاقد العلني بدل الاستقرار والوحدة الوطنية الكاذبين القائمين على المداهنة والنفاق والتغطية على المخاوف والتناقضات والاشكالات المهروب منها وغير المسيطر عليها. فقد نشأت الولايات المتحدة الأمريكية كما نشأت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا والصين الحديثة وكل الدول الجديدة على أنقاض حرب أهلية راح ضحيتها ملايين البشر، وكانت هذه الحرب مناسبة لتصفية الصراعات الدفينة وإعادة التوازنات وتوضيح صيغة الاجتماع السياسي المشترك، وتبيان حقوق الناس وواجباتهم أي مناسبة لتأسيس اجتماع سياسي جديد قائم على عقد واضح ومنشئ لحقوق وواجبات فعلية لا وهمية مكتوبة على الورق. وبالتالي لفتح صفحة جديدة وحياة دستورية قائمة بالفعل على الحرية والمساواة والعدالة· ذلك أن أساس هذه الحروب جميعاً لم يكن شيئا آخر سوى التمييز والاضطهاد والقهر لفئة من المجتمع أو تجاهها. وكان هدف الحروب الأهلية جميعاً ومحركها تهديم الامتيازات وتكنيس كل آثار مجتمعات القرون الوسطى القائمة على التمييز بين المراتب والدرجات والطبقات، أي تكوين أمة بالمعنى الحديث للكلمة، قائمة على تعاقد أفراد أحرار ومسؤولين.

وبمثل هذا ينبغي أن نخرج من حربنا الأهلية إذا لم نشأ أن نعود إلى تكرارها ثانية كما حصل في بلاد مجاورة لنا، وهذا يقتضي أن لا نستبدل سياسات التمييز والعزل الماضية بسياسات تمييز وعزل جديدة معاكسة. ويعني الاعتراف بالحقائق الجديدة، أن يدرك جميع السوريين أن سورية المدينية ما بعد العثمانية بقيمها وتقاليدها وأساليب عيشها وحكمها معاً قد دفنت نهائياً ولن تعود ثانية أبداً، وأن سورية الجديدة لن تقوم إلا إذا عرفت كيف تفتح أذرعها بالتساوي لجميع أبنائها، في أي منطقة ولدوا وإلى أي مذهب انتموا. لكن سورية الفلاحية المعادية للمدينة والانتقامية لن تعيش أيضاً إلا إذا خلدت حالة الحرب والحصار. ويعني طي صفحة الماضي، الصفح المتبادل عما حدث، لكن في إطار من الوعي الواضح وتحمل المسؤولية، أي ليس على مبدأ تبويس اللحى ولكن على مبدأ الاعتراف والنقد الذاتي والتعاون على تصفية ذيول المواجهات الماضية بما في ذلك الإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين وإراحة عائلاتهم والتعويض المعنوي والمادي للضحايا وأسر المنكوبين. وفي اعتقادي أن الحرب قد حسمت وانتهت بالفعل، لكنها لا تزال تنتظر من يعلن نهايتها الرسمية ويأخذ على عاتقه مسؤولية ومهمة تضميد الجراح ورأب الصدع والتعويض عن الخسائر والأرواح. وهذه هي مهمة الدولة ومسئوليتها ولا يمكن لأحد آخر أن يحل محلها فيها. ويعني بدء صفحة جديدة في تاريخ سورية، العودة إلى الوضع الطبيعي الذي يضع جميع المواطنين سواء أمام القانون والحقوق والواجبات، ويوحدهم في إطار نظام يضمن لجميعهم المشاركة بالقدر نفسه وعلى قدم المساواة في سياسة بلدهم وتقرير مصيره. كما يعني إعادة التوازن بين القوى الاجتماعية· وهذا لا يتم إلا بالخروج النهائي من حالة الفوضى المنظمة التي تغطي استمرار منطق المواجهة والصراع إلى النظام الدستوري القانوني.

ومن هنا يأخذ الاختيار الديمقراطي موقعه وأهميته، ذلك أن اختيار الديمقراطية والاحتكام لقانون الاقتراع العام لا يعني هنا مجرد الاعتراف بالحرية الفردية ولا بأولوية السياسة على الاقتصاد، ولكن كوسيلة لا بديل لها اليوم للعودة التدريجية إلى الحالة الطبيعية ووضع حد لدولة الاستثناء والدولة الاستثنائية. فهو يشكل الدليل والمعيار الوحيد للعودة عن منطق النزاع الماضي والانتقال إلى نظام يعترف بالجميع ويضمن للجميع الحقوق المتساوية ذاتها. ودفع هذا الاختيار إلى الوراء أو تأجيله، لأي سبب كان، لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى تأجيل سياسة المصالحة الاجتماعية وتأكيد الثبات على نظام الأوضاع العرفية.

إن جميع الشعوب تتعرض في مرحلة أو أخرى من تاريخها إلى هزة وطنية داخلية نتيجة تقادم الأسس التي قام عليها عقدها الوطني وترهلها، لكن وحدها الشعوب التي تظهر جرأة على مواجهة مشاكلها ونزاعاتها بروح الجدية والمسؤولية، تستطيع أن تأخذ العبر منها وتتجاوزها. أما الشعوب التي تخشى من مواجهة نفسها والنظر في مشاكلها، ولا تعرف كيف تنهي حروبها وتخرج منها، فهي ليست مضطرة إلى تكرارها حتى تتعلم منها فحسب، ولكن ربما إلى أن تنتهي معها.

إن مسؤولية إطلاق مسار المصالحة الأهلية والخروج من مناخ المواجهة الأهلية تقع على عاتق الدولة ذاتها التي ينبغي أن تعود إلى وظيفتها الطبيعية كحكم بين الأطراف الاجتماعية لا كطرف فيها. وستكون فرصة عظيمة أن يأخذ رئيس الجمهورية المبادرة في خطاب منتظر يعلن فيه استعداد الدولة لتحمل مسؤولياتها في هذا المجال، والعودة إلى الحياة الطبيعية التي تقوم على تكريس المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكليف الحكومة بالإعداد لانتخابات ديمقراطية خلال فترة معقولة تسمح لجميع قطاعات الرأي العام بالمشاركة في التحضير الفكري والسياسي لها. وينجم عن الانتخابات جمعية تأسيسية يتلخص جدول أعمالها في تنظيم الحوار الوطني والإعداد لدستور جديد للبلاد وبلورة مشروع الإصلاح الوطني الشامل الذي يحتاج تحقيقه إلى مساهمة جميع قطاعات الرأي العام والتزامها. فوحدها مبادرة استثنائية وخلاقة من هذا الطراز يمكن أن تعطي للشعب المستنزف مادياً ومعنوياً الدفع والحماس النفسي اللازم لتجاوز نقاط الضعف الكبيرة والتعويض عن نقص الوسائل والإمكانيات. ومثل هذه المبادرة الشجاعة هي الوحيدة التي تعطي لخلافة بشار الأسد والده في حكم البلاد مضمونها التاريخي ومبررها. والقيادة القوية هي تلك التي تحفز الشعوب على الارتقاء وترتفع بها إلى مستوى المثل الأخلاقية لا تلك التي تدغدغ مشاعر الضعف والأنانية والمصالح الشخصية لديها. وليس هناك إلا حركة قوية من هذا النوع يمكن أن تفجر مشاعر الإيمان بالذات والتضامن ونكران الذات والكرم العميق الكامن فيها، وتدفع سورية إلى تجاوز التحديات والتناقضات العميقة التي تكبلها وتقضي على روح المبادرة والعمل لديها. وسيجد الشعب بجميع فئاته والرأي العام بجميع قطاعاته يقف إلى جانب هذه المبادرة ويحمي مشروع إخراج سورية من حالة الإحباط الوطني والشك بالذات وانعدام الأمل بالمستقبل. فلا يوجد هناك من يريد اليوم في سورية أن يعيد الماضي إلى الحياة أو أن يستبدل حكماً بآخر، لكن جميع السوريين يبحثون عن سبيل ناجع للعمل الإيجابي الجماعي وتغيير قواعد الحكم والإصلاح الهادف إلى إقرار الحرية والعدل والمساواة بين جميع الناس.

4 - الإصلاح الذي تحتاجه سورية في الدولة والمجتمع

لا يغني رأب الصدع الوطني عن إصلاح السياسات ولا عن تقويم عمل الإدارة والمؤسسات، ولا عن بناء نظم صالحة للتعليم والصحة والنقل والبحث والتقنية والخدمات الاجتماعية وغيرها. وليس هناك أي تناقض فيما بينها، فهي جميعاً أهداف ضرورية ومترابطة. لكنه يعني بكل بساطة، أن تحرير سورية من مخاوفها ونزاعاتها العميقة وتطمينها على مستقبلها وإعادة الثقة إليها في قياداتها ونخبها، هو وحده القادر على تفجير طاقات أبنائها وإطلاق أيديهم من القيد وعلى إعادتهم إلى سكة العمل والإنتاج والإبداع.

وليس هناك إصلاح يمكن أن ينجح أو يقود إلى نتيجة، من دون مشاركة المجتمع الإيجابية وقبوله باقتسام الواجبات والالتزامات المطلوبة منه لتحقيقه. وفي هذه الحالة يمكن أن نحقق في أشهر ما يحتاج تحقيقه في الظروف الروتينية إلى سنوات، ونتجاوز مصاعب تناقضات تبدوا لنا في الأحوال العادية عنيدة كالجبال.

وليس هناك شك في أن الإصلاح الاقتصادي هو العمود الفقري لأي إصلاح في كل المجتمعات الحديثة. لكن الاقتصاد، قبل أن يكون استثمارات ومؤشرات إحصائية، هو مسألة وطنية واجتماعية وسياسية وثقافية ونفسية قبل ذلك جميعاً. ولم يعد هناك من يعتقد أن من الممكن إصلاح الاقتصاد بالاعتماد على الأدوات الاقتصادية والانكفاء عليها. والتنمية الاقتصادية التي يمكن أن ينتظر منها نتائج إيجابية تنعكس على حياة السكان تتطلب المراهنة على المجتمع ذاته، على عماله وفلاحيه وموظفيه وكوادره وعلى تدعيم طبقة وسطى محلية وفتح الآفاق أمام نمو طبقة رجال أعمال وطنية قادرة على تعبئة الموارد والادخارات الداخلية وتثميرها وخلق فرص العمل الضرورية لامتصاص البطالة المتصاعدة. وهي تتطلب عودة ثقة المجتمع بنفسه ووطنه ودولته وبزيادة قدرته على تحمل مسؤولياته وأخذه مصيره بيده.

وليس ما تحتاجه سورية اليوم إصلاحاً يراهن فقط على الرأسمال الدولي ويدعم بالضرورة، كما حصل حتى الان، وكما تظهره جميع الدول التي أخذت بهذه السياسة، طبقة المضاربين بأموال الدولة وأملاكها والمغتنين على حسابها من دون ثمن تقريباً، وبالتحالف والتعاون مع الرأسمال الدولي، من دون أن تحقق للمجتمع أي نقل فعلي للتقنية كما ينتظر منها ولا للخبرة ولا للتوظيف ولا حتى أي موارد ضريبية.

وليس ما تحتاجه أيضاً إصلاحاً يكمل مسار النزيف المستمر للكوادر الفنية والمواهب ورجال الأعمال والمستثمرين وفرص الاستثمار. إن ما تحتاجه كي تمتص جزءاً من التوترات التي تعيشها وتفكك الألغام العديدة المزروعة على طريقها وترد على التحديات الجديدة للسوق العالمية الحرة، هو خلق وضعية سياسية واجتماعية ونفسية جديدة لإعادة تأهيل المجتمع المستنزف ووضعه في شروط العمل والإنتاج والابتكار، أي خلق شروط نهضة وطنية بالمعنى الحرفي للكلمة تتجاوز في الطاقات التي تعبئها والآثار التي تحدثها والنتائج التي توصل إليها منطق الحسابات العادية. ويتطلب بعث روح النهضة والانتصار على مشاعر اليأس والألم والبؤس وانعدام الثقة بالذات والإحباط والتخلي عن المسؤولية مشروعاً للإصلاح ملهماً وعميقاً وبعيد المدى يشمل بالضرورة الحياة الدستورية ويعيد بناء المؤسسات، من الدولة إلى المجتمع المدني وهيئاته الأهلية، ويقضي على المفاهيم وأساليب العمل ونماذج الأداء القديمة التي جعلت المجتمع السوري يعيش متأخراً عن معظم المجتمعات العربية المحيطة به عقوداً عديدة. ويعني تجديد الحياة الدستورية، إعادة النظر في عملية اتخاذ القرار وتحديد دور الدولة ودور المؤسسات وإقامة التوازنات بين السلطات المختلفة والتمييز بدقة بين الصلاحيات المعطاة لكل هيئة وتثبيت قواعد العمل التي ينبغي أن تصبح مرعية في كل مؤسسة. فالسبب الأول لفساد النموذج المجتمعي الشمولي، لم يكن شيئا آخر سوى الاختلال الخطير الذي امتاز به في توازن القوة والسلطة، فهو نموذج يلغي التوازنات الكبرى جميعاً، ويوحد السلطة بكل أشكالها في يد هيئة واحدة لا تخضع لأي مراقبة سوى نفسها، وهذا يمكنها من أن تفعل ما تشاء وتترك ما تشاء وتوزع الثروة المادية والمعنوية كيفما تشاء وعلى من تشاء.

ويفترض مثل هذا الإصلاح الاتفاق على مسائل أساسية والرد على تساؤلات سياسية تعبر عن اختيارات اجتماعية، ومن هذه المسائل ما هو ذو طبيعة عامة مثل تقرير نوع النظام جمهورياً رئاسياً أم برلمانياً، اشتراكياً أم ديمقراطياً. وتحديد مكانة الدولة بالنسبة للحزب، هل هي دولة الحزب الواحد أم دولة تعددية. وتعيين دور الدولة في الاقتصاد، هل هي حكم يسن القوانين ويبين قواعد العمل ويراقب سلوك الأطراف الاجتماعية ويتركها تعمل في إطار القانون، كما تدعو النظرية الليبرالية، أم هي فاعل اقتصادي أيضا، يتدخل في الحياة الاقتصادية من أجل وضع الأهداف وتوجيه الاستثمارات، والتوسط بين الأطراف ودفعها نحو ممارسات محددة ضمن خطة تنمية شاملة متفق عليها ومناقشة من قبل البرلمان، كما تدعو الديمقراطية الاجتماعية، أم هي رب عمل وبديل للمجتمع وأطرافه المختلفة كما عرفتها النظم السوفييتية. وما هو دور الدولة في السياسة، هل هي منشئ لسلطة خاصة تفرض نفسها على المجتمع، أم هي تعبير عن سلطة صادرة عن المجتمع، وهل هي إرادة شخصية وخاصة مستقلة عن المجتمع أم هي إطار يقدم نفسه للأطراف الاجتماعية كي تنظم أمورها ضمن قواعد تعاقدية، وتؤمن لهذه الأطراف أدوات التشاور والتفاوض والتفاهم والتعاون لتحقيق الأهداف المتفق عليها. ودور الدولة في الثقافة والمجتمع، هل هي مبشر صاحب عقيدة يريد أن يفرضها على المجتمع ويدفعه إلى اتباع نماذج محددة للسلوك والتفكير والتصرف يعتبر أنها تعبر عن الحقيقة أو عن السلوك الأخلاقي الصحيح، أم هي مؤهل أو أداة تأهيل تقدم للأفراد وللأجيال الجديدة فرص التكوين والتدريب والتفتح والازدهار، في إطار المؤسسات الثقافية والعلمية والتربوية، وفي إطار احترام حرية الرأي والضمير وتفتح المواهب الذهنية. وكما أنه لا إصلاح للدولة من دون إصلاح الدستور، فلا إصلاح للدولة من دون إصلاح المجتمع. ويعني هذا الإصلاح هنا تغيير الدور الذي أعطي له حتى الآن في القرار العام، كما يعني تجديد الأسس التي تقوم عليها هيئاته الأهلية والمدنية.

وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: ما هو المجتمع الذي نريد بناءه، هل نريد بناء مجتمع خاضع للدولة ومستسلم لها يطبق ما تطلب منه ويسلم لها في تقرير ما ينتظر منه، أم نريد بناء مجتمع حي ومسؤول وفاعل. وفي هذه الحالة يكون من الضروري الاستثمار في إصلاح الهيئات الاجتماعية والمجتمع المدني وتحرير هذا المجتمع ودعمه وتنشيطه وتدريبه حتى يستطيع أن يتحمل مسؤولياته ويقوم بالمهام الكبيرة المنتظرة منه للخروج من الركود والانحطاط الأخلاقي والمادي معا. وبالمثل، لن يستطيع المجتمع ولن تستطيع الدولة تنفيذ أي هدف وإنجاز أي إصلاح إذا بقيت حالة المؤسسات المدنية، والبلديات والمديريات والشركات العامة والخاصة، كما هي عليه اليوم. فالمطلوب هنا كما هو الحال في كل النظم العمومية، ضرورة العمل على إحلال العلاقات الموضوعية والعقلانية، أي غير المشخصنة، محل العلاقات الشخصية والزبائنية والعشائرية التي جوفت المؤسسات وأفرغتها من أي مضمون، حتى صار من الطبيعي أن تختصر المؤسسات السورية برئيسها الذي يتصرف فيها كما يتصرف مزارع في مزرعة أبيه. ولذلك لم يعد هناك عمل منظم ومنتظم ولا استخدام للموارد والملاكات بطريقة عقلانية وزاد الهدر والتسيب والاستهتار بالواجب، وضاعت الروح المؤسسية، أي النظام والانضباط والتنظيم العقلاني للعمل والتعاون والمسؤولية التراتبية والخدمة المجردة والموضوعية ومعها المؤسسات في بحر المزاجية والإرادات الشخصية والذاتيات والعصبيات القرابية. ومن هنا أصبح المجتمع يشعر بالضياع وبالافتقار إلى الأطر القانونية والمكفولة التي لا بد منها لقيام النشاط العام وتثمير الجهد الجمعي، وزاد الحافز لديه إلى اختراع أطر وتنظيمات وتعاقدات موازية ولا ضامن لها سوى العلاقات الأسرية أو العائلية أو المذهبية لتأمين حد أدنى من التنظيم والاتساق والفاعلية في علاقات التبادل والتواصل الاجتماعية. بيد أن مثل هذا الإصلاح الذي يطرح نفسه بشكل ملح لا يمكن أن يرى بداية التطبيق إذا لم ينجح المجتمع بجميع أطرافه في تجاوز نزاعاته القديمة والتغلب على مشاعر اليأس والإحباط وانعدام الثقة عنده والانتصار على روح الاستقالة السياسية والأخلاقية للدخول في حوار عميق وجدي يقوم بتصفية ذيول الماضي والتفاهم على مبادئ العمل الوطني وقيمه وأهدافه. فعلى هذا الحوار نفسه يتوقف تجديد العقد الوطني الذي هو أساس تقدم أي مجتمع ومقياس نضجه السياسي·

5 - دور المعارضة والقوى الديمقراطية

لا شك أن للمعارضة دور كبير في العمل على خلق سورية الجديدة والانطلاق بها خارج أسوار المشاكل والصراعات الدفينة التي تكبلها، وبالرغم مما تبدو عليه من ضعف اليوم، إلا أن مشاركتها في بناء هذا العقد الوطني، يشكل مساهمة ثمينة ولا يمكن أن يستغنى عنها لجعله عقداً مختاراً ومعبراً عن جميع أوساط الرأي العام السوري، ووجودها ومشاركتها هما اللذان يجسدان روح المصالحة الأهلية ويعملان على إنجاحها. وهذا يرتب عليها بالمقابل أيضا مسؤوليات ومهام كبيرة وخطيرة أيضاً ويتطلب منها:

1-إحداث طفرة في أساليب عملها وأشكال التنظيم والعقليات السائدة في صفوفها والانتقال من العمل العقائدي إلى العمل السياسي الموجه نحو بناء القوى، والخروج من منطق العمل السري أو شبه السري إلى منطق العمل العلني والانفتاح الواسع على الجمهور وكسر الخوف من العمل السياسي الذي بعثه تحويل العمل العمومي إلى بقاع مقدسة ممنوعة على غير المزودين برخصة حزبية أو أمنية رسمية. كما يستدعي الخروج من نماذج وأشكال التنظيم البونابرتية المركزية التي سيطرت على أشكال العمل السياسي في القرن الماضي في كل مكان والتي صارت تتخذ شكل تنظيمات مذهبية مغلقة تتزايد عزلتها عن المجتمع بقدر ما تنمي في داخلها ثقافتها الخاصة وما يميزها عن غيرها من التنظيمات، والأخذ بالمقابل بأشكال من التنظيم واسعة ومفتوحة، سياسية لا إيديولوجية، تكون مدارس للتربية والتعبئة الوطنية.

2-تجاوز الانقسام والتشرذم، ففي مواجهة الحضور الساحق والكلي للسلطة في جميع ميادين النشاط الاجتماعي، لا بد للمعارضة إذا أرادت أن تنال ثقة الرأي العام التي هي بطاقة دخولها إلى حقل العمل العمومي من أن تعمل على تجاوز خلافاتها النظرية والسياسية، وأن تنجح في تكوين قطب ديمقراطي قادر على فرض نفسه في الداخل والخارج على حد سواء، وبالتالي فرض الاعتراف به والتعامل معه، وهذا يتطلب الانتصار على روح العصبوية الحزبية المسيطرة والتي تعكس رؤية قديمة لمعنى التنظيم السياسي وطريقة عمله وأهدافه، وتطوير صيغ جديدة للعمل التحالفي والائتلافي أو الفيدرالي وتجميع القوى في لجان عمل ديمقراطية مشتركة تنتشر في جميع المناطق والمحليات ويجمعها هدف واحد وممارسة مشتركة ومنظمة.

3-التوجه نحو المجتمع والرأي العام، فالمهمة الرئيسية للمعارضة هي اليوم تعبئة القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير والإصلاح، وهذا يستدعي صوغ برنامج الإصلاح الديمقراطي والمشروع الديمقراطي للإصلاح والتغيير. وهو برنامج لا يزال غير موجود. ولا يغني الحديث الدائم عن الديمقراطية والمطالبة بالحريات الأساسية عن وضع برنامج العمل هذا، بأسلوبه وأهدافه المرحلية والقوى المشاركة فيه، وأشكال تنظيم القوى وتحويلها إلى قوى ذات وزن وفعل في مجتمعها. وفي هذا المجال، أعتقد أن المهمة الرئيسية التي يتوجب تحقيقها في السنين القليلة القادمة، هي تنظيم الطبقة الوسطى السورية وتوحيدها على شعار وهدف واضحين، فهي القوة الاجتماعية الوحيدة التي تملك الموارد المعنوية الضرورية والتي إذا تم توحيدها تستطيع أن توازن قوة البيروقراطية وتفتح باب التعددية. مما يعني أن قدرة المعارضة على المشاركة في مشروع المصالحة سوف ترتبط وهي مرتبطة ارتباطاً قوياً بقدرة الأحزاب الديمقراطية أو شبه الديمقراطية القائمة على لم شتات هذه الطبقة وتخليصها من رواسب الحرب الماضية ولحم صفوفها وبث روح الثقة والإرادة والأمل في المستقبل فيها. وهذه الطبقة لم تكن في أي وقت أكثر تشتتاً وانقساماً وتبايناً مما هي عليه اليوم ولا أكثر شعوراً باليأس والإحباط وانعدام القدرة والإرادة والفاعلية منها الآن.

4-توحيد الرأي العام حول أهداف واضحة ومحددة ومقبولة منه، ففي مواجهة العقد الذي تزمع الإدارة الاقتصادية توقيعه مع الشركات الدولية الاستثمارية، أي مع الرأسمال المعولم، سواء أكانت أصوله سورية أم عربية أم أجنبية، يتوجب على المعارضة العمل، أينما وجدت، على بلورة عقد اجتماعي مع الرأي العام يتضمن تحديد وتجديد المبادئ الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي توجه أو نريد لها أن توجه عملنا الوطني، وبلورة صورة ونموذج النظام المجتمعي الذي تدعو الشعب إلى النضال من أجله، وتوضيح الطريق الذي ستسلكه مع هذا الشعب نفسه للوصول إليه، والوسائل التي ينبغي تأمينها لتحقيق النجاح فيه. وفي اعتقادي أن أي عقد اجتماعي ديمقراطي لا يمكن أن يرى النور ما لم ينطلق من تأكيد قيم العدالة والحرية والمساواة، والحياة القانونية السليمة وقدسية الإنسان واحترام إرادته وضميره.

وفي النهاية، إن وضع المجتمع السوري على سكة النهضة الشاملة المطلوبة يتوقف على قدرتنا في أن نشجع جميع الأطراف، بل الأفراد، على تحمل مسئوليتهم والمشاركة من موقعهم في العمل على التغيير: السياسي ورجل الأعمال والتاجر والمثقف والمعارض والمواطن العادي. وهذا يستدعي تغييراً كبيراً في أخلاقيات المجتمع واستعادة لقيم الصدق والصراحة والشجاعة الأدبية.

وجوهر هذا التغيير في نظري هو أن نستعيد ذاكرتنا، وأن نتصرف كأناس أحرار. فلا يستطيع أحد أن يقرر مستقبلنا ضد إرادتنا، وليس مصيرنا مكتوباً على جبيننا ولكنه من صنع أيدينا.

                                                                                   د. برهان غليون

                                                                                                دمشق في 5/9/2001

ألقيت في منتدى الحوار الوطني الذي أسسه النائب المستقل رياض سيف المعتقل حاليا.

-نبيل مرزوق، تحديات التنمية البشرية في سورية، الجمعية الاقتصادية السورية، محاضرات، دمشق 2000

-عارف دليلة، حسب إحصاءات البنك الدولي مع ملاحظة أن : 1953-1965 محسوبة بالأسعار الثابتة لعام 1963، من المجموعة الإحصائية لعام 1972 وأن أعوام 1966-1990 محسوبة بالأسعار الثابتة لعام 1985، من المجموعة الإحصائية لعام 1992.· القطاع العام في سورية، من الحماية إلى المنافسة القطاع الخاص بين الحماية والمنافسة، محاضرات الجمعية الاقتصادية السورية، دمشق 2000

3-تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، 2001

4-خالد عبد النور، "القطاع الخاص بين الحماية والمنافسة" محاضرات الجمعية الاقتصادية السورية، دمشق

5-نبيل مرزوق، الفقر والبطالة في سورية، الجمعية الاقتصادية السورية، دمشق

6-م س

-علي الشيخ أوغلي وآخرون، م م

-الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية، 2001

-الحد الأدنى للاجور في سورية يقل 300% عن حد المعيشة، تقرير عن دراسة ميسون جزر، جريدة الحياة، 24 يناير تشرين الاول، 2000

-م س