]مسار الديمقراطية وآفاقها في سوريا[

رياض الترك

         الحديث عن الديمقراطية في وضعنا الراهن حديث سياسة قبل أن يكون حديثَ فكرٍ، لذا سيتناول الحاضرَ ومشاكلَه، والمستقبلَ وآفاقَه. لكن، لكي تكون رؤيتنا للحاضر وتلمسُنا للمستقبل أسلمَ وأصوبَ، لا بد لها أن تنطلق من دروس الماضي و عبره.

      من هنا ستكون لي وقفة مع الماضي، على الأقل، منذ الاستقلال وحتى الآن. و ذلك بغرض تسليط الضوء على النظم السياسية التي سادت خلال تلك الحِقبة، بما فيها من القوى السياسية و الاجتماعية و آلياتِ ممارستها.

      و ربما يكون مفيداً وعادلاً، أن نقسم هذا الماضي إلى قسمين، يتناول أوّلُهما أوضاعَ البلاد منذ الأربعينات وحتى الستينات، وثانيهما منذ الستينات وحتى المرحلة الراهنة.

1ـ المرحلة ما بين الأربعينات والستينات

      من المعروف أن النظام السياسي الذي ساد في سوريا منذ أوائل الأربعينات، و بخاصة بعد الجلاء، كان نظاماً برلمانياً ديمقراطياً. هنا أود الإشارةَ إلى أن فكرة النظام البرلماني على النمط الغربي، لم تأت بها فرنسا فحسب، بعد احتلالها سوريا المحررةَ عقب الحرب العالمية الأولى، و إنما كانت أيضاً في البداية اختياراً ارتضاه الساسَة والمثقفون في بلاد الشام المتأثرين بالفكر الغربي، وأكدّوه عند انعقاد المؤتمر السوري العام سنة (1919)، حيث تشكلت في إطاره لجنة برئاسة الرئيس هاشم الأتاسي، صاغت مشروع دستورٍ لمملكة فيصلٍ على  النمط المشار إليه. وكان ذلك الدستور متقدماً في العديد من مواده على الدساتير الغربية، بخاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة على سبيل المثال.

      إذا عدنا إلى النظام السياسي السائد بعد الاستقلال، نلاحظ عموماً ما يلي:

     أولاً ـ إن القوى الأساسية التي وقفت وراء ذلك النظام ودعمته، كانت من الفئات البرجوازية المطعّمة ببقايا الإقطاع والملاّكين العقاريين. و إذا سُجّل لها، أو لبعض فئاتها، المشاركةُ في النضال ضد المحتل مع باقي فئات الشعب، إلا أنها لم تكن قادرة على تحمل أعباء المرحلة الجديدة المضطربة، الأمرُ الذي ولّدَ النقمة عليها. لقد كانت ـ حسب تعبير المناضل الكبير المرحوم عبد البر عيون السود ـ ترى في تحقيق الاستقلال وكأنه نهايةُ المطافِ، فانصرفتْ لقطف ثماره، متناسية نضال الشعب السوري طوال ربع قرن من أجله. وهكذا برزت عوامل ثلاثةٌ أضعفتْ سلطةَ هذه القوى التقليدية، هي:

    أـ شكلانية و احتكار الممارسات الديمقراطية؛ الأمرُ الذي نتج عنه الإضعافُ والقمعُ الجزئيُّ للقوى الديمقراطية الناهضة.

    ب ـ ضعف أدائها السياسي: في توطيد الاستقلال، و في مواجهة التآمر الخارجي بأسلوب المهادنة والمراوغة، و في العجز عن مقاومة المسار الإمبريالي الذي أدى إلى غرس إسرائيل في قلب الوطن العربي.

     ج ـ نهوض الأحزاب الوطنية الديمقراطية وباقي الفئاتِ الأخرى كقوىً معارضةٍ، تطرحُ مطالب ذات طابع ديمقراطي وقومي أكثر تماسكاً وجذريةً، مما أعطاها وزناً سياسياً مؤثراً في حياة البلاد.

    ثانياً ـ شهدت سوريا خرقاً فاضحاً للنظام الديمقراطي بقيام سلسلة من الانقلابات، نهجت نهجاً استبدادياً. و كان من نتائج إسقاط ديكتاتورية  الشيشكلي، و التغييراتِ اللاحقةِ تنامي وزن الفئات الوسطى والصغيرة، المدينية منها و الفلاحية، ونزوعها إلى لعب دور رئيسي وحاسم إلى جانب البرجوازية الكبيرة التي أخذ دورها السياسيُ وأداؤُها بالتراجع.

     هذه القوى الجديدة أعطت لتلك المرحلةِ طابعاً مختلفاً، وطعماً ديمقراطياً لا يزال شعبنا يتذكره بحنين خاص. فمن الممارسة الديمقراطية بطريقة أكثرَ عمقاً التي تربط ما بين الحرية والتسليم بدور صندوق الاقتراع، إلى بروز دور الشعب في تحقيق مصالحه الوطنية والقومية، كما حدث في الاندفاع للتضامن مع مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم في تحقيق الوحدة بتأييد جماهيري جارف، و أيضاً من خلال المكاسب الاجتماعية العمالية و الفلاحية بخاصة، على الرغم من الهيمنة البرجوازية الرسمية. في تلك السنوات الثلاث (55ـ57) اجتمع للممارسة الديمقراطية بعداها: الحرياتُ للقوى والفئات والمواطنين، و تجسيد مفهوم الشعب ودوره ومصلحته العامة. مما أسهم أيضاً في دفع التيارات الدينية إلى المشاركة الوطنية في اللعبة السياسية.

       و لكن من ناحية أخرى كان للقوى الجديدة إفرازات سياسية متنوعة لم تكن موحدةً في تطلعاتها الاجتماعية والسياسية. أهم تلك القوى كان العسكرُ وحزبُ البعث العربي الاشتراكي والحزبُ الشيوعي السوري الذي لم يكن يختلف عنها  في بنيته، لكن توجهاتِه السياسيةَ الداخليةَ والخارجيةَ، كما دلّلتِ الأحداثُ الكبرى، كانت مرهونة بالإستراتيجيات السوفيتيةِ أكثرَ مما هي نابعة من المصالح الشعبية أو القومية العليا.

      ثالثاً ـ عموماً، و بصرف النظر عن التطورات الكبرى التي طرأت على البلاد، يمكن القول إن الفئاتِ المذكورةَ طبعتْ ببصمتها مسرحَ السياسة السورية طوال مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الستينات، عدا فترة الانفصال القصيرة التي عادت خلالَها البرجوازيةُ إلى الحكم.

      هنا أرى من المفيد استخلاصَ بعضِ نقاط الضعف والقوة في أداء القوى الاجتماعية و الأحزاب السياسية لتلك المرحلة:

      أ ـ إن قيام دولة الوحدة، كان إنجازاً عبّر بامتياز عن نزوع قوى الأمة العربية وحاجتها لاستكمال اندماجها القومي، وتجلّى فيه تقدم العوامل الذاتية على العوامل الموضوعية، كما كان رداً سياسياً فعّالاً على الأحلاف الغربية وعدوانها.

      ب ـ إن حدوث الانفصال كان اختباراً لذلك الإنجاز، و كشفاً لضعفه أمام أعدائه، حيث ألغى نظام الوحدة عوامل قوته، عندما قام بحلّ الأحزاب التي كان من الممكن أن تتحول إلى مؤسساتٍ معبرةٍ عن إرادةِ المجتمعِ ودورهِ، حين استبدل دورَ الأجهزةِ البيروقراطية السياسية والأمنية (الاتحاد القومي ـ المباحث) بها من جهة، و مال إلى صوغ علاقةٍ مباشرةٍ بين الزعيم والشعب، تحولت إلى مصدرٍ رئيسٍ لفسادٍ تستثمرهُ الحاشيةُ والبطانة، بغض النظر عن اختلاف الفرد و الدور، كما أصبحت لاحقاً واحدة من أهم أسس الديكتاتورية و شخصنة السلطة. هذه العلاقة أو المعادلة بين الزعيم من جهة والشعب من جهة أخرى، أدّتْ وتؤدّي إلى إقصاء القوى التي تنظمُ الشعبَ وتمثِّلُه. وفي حالة مختلفة عن تلك الحالة الناهضة والصفات المميزة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، يتلاشى دور الشعب و تتلاشى السياسة من الحياة العامة، ليسود الاستبداد وحيداً.

      ج ـ  بعد الانفصال، تحولت العلاقات بين القوى الوطنية والديمقراطية ذات المصالح الاجتماعية المتشابهة والرؤية القومية المتقاربة، من علاقاتِ تحالفٍ وتعاونٍ إلى علاقاتِ تنافسٍ وتآمرٍ، الأمر الذي أسّس لتاريخٍ من فقدان الثقة بين القوى السياسية، كما حدث بين عبد الناصر و الحركة الناصرية من جهة و بين البعث من جهة أخرى، أو كما حدث بين أجنحةِ البعث نفسِه، و ما بين الأخيرين و بينَ الشيوعيين.

      د ـ رسّخت مرحلتا الوحدة والانفصال العداء بين الشيوعيين والقوميين، الذي كان تعبيراً عن الإلغاءِ المتبادلِ بين الطرفين، عندما سحبت القيادةُ الناصريةُ سلبياتِ تجربتِها الحزبيةِ في مصر على سوريا، بينما تذّرَع الحزبُ الشيوعيُّ السوريُّ بالديمقراطيةِ و بالخصوصية السورية لمعارضة الوحدة. تلك الخصوصية كانت تخفي وراءَها نزوعَ خالد بكداشَ غيرِ الوحدوي، المستندِ أساساً إلى عدمِ ارتياحِ القيادةِ السوفييتيةِ لقيام الوحدة، فكانتا كلمةَ حقٍ أُريد بها باطلٌ، إذ سرعان ما تكشّفت حقيقتُها في المبادرة الحماسية و الفورية لبكداشَ في تأييد الانفصالِ، و قوله بخلاص سوريا من "الاستعمار المصري"!

      ه ـ تميّزت الفترة اللاحقة لسقوط الانفصال بالتنافسِ و النزوعِ إلى احتكار السلطة بين الحلفاءِ، الأمرِ الذي تقلّص إلى جانبه الهدف الأساسي الذي عملوا من أجله و هو إعادةُ الوحدة. ذلك التنافس و تنامي حدتِه  يقومان (و يؤديان) إلى عدم الاعتراف بالآخر ثم العمل على إلغائه، ثم إلى نفي التعددِ وتقليصِ المجال السياسي للمجتمع حتى إنهائه. في مثل تلك الحالة يتذكر المرء كيف كانت (الثورة) تأكل أبناءها، تماماً كما جرى في أحداثِ الثورة الفرنسية، حتى استقرار بونابرت في السلطة.

      وـ في مثل تلك الحالة ينتهي الحوار حول أفضل السبل لتطوير البلاد سياسياً و اجتماعياً و اقتصادياً، و تحسين فرص الديمقراطية. و يصبح من الطبيعي أن يشتدَّ الصراع على السلطة و الاستئثارُ بها، الأمر الذي يستدعي تنمية العصبيات ماقبل القومية كالعشائرية والطائفية والمناطقية و حتى العائلية، و تصبح الحزبية مجرد غطاء لعمل هذه الآليات.

2ـ المرحلة ما بين الستينات وأواخر القرن

      كان الصراع على السلطة قبل عام 1963، (أو لنقل قبل أحداث تموز من ذلك العام ) يدور بين مختلف التيارات وفقَ آلياتٍ و ضوابطَ تحتكم إلى هذا الحدّ أو ذاك إلى صندوق الانتخاب وتعطي للجميع الحق بالوجود و العمل السياسي. و للتمايزاتِ و التنوع المجتمعي  بإيجاد تعبيراتها السياسية المناسبة. وحتى في ظلّ الانقلابات العسكرية(1949ـ 1954) لم تجرِ تصفيةُ رموزِ الطبقةِ السياسية، بل أُبعدوا فقط عن السلطة لصالح العسكر. لكن قواعد اللعبة تغيرت، و كذلك تغيّر اللاعبون أنفسُهم بعد الثامن من آذار 1963، أو لنقل ثانيةً: بعد أحداث تموز 1963.. لقد دخل مفهوم الحزب القائد للدولة والمجتمع. عندما أصبح العملُ السياسيُّ محصوراً بحزب البعث. أما الآخرون، فلم يبق لهم إلاّ اعتزالُ السياسة. و أما العمل السري أو "التآمر" فكانت ضريبتهما باهظة، و بخاصة من خلال تطبيق حالة الطوارئ، و ما رافق ذلك من تعزيز وتقويةِ دورِ الأجهزةِ القمعيةِ و إطلاقِ يدها. و هكذا تبدّلتْ شروط الدخولِ إلى الحقل السياسي و تبدّلتْ معها شروطُ اللعبةِ السياسية و طبيعةُ اللاعبين.

     كذلك نلاحظ بعد إزاحةِ الناصريين، انتقالَ الصراع السياسي على السلطة إلى داخل الجيش، و بالتالي إلى داخل الحزب، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى إضعافِ دورهِ، إلى أن أصبح هامشياً مع حركة عام 1970 وفي الفترة التي تلتها. و كان من نتائج ذلك الصراع سلسلةٌ من الإقصاءاتِ التي طالتْ رموز الحزب، ورافقها أيضاً تسريحات واسعة في الجيش، كثيراً ما أخذتْ طابعاً طائفياً أو عشائرياً أو مناطقياً.

     من الناحية الاجتماعية أذكر بقليل من الإيجابية توسيع دائرة التأميم التي شملت معامل متوسطة و صغيرة و بإيجابية تجذير قانون الإصلاح الزراعي و سواهما. هذه التدابير كانت أيضاً موضع خلاف داخل أجنحة البعث الأمر الذي أدى إلى خروج البعث اليساري ثم إزاحة البعث القومي بانقلاب شباط سنة 1966.

       أما من الناحية السياسية فالصراع استمر مع التيارات الناصرية المشكلة منذ الانفصال، و التي أهمها كان الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسسه المناضل الكبير جمال الأتاسي عام 1964. إن أهمية هذا الحزب تأتي في سعيه لتطعيم المفاهيم الناصرية القومية بمفهوم الديمقراطية و بخاصة شعار الوحدة العربية.

        وجاءت تطورات الصراع العربي الإسرائيلي الكبرى في تلك الفترة، لتؤثّر بشكل عميق وجذري على الأوضاع وتهزّها بعنف.

        فقد تمدّدت إسرائيل بعدوانها وسيطرتها في حزيران 1967، و وجّهت ضربةً قاصمةً إلى مفهوم "الأنظمة الوطنية التقدّمية" و ظهرت المقاومة الفلسطينية وجهاً إيجابياً تزامن مع إعادة النظر و ترتيب المواقف ضمن جميع القوى و الأنظمة المعنية بالصراع.

        و لم تستطع حرب تشرين (المجيدة حقاً) إيقاف الانحدار الذي أصبح سمة الوضع العربي بمجمله، هذه السمة التي لم تستطع الانتفاضة الأولى محوها وعَكْسَ مسارها في شروط غياب الحرية عند الشعوب العربية، ولن تستطيع الانتفاضة الحالية ـ التي نحييها ونقف أمامها بإجلال ـ أن تفعل ذلك ما لم تتغيّرَ هذه الشروط، التي عاشتها الأوضاع العربية منذ ذلك الحين.

      مع استلام الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة، تحول النظام من حيث الشكل إلى نظام رئاسي وفق ما نصّ عليه الدستور الذي فصّلَ على قياسه. و في الممارسة العملية تمّت شخصنة النظام وفق مقولة "القائد الفذّ والملهم" التي أصبحت بديلاً لمقولة "الحزب القائد للدولة والمجتمع". عملت تلك المقولة كناظمٍ رئيسٍ لآلية عمل واشتغال رجال السلطة و الحزب و الجبهة الوطنية التقدمية من حول القائد الفرد. بحيث أن الأهمية والوزن السياسي لأي طرف من أطرافها تتحدّد بمدى قربه أو بعده عن الرئيس، لا بما يحمله من أفكار أو بما يمثله من وزن شعبي أو ما يتبوأه من مناصب. و أصبح كلّ نشاط سياسي لا يخضع لهذه القاعدة خارجاً عن القانون. و هكذا أصبحت هنالك قواعدُ جديدةٌ تختلف عما سلكه رفاقه العسكريون أو المدنيون، حيث كانت السلطة السياسية العليا سلطة جماعية أو شبه جماعيةٍ.

      من جهة أخرى، كان للنصف الأول من السبعينات ملامحُ مختلفةٌ عما سبقها. حيث أريد لها أن تظهر كخروجٌ من "العزلة" في الداخل و الخارج، مع انشغالٍ بتأسيس "الجبهة الوطنية التقدمية" و الإدارة المحلية ومجلس الشعب و الدستور الدائم، و مع تركيز على متابعة بناء الجيش و تحديثه بالتوازي مع مصر وبمساعدة من الاتحاد السوفييتي للبلدين. ثم جاءت حرب تشرين المختلفةُ عمّا سبقها بشكل من الأشكال، وتدفقت الأموال النفطية، وابتدأ البناء في بعض البنية التحتية والعديد من المشاريع الاقتصادية، في فورة كبيرة انعكست على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للبلد، وعلى مجمل التاريخ اللاحق لها. من خلال تلك الفورة ازدادت الثروات و تركّزتْ أسس الفسادِ، و انتهتِ المرحلة الأولى بتبلور النظام حول الفرد و الأجهزة الأمنية من دون أيةِ حاجة للآخرين، أو للشعب بعد تجميده وتحديده في أطره الجديدة، في الحزب المتضخم أو المنظمات المبنية على الشكل القابل للمراقبة و الحجز تحت مستوى ممارسة السياسة.

     في تلك الفترة ذاتها، و مع تلمّس الإصرار على شكلانية الخطوات، و تطوير النمط الشمولي للنظام، وتعميق مضمونه المتركّز حول الفرد، ابتدأت خطى قوى سياسية و اجتماعية و شخصيات ديمقراطية مستقلة بالابتعاد عن النظام تدريجياً، و بخاصة من خلال إحساسها بالتوجه نحو تهميشها، و تهميش السياسة عموماً.

     لكن، بما أن أيّ شعب من الشعوب لا يمكن اختصاره بشخص واحد، و أي خطاب سياسي لا يمكن أن يَختَزِل كلّ السياسات الممكنة و الخلاقة من خلال تنوعها و حسب، كان لابدَّ أن يُفرض الإذعان والطاعة على الناس عن طريق الترهيب و الترغيب، نظراً لأن السلطة في هذه الحالات ـ كما يقول فاتسلاف هافيل ـ لا تسعى للتوافق مع الحياة، و إنما تسعى لتطويع الحياة بما يوافق حاجتها هي. أما السلاح الأمضى في تحقيق ذلك، فهو كفاف العيش للمواطنين، و المكاسب  و المغانم للموالين، و الأجهزة القمعية و السجون والمنافي و المقابر للمعارضين.

     هذه الحالة ابتدأت منذ منتصف السبعينات و بلغت أوجها في عامي 1980 و 1982، حين طُرِحَ مشروعان للبلاد، أحدهما يقابل عنف السلطة بالإرهاب، و الآخر يطرح المخرج عن طريق الديموقراطية. في حين عجز النظام عن أي مخرج، إلاّ بالمواجهة الأمنية الشاملة. و ربما كان لنجاحه في استثمار حالة الحرب الباردة، و استناده إلى رضا طرفيها معاً، وتمّدد نفوذه إلى خارج البلاد ـ بدخول الجيش السوري الخاطئ إلى لبنان و فرض الهيمنة عليه ـ، دورٌ في عناده على خطه وتمسكه باحتكار السلطة مهما كان الثمن. كان هنالك  أيضاً ضغط  مكتوم مورس على الرئيس الراحل من الوسط العربي و الدولي.

      لقد كان عنف السلطة المتوحش و العنف المضاد الذي أخذ طابعاً طائفياً كارثة وطنية لم تشهدها سورية في تاريخها الحديث. و مازالت عشرات الآلاف من الأسر تئن تحت وطأتها. و مازالت آثارها قائمة، و لم يسع النظام للأم جراحاتها حتى الآن، رغم حسمه الصراع لصالحه إلا أنه خلق هوة سحيقة بينه و بين الشعب من الصعب جسرها.

      في مثل هذه الأوضاع، نمت حالة من النفاق الجماعي والخوف المعمم، أصبح فيها السلوك الخارجي للمواطنين محكوماً بما يريد النظام منهم أن يحترموه في أقوالهم وأفعالهم. أما دواخل الناس وقناعاتهم الحقيقية فلا وزن لها ما داموا يستبطنونها، ويتصرفون في الحيز العام وفق رغباتِ وضوابطَ وطقوسِ السلطة. (تنقل ليزا ويدن عن فريدريك الكبير أنه "لا يعبأ بما يظنه الناس ما داموا يقومون بما يأمرهم به"، ونقل مؤرخونا عن زياد بن أبيه ما يشبه ذلك في إحدى خطبه). هذا بالضبط ما كان عليه المجتمع السوري وهو يخرج أفراداً وجماعاتٍ في مسيرات التأييد والولاء. فاليأس كما قيل يقود إلى الاستكانة، والاستكانة إلى الامتثال، والامتثال إلى هذه الممارسات الرتيبة التي تقام دليلاً على نشاط الجماهير السياسي.

      في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ساد الركود جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغدا اسمه "الاستقرار". في الأول منه  كان الاستناد إلى التخويف في الداخل، وعلى توازنات الحرب الباردة في الخارج، كافيين حتى لا تواجه الأزمة بأية تعقيدات. أما في الثاني، فقد انهار الاتحاد السوفييتي وانتهت تلك الحرب وقامت حرب الخليج الثانية، فابتدأ الإحساس الفعلي بالحاجة إلى تغيير شيءٍ ما، ولكن بعد أن افتقدت السلطة ذاتُها الأدواتِ القادرةَ على الفعل وتخشّبتْ في المصالح الأنانية لأفرادها وغدا استبعاد الشعب وقمعُه و نهبه طريقَها المعتادَ الأسهل. و ربما أضيف عامل جديد في السنوات الأخيرة هو مرض الرئيس الراحل الذي لم يعتد أحد على المبادرة خلال مرضه. وكان هذا الركودُ الشاملُ نتيجةً لذاك الاستبداد وتلك الشمولية. و نتائجهما التي أبرزها الفرز الاجتماعي الحاد القائم على تنامي الثروات في أيدي قلة قليلة و الإفقار الواسع لطبقات الشعب الذي يكاد ينحدر إلى مستوى الجوع. كذلك الأزمة العميقة و المعقدة في مختلف مجالات حياتنا.

      لقد انقطعت التدفقات السياسية و المالية من الخارج، و جاءت لحظة الحقيقة التي يواجَه بها الوضعُ الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي الداخلي انطلاقاً من الطاقات الذاتية، و هنا مصدرٌ آخرُ للأزْمة، لم يعد من الممكن مواجهتُه إلا بالتغيير.

3- المرحلة الراهنة

        

       أيها الحضور الكرام:

       مع وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد و مجيء الدكتور بشار الأسد إلى سدة الرئاسة دخلت سوريا مرحلة جديدة.

       لعل أهم ما يسجل على هذا العهد تغيرٌ شبه نوعي على طبيعة النظام الرئاسي المشخصن. إذ جرى نقل السلطة من الأب إلى الابن. فأصبحنا أمام نظام هجين لا هو بالنظام الجمهوري تماماً، و لا هو بالنظام الملكي تماماً. هو بين بين، أو ما اصطلح على تسميته بالنظام الجمهوري الوراثي.

      جاء الرئيس إلى سدة السلطة العليا نتيجةَ توافق ثلاثِ إراداتٍ في ظروف عدم وجود تعبيرٍ عن إرادة الشعب: الأولى إرادة الرئيس الراحل و الثانية إرادة أصحاب النفوذ أو أصحاب مراكز القوى الفعلية في السلطة، و أخيراً رغبة الابن. أما الحديث عن قيام توافق اجتماعي أدى إلى تلك النتيجة، فهو محض ادعاء غرضه التبرير و الدعاية.

      لقد كثر الحديث عن هذا الموضوع في الأوساط الصحفية و السياسية المعارضة و لعل أهم تعليق على هذا الحدث ما جاء في بيان التجمع الوطني الديمقراطي "إن تعديل الدستور .. على مقاس شخص واحد.. يتنافى مع أبسط مبادئ الديمقراطية.. و هذا ما جعل الناس يشعرون .. أن الرئاسة يمكن أن تنتقل بالوراثة. و هذا لا يخالف فقط نظامنا الجمهوري الذي أسس.. قبل استلام الرئيس الراحل حافظ الأسد، و إنما يتناقض مع تقاليد الأحزاب السياسية بما في ذلك حزب البعث العربي الاشتراكي و حتى مع تقاليد الأنظمة العقائدية و الشمولية التي حكمت معظم سنوات القرن العشرين".

     الفكرة الثانية هي أن الأوضاع الحالية تراوح في مكانها، وليس هناك تغيير رغم الوعود الكثيرة التي أطلقت خلال العام الماضي.

     لكننا نسجّل لخطاب القسم نكهتَه المختلفةَ ولغتَه الجديدة بالمقارنة مع اللغة السابقة، وأيضاً ذلك الاعتراف الواضح بوجود الأزمة بعد طولِ إنكارٍ لها، وبوجود المعارضة السياسية بشكلٍ غير مباشرٍ من خلال الاعتراف بالرأي الآخر، وبالعجز عن مواجهة الأزمة الشاملة من خلال التصريحِ بعدمِ وجودِ عصاً سحريةٍ.. هذه المسائل كلّها تُضمر الحاجة لمساهمة الآخرين، خارج الأطر السلطوية التي ثبَتَ قصورُها عن الخروج من الأزمة بجهودها وحدها. الاستنتاج الوحيد والبديهي هو ضرورة الانفتاح والإصلاح السياسي، الأمر الذي تم التنكر له والتهرّب منه لاحقاً وحتى الآن.

        من ناحية أخرى، واضحٌ أن هنالك تعقيداتٍ خارجيةً في الوضع السياسي أضيفت مع الدخول في المرحلة الراهنة، يرتبط بعضها بالعلاقات الدولية للنظام، وبعضها بإسرائيل منذ أيام باراك وبخاصة في أيام شارون، و بالعلاقات العربية التي من أهمها إيجاد حل للوجود السوري في لبنان خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه و مع أن السلطة تراجعت قليلاً بإعادة انتشار الجيش مؤخراً. لكن هذا التراجع المحدود غيرُ كاف. فالمجتمع اللبناني و أغلب قواه السياسية لا يرى للوجود السوري أي مسوّغ و هو يرفض التدخل في شئونه الداخلية. لقد آن الأوان لتصويب العلاقة السياسية و العسكرية بين بلدينا بما يخدم مصلحة التصدي لإسرائيل و دعم المقاومة و حماية الجنوب، و بما يحافظ للشعب اللبناني سيادته و عدم التدخل في شئونه السياسية، و بخاصة تدخل الأجهزة الأمنية السورية. كذلك من الضروري انتهاج سياسة متضامنة مع الشعب العراقي قوامها عدم الاعتراف بقرارات مجلس الأمن الجائرة و فك الحصار. و الصمود في وجه الضغوط الأمريكية التي تسعى لجعل السلطة تتراجع عن التدابير و الاتفاقات التي عقدت معه. نحن نرحب بعودة العلاقات هذه و ندعمها و هي في مصلحة البلدين.

     تأتي هذه الصعوبات الخارجية لتؤكّد أيضاً الحاجة إلى الانفتاح وإطلاق قوى الشعب حرة تفعل وتسهم، وهي المسألة التي تلقى آذاناً صمّاء حتى الآن. في حين ما تزال القوى القديمة بنهجها السابق ومصالحها وأسلوبها في العمل، إذ تعمل على مواجهة هذه المشاكل عن طريق المساومات، وتجهد من أجل تحييد المؤثرات الخارجية، حتى تنفرد بالداخل.

      و لكن صحيح أيضاً أن هنالك ثلاث مسائل تطورت، نرى فيها شيئاً جديداً لكنه صغيرٌ وباهتٌ إلى هذا الحدّ أو ذاك، بالمقارنة مع ما كان ينبغي:

        الأولى في دائرة الخوف. ذلك الخوف الذي أصبح جزءاً مكوّناً وملازماً للحياة الاجتماعية والسياسية في بلادنا. يمتنع المواطن في ظلّه عن قول ما يُفكّر فيه، بل يقول غير ما يُفكّر. يخشى الاهتمام بالشأن العام، ويرى في أيّ شخصٍ لا يعرفه مخبراً سوف يودي به إلى ظلمة الأقبية المعروفة. يُسجّل أن هذا الخوف قد تراجع خطوةً إلى الوراء في العام المنصرم. صحيح أن هذا التراجع لم يشمل إلاّ أوساط النخبة الثقافية والسياسية بعد، ولم يصل إلى الحدّ الأدنى اللازم لعودة الحياة العامة إلى الجسم الاجتماعي، ولكنه شيء هام بالمقارنة مع ما عشناه لأعوام طويلة وقاسية. مدلول هذه النقطة أن حرية التعبير قد انتقلت خطوة صغيرة إلى أمام.

      الثانية مرتبطة بالأولى، ولكنها لأهميتها القصوى تأخذ استقلالها الخاص. وهي تغير أساليب عمل و  نشاط الأجهزة الأمنية وتدخلّها الفظ في الحياة اليومية للمواطنين، وبخاصة غياب ما كنّا نسمع به أو نعانيه بكثافة في السابق، وهو عمليات الاعتقال وحجز الحرية. ما يُلاحظ في عمل هذه الأجهزة حالياً هو تكثيف الاستخبار عن البشر من خلال المراقبة والأسئلة والاستدعاء، وربما كان هذا التكثيف تعويضاً عن الامتناع عن الاعتقال، ليقوم ببعض وظيفته القمعية، من خلال الضغط النفسي على الأفراد والمجتمع عموماً. أو ليكون جاهزاً لتوجيه ضربة إذا عادت الأوضاع إلى مسيرتها الأولى كما يحلم أصحاب الرؤوس الحامية.

       الثالثة في مجال الإصلاح ذاته. حيث تمّ التأكيد من السلطة على الإصلاح الاقتصادي، وعلى ضرورة أن ينتظر الإصلاح السياسي إلى أن تتم معالجة ما هو أكثر أهمية في الاقتصاد و معيشة المواطن. و لكن الناس لم يروا شيئاً هاماً من هذا القبيل، وساد التشكيك في جدّية ما يحدث. في هذا المجال نرى أن هنالك نوايا للإصلاح الاقتصادي، عبّرت عنها المراسيم التي صدرت أو تلك التي تُدرس. هذه المراسيم، وبغض النظر عن رأينا فيها، تدل على اتّجاه إلى الإصلاح. هي أيضاًَ خطوة صغيرة، لأن شيئاً من هذه التوجّهات لم ينفّذ على الأرض. ففي الوقت الذي بدا به أنها مرتجلة أحياناً، برز جسم النظام مقاوماً عنيداً لأي تغيير سواءاً بطريقة مباشرة، أو عن طريق عمل الآلة البيروقراطية والتخلّف الإداري وضعف الكفاءات عند أصحاب المناصب الذين اعتادوا على التسلّط والانتفاع واعتزلوا المصلحة العامة.   

      يمكن اختصار الوضع في البلاد بكونه أزمةَ ركودٍ شاملٍ وتأخرٍ وانسدادِ أفقٍ في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

      يجري التعبير والدفاع عن الركود الشامل من قبل النظام باسم الحفاظ على الاستقرار وتأمين الاستمرارية. هذا النهج تجسيد لرغبة المتسلطين والمنتفعين بتأمين دوام تسلّطهم وانتفاعهم، وتجسيد لقلقهم من أي جديد لا يقدرون على تبيّن نتائجه، وتجسيد أيضاً لقوة العادة بعد أن تأصّلت واستفحلت.

     ويجري الدفاع عن التأخر باسم الخصوصية الثقافية، مثلما يجري حين يُقال " إن الديموقراطية ينبغي أن تتلاءم مع الشعب الذي يُمارسها"، كغطاء للفكرة التي تتملك المتسلط بأن الديموقراطية ينبغي أن تتلاءم مع السلطة التي تمنح منها ما يزيد عن حاجة الاستبداد، لو زاد شيء. ومثلما يجري في تبرير عرقلة الإصلاح الاقتصادي باسم الحفاظ على المنجزات أو الدفاع عن القطاع العام أو المصالح الاجتماعية. في حين يكمن الجذر في المحافظة على مصالح الذين يجنون الثروات من الفساد ويحلبون البلد عن طريق مراكزهم.

    الأزمة هي انسداد الأفق والوصول أمام الجدار. ونحن وصلنا إلى هذه الحالة منذ زمن طويل، وتأخرنا في مواجهة هذه الأزمة عن طريق إنكار وجودها أوصلنا إلى تعقيد المخرج الآن.

    في الاقتصاد هنالك عجز عن توفير السيولة وتشجيع الاستثمار ومواجهة البطالة. عجز عن تشجيع القطاع الخاص الذي يشكو من هيمنة الفساد والبيروقراطية وغياب القوانين لمصلحة ارتجال السلطات والقوانين الاستثنائية. وعجز عن مواجهة أوضاع القطاع العام بالجرأة والكفاءة المطلوبة، وعجز مع إرادة ملتبسة في تحسين شروط المعيشة التي أوشكت أن تصل إلى حدود الكارثة الاجتماعية.

     في المجتمع هنالك عجز عن النشاط والاجتماع بذاته، وغياب عن الشأن العام، وتمييز وخوف وتشتّت.

     وفي السياسة قصور في تحقيق الإجماع حول القضية الوطنية، و ضياع في الموقف من "الخارج"،فللمواجهة الناجعة للصراع العربي الإسرائيلي و خاصة بعد وصول شارون الذي يدفع المنطقة و سورية بالذات في قلبها إلى هاوية الحرب، يتوجب توحيد طاقات الشعب و إطلاق قوى التحديث و التغيير و إشاعة الديمقراطية و العقلانية في الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. 

      و غياب لدور البعث ذي المليون و النصف إلاّ ما يراه الناس من سطوة قيادييه الذين صاروا من عالم الماضي. وهنالك إفلاس في أحزاب الجبهة وتجنّب للسياسة الفعلية واستسهال للاستمرار على ما تعودّوه وعوّدوا عليه الناس، الأمر الذي افتقدت من خلاله هذه الأحزاب إرادتها السياسية ووصلت إلى حالة لا تسر ّموالياً ولا معارضاً. مثالها الحي ما يتعرض له تنظيم الاشتراكيين العرب مؤخراً بعد وفاة المرحوم عبد الغني قنوت.

     هنالك أيضاً موقف ملتبس من المعارضة، أو موقف مختلف ما بين رجل سلطة وغيره أحياناً.. مع حذر وتثمير لحالة القمع والترهيب الطويلة، استبعاداً لمواجهة الحالة السياسية الطبيعية التي تتطلّب وجود سلطة ومعارضة، ولمصلحة البلد الملحّة. في حين ما تزال هذه المعارضة أسيرة ماضيها الطويل الراكد هو أيضاً بشكلٍ من الأشكال، مستسلمة لحالة الضعف وعاجزة عن تجاوزه، سواءاً كان ذلك بالأساليب أم بالفكر والسياسة والممارسة.

     أحسّ الناس أن هنالك جديداً ممكناً، وأحسّوا بالحاجة إلى الحراك والتململ ومحاولة العودة إلى النشاط العام. فبادرت نخب إلى إصدار البيانات التي تبحث وتدلّ على أبواب الخروج من الحالة الراهنة. ثم مارسوا الاجتماع اللازم حتى يكون المجتمع حياً، واستنبطوا المنتديات حتى يتداولوا في شأنهم الثقافي ـ الاجتماعي، وابتدأ الشعب السوري بالفرجة على ما يجري  في أوساط المثقفين غير مصدّق بعد أن الأبواب قد انفتحت. ثم جاءت مواقف النظام في منع المنتديات لتؤكد للقلقين قلقهم وللمتشككين شكوكهم.

      لم تظهر في الفضاء الاجتماعي ـ السياسي في سوريا قوى تعبّر بفعلها و مستوى نشاطها عن الحاجات الملموسة للبلاد. فلا الفئات ذات المصلحة في تأمين وتطوير الاقتصاد ذي الطبيعة الرأـسمالية تقدّمت ببرامجها ونظمّت قواها،إلاّ في محاولات فردية ومحدودة حتى الآن. ولا القوى الإسلامية قامت بمراجعة طروحاتها وممارساتها وعادت إلى المساهمة الجدية، على الرغم من الأهمية الخاصة لمشروع ميثاق الشرف الذي طرحه الأخوان المسلمون من الخارج، والذي يشكل انتقالةً نوعية وواعدة. ولا القوى المعارضة الديموقراطية استنفرت قواها على المستوى المقبول، من أجل برنامج وضمن نشاطٍ يلتقي عملياً مع أسئلة وطموح الشعب، ويحوّلَ قلقه على واقعه ومصيره إلى فعلٍ مغيِّرٍ خلاّق.

      يمكن توصيف الحالة الراهنة من الناحية السياسية على أنها "توازن الضعف"  (القائم في جزء منه على الخوف المتبادل ) استعارةً من تعبير توازن القوى. فالقوى الموجودة جميعها ضعيفة، في النظام وقواه المتعدّدة من جهة، وفي المعارضة وقواها المختلفة من جهةٍ أخرى. مثل هذه الحالة تستدعي جهداً إضافياً، وانعطافاً في المواقف الثابتة المتخشّبة، للبحث عن مخرج من المأزق الكبير.                                                

     وصل موفق نيربية إلى سؤالٍ لم يعد الجواب عليه سهلاً: هل العام الماضي هو العام الأول في عهد  يحاول أن يكون جديداً ومختلفاً، أم أنه مجرد عام يلي الأعوامَ الثلاثينَ الماضيةَ ويحمل الرقم الحادي والثلاثين، و يحسبون أنه سوف يؤمن للاستمرار على الحال ذاتها أعواماً وعقوداً أخرى من حياة  شعبنا؟!

4- آفاق الخروج من حالة الاستبداد إلى الديموقراطية

        بدايةً، ينبغي القول إنه أصبح من الواضح استحالة تحقيق الإصلاح والتغيير بالاعتماد على قوى السلطة الذاتية، أو بتحقيق "الثورة من فوق"، أو بما يُسمّى بالإصلاح الرئاسي، هل نستطيع القول أن السيد الرئيس استلم منصباً و لم يستلم سلطة. فجميع القوى التي تُعلن انحيازها إلى الإصلاح في السلطة عاجزة لضعفها أو لتركيبتها أن تنهض بهذا الإصلاح، وتجربة العام الماضي ماثلة للعيان. فللإصلاح رافعته اللازمة التي لا تتحقق إلاّ بتوفير قواه، وهذا غير ممكن إلاّ بالانفتاح على القوى التي لها مصلحة في التغيير، والسير قدماً بالإصلاح السياسي ذاته. تعقيد الأزمة الداخلية يكفي وحده للتوصل إلى هذا الاستنتاج، فكيف إذا تضافر معه تعقيد متزايد في العلاقة مع الخارج، و بخاصة في مواجهة الحالة الإسرائيلية المستفحلة.

      و المدخل إلى عملية التغيير هذه هو إحياء الثقة وبعث الأمل بين الناس، وعناصر هذه العملية لم تتوفر بعد.

     و التغيير على أنواع في  السياسة: تغيير عن طريق العنف للإطاحة بالنظام السائد ولم يعد هنالك مقومات للنجاح في مثل هذا التغيير أو حتى استعدادٌ للتضحية أو ميلٌ للمغامرة بالقفز في المجهول أو إمكانات "لوجستية" كما في القرن الماضي.

     و تغيير عن طريق البرلمان في بلد تفرض سلطته نواباً لا يُمثلون الناس فيه، أو له من التقاليد ما لا ينهدم بسهولة.

     و تغيير من قبل الحاكم ذاته، أو كما سمّاه ماركس "ثورة من فوق" حين تكلم عن التغيير في ألمانيا القرن التاسع عشر.

     و تغيير عن طريق "التعاقد"، ما بين سلطة تسلّم بعجزها عن الاستمرار بالحكم على الطريقة ذاتها أمام أزمة مستفحلة تحتاج إلى جهد جماعي، وقوى الشعب الأخرى التي تجتمع على العقد وتتحاور وتبدأ بالتغيير بشكل يتم التوافق عليه.

     جوهر المسألة حالياً هو الانتقال من حالة الاستبداد أو التسلّط إلى الديموقراطية،الأمر الذي يعني أن معركة التغيير معركة طويلة وصعبة ومعقدة ، ومع الأخذ بعين الاعتبار كل المعاني السابقة للتغيير و كل المخارج المحتملة من المأزق البنيوي العميق للوضع السوري فإن الحاسم والجوهري في كل ذلك و على طول الخط هو وحدة المعارضة و مركزة نشاطها السياسي و اصرارها العنيد على الحلقة المركزية التي هي حلقة الإصلاح الديمقراطي الشامل .

     كانت الدولة الاستبدادية في أوروبا مرحلة انتقالية ما بين الإقطاعية والرأسمالية، أو ما بين الهيمنة المتشتتة والديموقراطية. عهد لويس الرابع عشر وبسمارك من أمثلة التاريخ.

     الدولة التسلطية نموذجها دول أمريكا اللاتينية، حيث يتسلط حاكم باسم الشعب ويوزع التسلط هرمياً، معتمداً على قوانين يسنّها أو يتخطاها. وتسود الاقتصاد والمجتمع نزعة الأوامر والتوجيهات و"القرار السياسي" كلّي القدرة على خرق المنطق.

     الدولة الشمولية نموذجها موسوليني وهتلر والاتحاد السوفييتي، حيث يندمج الكل في الدولة ولا يبقى ما هو ضدّها على تعبير موسوليني، ويتحقق الأمر عن طريق الحزب الواحد المتضخّم، الذي قد يتحول إلى ميليشيا أحياناً، وعن طريق "المنظمات الشعبية" التي تنظم الجميع تحت السيطرة التي تتجسّد في أفراد وأجهزة خفية واسعة النفوذ.

نحن "نعتز" بأن لدينا  شيئاً من جميع هذه "الدول"، وليس لدينا شيء واحد حتى نهايته.

     نختصر المسألة اعتبارياً بأن نقول إنها: الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية، وهذا في علم الاجتماع، أقلّ التعبيرات المحتملة هجاءاً. بل يمكن أن يكون فيه بعض القبول لمرحلة طبيعية في تاريخ الدول (الاستبداد)، انتهى مفعولها منذ زمن.. وهذا أيضاً كلام يحمل النسبية في تعبيره عن الحقيقة.

     النظام بتركيبته يُحمل  من قبل مؤيديه على إيديولوجيا "المستبد العادل" في الممارسة العملية. ليكن الاختلاف على مفهوم العدل إذن.

     هنالك احتمال بأن يتم التغيير على الطريقة الرابعة، وربما كان الناس أغلبُهم يفضلونَها، عن تعب وإرهاق وطول نصب على الأقل. وهنالك نقاط خمس للنقاش كما أرى:

      أولها "ردّ المظالم إلى أهلها" أو "البحث عن الحقيقة والعدالة": هذا يتضمن اتخاذ إجراءات إعادة الثقة و الأمان، بما فيها الاعتذار إلى الفئات و الأفراد الذين مورس ضدهم أو ضد ذويهم الإرهاب و السجن و القتل و التشريد. و يتضمن أيضاً  الإفراج عن جميع السجناء السياسيين والكفُ عن ملاحقة الملاحقين والسماح بعودة المنفيين طوعاً أو قسراً إلى وطنهم و إلى وظائفهم، و الكشفُ عن المفقودين و التعويضُ لذويهم، وإلغاءُ حالةِ الطوارئ والقوانينُ والمحاكمِ الاستثنائية و الحرمانِ من الحقوق المدنية و المنع من السفر. وإعادةُ الأموال المنقولة و غير المنقولة، المصادرةِ و المنهوبةِ و التعويضُ عن الخسائر و الأضرار التي لحقت بأصحابها. وإعادةُ الأجهزة الأمنية إلى مهامها الوطنية والقانونية وإنهاءُ تسلّطها على العباد و تطهيرها من المجرمين و الفاسدين،  و استصدارُ القوانين الصريحةِ بوقف التعذيب و كل أشكال الإكراه المادي و المعنوي و تحديد عقوباتٍ صارمةٍ بحق كل من يرتكب مثل تلك الجرائم، والانطلاق بحرية الرأي والتعبير في مسارٍ طبيعي.

     و ثانيها البحث في أسس الحوار وعناصره والمشاركين به من جميع المهتمين بالشأن العام من معارضين وموالين ومثقفين جميعاً. والبدء في تمرينات على الحوار لا تهدف إلى الاحتواء أو الانتهاز أو المماراة أو التقية أو غير ذلك، بل تمريناتٌ عصريةٌ ومكشوفةٌ وعلنية وجريئة من دون اللجوء إلى الأسلحة الخفيةِ أو  المناورات السلطوية أو المعارضة.

     و ثالثها الاستقرارُ على مبدأ المصالحة الوطنية طريقاً للخروج من حالة التخندق و التلطّي والنوايا السيئة. هذه المصالحةُ مطلوبةٌ ما بين الشعب وأهل النظام، وما بين السلطة والمعارضة بأشكالها، وهي تحتاج إلى الثقةِ التي لا يمكن بناؤُها إلاّ بخطى ملموسةٍ تتعزّزُ من خلالها ميولُ التسويةِ وتتراجع ميولُ العداء والخوفِ والثأرِ.

    و رابعها الاعتراف المتبادل بالجميع من قبل الجميع. ولتتقدم القوى كلّها نحو دائرة الفعل وإرادة التغيير. ليحاول حزب البعث إصلاحَ نفسه وقوى الجبهة المختلفة وفصائلُ التجمعِ الوطني الديموقراطي والحركات الإسلاميةُ وغيرها من القوى التي سوف تتبلور وتنتظم حتماً (هي أو بدائلها) ما دام المجتمع بحاجة إليها. التغيير التاريخي المطلوب بحاجةٍ إلى ما يُمكن أن يكوّنَ كتلةً تاريخيةً.

    و خامسها صياغة برنامج التغيير الوطني الديموقراطي من حيث بنيتُه وترتيبُه و تزمينُه، و من حيث توافُقُه مع الحاجةِ الموضوعيةِ والمعاصَرة والمصلحةِ الوطنيةِ. ولا يختلف أحد كما أظن على التدرّج في تطبيقه، فحتى أكثر البلدان ديموقراطية تقول إنها لم تصل ولن تصل إلى الديموقراطية الحقيقية والمتكاملة، ولكنها تحلم وتبحث وتُطوّر بها دائماً. فبعد أن تتحقق "الكلمة السواء"، وتنبعث الثقة من خلال تبييض السجون وإنهاء حالة الطوارئ وابتعاد الأجهزة الأمنية عن حياة الناس، يمكن الدخول في مرحلة انتقالية تتطور بها الحريات وتنتظم الاختلافات في الإطار الوطني، وتنتعش الحياة الحزبية والجمعيات الأهلية بشكلٍ حرٍّ وشرعي، وتعود الصحافة الحرة، ويسود القانون، وتزدهر المواطنية.. حتى الوصول إلى نظامٍ وطني ديموقراطي يقوم على دستور حديث يضمن للبلاد ألاّ يقطع الاستبداد طريقها إلى المستقبل.

      نحن ندعم الإصلاح، أو أية خطوة إصلاحية. ولكن دعمنا هذا لا يكفي وحده لضمان مسيرة الإصلاح وجدّيتها، ما لم يدعم  أهل الإصلاح أنفسهم، و ما دام خصومه قادرين وحدهم على تنظيم صفوفهم و إفشال أية خطوة إلى أمام. نحن ندعم الإصلاح ما دام نيّةً حقيقية وأفعالاً على الأرض.

     غير ذلك، التغيير قادم لا محالة. ولن يرحم التاريخ من يقف في طريقه، أو يتردّد في سلوك دربه. فإذا كان هذا صحيحاً .. لماذا لا نعمل على تخفيف آلام شعبنا، فقد اكتوى الشعب بالألم إلى درجة لم تعد تطاق و أصبحوا يتوقون إلى مستقبل مفعم بالحرية و الكرامة و الأمن ؟!

5/8/2001                                       رياض الترك