الإرهاب الدولي وعسكرة العالم

غالب عامر *

-1-

بعد الأيام الحافلة بالذهول والمفاجأة التي أعقبت "الضربة الفادحة" لكلٍ من واشنطن ونيويورك، وبعد ذلك الطوفان الإعلامي، والحراك السياسي واسع النطاق لزعماء الدول والقارات، حسمت الولايات المتحدة الأمريكية أمرها في التوجه نحو أفغانستان و"تنظيم القاعدة" بكل أدوات وأسلحة الفتك والتدمير الحديثة والتقنية الأولى في العالم، وشن الحرب على كل بيوت الطين والفقر والبؤس، وكل الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء القاطنين في رحاب المجاعة والتخلف والشقاء، تحت دعوى القضاء على الإرهاب" وإقامة "عدالة بلا حدود"؟ على هذا الكوكب، بعد حرب "عالمية" وعدت الإدارة الأمريكية بأنها ستكون لعدة سنواتٍ قادمة.

ويمكن للفكر السياسي أن ينحو في اتجاهٍ مختلفٍ عما تقدمه وسائل الإعلام من أخبارٍ وتحليلات متعددة للحدث اليومي، وما تتم متابعته من صور المأساة القائمة للعنف الذي أحدث "الضربة الفادحة" في 11 أيلول ورد الفعل الأمريكي، أو بالأحرى احتمال أن يكون الاختراق الكبير صنيعة تنظيم القاعدة الإسلامي بقيادة ابن لادن، وفقاً لمعايير ومعطيات التحقيقات الفيدرالية الأمريكية، ون ثم يأتي انتقام أشبال الكاوبوي من الأبرياء أولاً، لعل في ذلك، أن يكون السبيل في الوصول إلى قواعد "الحلفاء" القدامى، زمن الصراع المسلح مع قوات الاتحاد السوفياتي سابقاً، في نفس الموقع الجغرافي والإيديولوجي والسياسي.

لذلك فإن تحليلات الأحداث، واتجاهات السياسة الأمريكية والدولية، وفقاً  لنمط التفكير التبسيطي / الخطي لم يعد مجدياً، فالنتائج بعيدة المدى لعملية التدمير التي ابتدأت في الولايات المتحدة ليتسع مداها في أفغانستان، ويمكن لها أن تمتد إلى أصقاع متعددة في العالم، تتسع رقعتها أو تضيق تبعاً للالتباس المقصود في تحديد مفهوم "الإرهاب"، هذه النتائج تفسح  المجال لمزيد من التداخل والتشابك في التداعيات القريبة والبعيدة.

لذلك، تجدر الإشارة أولاً، إلى عدد من الملاحظات المنهجية التي يمكن لها أن تؤسس لاستقامة التحليل، وفق رؤية موضوعية تهدف إلى استشفاف آفاق المستقبل.

1- ليس هناك ما يوازي قصور وانكشاف الأمن الداخلي الأمريكي، الذي أدى إلى نجاح عملية الاختراق البسيطة والمعقدة بصورةٍ فائقة بآن واحد، إلاّ ذلك الارتجال المتسرع في عملية التحقيق حول منفذي "الضربة الفادحة" والاتهام الأمريكي الذي وجه منذ الأيام الأولى- وقبل استكمال التحقيق مقدماته اللازمة_لتنظيم بن لادن، مما يوحي أن مسار التحقيق وإجراءاته الأمنية والقانونية أضحى أداةً يمكن توظيفها لخدمة توجهات سياسية أمريكية، تستهدف تحقيق المصالح الإمبريالية في منطقة بحر قزوين وثرواتها الباطنية "النفط"، ودرء المخاطر المحتملة من عودة روسيا إلى موقع الثنائية القطبية، أو التواجد العسكري مباشرة أمام ما يمكن أن يقوم من تحالفات دولية في منطقة الشرق الأقصى، وذلك بدلاً من أن يكون البحث عن هوية الجناة سبيل التحقيق وهدفه الوحيد.. وسرعان ما أخذت سحب الدخان المتصاعدة في أفغانستان نتيجة للقصف الأمريكي، تحجب إمكانية امتداد الرؤيا الموضوعية لحقيقة ما حدث وأسبابه العميقة.

2- وفي واقع تفاقم الغضب الأمريكي وانشغال الإدارة الأمريكية في دراسة الأهداف البعيدة لحرب شاملة وصياغة تحالفاتها الدولية عبر عملية "الاصطفاف" التي "أمرت" بها، أغفلت بدرجة كبيرة حقيقة الأسباب لما حدث، ويمكن أن يحدث من اختراقات عميقة لأمن واستقرار هذه الدولة أو تلك، من الدول المعنية بصورةٍ مباشرة في وضع الأسس الرئيسية للسياسة الدولية والعلاقات السائدة بين الأمم والشعوب،  وما ينتج عن هذه  السياسة من أضرار كبيرة تصيب بلدان العالم الثالث، من أزمات اقتصادية متفاقمه، وتعاظم للتبعية والاستغلال، وسيادة منطق القوة، ومصادرة الحق الوطني في الاستقلال والسيادة.

كذلك الأمر، فيما يخص تاريخ النشأة والتكون، وتطور القوة لمعظم المجموعات الإرهابية المنتشرة في بقاع مختلفة من العالم، والجهات التي كانت تمول هذه المجموعات، والمهام التي أوكلت إليها في أصقاعٍ متعددة من القارة الأمريكية، وأوربا، وشرق آسيا، إضافة إلى الإرهاب الدولي الذي ارتكبته "إسرائيل" وما تزال تمارسه بصورةٍ يوميه ومتصاعدة إلى درجة أن هذا الكيان الصهيوني لم يعد يفصل بين الحرب والجريمة، ولا يتوقف عند حدود معينة، في إطار هذا الصمت الأمريكي عن اختراق وانتهاك كافة القوانين والأعراف الدولية، والتعبير عن الانحياز الأمريكي لفضح ما يشير إليه التقرير الرئاسي الذي أعدته مجموعات البحث المكلفة من البيت الأبيض، عن مجمل القضايا العالمية، والتوصيات المقترحة حول تحديد السياسة الأمريكية في الفترة الرئاسية الجديدة للرئيس جورج بوش، والذي نشرت جريدة السفير اللبنانية مقتطفات منه خاصة بأزمة الشرق الأوسط، أعدها الكاتب المصري محمد حسنين هيكل في العدد /8989 تاريخ 29 آب 2001 / إذ يشير إلى مجموعة من الأفكار والمقترحات السياسية من أبرزها: العمل على منع نشوب حرب إقليمية في الشرق الأوسط عبر التأكيد الدائم على أهمية التحالف الاستراتيجي الأمريكي مع "إسرائيل" حتى يفهم الجميع دون التباس، أن القوة الأمريكية غالبة، إضافة إلى أن تدخل العراق في الصراع العربي /الإسرائيلي أمر لا يمكن السماح به، ولا بد من مواجهة المعارضين للسياسة (الأمريكية) بسياسة رادعة، ومنها أن على سوريا أن تتأكد أن الاستمرار في دعم حزب الله- سوف يعرضها لضربات إسرائيلية موجعة!!

- ولا بد من إعادة تقييم تجربة المفاوضات السلمية، وتشجيع عملية التغيير في سوريا  ولبنان، تفتح الباب أمام مفاوضات مع "إسرائيل" يتم توجيهها والسيطرة على مجرياتها!!

- ويمكن السماح لأطراف دولية أخرى لبذل الجهود من أجل تخفيف حدة التوتر دون السماح لأنفسهم بالتدخل في عملية التفاوض بين الأطراف.

- ويحظر على السلطة الفلسطينية التصرف من جانبها فقط في الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية.

-  والتوصية الهامة تتلخص في بذل كل الجهود لمقاومة "الإرهاب" وتشجيع التعاون الدولي والإقليمي لمواجهته، مع ملاحظة وجود مكامن له في إيران وباكستان واليمن وأفغانستان، وعلى "الرئيس" أن يكون مستعداً للقيام "بإجراءات نهائية ضد القوى التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة" ويبدو واضحا هذا الإنحياز الكامل للعدو الصهيوني، والموقف المعارض أوالمعادي للحق الوطني الفلسطيني وأسلوب نضاله من أجل التحرر والتحرير، في الوقت الذي تمارس فيه " إسرائيل" الإرهاب الدولي دون مساءلة جادة

3- والتعاون الدولي الذي يشير إليه التقرير لمكافحة "الإرهاب" يتخذ صفة الإلزام المقرون بالتهديد الواضح للدول التي ترفض الدخول في بيت الطاعة الأمريكي و" الاصطفاف" خلف قاذفات القنابل والصواريخ المدمرة.

ويبدو أن الإبقاء على مفهوم "الإرهاب" ملتبساً، وعلى نتائج التحقيق في الهجوم على واشنطن ونيويورك غامضة، له ما بعده في توسيع أو تضييق دائرة الاتهام بالإرهاب وفقاً لمعايير الطاعة والولاء والتأييد لما تتخذه الإدارة الأمريكية من إجراءات عسكرية دون مناقشة أو معارضة.

ويبدو أن الدول الكبرى التي تساند وتدعم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها على أفغانستان قد نسيت أو تناست أنه يجب اكتشاف الخطأ وليس الحقيقة، لأن المعركة ضد الخطأ والوهم والأكذوبه هي التي تخاض فيها المعركة من أجل الحقيقة.. ويبدو أن التاريخ الجديد قد نسي بأسرع مما ينبغي الطابع الحاسم للخطأ والمكر، عندما محا، إزدراء، تاريخ الممالك والخلافات والمؤامرات والمعارك لصالح التاريخ الطويل لسلاسل الأفاعيل الاقتصادية والتحولات  الاجتماعية والتقدم التقني المتسارع، لذلك يفترض العودة إلى اعتبار التاريخ زمناً موصولاً تتعذر فيه الانقطاعات النهائية.

4- ما يثير حفيظة الشعوب دائماً، ذلك التدخل السافر للقوى الخارجية في الشؤون الداخلية للدول التي تعاني من حالة القلق والاضطرابات الداخلية، هذا التدخل الذي أضحى محوراً رئيسياً للسياسة الخارجية الأمريكية، التي تسعى دائماً لاستغلال الأوضاع الناشئة عن انعدام الاستقرار في البلدان النامية لتفرض عليها سطوتها وإرادتها وفقاً لمصالحها الرأسمالية المتنامية مع تحولات العولمة القسرية الجديدة، وتدعم قيام الأنظمة المتوافقة وهذه المصالح بغض النظر عن إرادة الشعوب وحقها الوطني في تقرير مصيرها.

ثمة، إذاً مجموعة من المعايير التي تفتقد إلى نواظم ثابتة وواضحة، مما يجعل التمييز بين العدو والصديق، وبين من ينشد السلام والأمن والاستقرار ومن يعمل على تقويضه أمراً خاضعاً لنزوعٍ في السياسة وفي النظر إلى القضايا بمنظار مناكف للحرية الإنسانية والعدالة والديمقراطية، ومحكوم بإرادة القوة، وقوة الانفعال الناتج عن الإخفاق الكبير أمام المفاجآت غير التقليدية في حماية الأمن الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية التي تعرضت هيبتها ومكانتها الدولية لهزة عنيفة طاولت عنجهية اليقينات السائدة لديها عبر اختراق لكل التصورات المحتملة .

ولن نتحدث هنا، عن  معضلة العصر ونتاج التحولات العاصفة لنهائيات  القرن العشرين، المتمثلة في العولمة وآلياتها الاقتصادية والمعلوماتية والسياسية،  وما تثيره من قلقٍ وشعورٍ بفقدان الأمن القومي لمعظم دول وشعوب  العالم مهما كانت درجة تقدمها أو تخلفها .

إن ازدياد التفاوت الطبقي، والجور الاجتماعي داخل المجتمعات، وفي العلاقات بين الدول والأمم من شأنه أن يفاقم حالة التوتر السياسي على مستوى العالم ويجعل الاحتكام لمنطق القوة والرغبة في السيطرة طاغياً، وليس بعيداً في  الزمن ما حدث في سياتل، وجنوه، ودوربان وغيرها من المحطات التي تعبر عن الأزمة المتفاقمة في واقع العلاقات الدولية السائدة .

علينا إذاً، ان ندرك كيف يتحول التاريخ، وكيف يمكن لنا أن نتحول معه من  موقع المبادأة والمبادرة، ومن ثم يجب النظر إلى التحولات العميقة بأبعادها المتعددة، فليس الحدث السياسي وحده، أو العامل الاقتصادي ما يشكل هذه التحولات،  فمع بداية العقد التاسع من القرن الماضي أخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش  (الأب) يتحدث عن أسس ومرتكزات النظام العالمي الجديد بعد انهيار الثنائية  القطبية، على قاعدة القبول بالأحادية القطبية للولايات المتحدة في ظل العولمة  والثورة المعلوماتية وتحول الكوكب الأرضي إلى مجرد قرية كونية.

وقد واكب هذه الدعوة، محاولة الإدارة الأمريكية معالجة العديد من الإشكاليات  الدوليه، ومن أبرزها قضية الصراع العربي/ الصهيوني، وذلك عبر انعقاد مؤتمر مدريد ومن ثم توقيع عددٍ من الاتفاقيات الثنائية بين "إسرائيل" وكلٍ من الأردن  والسلطة الفلسطينية، دون تحقيق نتائج ملموسة على صعيد الحل النهائي، وبناء  التسوية الدائمة. نظراً للطبيعة البنيوية للكيان الصهيوني، من جانب،  والانحياز الأمريكي لهذا الكيان في معالجة الترتيبات النهائية، مما دعا الشعب  العربي الفلسطيني للعودة إلى الانتفاض الوطني المقاوم للاحتلال لنيل استحقاقاته السياسية .

هذا النموذج الواضح يندرج في إطار العديد من الإشكاليات التي ما تزال شاهدة على الإخفاق الكبير نتيجة للكيل بمكيالين، إضافة لتهميش وإغفال دور الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة، وعدم إدراك الجذور التاريخية والأبعاد الحقيقية للمشكلات الدولية المتفاقمة .

وفي أيامنا هذه، وبعد مضي أكثر من عشر سنوات على تلك الدعوة الأمريكية، حيث ندرك  الآن، كيف يمكن لأيديولوجيا معينة أن تحمل إمكانية مزدوجة  محررة ومستبدة، وأن تحقق أحياناً هذه الإمكانية المزدوجة، يتوجه  الرئيس بوش (الإبن) بدعوته الى حرب شاملة على الإرهاب، ذلك الخصم الذي لم تتحدد جبهته، مما يجعل العشوائية ضرباً من ضروب التصرف  والممارسة الراهنة .

وفي كلا موقفي الأب والإبن، في الدعوة لبناء نظام عالمي جديد، والدعوة لاعلان الحرب على مستوى العالم، مجموعة من النقاط التي تشترك في التأكيد على منظومة من الأفكار التي ينبثق عنها الموقف الأمريكي من العالم، وفي مقدمتها محاولة انتزاع القرار السياسي الذي يضمن مصالحها الحيوية. وفرض نوعٍ من الفكر  الوصائي، وإقصاء الرأي المعارض، إضافة لمحاولة وضع مجموعات الدول في المناطق  الإقليمية المختلفة من العالم في واقع من التبعية الاقتصادية والسياسية.

ويدعم هذا التوجه الحضور العسكري والتقني والاقتصادي الأمريكي المتفوق في مختلف الميادين، وغياب الفاعلية المرجوة والحاسمة  لهيئة الأمم المتحدة،  وهيمنة آليات وبنيات العولمة الجديدة التي يميل علماء الاقتصاد والسياسة إلى  إسباغ لقب "أمركة العالم" عليها، مع التحفظ على هذا اللقب  نظراً لأن  البنية الجديدة لهذه العولمة متخارجة في تطور آلياتها المتعددة من إمكانية  السيطرة عليها.

ثمة، إذاً، أزمة عميقة تطال بنية هذا النظام العالمي، وتفصح عن ذاتها في  تجليات متعددة في مجال الاقتصاد، والثقافة والبيئة، والعلاقات الدولية،  لتصل الى تهديد الأمن العالمي برمته، حيث يتحول الإرهاب إلى ظاهرة عامة  تشترك فيه المجموعات والدول العدوانية في دائرةٍ واحدة .

لسنا، إذاً، في "مرحلة جديدة" من التاريخ، وإنما نحن الآن في لحظة  الأهمية للمراجعة النقدية، وفيها لا بدّ أن تضع الأمم المتحدة والدول  الكبرى ومواقع العلم والثقافة، نفسها،موضع المساءلة، وإعادة طرح  القضايا طرحاً جذرياً.

كيف يمكن لمجموعة "إرهابية" ودولة الأحادية القطبية، ان تضع العالم بكل حضارته، وتقدمه، وعنجهيته، وسط حرب عالمية جديدة؟؟

يبدو أن هناك أخطاء يرجع مداها وتراكمها المستمر إلى ما قبل نصف  القرن الماضي، ومنها أنّ التوافقات التي أدت إلى إنشاء هيئة الأمم المتحدة  استندت إلى معادلة التوازنات الدولية الناجمة عن نتائج الحرب العالمية  الثانية. وفي هذه المعادلة ما يكفيها، لأن تبقى العلاقات الدولية محكومة  بإرادة القوة ومنطقها الخاص على امتداد الحرب الباردة زمن الثنائية القطبية، وما أعقبها من خللٍ في ذلك التوازن مما أفقد المنظمة الدولية فاعليتها وقدرتها على التأثير الحاسم في معالجة القضايا الكبرى .

لقد أضحت مقولة "المجتمع الدولي" في ظل المعلوماتية وثورة الاتصالات والمواصلات  وتشابك المصالح الدولية بدرجة كبيرة،من المقولات التي تستأثر باهتمام خاص، في واقع مضاعفة التأثير المتبادل، والتداخل، والتنوع، والتعددية للأمم والشعوب والدول.

ولم تعد الوثائق الدولية الراهنة، قادرة على الوفاء بالاحتياجات الحيوية  لتنظيم العلاقات بين أبناء هذا المجتمع، خاصةً، أن التطورات المتسارعة تصيب  كافة جوانب الحياة للأمم المكونة له، وإن بدرجات متفاوته، مما يتطلب إعادة  النظر بكافة هذه الوثائق والمواثيق، ومجموعة المهام الخاصة بالمؤسسات الدولية  القائمة، ومدى قدرتها على التأثير في القرار السياسي الدولي .

وفي هذا الإطار، لابدّ من إعادة التفكير بصورة جدية بمفهوم "العقد الاجتماعي"  والأسس النظرية المكونة له، ليس في مجال المجتمع / الدولة وإن تضمنه، وليس  في إطار بناء الدولة الواحدة لأمةٍ ما كالأمة العربية، وإن تضمنه، وإنما  يتعدى ذلك إلى المجتمع الدولي بكل الأمم والشعوب المكوّنه له، وذلك لتأسيس  الشرط الاجتماعي والثقافي والقانوني والسياسي لتنظيم العلاقات بين المجتمعات، وإعادة إنتاج المؤسسات الفاعلة بقوة القانون الذي يتطلب، بدوره، إعادة  المراجعة والتدقيق، وإطلاق يد المؤسسات المشرفة على تنفيذه، بعيداً عن  أشكال الوصاية والضغوط المتزايدة. فلا يمكن للبشرية أن تنتظر النتائج لحرب مدمرة- وقد بدأت فعلاً-  لتعيد  النظر في صياغة مواثيق جديدة  تنظم علاقاتها البينيه، وهذا ما يفترض التأسيس لعقد اجتماع عالمي للإنسانية  يضبط تداعيات الأحداث، ومسلسل الأفاعيل الذي يمكن أن يؤدي إلى كارثة  لا تتوقف عند حد معين.

وفي هذا الإطار، ثمة مجموعة من الأسس الرئيسية يمكن أن نتخير منها:

1- إن إعادة ترتيب وتنظيم العلاقات بين الدولة والمجتمع على أسس مدنية  ديمقراطية معاصرة داخل معظم البلدان التي تعاني واقع التخلف الحضاري، تشكل، ولا ريب، المقدمة الأولى لأي تحوّل إنساني على المستوى العالمي، وذلك  نظراً للتداخل المعقد (وعلينا أن ندخل التعقيد للدائرة السياسية) بين الوضعية  السياسية الوطنية والقومية، وبين ماهو سائدٌ من علاقات بين الأمم والشعوب , إذ لا يمكن لدولة ما أن تتحدث عن حقوق الإنسان والمواطن على المسرح العالمي  وهي تنتهك هذه الحقوق بصورة دائمة، سواء كان ذلك في الداخل الوطني  أو في ممارساتها الدولية، ومن ثم، فإن التناقض القائم لدى العديد من الدول المتقدمة بين الفكر والممارسة، لم يعد مقبولاً، مع ابتداء الألف الثالثة التي تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بصياغة بداية عدوانية  غير مسبوقة لها.

2- لذلك يمكن القول أننا بحاجة إلى التأمل، والتفكير، حول قضايا متعددة، وأبرزها طبيعة الانتماء للمجتمع الدولي، واقع هذا الانتماء، وحدوده،  وآفاقه المستقبلية، ذلك أن مسألة الالتزام والوفاء بمتطلبات  واحتياجات هذا المجتمع وتطوره الحضاري بصورةٍ عامة وشاملة يمكن أن تكون القاعدة لبحث الأسس النظرية للعقد الاجتماعي العالمي للإنسانية، التي يتم  الاتفاق والتعاقد حولها، إذ نلاحظ وحتى الآن، أن العديد من الدول وخاصة تلك المنفلتة من عقالها، تلغي إمكانية الاستجابة لهذا الوفاء  والالتزام في اللحظات الحرجة.

3- وعلى اعتبار أن ظاهرة الإرهاب سواء كانت محوراً لسلوك دولة عدوانية كالكيان  الصهيوني، أو ناجمة عن نشاط مجموعات متعددة المقاصد والأهداف، تشكل خرقاً للانتماء  العالمي الإنساني، وصورة من تجليات التدمير لركائزه الأساسية، فإن معالجة  هذه الظاهرة لا يتم من خلال الاقتصاص من الأبرياء، وتوسيع دائرة  العنف الدولي إلى درجة تحويل أصقاع الكوكب الأرضي إلى ميادين للحروب، والقتال الذي يمكن أن يؤدي، لحظة انفعال جارفه، إلى تدمير الجنس البشري، حيث يتحول  الإرهاب والحرب إلى صورةٍ واحدة تشكل تعبيراً عن جريمة تاريخية  لا حدود لها. وقد لا تجد من يؤرخ لها.

4 - والتعاقد المدني المعاصر بين الأمم والشعوب، لابدّ له أن يحيط بجوانب الحياة إنسانية كافة في ظل التغيرات والتحولات المتسارعة في مختلف الميادين، فقد اتسعت وتفاقمت الفوارق بين الشمال والجنوب، ومسار العولمة الراهنة ينبئ بما هو  أسوأ من الوضعية القائمة، والآثار السلبية للعدوان على الطبيعة تنبئ  بمخاطر كبيرة، والاستغلال الرأسمالي للثروة العالمية يتسم بالاستعصاء  الكياني غير المسيطر عليه  في ظل انعدام العدالة في توزيع  الثروة واحتكار آليات وبنيات التقدم التقني  والإنتاجي المعاصر.

      إنّ أي عقد مدني عالمي للإنسانية لا يأخذ بعين الاعتبار هذه الإشكاليات وغيرها  مما يدخل في مجال السياسة والإعلام والتربية، والتنمية متعددة الأبعاد، لا يمكن له أن يتسم بسمات العدالة، والحرية، والتكافؤ، والاحترام  المتبادل بين الدول، واحترام السيادة والاستقلال القومي.

وفي المحصلة: تجدر الإشارة إلى تفاقم الأزمة التي تحيط بالنظام العالمي الجديد  باعتباره يستند إلى أحادية قطبية للولايات المتحدة، لا ترى من موقعها إلاّ مصالحها الإمبريالية، ولذلك تخوض مع حلفائها الغربيين حروب التدمير  والاستغلال والسطوة الرأسمالية من حصار للشعب العربي في العراق إلى  البلقان وأفغانستان، إضافة لدعمها لبؤرة الإرهاب الدولي الصهيوني في فلسطين، وهي في ذلك كله تقدم وعداً للعالم وشعوبه بتوسيع  رقعة العدوان وسط عملية خلط للأوراق بين "الإرهاب" وسبل  النضال الوطني للشعوب من أجل التحرر والاستقلال .

هكذا نظام "عالمي" لا يمكن أن يكون في خدمة هذا العالم، وإنما هو وبال عليه وعلى شعوبه، وتنسى الإدارة الأمريكية في غمرة  سطوتها مكر التاريخ  وتغفل أو تتغافل عن القوى الحقيقية التي تصنع  دائماً تاريخ العالم، ذاك الذي لم يكن يوماً تاريخاً للأسلحة والذخائر  والعتاد وإنما هو تاريخ للشعوب من أجل التحرر والحرية .

 

     

 

 

 

 

 


 


                  كاتب وباحث سوري .