الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب

هل تصلح أساساً للدعوة إلى مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب ؟.

رجــاء النــاصر*

مقدمة: لماذا جاءت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب ؟.

قسم أول: التفريق بين الإرهاب وبين الكفاح المسلح .

قسم ثاني: الإرهاب والجريمة السياسية .

خلاصات نهائية ..

* قاضي متقاعد كاتب وباحث. عضو المؤتمر الدائم لمناهضة الغزو الثقافي الصهيوني.

عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية .


 

مدخل عام

ثار جدل طويل خلال السنوات الماضية حول مفهوم الإرهاب بين اتجاهين أساسيين أولهما: يرى صورة الإرهاب تتجسد في كل عمل عنف يوجه ضد مقاومة المشروع الاستعماري ويعمل على تحرير المجتمعات التي يحتلها، وكل مقاومة للاستبداد سواء أكان هذا العمل العنيف عملاً داخلياً تمارسه قوى اجتماعية وسياسية وأفرد ناقمون على السلطة أو المجتمع، أو كان عنفاً يمارسه أفراد ومنظمات أو دول من خارج السلطة أو المجتمع المستهدف بالعنف بهدف إلحاق الأذى به أو تدميره أو مقاومته.

ثانيها: اتجاه يرى ضرورة التفريق بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة، سواء أكانت هذه المقاومة فردية لعنف مبتدأ كحالات الدفاع عن النفس ضد عنف غير مشروع، أو كانت مقاومة لعدوان وعنف تمارسه "مجموعات" أو دول، وهي مقاومة يقوم بها فرد أو مجموعة أفراد أو دولة أو مجموعة دول، والمقاومة هنا تأخذ شكل العنف، لكنه عنف مشروع مؤسس على الحقوق الطبيعية، وعلى حقوق الإنسان المنصوص عنها في الوثيقة الأساسية لشرعة حقوق الإنسان.

الدول العربية أخذت باتجاه ثالث، فهي دعت للتفريق بين الإرهاب الدولي وبين المقاومة المشروعة للاحتلال، واعتبرت أعمال الكفاح المسلح التي تمارسها قوى المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني أعمالاً مشروعة ولا يمكن إدراجها ضمن توصيف الإرهاب الدولي، ولكنها تمسكت بتوصيف أعمال العنف الداخلي الذي تمارسه منظمات أو أفراد ضد السلطة والمجتمع، باعتبارها  أعمالاً إرهابية دون النظر إلى الدافع وراء هذه الأعمال .

هذا التمايز في الموقف العربي دفع الدول العربية لطلب عقد مؤتمر دولي من أجل وضع تعريف دولي للإرهاب، قبل أي انخراط في أعمال مكافحة الإرهاب الدولي، وهو موقف تزامن مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب الذي انعقد بحضور ثلاثين دولة عربية وغربية عام 1996، وسبق الحملة الأمريكية على الإرهاب التي تلت الهجوم على نيويورك وواشنطن في 11/ أيلول / 2001، وهو تمايز فرضه مخاوف من شن حرب دولية ضد المقاومة الفلسطينية والدول الداعمة لها بحجة مكافحة الإرهاب. وساهم هذا التمايز عن الاتجاهين الأساسيين في الجدل الدائر حول تعريف الإرهاب إلى توقيع "الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب وسبل التعاون بين الدول العربية في هذا المجال. والتي أقرت من قبل وزراء الداخلية والعدل العرب في اجتماعهم السنوي المنعقد بتاريخ 22/4/ 1998.

وبما أن طلب انعقاد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب مؤسس أصلاً على التعريف الذي أقرته الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، مما يقتضي إعادة قراءة تلك الاتفاقية التي أصبحت سارية المفعول بعد تصديقها من قبل أغلبية الدول العربية، رغم أن هذا الطلب لم يمنع الدول العربية أو بعضها من المشاركة في الحملة العسكرية والأمنية والسياسية والمالية ضد ما تسميه بالإرهاب .


 

أولاً في التفريق بين الإرهاب الكفاح المسلح.

تبرز أهمية الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب أنها وضعت لأول مرة تعريفاً عربياً "للإرهاب" وحَدّدت سبل التعاون فيما بينها لمكافحته، وهو تعريف جرى تدوينه بشكل قانوني عبر هذه الاتفاقية بعد أن كان مجرد تداول سياسي في إطار الصراع والخلاف بين الإدارة الأمريكية والحركة الصهيونية ومعهما معظم الدوائر الغربية من جهة، وبين الدول العربية مؤيدة من دول إسلامية وأفريقية من جهة أخرى. حيث جاء في الفقرة الثانية من المادة الأولى للاتفاقية تعريفاً للإرهاب يقوم على أن الإرهاب هو "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر"، وخشية من الالتباس الذي يمكن أن يلحقه هذا التعريف بأعمال المقاومة المسلحة للاحتلال، وهي أعمال تشتمل على ممارسة العنف (المشروع)، وإلقاء الرعب في صفوف قوات الاحتلال، كما تشتمل إلحاق أضرار لا يمكن تلافيها في بعض الأحيان بأملاك عامة أو خاصة أو بالبيئة فقد أفردت الاتفاقية نصاً خاصاً يستثني أعمال المقاومة من توصيف الإرهاب، حيث جاء في المادة الثانية من الاتفاقية:"لا تعد جريمة حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي"، وتأسس هذا الاستثناء على قاعدة العنف المشروع القائم على حق الدفاع عن النفس، قياساً على حق الدفاع عن النفس الذي تنص عليه جميع القوانين الوضعية والآلهية، والذي تتضمنه القوانين الدولية وخصوصاً المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة التي نصت على مبدأ المساواة بين الشعوب بأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها"، والمادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي نصت بدورها على أنه: "لكافة الشعوب الحق في تقرير مصيرها..".

وقد أخرجت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب حركات العنف الانفصالية من دائرة الاستثناء الذي تحدثت عنه الفقرة السابقة باعتبارها حركات غير مشمولة بصفة الكفاح المشروع لتقرير المصير، حيث اعتبرت المادة الثانية فقرة أ من الاتفاقية المذكورة "أنه لا تعد من حالات الكفاح المسلح من أجل  التحرير "كل عمل يمس بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية" .

ورغم أهمية هذا التحديد القانوني لمفهوم الإرهاب، والتفريق بين الكفاح المسلح لحركات التحرير ضد الاستعمار والاحتلال، وبين الإرهاب الدولي والمحلي إلا أن هذه النصوص لم تقطع الجدل حول تلك المسألة، وهو جدل ثار باتجاهين:

الأول: سياسي عام يتعلق بتحديد حركات التحرير، والتفريق بين حركات الاستقلال و بين حركات الانفصال.. فعلى سبيل المثال استمرت فرنسا لسنوات طويلة تعتبر الجزائر أرضاً فرنسية، وتعتبر حركات التحرر الجزائرية حركات انفصالية وإرهابية وأفعالها عصيان تقوم به عصابات إجرامية مسلحة بهدف تحقيق منافع خاصة. كما اعتبرت بريطانية عمليات جيش التحرير الايرلندي مجرد عمليات حرب أهلية لا تدخل في نطاق حرب التحرير..

الثاني: قانوني يتعلق بالفعل "الجرمي" حيث أن كل أفعال القوة هي أفعال عنف، ولكن هناك أفعال يجب أن تكون ممنوعة حتى في الظروف التي يعتبر فيها استخدام العنف نوعاً من أنواع الكفاح المسلح المشروع، وهو ما يقتضي التفريق الدقيق بين كل وسيلة من وسائل العنف المستخدم، وعلى هذا التفريق وضعت قواعد وأسس لتوصيف بعض جرائم الحرب، مثل قتل الأسرى، والإساءة إليهم، ومثل التعدي على المدنيين، وارتكاب جرائم ضد الجنس البشري والتي نصت عليها الاتفاقات الإنسانية الدولية الأربع لعام 1949 وملحقاتها.

إلا أن تطبيقات تلك المعاهدات بقيت مجرد حبر على ورق في كثير من الأحيان، واستخدمت بشكل تعسفي أحياناً أخرى، حين فرضت أحكامها على الطرف الخاسر، أو الطرف الأضعف في بعض الحروب ومن المؤكد أن الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على توقيعها وتصديقها لم تتمكن من قطع الجدل الذي أثير حول مفهوم الإرهاب وتعريفه على المستويين العالمي والعربي، وخصوصاً ما يرتبط بقضية الصراع العربي/ الصهيوني، والمقاومة العربية للاحتلال "الصهيوني"، وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة الصراع، ومواقف الأطراف والقوى الدولية والمحلية منه. حيث أن الطرف الأقوى في هذا الصراع يعمل على فرض رؤيته السياسية والقانونية في ظل انعدام "شرعية دولية" مؤسسة على قواعد الحق والعدل. حيث أن "الشرعية الدولية" ما هي إلا انعكاس لموازين القوة ومحصلتها، وهي توازنات  ومحصلات غير مستقرة بشكل نهائي وغير مرتكزة على مبادئ العدالة والحقوق الطبيعية، فعلى سبيل المثال أيدت الأمم المتحدة قرار اغتصاب جزء من الأراضي الفلسطينية لإقامة "دولة إسرائيل" عام 1948 دون النظر إلى المشروعية الأخلاقية لإقامة هذا الكيان بسبب توافق الدول العظمى آنذاك على هذا الموقف، وفي فترة لاحقة ومع اشتداد الحرب الباردة بين القوى العظمى أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بإدانة الصهيونية واعتبارها حركة عنصرية على غرار النازية. كما صدرت سلسلة قرارات تدين الاعتداءات  "الإسرائيلية" المتكررة على الدول العربية وعلى الشعب الفلسطيني، ولكن ومع انهيار الكتلة الشرقية وما سبقه من توجيه ضربات قاسية لمجموعة دول عم الانحياز واحتواء قسم كبير منها عادت المنظمة الدولية لتصبح وإلى حدّ كبير مجرد أداة من أدوات الهيمنة الأمريكية، وباتت "الشرعية الدولية المعبر عنها بقرارات الأمم المتحدة ممسوكة بقوة من الإدارات الأمريكية وكان من نتيجة هذا الإمساك القرار الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بإلغاء القرار السابق المتضمن اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، وفي مسألة الوقوف عند مصطلح "الشرعية الدولية" يجدر التوقف عند محطتين أولهما: التصادم الذي حدث بين مجلس الأمن الدولي وبين محكمة العدل الدولية في قضية لوكربي، فقد أصر مجلس الأمن الدولي على قراره بعدم رفع العقوبات المفروضة على الجماهيرية الليبية بسبب امتناعها عن تسليم مواطنيها لمحاكمتهم عما نسب إليهم من تنفيذ عملية "لوكربي" رغم صدور قرار عن محكمة العدل الدولية في لاهاي يؤكد على أن محكمة العدل الدولية هي المختصة وليس مجلس الأمن- في النزاع حول قضية المحاكمة تلك، في إشارة واضحة إلى عدم قانونية قرار مجلس الأمن، وبالتالي عدم مشروعيته. ثانيهما: ما حدث في قمة ديربان التي انعقدت في جنوب أفريقيا من أجل مكافحة التمييز العنصري، حين حدث تباين كبير بين القرارات الصادرة عن المنظمات والهيئات غير الحكومية (الشعبية)، وبين القرارات الصادرة عن القمة الرسمية- تحت ضغط وتهديد الولايات المتحدة الأمريكية. وظهر هذا التباين جلياً في الموقف من ربط الصهيونية بالعنصرية، حيث أصدرت المنظمات الشعبية قراراً بالأغلبية الكبيرة أو شبه إجماع يندد بالصهيونية ويعتبرها حركة عنصرية، بينما خلا البيان الرسمي من أية إشارة إلى إدانة "إسرائيل" أو الصهيونية. وهي دلالة بالغة على عدم  تعبير قرارات الأمم المتحدة عن إرادة المجتمع الدولي .

إن التحليل لواقع "المؤسسات الدولية" يجعل من الاحتكام إلى قرارات مجلس الأمن الدولي كتعبير عن الشرعية الدولية بدون أساس وبالتالي يسمح بتعريفات مختلفة ومتباينة لقضايا أساسية  وفي مقدمتها قضية حق تقرير المصير ومشروعيته والكفاح المسلح، مالم تتم العودة إلى المبادئ الطبيعية للحق  والعدالة.

إن انصراف بعض الدول بما فيها دول عربية- إلى الاعتراف بمشروعية القرارات الصادرة أو التي ستصدر عن مجلس الأمن الدولي أدى إلى وجود خلل كبير في تحديد القواعد المستخلصة من التعريفات المطروحة في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، حيث أن افتراض "مشروعية" قرارات الأمم المتحدة استوجب القبول بمشروعية الكيان الصهيوني على جزء من أراض فلسطين، وبالتالي اعتبار أي أعمال عنف تمارس على قاعدة المنازعة على هذه "المشروعية" أعمالاً إرهابية، وهو ما يفسر إدانة بعض الدول لعمليات المقاومة التي تمارس داخل الكيان الصهيوني، واعتبارها شكلاً من أشكال الإرهاب الدولي. على عكس الموقف الآخر الذي يرى أن أساس مشروعية أي قرار دولي هو عدم تنازعه مع الحقوق الطبيعية من جهة، وقبول الأطراف المتنازعة به من جهة أخرى، وبالتالي فإن أصحاب هذا الموقف يرون أن قرارات مجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمكنها أن تسبغ المشروعية على عمليات الاغتصاب التي تتنافى مع الحقوق الطبيعية، و يترتب على ذلك اعتبار أعمال المقاومة داخل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة نوعاً من الكفاح المسلح المشروع.

هذه المسألة تلقي بظلالها على كثير من بنود الاتفاقية الأخرى فعلى سبيل المثال أيضاً نصت المادة الثانية الفقرة الثالثة من الاتفاقية على :"لا تعد جريمة سياسية- وبالتالي تصبح إرهابية التعدي على الأشخاص المتمتعين بحماية دولية بمن فيهم السفراء والدبلوماسيين في الدول المتعاقدة  أو المعتمدون لديها" وتشمل هذه الفقرة سفراء وأعضاء البعثات "الإسرائيلية" المعتمدين في بعض الدول العربية، رغم أن معظم الدول العربية لا تعترف بالشخصية القانونية للكيان الصهيوني من الناحية الرسمية على الأقل.

ومن الناحية العملية فإن آثار هذا التباين تظهر في التطبيقات العملية للاتفاقية والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

1- حين قيام عرب 48 بعمليات عنف داخل الكيان الصهيوني، حيث أن دعاة الاعتراف بمشروعية الكيان الصهيوني مضطرون لتوصيف هذا العنف باعتباره عملاً إرهابياً يمارس ضد سلطات شرعية منتخبة، أما الرافضون للاعتراف بمشروعية الكيان الصهيوني فهم يعتبرونه شكلاً من أشكال الكفاح المسلح من أجل الاستقلال .

 2- في حال تنفيذ أعمال عنف ضد عناصر البعثات الدبلوماسية "الإسرائيلية" في دول مثل مصر أو الأردن أو حتى موريتانيا وقطر وغيرها، فإنه يقتضي اعتبار هذه  العمليات أعمالاً إرهابية تستلزم تسليم مرتكبيها لمحاكمتهم بصفة إرهابيين.

كما يظهر التباين حول تفسيرات تتعلق بتطبيق المواثيق الدولية بما فيها الاتفاقات الإنسانية الدولية الأربعة لعام 1949، ومن أبرز مسائل التباين تفسير طبيعة المجتمع "الإسرائيلي" بما يتعلق بتطبيق قاعدة عدم استهداف المدنيين، فهناك من يرى أن "المجتمع الإسرائيلي" هو مجتمع عسكري قائم بمجمله على الاغتصاب والمشاركة الجماعية فيه مما ينفي صفة "المدني" عن أفراده  الذين يجري التعامل معهم كعسكريين في حالة حرب، وهناك من يفرق بين المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" وبين المجتمع "الإسرائيلي" الذي يتألف من مدنيين لا تشملهم حالة الحرب،  وهذا التباين أدى إلى اختلاف عميق في الموقف من العمليات الاستشهادية التي تستهدف  تجمعات غير عسكرية "إسرائيلية"، حيث يؤيد أصحاب فكرة عسكرة المجتمع "الإسرائيلي" جميع العمليات الاستشهادية ولا يرون أنها مخالفة للاتفاقات الإنسانية الأربعة، بينما يرفضها دعاة  التفريق بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني "الإسرائيلي" باعتبارها متعارضة مع الاتفاقات الإنسانية الدولية.


 

ثانياً : الإرهاب المحلي والجريمة السياسية في نصوص الاتفاقية العربية

 لمكافحة الإرهاب

لم تكن الضغوطات الخارجية، وخصوصاً بعد قمة شرم الشيخ الدولية لمكافحة  الإرهاب، هي الدافع الوحيد لعقد اتفاقية مكافحة الإرهاب فيما بين الدول العربية. فقد شهدت دول عربية متعددة أعمال عنف تخضع للتوصيف المحدد للإرهاب الوارد في الاتفاقية المنوه عنها خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وشملت هذه الدول سورية والعراق ولبنان والأردن واليمن والبحرين ومصر والسودان والجماهيرية والجزائر والمغرب، وامتد نشاط المنظمات العنفية عبر الحدود الإقليمية وحدث تعاون فيما بينها حيث قدمت بعض تلك المنظمات خدمات معلوماتية ولوجستية وساعدت بعضها على الانتقال عبر الحدود المجاورة. وكانت خلفية هذه الأعمال سياسية في معظم الأحيان (أصولية دينية أو انفصالية) وسقط فيها عشرات الآلاف من القتلى كما حدث في الجزائر وأقل من ذلك كما حدث في سورية أوائل الثمانينات ولا تزال بعض الدول تعاني من آثار تلك الأعمال كالعراق والسودان والمغرب التي تشهد أعمال عنف بدوافع انفصالية والجزائر التي يدور فيها صراع دام بين  التيار الإسلامي الأصولي وبين المؤسسة العسكرية (الاستئصالية).

تلك الأوضاع دفعت لعقد الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب ووضعت بصماتها عليها، حيث تعتبر الاتفاقية تطويراً عملياً للتعاون بين الدول العربية في مكافحة الإرهاب وتقنياً لتعاون لم ينقطع، فقد كانت اجتماعات وزراء الداخلية العرب هي الشكل الوحيد من التعاون العربي الذي لم ينقطع في جميع الظروف ورغم كل الخلافات والنزاعات التي واجهتها الدول العربية، ولم تشذ أية دولة عن المشاركة في تلك اللقاءات. وتظهر بصمات تأثير الأحداث الداخلية على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب في أكثر من بعد منها:

1- نزع صفة الاستثناء من تعريف العنف بالإرهاب، أعمال العنف التي تمارس بهدف المس بالوحدة الترابية للدول العربية، حيث لا تعتبر هذه الأعمال نوعاً من  أنواع الكفاح المسلح من أجل التحرير. وفق نص المادة "             " من الاتفاقية. ومن المعروف أن المغرب هي التي أصرت على هذا النص في محاولة لإخراج مسألة الصراع الدائر في الصحراء المغربية والذي تمارس فيه منظمة البوليساريو أعمال عنف بدعوى الاستقلال عن المغرب، وحق تقرير المصير .

2- نزع الصفة السياسية عن بعض الجرائم بالتحديد مثل التعدي على "كبار المسؤولين الملوك ورؤساء الدول والحكام وزوجاتهم وأصولهم وفروعهم وأولياء العهد  ونواب الرؤساء أو رؤساء الحكومات أو الوزراء العرب. م (          ). وكذلك التعدي على الأشخاص المتمتعين بالحماية الدولية كالسفراء والدبلوماسيين" إضافة إلى جرائم" القتل العمد والسرقة الموصوفة ضد الأفراد أو وسائل النقل والمواصلات  "نص المادة       ". وقد جاء التركيز على هذه المسألة على خلفية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، ومن الملاحظ هنا أن "الاتفاقية" افتقدت وضع ضوابط محددة في تعريف الجريمة السياسية وتفريقها عن الإرهاب، وهو ما يسمح بإدراج الكثير من الجرائم السياسية وحتى الأعمال التي يفترض أنها مشروعة في نطاق "الإرهاب"، فقد تم توصيف مظاهرات الجوع التي شهدت أعمال شغب في عدد من الدول العربية مثل مصر وتونس والأردن والمغرب بأنها أعمال إرهابية، نظراً لانطباقها على مضمون النص الخامس من الفقرة ب من المادة الثانية من الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب" التي اعتبرت "أعمال التخريب وإتلاف الممتلكات العامة أو الممتلكات الخاصة المخصصة لخدمة عامة" جرائم إرهابية. وشملت الاتفاقية العربية تبادل المعلومات الدوري، وإلقاء القبض الاحترازي، والتشديد على منع انتقال عبر الحدود، وعلى منع التحريض، إضافة إلى تسليم المجرمين والمتهمين بأعمال إرهابية، وفعلاً قامت عدد من الدول العربية بتسليم متهمين بارتكاب أعمال إرهابية إلى كل من مصر والجماهيرية الليبية ومن بين الدول التي قامت بتسليم المتهمين بالإرهاب إلى دولهم الأصلية الأردن وسورية واليمن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الخ.

إلا أنه من اللافت للنظر أن هذا التنسيق في مكافحة أعمال وقوى "الإرهاب" المنسوبة الى المعارضة السياسية والأصولية لم يتوازى مع التزام بالتعاون ضد القوى "الانفصالية" التي تمارس العنف الإرهابي وفق نصوص "الاتفاقية" فقد استمرت الجزائر بدعم حركة البوليساريو التي تطالب بانفصال الصحراء الغربية ووادي الذهب عن المغرب وتقود كفاحاً مسلحاً لتحقيق هذا الهدف، كذلك قدمت دول عربية متعددة الدعم السياسي والمادي  وحتى العسكري للحركات الانفصالية في جنوب السودان ولقوى المعارضة التي نفذت أعمال عنف طالت منشآت عسكرية وقتل عسكريين ومدنيين في صراعها ضد حكومة الرئيس عمر  البشير، كما أن قادة الحركات الانفصالية الكردية العراقية يلاقون الدعم والترحيب في أكثر من بلد عربي.

إن هذا التباين لا يعود إلى خلافات حول تفسير الاتفاقية فيما بين الدول العربية ففيما عدا منظمة البوليساريو التي تعتبرها بعض الدول العربية حركة تحرير فلا تحظى أية  حركة انفصالية أخرى بدعم "سياسي حقوقي" وينظر إليها باعتبارها حركات انفصالية أو معارضة داخلية وكلا هذين الوصفين يدخلان في تعريف الإرهاب وتفريقه عن الجرائم السياسية أو الكفاح المسلح المشروع وفق أحكام "الاتفاقية".

إلا أن الأهم في هذه "الاتفاقية" أنها خلت سواء في مقدمتها أو متنها  من أية إشارة إلى القضاء على دوافع "الإرهاب" وأعمال العنف وكيفية القضاء على أسسه ومسبباته، فعالجت الظاهرة دون أن تعالج موّلداتها، وقد انعكس ذلك على تغييب النظر إلى دوافع "العمل الإرهابي" حيث نظرت هذه الاتفاقية إلى العمل الإرهابي باعتباره فعلاً موحداً وهو ما أشارت إليه المادة الأولى التي جاء فيها: "الإرهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه وأغراضه" وجاءت جميع مواردها لتتحدث عن إرهاب الأفراد والجماعات دون أية إشارة إلى الإرهاب الذي تمارسه الدولة ضد دول أخرى، أو ضد مواطنيها" .

إن هذا "التغييب التقليدي" ناجم عن كون الاتفاقية هي محصلة إرادات الدول العربية وليست تعبيراً عن إرادات الشعوب، وهي بالتالي تعالج مسائل تتعلق بسلامة الحكومات والسلطات الحاكمة .


 

ثالثاً : ملاحظات ختامية

على ضوء تلك القراءة لبعض نصوص الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب ودعوة الدول العربية لعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب يمكن التوقف عند الاستخلاصات التالية:

1- التعريف العربي الرسمي للإرهاب فرق بين الإرهاب وبين الكفاح المسلح الذي تخوضه الشعوب من أجل تحرير أرضها من قوات الاحتلال، وهو تفريق هام  نظراً لارتباطه بعمليات المقاومة المشروعة للاحتلال الصهيوني، ولأنه يسحب  البساط أمام محاولات القوى الصهيونية والغربية بربط عمليات المقاومة المسلحة، بالإرهاب الدولي.

2- إنه ولاعتبارات قومية وسياسية داخلية جرى استثناء الحركات الانفصالية التي تمس وحدة الأراضي العربية من عمليات الكفاح المسلح المشروع من أجل تقرير حق المصير.

3- ان الخلل الأساسي في هذه التوصيفات محاولة ربطها "بالشرعية الدولية" أي بقرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العمومية وهي قرارات لا تؤخذ على أساس حقوقي أو قانوني وإنما لاعتبارات سياسية متغيرة وفق تغير موازين القوى داخل تلك المؤسسات الدولية .

4-إنه في ظل الهيمنة الأمريكية على المؤسسات الدولية فإن أية دعوة لمؤتمر دولي سيؤدي الى تغليب التعريف الأمريكي / الصهيوني بعيداً عن الإرادة الحقيقية للشعوب وللدول وما حدث في مؤتمر "ديربان" لمكافحة العنصرية يشكل مؤشراً عاماً يمكن أن ينتج عن هكذا مؤتمرات دولية.

5- يوجد تباينات في تفسير الاتفاقية على ضوء الاختلاف في سياسات الدول العربية وخصوصاً تلك المتعلقة بالصراع العربي / الصهيوني، حيث أن اعتراف  بعض الدول العربية بشرعية الكيان الفلسطيني وسيادته على الأراضي الفلسطينية المحتلة فبل الخامس من حزيران عام 1967 أدى إلى اعتبار هذه الدول أي  عمل عنف يمس بالكيان الصهيوني وبسكانه شكلاً من أشكال العنف الإرهابي، وهو ما أدى باستمرار إلى إدانة هذه الدول للعمليات الإستشهادية المنفذة داخل الكيان الصهوني والتي تطال "مدنيين".

6- إن هذا الاعتراف بمشروعية الكيان الصهيوني أدى إلى مواقف ملتبسة من الكفاح المسلح الذي يقوم به بعض العرب من السكان الأصليين لفلسطين المحتلة قبل عام 967، نظراً لكون أعمال العنف موجهة هنا "ضد سلطات شرعية، وليست قوات احتلال". بينما يرى الذين لا يعترفون بمشروعية الكيان الصهيوني  أن أعمال المقاومة تشمل جميع الأعمال التي يقوم بها الفلسطينيون على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة .

7- ان الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لم تلحظ التعارض بين تطبيق أحكامها وبين تطبيق أحكام المعاهدات الموقعة بين بعض الدول العربية و "إسرائيل" والتي تنص على أولوية أحكامها على جميع الاتفاقات السابقة واللاحقة .

8-  إن التطبيق العربي للاتفاقية أخذ شكلاً استنسابياً، فجرى تنفيذ بنود الاتفاقية فيما يتعلق بمكافحة المنظمات العنفية الأصولية بينما جرى تجاهلها فيما يتعلق بدعم الحركات الانفصالية .

9- إن "الاتفاقية" كما نصت عليها المادة /          / أوجدت قيوداً جديدة على الحريات الشخصية حيث سمحت الاتفاقية بتوقيف المطلوب تسليمه إلى دولة أخرى بتهمة الإرهاب على سبيل الاحتياط لمدة شهر دون أن يرفق هذا الطلب بأي دليل.

10- تجاهلت الاتفاقية أية إشارة إلى مسببات الإرهاب وجذوره / وخلت من أي نص يتحدث عن إرهاب الدولة ضد دولة أخرى أو ضد مواطنيها .

             ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ