الذهنية العربية

محمد عصام دمشقي

            أعادت أحداث /11/ أيلول وما تلاها طرح المشكلات الأساسية التي تعاني منها الذهنية أو نمط التفكير العربيان في الفكر والسياسة، لكن التغييب القسري للجماهير والنخب يبقي الغالبية في حالة اجترار ذاتي لمقولات ومفاهيم بحاجة  إلى إعادة نظر مستمرة بسبب تغيرات الواقع والحياة وأيضاً بسبب ما تكرسه التجربة التاريخية من خبرة تدفع لنسف أو تعديل الكثير من المفاهيم أو النظر إليها من زوايا مختلفة أو إضافة أبعاد جديدة لها.

وليس غير الهزات الكبيرة ما يخرج الجماهير من ركودها وما يدفع ذهنيتها للتجلي، الأمر الذي يمكن أن يكون إيجابياً، إذا توفر له مناخ حر وديمقراطي، وبالتالي  يثمر تطوراً ونضجاً من خلال التعدد والاختلاف والاحتكاك الفعلي بالأوضاع  والأفكار في العالم.

إن الحضور الكثيف للذهنية العفوية يلقي بثقله عليك معقداً عملية التفكير الحر، فارضاً سلطته التي تلاحقك ببدهياتها ومقدساتها فتجبرك على الصمت  خوفاً من العزلة أو السير بعكس التيار وتحمل تهم التجديف والخيانة، وتبقى الجماهير عصية على التأثر حتى باتجاهات دينية أو قومية تنشد نمطاً من العقلانية.

المثقفون المثقلة أذهانهم بتبعات الإيديولوجية وأنماط التفكير القديمة هم سلطة أخرى بارعة في المحاصرة والاتهام والتكفير، والذين غردوا خارج السرب منهم لم تكن لهم أصوات قوية.

وأخيراً يأتي دور السلطة السياسية، السلطة العقلية، وليس المعنوية كالسلطتين السابقتين لتجبر الجميع على التفكير والتحرك ضمن الإيقاع الذي تضبطه هي لينظم أوضاع الداخل دون إرباك ولينظم العلاقة بالخارج دون إحراج.

ورغم الفروقات والتناقضات بين السلطتين الأولى والثانية وبين السلطة السياسية تجد نفسك بمواجهة خليط سديمي يستخدم نفس الحجج ويصل إلى نفس النتائج موظفاً نمط  التفكير التآمري ومعتمداً المحدودية الوطنية والقومية بالتعارض مع الشمولية الإنسانية، ومعبراً عن ازدواجية ونرجسية واضحتين لكن لا ينتبه لهما. إن تطابق الموقف عموماً يبقي على اختلافات لكنها  غير أصيلة على الأغلب، فالسلطة السياسية بحكم موقعها الرسمي مضطرة، أو تجد في مصلحتها، مراعاة نمط الخطاب السائد عالمياً بغض النظر عن قناعتها به، وإلى حد ما يقوم المثقفون بعمل مشابه لتقوية موقعهم الحواري. فالثقافة لابد أن تأخذ بالاعتبار العمق الإنساني.

أسوأ ما في الأمر هو عدم القدرة على استنتاج الدروس من الهزات الكبيرة السابقة والعودة إلى نقطة البداية، أو إلى نقطة تقاربها، في كل هزة. فالجماهير تنسى ومن الصعب أن تراكم الوعي، في غياب الفعل السياسي المنظم ومناخ الحريات، أما مكابرة المثقفين فلا تفسير لها إلا العماء الإيديولوجي. من هذه الزاوية تبدو بعض الأنظمة والحركات السياسية أكثر قدرة على التقاط الاستنتاجات المناسبة. بسبب علاقتها المباشرة بالمممارسة، بالواقع المعاش.

كل ما سبق يستدعي بقوة تجربة حرب الخليج الثانية/1990-1991/ التي يفترض أنها راكمت خبرة تاريخية كبيرة، وفعلاً كتبت مئات الدراسات التي حاولت تكريس هذه الخبرة فلماذا نبدأ دائماً من الصفر؟ .

ليس غير ضغط العفوية وتوجهات المثقفين، ما أحبط فكرة راودتني في اليوم الأول لأحداث 11/9، إذا كنا نتذرع بالمرجعية الإنسانية حتى لو كان ذلك من قبل البعض ظاهرياً- أمام العالم. في رفضنا للممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، والممارسات الأمريكية بحق الشعب العراقي، ونوقع العرائض وندعم الاعتصامات(1) الخ ..لماذا لم نبادر إلى توقيع عريضة باسم المثقفين تستنكر الحادث بغض النظر عن فاعله، خاصة وأن المنفذين كلهم عرب، ولنقل بعدها ما نشاء في انتقاد السياسة الأمريكية؟ أعتقد أن الإجابة تنحصر بثلاثة محددات أولها عدم نضج المرجعية الإنسانية في ثقافتنا وتوجهاتنا  وثانيها عدم الرغبة في مواجهة المزاج الجماهيري المعادي لأمريكا والرغبة في الاستمرار بالسير خلفه لا أمامه أو حتى معه، وثالثها ربما حسابات التناغم مع توجهات السلطة السياسية التي قد لا تعارض بالضرورة مثل هذا العمل.

هل مقتل ستة آلاف، على الأقل، من الأبرياء لا يعنينا، ولماذا يرفض معظم الناس وحتى المثقفين تسمية ذلك إرهاباً أو جريمة، إذا كنا نرغب بمواجهة السياسة الأمريكية فهذا حقنا وهو مبرر ولكن  إذا كنا ندعي التميز بل الترفع الأخلاقي فعلينا ألا نفصل الغايات عن الوسائل. وفي جميع الأحوال ضحايا الطائرات ومركز التجارة العالمي ليسوا مسؤولين عن السياسة الأمريكية ولا عن فقر الشعوب،وهم ينتمون إلى /70/ بلداً وهم من جميع الأعراق والأديان وإن قال أي إنسان أو طفل واحد هو جريمة لكن منفذي أحداث 11/9 قتلوا في نصف ساعة عشرة أضعاف ما قتله الاسرائيليون خلال عام كامل من الانتفاضة. 

وعندما بدأت أمريكا بقصف أفغانستان وقُتِل مدنيون نتيجة القصف الخاطئ عدنا للتحسر على الأفغان الأبرياء وبالطبع إن الوقوف ضد قتل الأبرياء هو موقف صحيح على طول الخط. إن المقولة المفضلة، في الخطاب الرسمي والثقافي والشعبي هي مقولة ازدواجية المعايير عند الغرب، ولكن هل نشعر بازدواجية مواقفنا؟ في منتدى جمال الأتاسي اكتفى مقدم المحاضرة بالقول أننا ضد الإرهاب ولكنه دعانا للوقوف دقيقة صمت على أرواح الأبرياء من الأفغان وذلك بمجرد وصول أنباء عن عمليات القصف وعدم  وجود أية معلومات عن نتائج القصف .

بداية علينا أن نرى الوضع الشعبي كما هو، لا نبالغ به، ولا نزينه أو نخفف من سلبياته بالانطلاق من فهم خلفيته: الشعور بالغبن والإحباط، العجز، اليأس، الهزيمة، أملاً في وضعه في سياق عقلانية ضرورية للتفاهم مع العالم والغرب. 

لم يصل حجم تأييد الشارع العربي والإسلامي إلى حجم تأييد صدام العراق عام 1992 لأسباب عديدة، لكنه أيد أحداث 11/9/ وهلل لها وشمت بأمريكا. نلاحظ ذلك من حواراتنا مع الناس العاديين ومما نقلته وسائل الإعلام أذكر منه ريبورتاجاً قدمته فضائية الجزيرة عرضت فيها مواقف الأغلبية والأقلية في الشارع المصري. وقد حصلت مظاهرات في الضفة والقطاع وباكستان ودول أخرى، موجهة ضد أمريكا، وفي غزة تم الهتاف لابن لادن وحملت صوره وحدثت مظاهرات ابتهاج مختلفة في لبنان وسورية. أحد الشعارات المرفوعة في مظاهرة الباكستان بعد القصف الأمريكي يقول ان الدم الأمريكي ليس أكثر كثافة من الدم الأفغاني، ولكن يبدو أن  الدم الأفغاني هو الأكثر كثافة من الدم الأمريكي وإلا فلماذا لم يحتج المتظاهرون الباكستانيون على قتل الأبرياء في أمريكا؟ .

إن هذه الازدواجية الفكرية والأخلاقية والسياسية، مهما تكن مفهومة تاريخياً، بحاجة إلى مواجهة جريئة من قبل المثقفين، خاصة المعنيين منهم بخط خطاب عقلاني مع الغرب.

لقد قبل الرأي العام عندنا بترحاب أطروحة صحافية روجتها صحيفة محلية معروفة بديماغوجيتها عن نجاة /4000/ يهودي تغيبوا عن عملهم في مركز التجارة العالمي، وتبنى الكثيرون هذه الأطروحة دون أن يطلبوا البرهان على صحتها مثلما يطلبون من أمريكا البراهين على تورط بن لادن كان هذا القبول في أحد وجوهه خوفاً من خطورة أحداث 11/9 ورعباً من نتائجها وبالتالي محاولة للتنصل من مسؤوليتها والبحث عن فاعلين آخرين، وَمَن غير اليهود وراء مصائبنا؟ هنا نصل إلى نمط التفكير التآمري.

ولا يوجد إحصاء رسمي عن عدد اليهود من ضحايا الأحداث لكن بالتأكيد يوجد عدد غير قليل. والأهم من ذلك كيف نقنع أن /4000/ يهودي قادرون على حفظ السر في بلد مثل أمريكا وفي موضوع كهذا؟ وأية براعة يتمتع بها المخططون اليهود للحصول على هذا العدد الكبير من المتبرعين العرب المسلمين للانتحار من أجل مصلحة اليهود (لا أدري  إن كان نمط التفكير التآمري سيتابع القول أن هؤلاء المسلمين قد غرر بهم !) وأخيراً أية حماقة يرتكبها اليهود ضد البلد الذي نردد ليل نهار أنه حامي إسرائيل؟! كل ذلك في العصر الذي لم يعد يحتمل السرية ويميل بالعكس إلى نشر الأسرار والفضائح لتوظيفها  في خدمة الصراعات السياسية، هذا إذا لم تكن الصحافة هي السباقة بكشف المستور.

يتابع نمط التحليل التآمري المفضل عندنا أن اليهود استهدفوا بإقدامهم على هذا العمل تأليب أمريكا على العرب والمسلمين (المشكلة أن الذين يفكرون بهذه الطريقة ليس عندهم أدنى شك في عداء أمريكا للعرب والمسلمين، فهل هناك ضرورة لزيادة هذا العداء أم أنه قد تراجع ويتوجب إعادته إلى وضعه الأصلي؟!). المهم أننا دائماً في موقع التآمر علينا مثلما كان الأمر عام 1991 عندما ورطت "ابريل غلاسي" المسكين صدام باحتلال الكويت، ولا أدري ان كان عناده وحده هو وراء عدم انسحابه من الكويت بعد أن فهم أن أمريكا والعالم كله جاد في إخراجه. على كل هذه المتابعة المنطقية لا تهم أصحاب النمط التآمري في التفكير.

من المقولات الرائجة التي تستبطن الشماته بأمريكا والتنصل من اتخاذ الموقف المطلوب، مقولة أن ابن لادن هو صناعة أمريكا "وعلى نفسها جنت براقش" ولكن إذا كان ابن لادن صناعة أمريكية ألا تخشون من السير وراءه؟! بالطبع ليس ابن لادن ولا المقاومة الأفغانية صناعة أمريكية وان حظي هؤلاء بالدعم الأمريكي بصفتهم مجاهدي ضد  الوجود السوفييتي.

إحدى الطرق لنفي المسؤولية عن ابن لادن والتي انتشرت في الصحافة العربية وفي الشارع  وعند بعض المثقفين، فحواها عدم وجود إمكانات لدى ابن لادن لتنفيذ عمل بمستوى أحداث 11/9 في سياق آخر نتحدث عن، ونفخر ببراعة وتفوق العرب المسلمين الذين يذهبون للغرب، بالعلم والتكنولوجيا  خصوصاً.. وهو أمر صحيح وان كان لا يقتصر على العرب والمسلمين، حيث يستقطب الغرب المبدعين من كل دول العالم. تحتاج عمليات 11/9 إلى ثلاثة عناصر، إمكانات تكنولوجية  يوفرها الانخراط والتدريب، وإمكانات مالية متوفرة بالطبع، وعنصر بشري مستعد للتضحية وهو العنصر الأكثر أهمية. هكذا يصبح مثل تلك العمليات ممكناً ولا يحتاج إلى  إمكانات دولة أو أجهزة مخابرات متطورة كالإسرائيلية على حد زعم أحد مرددي هذه الأطروحة- لقد صرح بن لادن فيما بعد بامتلاكه لأسلحة كيميائية ونووية وليس أمام أنصاره إلا أحد احتمالين إما اعتباره كاذباً، أو الاعتراف بأنهم  كانوا مخطئين في أطروحتهم  حول عدم قدرة بن لادن على تنفيذ أحداث 11/9 الأمر المدهش أن البعض تجاهل تصريح بن لادن ولا يزال يناقش بنفس الطريقة!

لقد ثبت أن النظام الغربي بمنظومته العلمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية قابل للاختراق وليس الآن مجال ذكر الاختراقات العديدة التي حصلت. نذكر فقط استفادة التنظيمات ذات التوجهات الأيديولوجية المتنوعة، خاصة الأصولية الإسلامية منها، بالاحتماء في الدول الغربية بالاعتماد على البنية الدستورية والديمقراطية والمرجعية الإنسانية والحرية الاقتصادية ولنذكر هنا شكوى بعض الأنظمة العربية من عدم تسليمهم معارضين متهمين بأعمال إرهابية في بلادهم، وحجة الغرب هي عدم تقديم إثباتات كافية أو عدم ضمان المحاكمة العادلة أو احتمال التعرض للإعدام.

الآن يبدو الغرب كله بصدد مراجعة شاملة لعدم تمكين التنظيمات الإرهابية أو الأصولية من الاستفادة من طبيعة النظام الغربي (1) . إن النظام الغربي الذي نهاجمه ليل نهار ونتهمه بالعنصرية والازدواجية هو نفسه الذي يلجأ إليه الناس من الدول المتخلفة هروباً من  اضطهاد سياسي أو ديني أو عرقي أو لتحسين الأوضاع المعيشية، وهو الذي أتاح إمكانات اللجوء والتدريب، التي لا تتوفر في الدول العربية والإسلامية، وهو أتاح إمكانية الحصول على التقنيات وتشغيل الأموال والتنسيق بين المجموعات  باستخدام وسائل الاتصال الحديثة.. إن ازدواجية بعض المثقفين تسبب مرارة أكبر، فهؤلاء لا يترددون عن الإعلان بالسير وراء ابن لادن طالما يواجه أمريكا.. وماذا بعد انتصار بن لادن ؟ أي نموذج للمجتمع سيقدمه؟ هل هو على صورة نظام طالبان الذي ليس نموذجاً حتى لمختلف الاتجاهات الإسلامية في العالم (1) . وإذا كانت الأنظمة الدينية المعتدلة وحتى العلمانية لا تلبي طموحاتكم بنمط الحياة المناسب لثقافتكم فهل سيوفرها لكم ابن لادن؟ أم أنكم بعد انتصار بن لادن على أمريكا ستقلبون له ظهر المجن؟ في حرب الخليج الثانية حصل شيء مشابه، فحتى الذين اجتمعوا بداية على احتلال الكويت قرروا تناسي الأمر طالما أصبحت الحرب بين صدام وأمريكا وقرروا دعم صدام.. هل بسبب العماء الأيديولوجي أم البراغماتية التي ننتقدها نحن الغرب والأمريكان؟!

-2-

اهتمامنا ينصب في هذا المقال على الذهنية العربية، لكن هذا لا يعني أن الذهنية الأمريكية أو الغربية ليست موضع نقاش. إن جوهر التفكير أو السياسة البراغماتيان، بات الآن بحاجة للمراجعة أكثر من أي وقت مضى. وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع السمة الأيديولوجية للنزاعات العالمية، واتجاه الإجماع العالمي تدريجياً نحو مبادئ حقوق الإنسان حق تقرير المصير للشعوب، والديمقراطية، ونشدان نظام اقتصادي عالمي يحقق العدل في العلاقة بين الأمم، والاهتمام بالبنية، وحتى ان كان هذا الإجماع نظرياً على الأغلب فإن له تطبيقات  عملية منها الموقف من نظام "ميلوسوفيتش" لقد كان موقفا داعماً  لقضية عادلة هي قضية الشعب الكوسوفي المسلم الذي تعرض لاضطهاد عنصري، وكانت أمريكا تقف في الخندق نفسه  مع الأنظمة والشعوب المتعاطفة مع الشعب الكوسوفي، أي أنها في الموقف الذي نطالبها به الآن بالنسبة للقضية الفلسطينية.. رغم ذلك وبسبب عدم وجود سياسة ثابتة ومستقرة في اتجاه دعم القضايا العادلة شكك الكثيرون بالموقف الأمريكي وأيدوا "ميلوسوفيتش" مجرم الحرب الوطني الذي يواجه أمريكا، وتناسوا مسؤوليته عن الجرائم الجماعية العنصرية.

إن القضية الفلسطينية الآن هي أعقد قضية عالمية وعلى الغرب وأمريكا العمل على حلها بالانطلاق من المواثيق والأعراف الدولية المقرة وحتى من المحتوى الإنساني الديمقراطي لدساتيرهم. وبالحدود التي قبلها العرب والفلسطينيون ولم تقبلها إسرائيل، حدود تطبيق القرارات الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة ودعم إقامة دولة فلسطينية وحل مشكلة اللاجئين إن حل المشكلة الفلسطينية سيضع المنطقة وربما العالم على عتبة مرحلة جديدة في التصدي  لمشاكل العولمة المختلفة، وإن الصراعات التي يمكن أن تطرحها حركات أصولية أو قومية ستأخذ شكلاً مختلفاً، إيران مثلاً الداعمة للقضية الفلسطينية والتي بدأت راديكالية في موقفها من الغرب وخاصة أمريكا عدلت من نمط  علاقتها بالغرب وهذا لم يكن ممكناً لو كانت  لها مشكلة أرض أو احتلال.

في مجال نقاش الذهنية الغربية والأمريكية خصوصاً يجب أن لا ننسى ضيق صدور الإدارة الأمريكية بقناة الجزيرة الفضائية التي غطت بشكل رئيسي أحداث أفغانستان وأفسحت المجال أمام زعماء "القاعدة" ليعمموا رسائلهم ونداءاتهم، ومارست الإدارة الأمريكية ضغطها بحجة احتمال كون الخطابات ملغومة بشفرات سرية لتنفيذ بعض العمليات. إن هذا الاحتمال حتى لو صح ولا اعتقد أن أحداً في العالم لا يجد وسيلة لتوصيل رسالته،  خاصة إذا كانت لديه إمكانات بن لادن لا يجب أن يبرر الضغط على حرية  وسائل الإعلام . لكن هذه القصة تعيد إلى اشكالات خاصة بنا فقناة الجزيرة .. كانت غالباً موضع تشكيك من قبل المثقفين الوطنيين لأنها تلتقي بمسؤولين إسرائيليين ولم تشفع لها تغطيتها الممتازة  لانتفاضة الأرض المحتلة. ومن جهة ثانية ألا يثبت نفوذ الجزيرة الإعلامي وانزعاج أمريكا منه أنه يجب إعادة النظر في الشكوى والنحيب من السيطرة  العالمية لوسائل الإعلامية التي "تصنع الرأي العام"، كأداة من أدوات العولمة، ألا يعني ذلك أننا عندما نعمل بشكل مناسب نستطيع الاستفادة من "النظام العالمي الجديد" والتأثير به بدلاً من النحيب والشكوى؟.

-3-

إن مطالبة أمريكا بتقديم الدلائل على مسؤولية "بن لادن" وطالبان هي مطالبة قانونية ومشروعة .. وقد صدرت عدة تصريحات أمريكية عن صعوبة إثبات المسؤولية القانونية على بن لادن، والمسؤولية التي يجري الحديث عنها  هي مسؤولية معنوية قد تعني التوجيه عن بعد، ولا يمكن نفي احتمال وجود مسؤولية مباشرة بإصدار أمر التنفيذ وهذا التوقع ينسجم مع دور "أمير الجماعة الإسلامية" بغض النظر عن مساهمته بالتحضير أو التنفيذ يقول الأمريكيون أنهم قدموا دلائل استخبارية لأوروبا للحصول على موافقة الأطلسي على دعم أمريكا ديغول ويقول الأوروبيون "بريطانيا وفرنسا" أن معلوماتهم الاستخبارية توصلت إلى نتائج  مشابهة للتي توصل إليها الأمريكيون، من الناحية النظرية توجد أطراف داخلية وخارجية متضررة من السياسة الأمريكية، "تسعة عشر شخصاً عربياً هم الذين نفذوا العملية".

لذلك فإن الشبهات تدور حول الأفغان العرب وبن لادن فمسؤولية الأخير عن تفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام ثابتة، وكذلك محاولة تفجير مركز التجارة  العالمي عام 1993. إن تصريحات بن لادن تجاه تفجير السفارات وأحداث 11/9 متشابهة. فهو يشيد بالعمل والقائمين عليه ويعتبرهم "كواكبة من كواكب الإسلام"، هم إذن ليسوا يهوداً حسب الرواية العامية، وليسوا صرباً حسب رواية هيكل ولا أمريكيين حسب روايات أخرى. وبن لادن لم ينسَ في كلمته أن يربط الأحداث في محاولة لعرض رصيده، فقد ذكر في كلمته أحداث السفارتين الأمريكيتين  في أفريقيا التي لا يستطيع إلا أن يفخر بها. ولو كان الآخرون هم الذين نفذوا هذه التفجيرات لكان على بن لادن أن يتوجه إليهم بالشكر لأنهم ثأروا لنا "فما تذوقه أمريكا اليوم هو شيء مما ذقناه منذ عشرات السنين" (1). وينطبق الشيء نفسه على نص كلمتي "الظواهري" و "أبي غيث" في تصريح تالٍ لصحيفة باكستانية يقول بن لادن بأنه يمتلك أسلحة نووية وكيميائية وفي معرض دفاعه عن أحداث 11/9/ يقول بأنها ليست موجهة ضد النساء والأطفال وإنما ضد رموز السلطة.

إن تحليل مضمون نصوص كلمات القادة :بن لادن والظواهري وأبي غيث لا يترك مجالاً للشك في مسؤوليتهم، أما المسؤولية القانون البحتة فموضوع آخر.

 من جهة أخرى لم ينتبه الذين يبرؤون بن لادن ويتهمون أمريكا بجعله كبش فداء للثأر لهيبتها، لم ينتبهوا إلى سلوك النظام الأمريكي تجاه مسألة الجمرة الخبيثة، فتوقيتها  وحده يشي إلى حد كبير بفاعلها، لكن الأمريكان لم يتسرعوا باتهام بن لادن رغم تهديداته- رغم أن اتهامه يخدم المصالح الأمريكية تماماً ويبدو قابلاً للتصديق، وقد أشار المسؤولون الأمريكيون إلى احتمالات عديدة. في مسألة الجمرة الخبيثة لا توجد خيوط سابقة تسمح بتوجيه الاتهامات، عكس حوادث الطائرات التي توجد فيها خيوط كثيرة تسمح بمتابعتها، حيث يوجد معتقلون سابقون واعترافات .. إن الإقرار بمسؤولية بن لادن ومنظمة القاعدة، ورعاية وإيواء أفغانستان لهم لا يترتب عليه بشكل آلي القبول بالضربة العسكرية دون تحفظ، فالقبول باستمرار الحرب أو الحصار الذي لا يؤدي إلى إسقاط النظام، يؤدي إلى تجويع الشعب ومعاناته لذلك اتجه التفكير نحو العقوبات الذكية التي يمكن أن تصيب الحكام ولا تصيب الشعب. ولكن حتى لحظة كتابة المقال كان تراجع وسقوط النظام الطالباني ومعه القاعدة أسرع مما هو متوقع ولم تبق له إلا مناطق محدودة، وذلك بفضل التعاون بين المعارضة الأفغانية والقوات الأمريكية والغربية .

إن ملاحقة وضرب منظمة القاعدة والمسؤولين عن إيوائها "نظام طالبان" هو عمل مشروع وقد ساهمت الأمم المتحدة في إسباغ المشروعية عليه لكن علينا جميعاً أن لا نسمح لحرب مشروعة بتجاوز الاشتراطات الأخلاقية الضرورية التي تثبتها الاتفاقات الدولية.. مع  الإقرار أنه في كثير من الأحيان يصعب تحديد المسؤولية عن الخروقات الأخلاقية وأحياناً يحتاج الأمر لسنين عديدة لكشف بعض التجاوزات .

الإرهاب

إن تحديد مفهوم الإرهاب مطلب محق، لكن تحديده ليس هاماً بالنسبة لأحداث 11/9 فهي أحداث إرهابية بالتأكيد، بمعنى الكلمة تماماً " Terrorism "، إنها ترتبط بالإرهاب، بالذعر الناتج عن الإرهاب، بما يوقعه الرعب في النفوس، بالفظاعة والهول (1)

إن إدانة مرتكبي أحداث 11/9 لا يجب أن تنتظر تعريف الإرهاب، لكن تعريف الإرهاب مهم في المرحلة التالية مرحلة تعميم الموقف من الإرهاب عالمياً، الأمر الذي تسعى إليه أمريكا والغرب.. إن شحن المصطلح اللغوي بمغزى سياسي وعسكري يتطلب توضيحات إضافية تتعلق أولاً بالتمييز بين الإرهاب والعنف .. فاللجوء إلى العنف كوسيلة صراع يبدو مبرراً في حال استخدامه من قبل طرف آخر محتل مثلاً- أو عندما لا يتيح لك الطرف الآخر الحاكم  التعامل بوسائل الصراع السياسي المألوفة: الانتخابات، المظاهرات، التنظيمات السياسية، النقابات  الإضرابات، الصحافة.. الخ فارضاً استمرار سلطته بقوة أجهزته العسكرية. لكن قبول مبدأ العنف لا يعني القبول بكل أشكال العنف التي تمارس بغض النظر عن أي التزام أخلاقي ان استهداف المدنيين والأبرياء يبقى مرفوضاً في جميع الأحوال. إن أخلاقيات الحرب كانت  مسألة مطروحة منذ القدم، وفي النص الديني الإسلامي ثمة تنوع يسمح بقبول أشكال مختلفة من الصراع، وليس الحديث الموجه  إلى جنود الجيش الإسلامي إلا جانباً من هذه الأشكال. لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا طفلاً ولا تقطعوا شجرة. لقد تمت صياغة أخلاقيات الحرب في معاهدات ومواثيق دولية  مجرد وجودها كان يعني ارتقاء البشرية حتى لو كانت هذه الأخلاقيات تخرق مراراً .

إن الطرف القوي في الصراع يخرق أخلاقيات الحرب لحسم الصراع بسرعة، أمريكا في فيتنام مثلاً، والطرف الضعيف صاحب الحق الذي يناضل لاسترداد أرضه قد يبرر لنفسه عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية.. وهذا ما قامت به بعض المنظمات الفلسطينية، خطف طائرات واحتجاز رهائن.. بهدف التعريف بالقضية الفلسطينية، لكنها انتبهت فيما بعد إلى أن سلوكها أدى إلى نتائج معاكسة تماماً. ولا ننسى أن الطرف الذي يستخدم العنف ضد المحتل، إذا لم يكن محصناً بأخلاقيات ملزمة، يجد ما يغريه في استخدام العنف ضد خصومه أو منافسيه المحليين.

-4-

ماهي القضية التي يحملها منفذو أحداث 11/9

رغم وجود بعض الأخلاقيات في الخطاب الذي وجهه القادة الثلاثة للقاعدة يتضح أن القضية التي يعملون من أجلها هي قضية فلسطين والعراق. "أبو غيث" يعمم المعركة لتصبح معركة الإسلام ضد اليهود والنصارى، ولا ننسى أن طالبان كانت قبل عدة أشهر في معرض مواجهة الديانة الأولى من حيث العدد "البوذية" بتحطيم التماثيل الشهيرة التي تعتبر أثراً تاريخياً وإنسانياً نادراً، واستعدت بذلك بعض شعوب الهند وشرق أسيا ضد المسلمين. ويضيف ابن لادن قضية خروج الجيوش الكافرة من أرض محمد صلى الله عليه وسلم . لكنه يبدو مستنداً إلى مرجعية إنسانية عندما يتحدث عن مقتل مئات الألوف من اليابانيين "الإشارة إلى هيروشيما وناغازاكي" الظواهري يحاول مخاطبة الشعب الأمريكي بمنطق مقبول حول سبب كراهية المسلمين لأمريكا، لكن من يقوم بأحداث 11/9 ولا يميز فيها بين برئ وغير برئ كيف يتوقع أن يستجيب الشعب الأمريكي لخطابه؟. يقيم الظواهري أيضاً مقارنة أخرى غير موفقه (1). فهو لا يقبل أن تتكرر مأساة الأندلس في فلسطين مرة أخرى" وهذه المقارنة ليست لصالحه ولا لصالح القضية الفلسطينية فالأندلس احتلها العرب وأخرجوا منها، وإذا ادعوا شرعية وجودهم كمحتلين فلماذا نرفض ادعاء إسرائيل شرعية وجودها في الأراضي العربية المحتلة؟.

إن الفلسطينيين ، رغم حصول مظاهر للتأييد والابتهاج، يفسرها الكثيرون بالشماتة بأمريكا،  لم يصطفوا وراء بن لادن فهم قد استفادوا من دروس حرب الخليج ومن اصطفافهم الخاطئ وراء صدام. وفي جميع الأحوال النضال الفلسطيني سيجد دائماً أشكال  النضال المناسبة. وابن لادن لم تكن القضية الفلسطينية على جدول أعماله إلا مؤخراً فقد كانت أولوياته الجهاد ضد الشيوعية في أفغانستان ثم التفكير بإنشاء جيش إسلامي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي ثم تحرير اليمن الجنوبي من الشيوعيين .

وفيما بعد دعا باول إلى "وقف العنف والتحريض" وحضها ( أي إسرائيل) على أن تحضر شعبها للتسويات القادمة" وقال ان إسرائيل " يجب أن تكون مستعدة لإنهاء الاحتلال بما يتناسب مع القرارين 242 ة 338 وأن تقبل بدولة فلسطينية قابلة للحياة يستطيع فيها الفلسطينيون أن يقرروا مستقبلهم على أرضهم وأن يعيشوا بكرامة وأمن " (2) .

أما بالنسبة لقضية العراق فابن لادن لا يختلف عن غيره من الذين يستخدمون بوصلة العداء لأمريكا كمقياس وحيد ومحدد للوطنية ولذلك يختبئ إسلاميون وقوميون وماركسيون وراء قضية الشعب العراقي ليهاجموا أمريكا، وليتجاهلوا المسؤولية الأساسية للنظام العراقي ولرئيسه عن مصير هذا الشعب الذي قتل منه من قتل في القادسية وأم المعارك وهجرت الملايين منه بالضغط القومي أو الطائفي.

 

 

-5-

أمريكا والعرب والمسلمون

لا يكتمل التحليل ولا تصل الذهنية إلى راحتها مالم تعط المشكلة أبعادها الدرامية، حتى النهاية، فالخطاب الذي نسمعه في الشارع ويورده صحافيون وكتاب، يعتقد أن العرب والمسلمين في خطر، وأبو غيث يدق نفير الجهاد ضد اليهود والنصارى، وكملت تصريحات بوش حول الحرب الصليبية، التي اعتذر عنها لاحقاً، وتصريحات بيرلسكوني عن تفوق الحضارة الغربية، كملت الصورة من الطرف الآخر .

قرأت تفسيراً يعتمد اللغة كمرجع، يخفف قليلاً من قيمة تصريح بوش المتعلق بالحرب الصليبية التي تعني حملة عنيفة وليس بالضرورة حرباً دينية. كما هو المعنى الأصلي للكلمة. وبغض النظر  عن التفسير اللغوي فإن سلوك الرئيس الأمريكي الثاني والإدارة الأمريكية لم يكن متسقاً مع مثل هذا التصريح إذا كان بوش يقصده بمعناه الأصلي. فقد صدرت  تصريحات عديدة تؤكد التمييز بين الإرهاب وبين العرب والمسلمين كما "زار بوش المسجد الرئيسي في واشنطن وأنذر الذين يقومون باعتداءات على العرب والمسلمين وشدد على أن مثل هذا التصرف يتناقض مع قيم التسامح الأمريكية وأن الجالية العربية والإسلامية جزء مهم من المجتمع الأمريكي . (1) وكان الخطاب الصحافي، في الصحافة الكبرى خاصة رزيناً ومعتدلاً، على حد تعبير أحد العرب الأمريكيين، ولم يسارع إلى توجيه الاتهامات، وبالطبع وجد خطاب عنصري في بعض الصحف وكما حصلت بعض الاعتداءات على العرب والمسلمين (2) لكن بعد فورة الغضب حلت موجة من التعاطف الشعبي حيث "اتصل كثير من الأمريكيين بأصدقائهم ومعارفهم العرب والمسلمين يتفقدون أحوالهم.. (3) . وفي جميع الأحوال من يسمع رأي أعضاء ومسؤولي الجاليات العربية والإسلامية في أمريكا سيجد أن خطابهم يختلف تماماً عن التصورات  المتداولة شعبياً أو التي يروجها البعض. لكن مع ذلك ثمة خسارة واضحة سببتها أحداث 11/9 يعبر عنها هشام شرابي بقوله أن ثلاثين عاماً من الجهد ذهبت بيوم واحد! .

أخيراً، وليس أبداً انطلاقاً من النتائج التي توصلت إليها الأوضاع في أفغانستان، حيث سقطت حتى الآن أغلب المدن وبينها كابول العاصمة،  لا أعتقد أن نظام الحكم المنهار سيشكل نظاماً جاذباً لأي من الاتجاهات الإسلامية لتقيم نظاماً على نمطه فهو ليس "الكومونة" التي ألهمت "الثورة الشيوعية" والتعاطف معه من بعيد وبسبب من العداء لأمريكا والشماتة بها لا يعني الاستعداد للامتثال له، ولكن الأهم من ذلك كلمة أن نكرس دروساً نستفيد منها في أزمات قادمة دون الدوران على محيط الدائرة والعودة إلى نقطة البداية أو ما يقاربها في كل أزمة جديدة.

 

 

                ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 


 


(1) في حادثة لا تخلو من الدلالة أنهت السلطات السورية اعتصام بضعة شبان فلسطينيين أمام مقر تابع للأمم المتحدة في دمشق يوم 11/9 وكانت قبل ذلك تغض النظر عنه.

(1) طالبت /21/ منظمة أمريكية تعمل في مجال حقوق الإنسان بكشف مصير المعتقلين وهم حوالي /1000/ شخص. منذ 11 أيلول الماضي .

(1) انظر على سبيل المثال موقف جماعة العلماء المسلمين في أوروبا .

(1) نص كلمة بن لادن الراية القطرية 8/10/2001

(1) انظر قاموس المورد

(1) سبقه إلى ذلك الدكتور مصطفى السباعي عام 1935 (انظر مقاربات العدد الثاني والثالث 2001 علي صدر الدين البيانوتي ).

(2) الحياة 20 ت 2 /2001 العدد 14128

(1)                 الغضب وبدايات التساؤل حليم بركات الحياة 24ت1 2001

(2)                  انظر "موقف العرب الأمريكيين وهجمات الحادي عشر من سبتمبر "جيمي زغبي"

(3)                  ومع سابق "الغضب وبدايات التساؤل .