ساعة ونصف هزت العالم

طلال الخالدي

القسم الأول: يوم الرعب الأمريكي

أولاً- دلالات مواقع الهجوم  

ثانياً- القوة صاحبة المصلحة والقدرة على الهجوم             

ثالثاً- الآثار المباشرة للهجوم على أمريكا 

1- حجم الخسائر المادية والمعنوية   

2- آثار الهجوم على الجالية العربية والإسلامية 

3- الآثار الدولية                        

القسم الثاني:رد الفعل الأمريكي

أولاً- إعلان حالة الحرب على "الإرهاب"     

ثانياً- تحديد العدو "الهدف المباشر"        

1- أفغانستان دولة في مهب الريح          

2- من الجهاد إلى الأصولية               

3- طالبان ودولة الأصولية السنية المجاهدة    

4- ابن لادن ومنظمة القاعدة                    

ثالثاً- تحديد العدو .. أهداف أخرى              

1- الدولة الداعمة للإرهاب                     

2- منظمات الإرهاب الدولي                    

القسم الثالث: من النسر النبيل إلى العدالة المطلقة .. إدارة الصراع

أولاً- من الانكفاء إلى التوسع                

ثانيا- من التردد إلى الاستعجال              

ثالثاً- من خطة النسر النبيل إلى العدالة المطلقة 

رابعاً- الأهداف البعيدة للحملة الأمريكية              

القسم الأخير: استخلاصات عامة


 

القسم الأول

يوم الرعب في أمريكا

اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تلقي الرعب في قلوب الشعوب في أنحاء متفرقة من العالم بسبب قوتها الغاشمة العارية من القيم الأخلاقية، ولعل قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية، وما نجم عن ذلك القصف من تدمير وقتل مئات الآلاف من المدنيين مجرد شاهد تاريخي عمدت الإدارات الأمريكية باستمرار على إحيائه، ففي الفيتنام بلغ ضحايا حرب الإبادة الأمريكية عدة ملايين، وفي العراق الذي تعرض لحرب إبادة أخرى سقط مئات الآلاف في  عدوان مستمر حتى اليوم، الرعب الأمريكي مرّ في كوريا وكوبا والبلقان وفي أمريكا اللاتينية أيضاً.

سياسة نشر الرعب ليست جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، فالمجتمع الأمريكي ما قام إلا على "الإرهاب المنظم" الذي حصد أول ما حصد الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، إضافة إلى الملايين من "الزنوج" الذين استقدموا من القارة الأفريقية ليشكلوا طبقة العبيد.

عقلية الإرهاب وخلفيته العنصرية كانت وراء الدعم اللامحدود للإرهاب الصهيوني والذي وصل إلى حد الشراكة، فما ترتكبه الصهيونية من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين يتم تنفيذه بسلاح أمريكي تمّ إهدائه للصهيونية من أجل تنفيذ عمليات القتل والإعدام وتجري حمايته سياسياً ودبلوماسياً تحت مفهوم منمط لغطرسة القوة .

الإرهاب الأمريكي، وسياسة نشر الرعب الخارجي، تواجه يوم 11 أيلول / سبتمبر بحالة مضادة، ففي هذا اليوم حل الرعب بأمريكا، وانتشرت مظاهر الفزع في كافة أرجائها وطال الرعب والذعر مؤسساتها وأرفع قادتها، فالرئيس الأمريكي لم يجرؤ على العودة إلى البيت الأبيض ليواجه من  هناك الأزمة التي ضربت الولايات المتحدة في أهم ما تملكه وهو عنجعيتها، بل توجه إلى قاعدة عسكرية كبيرة تمتاز بمخابئها وحصونها "النووية" واختفى كبار المسؤولين الأمريكيين عن الأنظار طوال ساعات طويلة، وفي شوارع واشنطن ونيويورك سيطر الذعر على كل شيء، الإدارات، الأفراد، المسؤولين.

كانت الإدارة الأمريكية تتحدث بشكل دائم عن الإرهاب الخارجي، العربي أو الإسلامي، وعن إرهاب ما أسمته بالدول المارقة، كوبا وكوريا، والعراق وإيران، ومعهم ليبيا وسوريا والسودان، وكانت تدرك قبل غيرها أن هذه الدول "المارقة" ليست معنية بالإرهاب أو بنقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي غير قادرة أصلاً على تنفيذه أو تحمل تبعاته، لكن الحديث عن الإرهاب ومخاطره على الولايات المتحدة الأمريكية كان مجرد غطاء للإرهاب الأمريكي، وتغطية لاستمرار العربدة الأمريكية وتمرير مصالح شركات الأسلحة، ولتنظيم وتطوير أسلحة ردع اعتقدت أنها تكفل لها استمرار سيطرتها على العالم لأجيال قادمة .

في يوم الحادي عشر من أيلول حصدت الولايات المتحدة الأمريكية بعضاً مما زرعته عبر تاريخها الإجرامي الطويل، فضربت في عقر دارها، وطال العنف رمزيها المالي والعسكري، فسقطت أبراج سوقها التجاري والمالي الذي شيدته عنواناً لهيمنتها المالية، وسقطت أهم واجهات وزارة الحرب الأمريكية "البنتاغون" مدمرة معها أهم المعاقل الحربية الأمريكية، وهكذا ظهر "النمر الأمريكي" وكأنه نمر من ورق، بعد أن تمكن "العنف الداخلي" من ضربه في "عقب أخيل" أو نقطة ضعفه الأساسية.

ومع انهيار طبقات المركز التجاري زادت مظاهر الرعب، حيث قضى المئات من رجال الإنقاذ تحت الانهيار، القرارات الوحيدةا لتي اتخذت إغلاق الموانئ الجوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وتحويل رحلات الطيران القادمة إلى كندا والمطارات المجاورة، مما ألقى بالمزيد من الضغوط النفسية .

في هذه اللحظات المأساوية وقبل أن يفيق المسؤولون الأمريكيون من حالة الذهول وقبل أن يمسكوا بأي خيط من خيوط العملية المدمرة راحت وسائل الإعلام الأمريكية تتحدث عن الإرهاب الأصولي والعربي، وسرت إشاعات عن تورط منظمات فلسطينية، ومما زاد من الإشاعات تبرئ عدد من المنظمات الفلسطينية من ارتكاب هذا الحادث وأدانته، وسرعان ما استقر الاتهام عند ابن لادن، فهو العدو رقم واحد للولايات المتحدة الأمريكية كما سوقته وسائل الإعلام وكبار المسؤولين خلال السنوات الماضية.

وبدأ الذعر يتحول إلى غضب، وراح المسؤولون الأمريكيون في شن حملة تهويل للتستر على الارتباك الذي اعتراهم جميعاً، وعلى ما تبدى من انكشاف ثغرات النظام الأمني في دولة قالت أنها التي  لا تقهر.

أولاً: رموز العنجهية .. دلالات الاختيار

في يوم الصدمة والرعب تبين أن الذين خططوا لأعمال العنف ونفذوها قد أرادوا طعن "الجبار الأمريكي" في مقتله، وأن اختيارهم لأهدافهم ما كان عشوائياً، فمركز التجارة العالمي ليس مجرد  ناطحة سحاب كبرى أو الأكبر في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما هو كما عبر أصحابه رمز القوة المالية الأمريكية، فهو يضم مكاتب الشركات الاقتصادية والمالية الكبرى، وفيه تتم اكبر الصفقات المالية والتجارية، ويبلغ عدد موظفي هذه المكاتب أكثر من خمسة وأربعين ألفاً ما عدا  الزوار والمتفرجين والسواح، وبلغت تكاليف بنائه أكثر من سبعة وثلاثين مليون دولار أمريكي، وبسبب هذا العنوان والمعنى تعرض المبنى لعدة عمليات عنف ومحاولات تخريب كان أبرزها  تلك العملية التي استهدفته عام 1991 والتي أدت إلى مقتل ستة أشخاص وجرح ألف آخرين بانفجار سيارة مفخخة وضعت في أحد المرائب التابعة له، وقيل أن أصوليين إسلاميين كانوا وراء الحادث، وحكم على الشيخ عمر عبد الرحمن المرشد الروحي لحركة الجماعة الإسلامية المصرية بالسجن المؤبد بعدما أسندت إليه تهمة التحريض على تلك العملية، وهي تهمة لم تثبت فعلياً حتى اليوم.

أما الهدف الثاني فكان البنتاغون مقر وزارة الدفاع الأمريكية ذا البناء المخمس الأضلاع وفي هذا البناء مراكز القيادة العسكرية الأمريكية ومراكز التخطيط والتوجيه، ويضم المبنى عشرات الآلاف من العسكريين والموظفين المدنيين، وتركز الهجوم على المضلع الذي جرى تجديده مؤخراً والذي انتقلت إليه معظم القيادات العليا، ومن الناحية النظرية يفترض أن يكون هذا البناء أول ما يستهدف في حرب كونية أو عالمية، مما يقتضي أكبر حماية.

اختيار هذين الهدفين والنجاح بتدميرهما يعني أن المستهدف الأساسي هو مراكز القوة الأمريكية المالية والعسكرية وأن منفذي العمليات قد نجحوا في تحقيق هدفهم بعيداً عن ردود الفعل الأمريكية الممكنة .

ثانياً القوة المهاجمة .. من يملك المصلحة والقدرة؟

بعد أن انقشع الغبار وخفت الصدمة تبين أن منفذي تلك العمليات هم أربعة مجموعات "انتحارية" قامت بخطف طائرات مدنية من مطارات قريبة من واشنطن وتقوم برحلات داخلية، وتوجهوا بها لتحقيق أهدافهم، وقيل أن بعض الخاطفين تدربوا أو هم يحملون شهادات طيران مدني تؤهلهم لقيادة الطائرات المخطوفة وتوجيهها نحو أهدافهم المختارة، وقدرت مصادر المحققين الأمريكيين عدد هؤلاء الخاطفين بثمانية عشرة رجل، وأضافت تلك المصادر أنها تتوقع أن لا يقل عدد المشاركين في تنفيذ تلك العمليات عن (40- 50) فرداً، وهو ما يدل على حسن التخطيط والتدريب والتنفيذ وعن قدرة كبيرة على التمويل مما يقطع بأن هذه العملية من إعداد جهة أو دولة تملك هذه الإمكانات، وهو ما دعا المحققين إلى تأكيد دور لابن لادن ولمنظمته القاعدة نظراً لإمكاناته المادية ولتملكه الدوافع لتنفيذ هكذا عملية.

لكن وقبل أن ننساق إلى ما تدفع إليه رغبة المحققين الأمريكيين وفي انتظار انكشاف الحقيقة التي قد لا تنكشف إلا بعد سنوات طويلة سنحاول أن نقوم بتحليل القوى المحتمله أن تكون وراء تلك العمليات.

في بداية أي تحقيق جنائي يبرز تساؤل عن أصحاب المصلحة في تنفيذ ذلك الفعل الجنائي، وفي أحداث نيويورك وواشنطن يبرز السؤال من يريد أن يوجه لطمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وليس للأمريكيين كأفراد؟

قائمة الجواب على السؤال طويلة، فللولايات المتحدة كنظام ودولة أعداء كثيرون منتشرون في جميع أنحاء العالم وعلى امتداد قاراته الخمسة، فهناك أنظمة شيوعية سابقة ومنظمات ماركسية ناصبت "الإمبريالية الأمريكية" العداء على امتداد عقود القرن الماضي، وهناك منافسون دوليون لا  تزال لهم دول وقوى مثل الصين، وهناك شعوب مقهورة تعرضت لكثير من الإرهاب الأمريكي مثل كوبا والفيتنام، وكوريا، وهناك اليابانيون ومنظماتهم الثورية التي تستذكر مجزرتي هيروشيما  وناغازاكي، وهناك الصرب الذين تعرضوا للطعن في كرامتهم القومية بعد الضربات الوحشية التي تعرضت لها يوغسلافيا بتسليم رئيسهم إلى محكمة العدل الدولية، وهناك الأفارقة الذي استعادوا الإحساس بكرامتهم فراحوا يطالبون بتعويضهم عن سنوات الاستعباد  والقرصنة، وهناك ما بقي من قبائل الهنود الحمر الذين أبيدوا، وهناك العرب الذين عانوا ولا يزالون من الإرهاب الأمريكي والصهيوني، وهناك المنافسون الماليون وغيرهم.

ولكن بعد تصفية هذه القوى على ضوء قاعدتين أساسيتين:

أولاهما القدرة المالية والأمنية على تنفيذ مثل تلك العملية الدقيقة والمحكمة.

ثانيهما: عدم التخوف من تبعات انكشاف العملية سواء بعد التنفيذ أو أثنائه و استعدادهما لتحمل المخاطرة أو تجنبها.

بعد تطبيق هاتين القاعدتين تبقى قائمة من القوى والخصوم يمكن التوقف عند أبرزها بشكل سريع:

 1- المنظمات العنصرية والانفصالية الأمريكية، حيث توجد المئات من المنظمات العنصرية التي تملك مليشيات مسلحة، وهي منظمات مختلفة الحجم بعضها يتألف من مئات الأعضاء، بينما يتألف الآخر من مئات الآلاف، وهي منظمات يمينية تؤمن بالتفرقة  العنصرية، وتعادي الاختلاط العرقي، وتقول بتفوق العنصر الأمريكي الأبيض، وبحقه في الهيمنة والسيطرة على العالم، ومعظم هذه المنظمات تقوم في الولايات الجنوبية، وترى أن الحرب الأهلية الأمريكية بين الجنوب والشمال كرست انتصار الشمال واحتلاله للجنوب وتدعو إلى تحرير الجنوب من استعمار " اليانكي" الشمالي، ومن أشهر تلك المنظمات، منظمة "ميتشجان" التي تضم مئات الألوف من الأعضاء والأنصار ولها معسكرات تدريب، وقام أحد عناصرها قبل سبعة سنوات عام 1993 بنسف المركز الاتحادي في ولاية "أكلاهوما" الجنوبية مما أدى إلى مصرع أكثر من مائة شخص ووجهت أصابع الاتهام إلى العرب والمسلمين قبل أن تتمكن الصدفة وحدها من القبض على منفذ العملية الذي حكم عليه بالإعدام ونفذ به قبل ثلاثة أشهر من عملية نيويورك وواشنطن، ومن المعروف أن لهذه المنظمة عناصر في الجيش وأجهزة الأمن، وبسبب انتشار عضويتها وبنيتها "العنقودية".

2- المنظمات المناوئة للعولمة، وهي منظمات أثبتت فاعليتها وقدراتها  التخطيطية وإمكانياتها المالية التي ساعدت على نقل الحشود عبر القارات لمحاصرة اجتماعات القمم الدولية الاقتصادية وقالت مصادر أمنية أوروبية وأمريكية أن لدى 10% من تلك المنظمات ميول لممارسة "العنف الثوري" وأنها مهيأة لممارسته، ومن بين هذه المنظمات من يملك فعلاً خبرات في ممارسة العنف هو في معظمه إرث لمنظمات عالمية في مرحلتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي .

3- مافيات المخدرات الأمريكية الجنوبية وفي مقدمتها اتحاد كارتل للمخدرات في كولومبيا ويخوض هذا الاتحاد حرباً معلنة ومستمرة منذ عدة سنوات مع إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، وكان قد هدد بتوجيه ضربة قوية للولايات المتحدة الأمريكية بعد تعرضه لضربات قوية تمثلت باعتقال بعض قادة الكارتل.

4- منظمات أصولية كمنظمة القاعدة وحلفائها الجهاد الإسلامي المصرية، والجماعات الإسلامية وغيرها، وكانت هذه المنظمات قد تعرضت في السنوات الأخيرة إلى حملة ملاحقات واعتقالات شاركت بها وقادتها الولايات المتحدة الأمريكية، وأسند إلى هذه المنظمات تنفيذ عمليات  "عنف" ضد الولايات المتحدة ومصالحها على غرار محاولة تدمير مبنى التجارة العالمية عان 1991 و نسف سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا وتدمير البارجة كول أمام الشواطئ اليمنية.

5- وعند البحث عن المنفذين المحتملين لا يمكن تجاهل الحركة الصهيونية وأجهزة استخباراتها، رغم التحالف الاستراتيجي بين الصهاينة وبين الولايات المتحدة الأمريكية،وهذا الاتهام ليس اعتباطياً حيث أن للحركة الصهيونية تاريخاً سابقاً في تنفيذ عمليات ضد مصالح "الأصدقاء" من أجل تحقيق أهداف استراتيجية، فقد أقدمت منظمات صهيونية على تفجير باخرة تحمل مهاجرين يهود قبالة  الشواطئ الفلسطينية بعد منعها من الرسو بهدف إثارة الرأي العام العالمي، وفي عام 1954 نفذ الموساد الصهويني عمليات تفجير بالقنابل ضد مصالح أمريكية في القاهرة من أجل إساءة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن تلك العمليات كشفت مما أدى إلى ما عرف بفضحية "لافون"، كما نشر عميل للاستخبارات البريطانية كتاباً يتضمن أسراراً عن ترتيب "الموساد" لتفجير قرب  سفارتها "إسرائيل" في لندن من أجل اتهام العرب والضغط على بريطانية من أجل  زيادة الاحتياطات الأمنية حول المراكز الصهيونية، ومن المؤكد ان الصهيونية تملك قدرة على تنفيذ عمليات بتلك الدقة، وتوجيه الإعلام والتحقيق لاتهام أطراف معادية لها.

قائمة الأعداء المحتملين يجب أن لا تبعد الأذهان عن أن الممارسات الإرهابية للولايات المتحدة وعنجهية القوة واستخدامها تبقى هي المسؤولة الأولى عن تلك العمليات بعيداً عن المنفذين والمخططين المباشرين.

ثالثاً الآثار المباشرة للحدث..خمسة آلاف قتيل وأكثر من خمسين مليار دولار

1-     خسائر الولايات المتحدة الأمريكية في عمليتي نيويورك وواشنطن.

من المؤكد ان الخسائر الكبرى التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية هي خسائر معنوية، فقد بدت الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن حماية نفسها من الهجمات التي يمكن أن يقوم بها خصومها، ومما يزيد من حجم الخسائر أنها المرة الأولى التي تتعرض فيها إلى هجوم قوي وناجح  بهذه القوة على أرضها، ويستهدف عنفوانها، فقد اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية على خوض حروبها خارج أراضيها، ويعتبر ضرب قاعدة "بيرل" هاربر" في الحرب العالمية الثانية الاستثناء الوحيد رغم أنه جرى على أرض أحد الأطراف البعيدة وليس في قلبها كما حدث في عمليتي نيويورك وواشنطن الأخيرة.

وإلى جانب هذه الخسائر المعنوية يمكن تسجيل بعض الأرقام والإحصاءات السريعة: بلغ عدد ركاب الطائرات المختطفة والتي تم تفجيرها 257 راكباً معظمهم من حملة الجنسية الأمريكية، وبلغ عدد ضحايا مركز التجارة العالمية أكثر من خمسة آلاف وأربعمائة مفقود وقتيل بما فيهم ما يقارب الأربعمائة من رجال الإطفاء والإنقاذ، ويقدر عدد ضحايا تدمير وزارة الدفاع ما بين 200 إلى 750  قتيلاً، كما يوجد مئات الجرحى والمصابين بسبب انهيار مركز التجارة العالمية، ولا يستبعد أن يصل إجمالي عدد القتلى إلى ما يقارب الستة آلاف شخص بينهم مسؤولون وضباط كبار في وزارة الدفاع ومدراء شركات كبرى.

وعن الخسائر المادية قدرت شركات الطيران الأمريكية خسائرها بما يزيد عن سبعة عشرة مليار دولار وقدرت تكاليف إعادة المبنى (مركز التجارة) لوحده مع رفع الأنقاض بأكثر من هذا المبلغ إضافة إلى ضياع وثائق مالية وعسكرية يصعب تقدير قيمتها، وتعرضت الأسواق التجارية إلى هزة عنيفة نجم عنها خسائر فادحة لم يجر تحديدها حتى اليوم، ففي أول يوم لافتتاح الأسواق المالية هبطت قيمة الأسهم بمقدار 7%، كما طالبت الأجهزة الأمنية بميزانية جديدة من أجل تحسين أدائها، ومن أجل تغطية مصاريف مواجهة حالة الطوارئ والاحتياجات الأمنية رصد الكونغرس الأمريكي مبلغ 20 مليار دولار إضافة إلى 10 مليار وضعت بيد الرئيس وأخرى رصدت لعمليات عسكرية وأمنية، ولا يدخل  في هذه الأرقام أجور ساعات العمل الضائعة، ولا الخسارة الناجمة عن إفلاس بعض شركات التأمين، كما لا يدخل الحساب النهائي لتكاليف الاستنفار العسكري والأمني للعمليات العسكرية المتوقعة .

يضاف ضياع موجودات مالية وسندات في مصارف وشركات مبنى التجارة تقدر قيمتها بثلث الكتلة النقدية العالمية لم يعرف مصيرها حتى الآن رغم ما يقال عن توزيع قسم منها في مصارف  ومراكز فرعية .

2- الآثار على المجتمع :

تعرضت الجالية الأمريكية ذات الأصول العربية والديانة الإسلامية إلى هجمات ومضايقات  بسبب التحريض الإعلامي ضد العرب والمسلمين، حيث تعرضت بعض المحميات للضرب، كما كسرت واجهات مكتبات عربية، وتعرضت  بعض المساجد لمحاولة الحرق، وتلقى المسؤولون عن الجمعيات العربية والإسلامية للشتم والتهديد بالقتل وقتل عدد من الأشخاص، ولم تكن الحوادث عفوية  وتلقائية بل كثيراً ما  لجأ رجال الأمن إلى إجراءات ذات خلفية عنصرية، فقد تم اعتقال عدد كبير من العرب الأمريكيين بما  فيهم نسوة، وفي المطارات كانت الجنسية أو حتى الملامح العربية كافية  للاحتجاز ومنع السفر أو الإخضاع لتفتيش صارم.

وتمت تلك التصرفات رغم الجهود الكبيرة التي بذلها مسؤولوا الجاليات العربية والإسلامية في إدانة العملية، والإصرار على المسؤولين الرسميين للتدخل لإيقاف هذه الحملة ضد العرب، ورغم تدخل الرئيس الأمريكي وبعض أعضاء مجلس الشيوخ من أجل عدم التسرع باتهام الجالية الإسلامية والعربية، إلا أن هذا لم يمنع من استمرار المضايقات والاعتقالات .

3- آثار العملية على السياسة الأمريكية :

لم تستفد السياسة الأمريكية من هذا الحدث لتصحيح سياستها الدولية بل على العكس من ذلك أجج هذا الحدث مشاعر الثأر والانتقام واستعادة الهيبة، وتمكن تيار الانخراط في السياسة الدولية من التغلب على دعاة الانعزال عن الشؤون الدولية ذات الأبعاد المحلية، وارتفعت شعارات الثأر واسترداد الهيبة .

دعاة العودة إلى الانغماس الدولي بدؤوا بالتخطيط لاستكمال النتائج الناقصة في حرب الخليج الثانية التي قادها بوش الأب من أجل بسط الهيمنة الأمريكية على العالم أجمع، إلا أن هذا الاندفاع لا يزال يواجه من قبل دعاة الانكفاء بضرورة ضبط النفس، وترك الصراعات الدولية للقوى المحلية مع دعم غير مباشر لبعض الدول الإقليمية "حلف الناتو"، الكيان الصهيوني، الهند.. إلخ".

4- آثار العملية على بعض الدول:

في الوطن العربي تلقى معظم المواطنين العرب العملية للوهلة الأولى بمظاهر الفرح والشماتة  مستحضرين في ذاكرتهم الموقف الأمريكي المعادي للأمة العربية، والجرائم المرتكبة بحق العراق،  والدعم المطلق المقدم للصهاينة، إلا أنَّ هذا الترحيب شابته مشاعر القلق خوفاً من رد الفعل الأمريكي، أما على مستوى الحكومات فقد كان  القلق هو الطاغي، نظراً لأن أربعة دول عربية موضوعة على قائمة الإرهاب من أصل سبعة دول، إضافة إلى ستة عشر منظمة لبعضها تواجد في أكثر من دولة عربية.

القلق والترقب والخوف من آثار العملية على الأوضاع الداخلية ومن التبعات المالية التي اعتادت الولايات المتحدة تحميلها للدول العربية النفطية أدت إلى مسارعة الدول العربية بما فيها تلك  التي توصف بالراديكالية إبداء مشاعر للتعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة منفذي العملية.

بعض الدول العربية لم يفتها بأن تستغل هذه المناسبة لكي تطالب الولايات المتحدة والدول الغربية بتسليمها خصومها السياسيين اللاجئين في أراضيها باعتبارهم "إرهابيين" وأن تطالب المجتمع الغربي بالتوقف عن مهاجمة ما تسميه بالدفاع عن حقوق الإنسان في الوطن العربي، وبعد توجيه انتقادات لممارستها ضد خصومها ومعارضيها .

إلا أن الانعكاس الأكبر لتلك العمليات ظهر في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقد عزز شارون من سياساته القمعية واستغل حالة الهيجان الأمريكي ضد الإرهاب ليشدد من ضرباته للفلسطينيين فقتلت قواته العشرات واقتحمت عدداً من المدن الكبرى كجنين وأريحا، وغزة ورام الله، وأعلن أنه يقود حرباً ضد الإرهاب، وهي نفس المعركة التي تقودها الولايات المتحدة، واعتبر ياسر عرفات النسخة  الفلسطينية لابن لادن، كما طالبت وزارة العدل الصهيونية رسمياً بتسليمها مروان البرغوثي مسؤول فتح في الضفة لمحاكمته بتهمة الإرهاب.

ويمكن اعتبار العراق الدولة العربية الوحيدة التي نأت بنفسها عن التعاطف مع الإدارة الأمريكية واعتبرت هذا التعاطف نوعاً من النفاق، وبالمقابل وفي خطوة لافتة للنظر عدل السيد عرفات عن زيارة دمشق والتي كان من المتوقع لها أن تكون تعبيراً عن تحول هام في استراتيجية إدارة الصراع مع العدو الصهيوني.

وفي روسيا ربط الرئيس الروسي بين العنف الذي تعرضت له الولايات المتحدة وبين ما اعتبره الإرهاب الأصولي الذي تعرضت له روسيا على أيدي الشيشان وجماعات ابن لادن، وقام الإعلام الروسي الخاضع للسيطرة الصهيونية بشن حملات على العرب والمسلمين مطالباً بقطع العلاقات الروسية مع سوريا والعراق وإيران، إلا أن هذه الحملة و وجهت بحملة معاكسة من القوى القومية  واليسارية التي حذرت من أهداف الدعاية الصهيونية، وأكدت على ضرورة استمرار العلاقات الجيدة مع الدول العربية والإسلامية، ولعل تلك الضغوطات ساعدت على تبديل الموقف الروسي والانتقال من  التعاطف الأعمى مع الولايات المتحدة إلى الحذر والدعوة للتريث والعقلانية .

دول الاتحاد الأوروبي تحولت مواقف معظمها من التعاطف والاستعداد لتقديم المساعدة للولايات المتحدة  الأمريكية إلى الحذر والترقب، وشهدت اجتماعات الناتو والاتحاد الأوروبي خلافات واسعة حول الاندفاع و تأييد الولايات المتحدة، كما عكست وسائل الإعلام هذه التخوفات والخشية من تحول الصراع بين الغرب المسيحي و الشرق المسلم .

الانعكاس الأكبر ظهر في جنوب أسيا وخصوصاً في المربع الذي يضم الباكستان وأفغانستان والهند وإيران وخصوصاً بعدما وجهت الاتهامات إلى ابن لادن وحركة طالبان وهو ما سنتعرض له بتفصيل في القسم التالي من البحث.


 

القسم الثاني

رد الفعل الأمريكي .. مقدمات العدوان

أولاً: الهدف .. محاربة الإرهاب الأصولي :

منذ اللحظات الأولى وقبل أن يعرف أي شيء عن منفذي العملية التي طالت مبنى المركز التجاري ومبنى البنتاغون أخذت أصابع الاتهام توجه إلى الأصوليين الإسلاميين وإلى أسامة بن لادن،  وما أن استفاق الرئيس الأمريكي ومعه كبار المسؤولين حتى راحوا جميعاً يتحدثون عن معركة ضد الإرهاب الأصولي، ورغم دعوات عدم التسرع في ردود الفعل إلا أنه قد بدأ وكأن هناك سباقاً مع الزمن لإثبات التهمة على ابن لادن، فتحول ابن لادن من مشتبه محتمل إلى مشتبه رئيسي، ومن ثم إلى مشتبه وحيد، وفي الشارع الأمريكي انعكست تحريضات الإعلام وتصريحات المسؤولين إلى نقمة ورغبة بالثأر، ففي استبيان أجرته إحدى الوكالات الأمريكية أجاب 85% ممن شملهم الاستفتاء على رغبتهم بالثأر، حتى لو وقع نتيجته ضحايا من الأبرياء.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية وصناع القرار فيها بحاجة إلى عدو تتوجه إليه الأنظار قبل أن يستفيق الشعب الأمريكي من حالة الصدمة، ويطالب بمحاسبة المسؤولين عن التقصير وعن تلك الثغرات الأمنية الواسعة في أجهزتها الأمنية والإدارية والسياسية، وكان الرئيس الأمريكي بالذات أكثر حاجة للتغطية على أدائه البطيء والبليد، وابن لادن هو الضحية النموذجية التي يمكن توجيه الأنظار إليها بسهولة، وبدون حاجة إلى أدلة دامغة فهو المتهم المحضّر بشكل مسبق لأي عمل"إرهابي" أو أي عمل عنف يستهدف الولايات المتحدة .

ومن أجل استكمال صورة المتهم النموذجي توجهت التحقيقات لإثبات التهمة على المتهم المفترض وليس للبحث عن الحقائق الوقائع بصورة مجردة، فتوجه التحقيق للبحث عن عرب ومسلمين  بين خاطفي الطائرات، وتم حصر 19 منهم، وتبين أن بعضهم مدرب على قيادة الطائرات وهنا لم يحاول التحقيق أن يتثبت من كون حاملي الجنسيات العربية وفق جوازات السفر المبرزة هل هم من  العرب فعلاً؟ وهل هم من الأصوليين ثانياً؟ وهل هناك ما يربطهم بابن لادن ومنظمته أخيراً؟ رغم ما تبين فيما بعد أن خمسة ممن نشرت أسماؤهم على أنهم من خاطفي الطائرات هم على قيد الحياة، وهم  مقيمون في المملكة العربية السعودية، وكان قد أبلغ أحدهم "العمري" عن فقده جواز سفره في الولايات المتحدة قبل عدة سنوات ونظم محضراً رسمياً بذلك، وتبين أن مختطف مفترض كان قد توفي قبل سنة،  كما أبلغ عن خاطف مفترض آخر وهو لبناني بكونه بعيداً عن الالتزام الديني، وهي الشروط الأولى للانتساب إلى أي تنظيم أصولي إسلامي، وكانت المسألة الثالثة بأن جميع من ذكرت أسماءهم ليسوا من المعروفين بميولهم الأصولية، وليست لهم سوابق لا في الولايات المتحدة الأمريكية ولا في بلدانهم الأصلية، وهنا يجدر العودة إلى ملف محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في العاصمة اللبنانية، فقد تبين من التحقيق الأولي مع محاولي الاغتيال وهم من عناصر الموساد أنهم  يملكون جوازات سفر كندية، وان الموساد يملك جواز سفر لجنسيات مختلفة بعضها مزور وبعضها صادر عن جهات رسمية في بلدانها .

كان القرار السياسي قد اتخذ في الدوائر المريكية الضيقة بأن المتهم هو أسامة بن لادن ومن يأويه، واعتبر ذلك من تحقيقات مجرد تفاصيل يجري لاستكمال التهمة ليس إلا. نفى أسامة بن لادن التهمة المسندة إليه، وقالت حركة طالبان التي تقدم له المأوى والرعاية أن أسامة بن لادن لا يملك الإمكانيات لتنفيذ هكذا عملية وهو شبه مقيد الحركة، وملزم من قبل حماته بأن يركز في جهاده على نصرة الطالبان وعدم القيام بنشاطات خارجية.

نفى ابن لادن ما نسب إليه لا يجوز تجاهله فهو رغم وجود الدافع لديه لتوجيه ضربات للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن قدرته على الحركة خارج أفغانستان شبه محدودة، فجميع أنصاره مطلوبون في جميع دول العالم، ويخضعون للمتابعة والمراقبة، كذلك تخضع للرقابة جميع مكالمات ابن لادن من قبل أقمار صناعية أمريكية،وجففت الكثير من منابعه المالية بفضل تعاون دولي واسع مع الولايات المتحدة، وعلى فرض تمكنه من تنفيذ مثل هذه العملية الواسعة التي احتاجت إلى عشرات  الاستشهاديين أو الانتحاريين وإلى تدريبات وخطط امتدت لسنوات فإن هذا مؤشر خطير على ضعف الاستخبارات الدولية بما فيها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والإنكليزية والصهيونية.. إلخ.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى ضربة كبيرة تسترد فيها هيبتها الضائعة، فأدركت أن ابن لادن لا يشكل الهدف الكافي لإرضاء شهوة الانتقام فهو في النهاية مجرد رجل على رأس تنظيم يضم بضع مئات أو بضعة آلاف في أحسن تقدير معظمهم محاصر في ملجئه الآمن، وكان لا بد أن تطور من استراتيجيتها، فقالت أنها ستقود معركة ضد الإرهاب وضد الدول التي ترعى الإرهاب،وأخذت الأنظار والخطط والأضواء تتوجه إلى أفغانستان وإلى حركة طالبان الإسلامية الأصولية التي تسيطر على هذا البلد وراحت العديد من الدول والقوى بدفع أمريكا لهذا الاتجاه، وفي مقدمة هؤلاء:

1- الكيان الصهيوني:

الذي اعتبر أن المقاومة الفلسطينية واللبنانية هي جزء من منظومة إرهابية تشمل الوطن العربي والعالم الإسلامي، واعتبر الحركات والدول الإسلامية في قلب آسيا عمقاً استراتيجياً للوطن العربي الذي يخوض بمواجهته معركة إبادة، وكان يرى في القنبلة الذرية الباكستانية "قنبلة إسلامية" كما يرعى في طالبان رديفاً لحماس والجهاد رغم بعد المسافة بينهما وبين فلسطين.

2- الهند:

التي تخوض صراعاً منذ أكثر من نصف قرن مع جارتها الباكستان، وهو صراع ذو خلفية دينية وأثنية وجغرافية، ولا تزال كشمير ذات الأغلبية الإسلامية والمحتلة من قبل الهند بؤرة متفجرة للصراع  بين البلدين اللذين قادهما التنافس إلى ميدان القنابل الذرية والصواريخ الحاملة لها، وفي كشمير تخوض المنظمات الأصولية/ الإسلامية الصراع اليومي ضد ما تسميه بالاحتلال الهندي، وهي منظمات على علاقة وثيقة بأفغانستان وبحركة طالبان وبأسامة بن لادن، وكانت الهند قد شهدت في العقود الأخيرة نهوضاً للتيار القومي الشوفيني على حساب حزب المؤتمر الوطني الذي كان على عكس منافسه على علاقة وثيقة مع الوطن العربي.

3- روسيا الاتحادية:

التي تخوض حرباً صعبة في الشيشان والقوقاز، ويخوض أنصارها معارك ضارية في الدول الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي وهي: طاجكستان، وأوزبكستان، ففي الشيشان سجل الاستقلاليون انتصارات واسعة على الجيش الروسي، ولا تزال قوات الاستقلاليين الأصوليين تضرب بقوة ذلك الجيش الذي يخوض معركة يائسة، ولم تقتصر ضربات الأصوليين الشيشان على الأراضي الشيشانية بل امتدت في كثير من الأحيان نحو العمق الروسي، وشكلت طالبان وحركة بن لادن المستودع الخلفي لقوات الشيشان، حيث يقومون هناك بإعداد المقاتلين لزجهم في القتال ضد الجيش الروسي ولا تزال فرقة من أولئك افغان العرب بقيادة ابن الخطاب تقاتل داخل الشيشان بقوة منذ عدة  سنوات.

وهكذا تحول الهدف الأمريكي من شخص ابن لادن غير المرئي إلى إمارة أفغانستان المحكومة بالجغرافيا والمحدودة الأبعاد وأضحى ابن لادن مجرد هدف أولي على قائمة المطالب غير المحدودة، لكن طالبان ليست هدفاً سهلاً فهي بعيدة عن تناول اليد الأمريكية المباشر نظراً لعدم وجود حدود بحرية تؤمن انتقالاً سهلاً للأساطيل الأمريكية ولقوات المارينز إلى أفغانستان.

ثانياً- أفغانستان .. "طالبان- ابن لادن" الأهداف المباشرة لرد الفعل الأمريكي:

1-  أفغانستان دولة في مهب الريح:

النفط الدم والمخدرات وأطماع الجيران تمتزج كلها بالموروث التاريخي لتحكي قصة الصراع الطويل في أفغانستان وعليها، هذا الصراع الذي تتواصل حلقاته وتتبدل أطرافه، ويتحول الحلفاء إلى أعداء بين ليلة وضحاها وتتغير أوصاف المتصارعين حسب تبدل الأهواء، فهم حيناً مجاهدون شرفاء، ومناضلون من أجل الحرية، وفي وقت آخر  إرهابيون متعصبون، معادون لحرية الإنسان، يحلمون بإقامة نظام أصولي متخلف.

الصراع في أفغانستان وعليها يحمل الكثير من الصراعات المتشابكة مما يجعل من المستحيل فهمه ومتابعته دون تفكيك الخيوط المترابطة، ودون معرفة دقيقة بالتفاصيل الصغيرة والكثيرة التي تشكل خارطة الصراع، ولتبسيط الصورة يجب إلقاء الضوء على تركيبة ميدان الصراع وأطرافه:

1- الموقع وجغرافية السكان:

في منتصف القارة الآسيوية وبعيداً عن جميع المنافذ البحرية تقع جمهورية أفغانستان، حيث تحدها من الشمال ثلاثة من الجمهوريات السوفياتية السابقة هي: تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان،  ومن الشرق الصين، ومن الشرق والجنوب الباكستان، ومن الغرب إيران، وهي في موقعها تشكل منطقة رخوة بين أطراف ذات طموحات إقليمية وتتداخل هذه الجغرافية مع الجغرافية السكانية، حيث تشكل القبائل المختلفة في الداخل والمتجانسة مع خارج الحدود ما يشكل امتدادات للجغرافيا وللجيران  داخل الدول الأفغانية، ففي الشمال تسكن قبائل الأوزبك والطاجيك التي هي امتداد لسكان الجمهوريات الإسلامية "السوفياتيه السابقة"، وفي الجنوب والوسط البشتون الذين يتواصلون مع  بشتون الباكستان، وفي الوسط والغرب قبائل الهزازة التي ترتبط بالعقيدة مع إيران الشيعية، وفي الغرب أتباع الطائفة الإسماعيلية، بعض هذه القبائل والعشائر تعتبر الكتلة الأساسية لأبنائها خارج الحدود كما في الطاجيك،  حيث يفوق عدد الأفغان الطاجيك الذين يتراوح عددهم حوالي خمسة ملايين نسمة سكان طاجكستان.

تعدد القبائل والثنيات يترافق مع تعدد المذاهب والعقائد، فقبائل الهزازة شيعية ،تشكل  8-10% من السكان، وهناك أقليات إسماعيلية، ولكن الطائفة السنية هي الغالبة فقبائل البشتون والتي تشكل أكثر من نصف السكان هي مسلمة سنية، كذلك الطاجيك الذين يشكلون ما يزيد عن ربع السكان الذين يقدرون بما يقارب من الثمانية عشرة مليوناً ينتشرون في مساحة هي 652 مليون كم2 لا يصلح للزراعة منها سوى 15%، أما باقي الأراضي فهي إما جبلية وعرة يزيد ارتفاع بعض قممها عن سبعة آلاف متر، أو صحراوية قاحلة في الغرب، حيث المناخ القاري الذي تختلف فيه درجات الحرارة بشكل كبير بين الصيف والشتاء وبين الليل والنهار ففي الشتاء تسجل المناطق الجبلية درجة حرارة تقل عن عشرة تحت الصفر وتزيد عن الخمسة وأربعين درجة في الصيف في مناطق الغرب، وتسجل الفروقات بين الليل والنهار في بعض المناطق ما يقارب الثلاثين درجة، ويتعمد السكان على الزراعة وتربية  الماشية في بلد يزيد فيه سكان الريف عن 85% من مجمل عدد السكان، لكن سنوات الحرب الطويلة أدت إلى تدمير الزراعة التي كانت تقوم على القمح والشعير والأرز والقطن والفواكه كما تعرضت الغابات إلى تدمير منهجي مما اضطر عدد كبير من السكان إلى الهجرة إلى البلدان المجاورة وخصوصاً إلى الباكستان وإيران، ففي الباكستان اليوم ما يقارب الثلاثة ملايين من اللاجئين الأفغان، وهناك نضف هذه الأعداد في إيران، ويعتبر هؤلاء اللاجئون الروافد الأساسية للمقاتلين في جميع الفئات المتحاربة، وتعتبر مدينة بيشارو الباكستانية أهم قاعدة للمهاجرين الأفغان وتكاد تكون أكثر شهرة من العاصمة الأفغانية "كبول" أو من عاصمة الشمال "مزار شريف" أو عاصمة طالبان "قندهار" .

تدمير الزراعة وظروف القتال دفعت السكان إلى التركيز على زراعة الأفيون، وتشير التقديرات الدولية إلى أن أفغانستان تعتبر ثاني مورد للأفيون في العالم بعد غواتيمالا، وتبلغ القيمة الفعلية لتجارة الأفيون مليارات الدولارات سنوياً، ولكن لا يصل من هذه المبالغ إلاّ أرقاماً ضئيلة إلى الفلاحين والمزارعين الأفغان أما الباقي فيذهب إلى رجال المافيا، والتجار ومعظمهم من خارج أفغانستان، ورغم الأرقام المرتفعة لمبيعات الأفيون فإن مستوى الدخل الفردي للمواطن الأفغاني لا يزيد عن سبعمائة دولار سنوياً حسب آخر إحصاء رسمي .

وبالعودة إلى الجغرافيا فإن خط الحدود بين أفغانستان والباكستان يمتد 25000 كم، ويمتد هذا الخط 850 كم بين أفغانستان وإيران مما يجعلهما أكثر دول الجوار اهتماماً بما  يجري داخل أفغانستان.

2- التاريخ:

إذا كانت الجغرافيا وعرة وصعبة ومتشابكة تسمح بحروب العصابات وتولد مقاتلين أشداء وقساة فالتاريخ أيضاً يمدّ الأفغان بمولدات للصراعات والحروب حيث لم يشهد تاريخ المنطقة الكثير من الاستقرار فقد كانت معبراً للغزاة والفاتحين وممراً للهجرات، كما كانت طريقاً للحرير.

من الهجرات القادمة من أواسط آسيا قدمت معظم القبائل التي تعيش في أفغانستان وجوارها وكانت معظم تلك القبائل تتحدث بلغة يطلق عليها أوريان فسميت المنطقة باسم أوريانا، وخضعت المنطقة منذ القرن السادس قبل الميلاد للإمبراطورية الفارسية، ولكن الإمبراطورية الفارسية تعرضت لهزيمة ساحقة على يد الإمبراطور إسكندر المقدوني الذي اجتاح بلاد فارس عام 300 ق.م وهو في طريقه إلى الهند، لكن إمبراطورية الإسكندر انقسمت إلى مماليك عدة متنازعة بعد وفاته، وفي القرن الأول الميلادي سيطر على المنطقة قبائل الكوشان القادمة من الصين لتعقبها قبائل الهياطلة في القرن الرابع وتنازعت معها قبائل وممالك هندية وصينية وفارسية، إلى أن وصلتها الفتوحات العربية الإسلامية  في القرن السابع لتبدأ معها الصفة الإسلامية وليصبح تاريخها منذ ذلك الحين مرتبطاً بالتاريخ الإسلامي وفتوحاته.

وفي القرن العاشر الميلادي سيطر على المنطقة قبائل السامان الذي أسسوا مملكة دامت أكثر من  قرنين وكانت عاصمتها مدينة بخارى التي تقع في دولة أوزبكستان الحالية، وامتد نفوذ هذه المملكة إلى مناطق شاسعة وصلت إلى مشارف العراق، وسقطت الإمبراطورية السامانية "الغزنوية" على يد ملك خوازم المعروف باسم خوازم شاه في القرن الثاني عشر، وكانت  عاصمة ملكه في خوازم التي هي اليوم في جمهورية كازاخستان، لكن المنطقة سرعان ما سقطت تحت سيطرة جنكيز خان القادم من الشمال الشرقي في منغوليا ولتكون جزءاً من إمبراطورية امتدت حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وقام أهلها بالثورة عليه وقتل الأمير الذي تركه عليها وهو ابنه، فعاد جنكيز خان ليرتكب إحدى أفظع جرائمه، وبعد المغول تعرضت لغزو التتار فاحتلها تيمورلنك في القرن الرابع عشر وهو في طريقه إلى الغرب واستمر خلال القرون التالية توالد الدول والدويلات واستمرت الحروب والنزاعات .

غير أنه في منتصف القرن الثامن عشر وبينما الصفويون ذوو الأصول الفارسية يتنازعون السلطة مع المغول في المنطقة ظهر الملك أحمد خان التتاري عام 1747 الذي وحد الممالك  المتصارعة وأورث الحكم لأحفاده من أناء الأسرة الدورانية، وكان آخرهم الرئيس محمد داود الذي انقلب على الملك ظاهر شاه .

ولم تكن أفغانستان بعيدة عن أطماع الغرب في العصر الحديث الذي وصلت جيوشه إلى أراضي الهند المجاورة، إلا أن هذه الأطماع اصطدمت بقوتين، أولهما عشق الحرية، حيث تعتبر أفغانستان إحدى الدول القليلة التي لم يستقر فيها الاستعمار القادم من خارجها، وثانيهما أطماع روسيا القيصرية المنافس الرئيسي للغرب حيث بذلت روسيا جهوداً كبيرة للسيطرة على الأجزاء الشمالية ووصلت سيطرتها في بعض الأحيان إلى العاصمة كابول، بينما وقعت المدينة في أوقات أخرى ومعها مناطق الجنوب تحت السيطرة الإنكليزية، التي استطاعت فرض احتلالها بشكل متقطع وبصورة غير مستقرة إلى العام 1921، حيث أعلن عن استقلال أفغانستان، ومن المهم هنا ونحن نستعرض تاريخ أفغانستان الحديث أن نتحدث عن أهم الثورات ضد الاستعمار البريطاني، ففي عام 1839 خرجت حملة إنكليزية عسكرية كبيرة دعماً للأمير "شجاع الملك" الذي تنازع السلطة مع شقيقه "دوست محمد خان" المتحالف مع الروس لكن، الحملة تعرضت لثورة مستمرة من الأهالي لمدة ثلاثة سنوات اضطرت  بعدها للجلاء عن العاصمة كابول، وبينما كانت الحامية المؤلفة من خمسة آلاف جندي بريطاني ومعهم  جالية بريطانية وهندية تزيد عن عشرة آلاف شخص في طريق عودتهم تعرضوا لكمين من قبل المقاتلين الأفغانيين وأبيدت الحملة ولم ينج منها أحد، وعلى أثر هذه العملية قام الإنكليز بتدمير مدينة كابول واحتلالها مرة أخرى ولكنها تعرضت لثورات مستمرة أشهرها ثورة عام 1878 إلى أن تحقق الاستقلال، واتفق بين القوى العظمى على حياد ضمني استمر حتى الانقلاب الشيوعي عام 1979،  وقبل هذا الانقلاب كان التنافس بين القوى العظمى يأخذ طابعاً اقتصادياً وإصلاحياً حيث تقوم الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الغربية بإنشاء طرق ومشاريع عمرانية في الجنوب بينما يقوم الروس ببناء الطرق والمشاريع في الشمال.

2- أفغانستان من الجهاد إلى الأصولية:

في عام 1979 انقلب الشيوعيون على الملك "داود المعتدل"، وكانت ثورتهم الانقلابية العسكرية غير مفهومة أو مقبولة من مجتمع قبلي أصولي يعمل معظم سكانه رعاة وزارعي الحشيش، فووجه الانقلاب بعزلة شعبية، وتدخل السوفيات لنصرة حليفهم القادم إلى السلطة بقوة الانقلاب وبقهر الإيديولوجيا، وأصبح السوفيات على مقربة من المصالح الغربية فهم على حدود الباكستان وإيران وعلى مسافة من بحر الخليج النفطي، ورأت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة سانحة للانتقام من مساعدة السوفيات للفيتناميين وإلحاق الهزيمة بهم، وفرصة أخرى لتدمير الاتحاد السوفياتي.

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى تدخل مباشر لقيادة صراع مع السوفييت ولم تكن تلك استراتيجية لها أصلاً، فاستنفرت "الأصولية الإسلامية" لتقود حرباً شرعية ضد السوفييت "الكفار" وكانت الكثير من العوامل مساندة للاستراتيجية الأمريكية، فالقبلية الأصولية الأفغانية مهيأة لصراع على خلفية دينية، والبيئة مساعدة لحرب عصابات طويلة والجوار الباكستاني والإيراني مهيئ لتقديم المساعدة .

وفي الوطن العربي وجدت الأصولية الإسلامية المستنهضة في بلدانها والمقموعة في آن واحد فرصتها لتطبق نظرياتها الجهادية بأقل التكاليف وبمساعدة غير مباشرة من أعدائها المفترضين، فانتقل العديد من أولئك الأصوليين إلى أفغانستان ليقودوا جهادهم ضد "الاتحاد السوفياتي" وليلتقطوا أنفاسهم من الصراع الدموي الخاسر داخل أوطانهم وليحضروا أنفسهم لمعارك قادمة في أرض الوطن حسب قناعاتهم .

استمرت الحرب "الجهادية" عشرة سنوات طويلة أعادت رسم صورة الخارطة السياسية الجديدة من قوى يجمعها هدف مشترك هو كرب "الكفار"، وتفرقها المطامع والأصول العرقية والأثنية، والطائفية والمذهبية، ومصالح دول الجوار ومع خروج السوفييت وانتصار المجاهدين بدأت حرب  الأشقاء المتنافسين على السلطة، وتبادل هؤلاء الأشقاء الاستيلاء على العاصمة كابول، مترافقة مع  مجازر الحروب الأهلية، وفي خضم الصراع الداخلي قامت دول الجوار الإسلامية وتحديداً الباكستان وإيران بتحشيد الأنصار والفرقاء، فتشكلت قوتان: أولاهما تستند إلى الباشتون/ السنة الذين يشكلون  الأغلبية، ويقودها حكمتيار المدعوم من الباكستان، والثانية التحالف الذي يضم الأقليات الأثنية والطائفية والمدعوم من إيران وبدى وكأن الحرب تكاد لا تنتهي بين الفريقين المتكافئين بالقوة .

3- طالبان المجاهدة :

ظهرت حركة إسلامية جديدة عام 1994 بين صفوف الباشتون اللاجئين في مخيمات بيشارو، وكان معظم رجال الحركة من طلبة المعاهد العلمية "الشرعية" في الباكستان، ومن طلبة الأزهر الذين احتكوا بالمنظمات الإسلامية الأصولية، أو من الذين تدربوا على أيدي العرب الأفغان، ومن بين الذين درسوا في مدراس حزب جمعية العلماء المسلمين في الباكستان، وسيطرت على هؤلاء أفكار "الالتزام بسنة الدين الصافية النقية، وتسييسه وإحياء الروح الجهادية المقاتلة فيه"، وكان هدفهم إقامة حكومة مركزية قوية ومحاربة الفساد والمؤثرات الأجنبية، وعلى طريق تحقيق هدفهم هذا طالبوا أطراف الصراع الداخلي بوقف إطلاق النار والتوصل إلى وفاق، وعندما لم تؤخذ دعوتهم بعين الجد بدؤوا بشن زحف مقدس من معاقلهم الجنوبية وسرعان ما تساقطت أمامهم قوات القائد قلب الدين حكمتيار رئيس الحزب الإسلامي، وبدأ الانهيار يحل بجميع الفصائل التي تساقطت مواقعها واحداً تلو الآخر، وخلال أقل من عامين استولت طالبان على العاصمة كابول وعلى 90% من الأراضي الأفغانية، وبقي وزير الدفاع  السابق أحمد شاه مسعود يقاوم في بعض المناطق الشمالية ومعه مقاتلوه من الطاجيك مستفيداً من دعم قوي من جمهوري الطاجيك السوفياتية السابقة ومن حكومة طهران، وظهر واضحاً أن الباكستان  قدمت دعماً غير محدود لحركة طالبان.

ورغم أن الحركة الأصولية متزمتة إلا أنها لم تكن تشكل خطراً جدياً على إمكانية نقل تجربتها "الثورية السنية" إلى باقي الدول الإسلامية بسبب التخلف العام للحركة والأفغانستان وعد قدرتها على خلق نموذج مؤهل للاقتداء، إلا أن الحركة استهوت الحركات الإسلامية الأصولية المتطرفة في كل من كشمير والاتحاد السوفييت السابق والصين وفي الوطن العربي، وتبلغ حالياً عدد القوات التابعة لطالبات أكثر من مليون مقاتل.

4- ابن لادن ومنظمة القاعدة:

أصبح الشيخ أسامة بن لادن أبرز شخصية عالمية على الإطلاق منذ أن اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأول لها وخصصت جائزة مالية قدرها خمسة ملايين دولار أمريكي لمن يقدم معلومات تساعد في القبض عليه حياً أو ميتاً، وهو يكاد يفوق في شهرته "تشي غيفارا" رمز الحرب اليسارية العالمية على الإمبريالية الأمريكية في الستينات من القرن الماضي.

على العكس من تشي غيفارا وزملائه الثوريين الماركسيين الذين عاشوا طفولة صعبة وفقيرة، فإن أسامة بن لادن هو ابن عائلة ابن لادن السعودية الثرية التي تملك العشرات من شركات الاستثمار الكبرى والتي تقدر ثرواتها بمليارات الدولارات، وهي مقربة جداً من العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية، ورغم ميوله الدينية المبكرة إلا أن شهرته تعود إلى بدايات الحملة على التدخل السوفياتي في أفغانستان وما رافقها من دعاية مضادة في المملكة العربية السعودية، حيث بدأ بجمع الأموال للمجاهدين  الأفغان ثم انتقل لجمع المتطوعين بمساندة غير مباشرة من المملكة ومن الدوائر الأمريكية، في معسكرات بيشارو الباكستانية التقى مع رجال الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، واتفق معه على تشكيل قوات مستقلة من المتطوعين العرب الذين قدم معظمهم من التنظيمات الإسلامية الأكثر راديكالية في الوطن العربي، والذين يستقون أفكارهم من سيد قطب ومن الشيخ حسن ندوي وأبو أعلى المودوري القائمة على تكفير المجتمعات الإسلامية الراهنة والدعوة إلى الجهاد من أجل إقامة دولة إسلامية جدية، وكانت تلك المنظمات قد تعرضت في بلدان المنشأ إلى ضربات عنيفة وملاحقات مستمرة سواء في مصر أو سورية أو ليبيا أو الأردن، مما دفع لهجرة بعض كوادرها إلى أوروبا.

على عكس الحملات التي تعرضوا لها في بلدانهم الأصلية وعن صعوبات التأقلم في المجتمعات الغربية والمضايقات التي كانوا يتعرضون لها، وجدوا في الباكستان وفي أفغانستان الترحيب والدعم الذي شمل خصوم التدخل السوفياتي بما فيهم رجال المخابرات الأمريكية، كما وجدوا الانسجام النفسي حيث عاشوا في مجتمعات قريبة من معتقداتهم، وأصبح هؤلاء العرب الأفغان محط تقدير لكونهم مجاهدين ضد الكفار، وعلا شأن ابن لادن بينهم رغم أن بعضهم حافظ على روابطه وعلاقاته التنظيمية السابقة، ورأى في معركته ضد الروس مجرد محطة تأهيل وتدريب لممارسة دوره الأساسي في البلدان التي قدموا منها، وفي نهايات الحرب الأفغانية ضد السوفييت تحول ابن لادن إلى بطل وإلى قوة أساسية في الصراع الأفغاني، إلا أن انتهاء الحرب الأفغانية ضد السوفييت وانسحاب الروس أدى إلى نوع من الارتباك في صفوف المجاهدين "الأفغان العرب" فهم لم يكونوا معنيين بالاقتتال الداخلي الذي أخذت تدور رحاه بين فرق المجاهدين السابقين، وأحلام العودة إلى الوطن اصطدمت بحملات أمنية مشددة ضد هؤلاء الذين باتوا يشكلون دعماً قوياً لمنظمات العنف الأصولي، وأصبح هؤلاء العائدين خطراً أمنياً ليس على حكوماتهم فقط، وإنما على الولايات المتحدة نفسها، وخصوصاً خلال عدوانها على العراق  ومرابطتها في دول الخليج العربي، فهؤلاء الذين سُكِنوا بالجهاد ضد الكفار وتحرير بلاد المسلمين كان  من الطبيعي أن يوجهوا عداءهم للولايات المتحدة الأمريكية.

خرج ابن لادن من أفغانستان ليشكل شبكته الإسلامية العالمية المدعومة بشبكة اقتصادية ومالية واسعة إلى السودان تاركاً بعض أنصاره في أفغانستان والباكستان، وعاد آخرون للارتباط بتنظيماتهم  السابقة أو بتشكيل منظمات جديدة، لكن معظمهم حافظ على روابطه بشكل أو بآخر مع أسامة بن لادن  رغم استقلالية المنظمات التي عادوا إليها أو شكلوها، وبسبب من تصريحات ابن لادن المعادية للوجود الأمريكي في السعودية والخليج ودعمه للمنظمات الأصولية الإسلامية ولو بشكل غير مباشر بدأ وأنصاره يتعرضون للمضايقات، ففضل العودة إلى أفغانستان ليكون في حماية قلب الدين حكمتيار وحزبه الجمهوري الإسلامي، وأخذت معسكراته بتقديم الدعم والتدريب للمنظمات الإسلامية الأصولية في كشمير ودول وسط أسيا التي كانت خاضعة للاتحاد السوفياتي السابق وللإسلاميين في الفليبين والصين، ومع سيطرة طالبان وانتقال عدد من مقاتلي وقيادات الحزب الجمهوري الإسلامي إليها  انتقل ابن لادن إلى رعاية وحماية طالبان ومساندتها، ومما عمق من العلاقة بين الطرفين هو الالتقاء على الكثير من المواقف العقائدية الأصولية وأحلام إقامة دولة إسلامية سنية تشكل قاعدة انطلاق لإقامة النظام الإسلامي العالمي، وفي ظل تحريض ابن لادن ضد الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تظهر إلى العلن عمليات عنف ضد الوجود الأمريكي، كان أبرزها تفجير قاعدة أمريكية في مدينة الخبر السعودية، ومقتل عدد من الجنود الأمريكيين، وتفجير سفارتين للولايات المتحدة الأمريكية في كينيا وتانزانيا، والتي قيل أن وراءها جماعة بن لادن واتهم بأنه المحرض الرئيسي على تنفيذها، فقصفت بعض قواعده في أفغانستان، وضرب مصنع الشفاء في السودان وأصبح ابن لادن المطلوب رقم واحد من قبل الولايات  المتحدة وأجهزتها الأمنية، وفي بدايات الانتفاضة الفلسطينية تم توجيه ضربة للمدمرة الأمريكية كول قبالة شواطئ اليمن وقتل 17 جندياً أمريكياً على متنها ونسبت العملية إلى جماعة ابن لادن أيضاً فتحول الرجل إلى "أسطورة"، أما في أفغانستان فقد ارتبط مصير ابن لادن بحركة طالبان وخصوصاً بعدما تحولت قاعدته إلى قلعة تضم اثنين وثلاثين ألف مقاتل من جنسيات عربية وإسلامية مختلفة .

ثالثاً- الأهداف الأخرى للحرب الأمريكية على "الإرهاب":

ليس ابن لادن وحماته في أفغانستان هم أهم الأهداف الوحيدة في الحرب الأمريكية المعلنة ضد  "الإرهاب" فهناك ستون منظمة عالمية تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية منظمات إرهابية، وهناك سبعة دول إضافة لأفغانستان مسجلة على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، وهي:

1-  الجمهورية الإسلامية الإيرانية:

والتي نفذ بعض مواطنيها بدعم من أجهزة دولة الثورة الإسلامية احتلالاً للسفارة الأمريكية في طهران واقتيد موظفو السفارة كرهائن، وينسب إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحريضها الدائم ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإطلاق تسمية الاستكبار العالمي عليها، كما نسب إليها المشاركة في اختطاف الرهائن في لبنان ودعم حزب الله اللبناني، وبعض المنظمات الفلسطينية الراديكالية كالجهاد الإسلامي وحماس، وفي معارضتها للتسوية السياسية للصراع العربي/ الصهيوني، إضافة إلى الفتوى التي أطلقها الإمام الراحل الخميني بقتل الكاتب الإيراني الأصل سليمان رشدي بتهمة الارتداد والتجذيف بسبب كتابه "آيات شيطانية"، ورغم انتهاج إيران سياسة أقل راديكالية وإقلاعها عن ممارسة العنف ضد المنشقين والأجانب والتخفيف من عدائها للولايات المتحدة الأمريكية ووقوفها على الحياد خلال العدوان الأمريكي على العراق إلا أن الولايات المتحدة لا تزال مصرة على اعتبار إيران دولة إرهابية بسبب استمرار دعمها للمقاومة الفلسطينية ولحزب الله .

2- العراق:

يعتبر العراق أبرز الدول "المارقة" والمساندة للإرهاب في اللائحة الأمريكية، وهو لا يزال يتعرض إلى حرب مستمرة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها منذ أكثر من عشرة أعوام، ويسند إليه القيام بأعمال عنف ضد المنشقين عنه، وقيامه بالعدوان على جيرانه وعلى الأقليات الداخلية وتعرضه بشكل مباشر للمصالح الأمريكية، ودعمه لمنظمات فلسطينية إرهابية كجماعة أبو نضال، وجبهة التحرير العربية، ومعاداته الواضحة للتسوية السلمية مع العدو الصهيوني .

3- سورية :

تم وضع اسم سورية على لائحة الدول الداعمة للإرهاب بسبب وجود مقرات للفصائل الفلسطينية المعارضة للتسوية في دمشق ولدعمها لحزب الله اللبناني في صراعه ضد الاحتلال الصهيوني، ولم يتم رفع اسم سورية من قائمة الدول الداعمة للإرهاب رغم مشاركتها في مؤتمر مدريد للسلام ووقوفها إلى جانب التحالف الدولي ضد العراق .

4- الجماهيرية الليبية:

ينظر إلى الجمهورية الليبية باعتبارها إحدى أبرز قلاع "الراديكالية" الثورية العربية منذ قيام ثورة الفاتح من أيلول / سبتمبر عام 1969 فقد طردت بعيد قيام الثورة القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية ووقفت إلى جاني مصر الناصرية في صراعها ضد العدو الصهيوني، وموّلت وساندت جميع الحركات "الثورية" العالمية المعادية للكيان الصهيوني وللولايات المتحدة الأمريكية وللغرب على العموم وفي المقدمة المنظمات الفلسطينية، والجيش الأحمر الياباني والحركات الثورية الإيطالية والألمانية والجيش الجمهوري الإيرلندي، كما ساندت في مرحلة لاحقة الحركات الأصولية الإسلامية في الفليبين وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. وشكلت قيادة للثورة العالمية، ونسب للأجهزة الأمنية الليبية اغتيال منشقين ومعارضين لها في دول أخرى، وتنفيذ عمليات "إرهابية" ضد المصالح الأمريكية والغربية بما فيها تفجير قنبلة في مربع ليلي في ألمانيا مما أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأمريكيين، وتفجير طائرة فرنسية في الأجواء الأفريقية، إضافة إلى تفجير طائرة لوكربي الشهيرة، وكانت الجماهيرية قد تعرضت لحملات سابقة، فقد فُجرت طائرة ليبية فوق صحراء سيناء من قبل "إسرائيل" وقتل فيها وزير ليبي وأكثر من مائة راكب مصري، كما تعرضت طائراتها لحرب مواجهة مع الطيران الأمريكي فوق ميناء سرت الليبي، وتم قصف أحياء مدنية ليبية من قبل القوات الجوية الأمريكية التي استهدفت بيت العقيد القذافي وقتلت ابنته، ومنذ حادثة لوكربي فرض الحصار الدولي على ليبيا ولمدة تزيد عن عشرة سنوات إلى أن تمت تسوية بين الجماهيرية والأمم المتحدة تم فيها تسليم المتهمين إلى  محكمة دولية خاصة برأت أحد المتهمين وحكمت الآخر، وتقوم الجماهيرية باستئناف الحكم.

وبسبب الحصار عدَّلت الجماهيرية الكثير من مواقفها، فأوقفت الدعم عن المنظمات الثورية بما فيها المنظمات الفلسطينية، وخففت من لهجتها العدائية للغرب، ولكنها لا تزال تتخذ مواقف معارضة للسياسة الأمريكية والصهيونية سواء على صعيد الصراع العربي/ الصهيوني أو على الصعيد الأفريقي.

5- السودان :

مع قيام حكومة الإنقاذ الإسلامية عبر الانقلاب الذي قاده اللواء عمر البشير الرئيس الحالي للسودان عام 1989، تحولت السودان إلى دولة داعمة للإرهاب وفق تقييم وزارة الخارجية، وأضحت ممراً لبعض المنظمات الأصولية المصرية، كما أشارت بعض الأخبار إلى وجود معسكرات تدريب لقوى أصولية إسلامية، وأقام ابن لادن فترة في السودان وأنشأ فيها بعض المشاريع الاقتصادية، كما تبنت السودان سياسات معادية لأمريكا وللكيان الصهيوني وكانت النقطة الرئيسية في رفع أسهم اعتبار السودان دولة داعمة للإرهاب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أثيوبيا من قبل تنظيم أصولي مصري تلقى مساعدات لوجستية من جهات سودانية حسب التقديرات المصرية والأمريكية، وقد أدى ذلك إلى فرض العقوبات الدولية على السودان، كما تعرض السودان  إلى ضربة عسكرية أمريكية  أصيب فيها معمل الشفاء للأدوية والتي قيل أن ابن لادن أقامه لتصنيع أسلحة جرثومية وكيماوية، وقدمت الولايات المتحدة مساعدات هامة للمتمردين في جنوب السودان، إلا ان الرئيس عمر بشير بدأ في السنتين الأخيرتين باتخاذ خطوات تهدئة مع الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة من الرئيس المصري توجت بالانقلاب على أنصار الشيخ حسن الترابي الداعية الإسلامي الشهير، وأصبحت العلاقات الأمريكية/ السودانية مقبولة في الأشهر القليلة حيث وعدت الإدارة الأمريكية بإلغاء العقوبات على السودان والمساعدات على تحقيق السلام الأهلي.

6- كوريا الشمالية وكوبا:

أما الدولتين الأخريين المسجلتين على قائمة الإرهاب منها كوريا الشمالية التي شكلت المورد الأساسي للصواريخ البالستية لبعض الدول العربية والإسلامية، وكروبا التي  ساندت الثورات الشعبية اليسارية في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية.

7- المنظمات الإرهابية :

حددت وزارة الخارجية الأمريكية أسماء 62 منظمة أدرجت على قائمة المنظمات الإرهابية في العالم، ومن بين هذه المنظمات :

1- منظمات المقاومة الفلسطينية: وهي حركة فتح، حركة حماس، الجهاد الإسلامي في فلسطين، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية- القيادة العامة، جبهة النضال الشعبي، حركة التحرير العربية، جبهة التحرير الفلسطينية، قوات الـ 17 وهي تشكل الحرس الشخصي للرئيس عرفات، إضافة إلى حزب الله اللبناني، وتقوم هذه المنظمات بممارسة الكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني وتعادي سياسة التحالف الأمريكي الصهيوني .

2- المنظمات الأصولية الإسلامية في الوطن العربي والتي تقود أعمال عنف ضد حكوماتها وتتبنى سياسات معادية للولايات المتحدة الأمريكية "تشمل: الجماعة الإسلامية المسلحة في ( الجزائر)، الجماعة الإسلامية، وحركة الجهاد (المصريتان)، عصبة الأنصار (لبنان)، المجموعة السلفية، الجماعة الإسلامية (الليبية)، جيش عدن وابن (اليمن).

3- المنظمات الثورية الماركسية: وأبرزها الجيش الأحمر (الياباني)، ومنظمة باندر مانيهايوف (الألمانية)، والأولية الحمراء (الإيطالية)، وحزب العمال الكردستاني (التركي)، جبهة التحرير الشعبية الثورية(تركيا)، القوات المسلحة الثورية (الكولمبية)، منظمة 17 نوفمبر الثورية (اليونان)، النضال الشعبي الثوري (اليونان)، فصيل الجيش الأحمر (ألمانيا)، حركة توبامارو (البيرو)، حزب كمبوديا الديمقراطي، الخمير الحمر (كمبوديا)، لجنة نستور باز زامور (بوليفيا)، جيش التحرير الوطني(كولمبيا)، حركة لاوباورو (تشيلي)، مجاهدي خلق (إيران).

4- منظمات إسلامية خارج الوطن العربي: مجموعة أبو سياف (الفيليبين)، تنظيم القاعدة (أفغانستان)، حركة المجاهدين (الباكستان)، حزب المجاهدين (الباكستان)، جماعة الفقراء (الباكستان)، العشرة الطيبة (الباكستان)، الجيش الشعبي الجديد (الفيليبين).

5- جماعات يمينية وانفصالية: أرماتاكورسيكا /فرنا)، طائفة أوم شيفري (اليابان)، منظمة إيناتا (الباسك/ أسبانيا)، منظمة شوكاكوها (اليابان)، الجيش الإيرلندي والجيش الإيرلندي الحقيقي، وقوة المتطوعين الموالين (ايرلندا)، حركة تحرير نمور التاميل (سيرلانكا)، جبهة مانويل ردغنر (تشيلي)، القبلة والشعب ضد العصابات والمخدرات (جنوب أفريقيا).

6- منظمات صهيونية متطرفة: (كاخ، كاهاناشاي).


 

القسم الثالث

من النسر النبيل إلى العدالة المطلقة

الأهداف غير المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية

أولاً- من الانكفاء إلى التوسع :

اتسمت الأشهر الأولى من إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن، بما سمي بسياسة الانكفاء الداخلي، فقد عاب بوش على منافسيه الديمقراطيين وخصوصاً الرئيس السابق بيل كلنتون بأنه أولى السياسة الخارجية وخصوصاً منطقة "الشرق الأوسط" حيزاً كبيراً من وقته ومن جهد إدارته على حساب الاهتمام بالشؤون الداخلية .

سياسة الانكفاء لاقت تشجيعاً من اللوبي الصهيوني، وخصوصاً من قبل المنظمات التي كانت أكثر التصاقاً بتجمع الليكود، والتي كانت تطالب بإطلاق يد "إسرائيل" في المنطقة والاكتفاء بدور أمريكي محدود وداعم لتل أبيب نظراً لأن "الصهاينة" أقدر على التعامل مع العرب من الأمريكيين، ولأن المصالح الأمريكية في المنطقة أصبحت غير معرضة للاهتزاز ومنعزلة عن تأثيرات القضية الفلسطينية، ولحماية نهج الانكفاء دون إضعاف تأثير الدور الأمريكي عن بعد قام الرئيس بوش بإحياء خطة "الدرع الصاروخي" لتكون بمثابة السور الذي يحمي القلعة الأمريكية ويضمن الإبقاء على التهديد الأمريكي دون ردع مقابل.

خطة الانكفاء هذه كانت البديل عن الحضور الدبلوماسي والعسكري المباشر أو الرئيسي في الصراعات الإقليمية، وبدى أن الإدارة الأمريكية صممت على السير فيها رغم اعتراضات بعض القوى الإقليمية كروسيا والصين وحتى دول الاتحاد الأوروبي لأنها كانت تعني فيما تعنيه تقليص المساعدات المالية وبعض المكاسب الدبلوماسية لتلك القوى.

سياسة الانكفاء لم تلق ترحيباً كافياً من معظم رجال الإدارة الأمريكية إلا أن جميع رجال الإدارة قبلوا بها على مضض، إلا أن تلك الأقلية وجدت في الضربة التي تعرضت لها واشنطن  ونيويورك مجالاً لقيادة تحرك مضاد مستندة إلى أن الانكفاء الذي هو بطبيعته سياسة دفاعية وردعية لم يحقق للولايات المتحدة القدرة على التحرك السريع أو على ردع خصومها، بل تحول الصراع إلى الداخل الأمريكي  ربما للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي المعاصر، وأخذت الأصوات تتعالى بالعودة إلى السياسة السابقة التي اعتادت عليها أجهزة الدولة والإدارة المتعاقبة منذ الحرب العالمية الثانية .

سياسة الانكفاء فرضت التوجه لتعزيز النظام الدفاعي وإعادة التركيز على السور الصاروخي المضاد في وجه ما كانت تقول أنه "الدول المارقة" إلا أنها كانت تطرح "الدول المارقة" كعدو محتمل إلا أنها في الحقيقة كانت لا تزال تعتبر أن أعداءها الحقيقيين هم الروس والصين الذين يملكون أسلحة ذرية وصواريخ متطورة، فهي رغم توجيهها الأنظار نحو الصواريخ الكورية والقنبلة الذرية الباكستانية إلا أنها تدرك عدم فاعلية تلك الأسلحة بمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وبعدم قدرة تلك الدول المارقة على استخدامها في توازن رعب مع الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى تجاهل إمكانية توجيه ضربات قوية ومؤثرة من داخل الولايات المتحدة ذاتها سواء عبر تفجيرات داخلية من قلب المجتمع الأمريكي أو من خلال اختراق الداخل الأمريكي وتوجيه ضربات له.

الخروج من سياسة الانكفاء والعودة إلى سياسة التحرك الخارجي الفعال واستلام قيادة المبادرة  في حرب معلنة على الإرهاب، هي في إحدى صورها محاولة يائسة لتوجيه الصراع إلى أرض الخصم، إلا أن المعادلة الصعبة هنا، أن العدو غير مرئي وغير محصور، والصراعات الخارجية هنا والتي تحل بالوسائط العسكرية والأمنية تشكل مولدات لهذا العدو، وهي مولدات قادرة على إفراز أعداء إضافيين وعلى إبداعات جديدة قد لا تكون على ذات الصورة التي تمت فيها عمليتي نيويورك وواشنطن . 

ثانياً- من التردد إلى الاستعجال:

رغم أن الإدارة الأمريكية أخذت بتوجيه الأنظار إلى ابن لادن كمشتبه به، ورغم التحريض على التحرك السريع لضرب الخصم المفترض، إلا أن الإدارة الأمريكية بدت مترددة في توجيه الضربة الأولى، في ظل نصائح خارجية بضرورة عدم الاستعجال واستمر التردد بضعة أيام قبل أن يحسمه أمران:

الأول: الخوف من توجه النقمة الشعبية الداخلية نحو الإدارة الأمريكية، حيث تبين وجود ثغرات أمنية وإدارية قاتلة، إضافة إلى الشلل الذي أصاب الإدارة كلها خلال الساعات الأولى من الهجوم.

الثاني: ذلك التعاطف الدولي الكبير مع الإدارة الأمريكية وإدانة الهجوم الذي تعرضت له، وهو تعاطف لم يقتصر على الأصدقاء التقليديين بل ساهمت به قوى كانت على الحياد أو في خانة الخصوم، بعض هذا التعاطف كان على سبيل النفاق أو درء المخاطر ولكنه صبّ بالنتيجة على استعادة الولايات المتحدة  لهيبتها وعنجهيتها.

الإعلام الصهيوني ساهم كثيراً في التحريض على الخروج من التردد وعلى تحديد هوية الخصم وكان له تأثير قوي في الرأي العام الأمريكي الذي راح بدوره يزيد من الضغط ويستعجل بإجراء الضربة، وكان خوف الكثيرين من المحققين ورجال السياسة أن يكشف مرور الوقت الثغرات الكبيرة التي أخذت تظهر خلال التحقيق، والتي تضعف من قوة الأدلة المجمعة عن الخصم المفترض.

ثالثاً- من خطة النسر النبيل إلى العدالة المطلقة:

انتصار الطرف الداعي للخروج من الانكفاء والقوى الداعية للاستعجال في الرد على الهجوم أديا إلى سحب خطة قديمة لمواجهة ما يسمى بالإرهاب من أدراج وزارتي الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية، وهي خطة وضعت منذ سنوات وتحديدا بعد عمليتي ضرب سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في كينيا وتانزانيا، والتي تقوم على ضرب أفغانستان والقضاء على إمارة طالبان الإسلامية وقواعد "المجاهدين من أنصار ابن لادن" وأعطيت الخطة اسماً جديداً هو النسر النبيل في إشارة واضحة إلى أن ما ستقدم عليه الولايات المتحدة التي يرمز لها بالنسر هو عمل نبيل، وهي تغطية على الأعمال الحقيرة التي تتضمنها الخطة من تصفية واغتيالات وإبادة المخيمات .

خطة النسر النبيل كانت تتضمن أساساً إلقاء القبض على أسامة بن لادن ومحاكمته في الولايات المتحدة الأمريكية، وضرب قواعده ومحاولة تدمير البنية التحتية لنظام طالبان، إلا أن هذه الخطة كانت معرضة للفشل، فاعتقال ابن لادن ليس عملية سهلة، كما أن قصف أفغانستان ومهما كانت القوة النارية المستخدمة ليس من المرجح أن يؤدي إلى تدمير قواعد ابن لادن وتفكيك حكم طالبان وخصوصاً أنه لم تعد هناك قناعة بأن تتمكن المعارضة الأفغانية من تحقيق نجاحات جدية بعد تلك الضربة، وبدأ أن تشجيع عدد من الأطراف الدولية على هكذا ضربة ليس ناجماً عن دوافع تضامنية مع الولايات المتحدة، وإنما عن مصالح ذاتية لتلك الأطراف التي تسعى لضرب معسكرات تدريب لبعض المجاهدين الاستقلاليين سواء في كشمير أو الشيشان.

لعل هذا دعا إلى تطور تلك الخط التي أعطيت اسماً رمزياً هو العدالة المطلقة، بحيث تكون خطة النسر النبيل مجرد بداية لتحرك واسع أو حرباً شاملة، ومما ساعد على هذا التطوير وتسارعه سهولة حشد الأنصار والهلع الذي أصاب الكثير من الخصوم المفترضين وفي المقدمة من هؤلاء :

1- الباكستان:

فعلى غير ما هو متوقع انقلب برويز مشرف بسرعة كبيرة على حلفاء الأمس في الأفغانستان وأبدى استعداداً غير عادي لتنفيذ جميع الطلبات الأمريكية من استخدام المجالات الجوية والبحرية والأراضي الباكستانية إلى التعاون الأمني، وربما إلى المشاركة الفعلية في العلميات القتالية، ولم يكن مشرف وحده من انقلب على طالبات فقد دعمه كبار العسكريين وقادة أكبر حزب علماني "حزب الشعب بقيادة بنازير بوتو".

كان الانقلاب دراماتيكياً حيث أن طالبان في نظر الكثيرين هي صنيعة الباكستان وهي مجالها الحيوي، وحيث الروابط الأثنية والدينية والعائلية عميقة بين شعبي البلدين، السلاح السري الذي استخدمه الأمريكيون لتحقيق الانقلاب اعتمد على التهديد والترغيب معاً وكان التهديد مخيفاً ويقوم على دعم الهند وإطلاق يدها لتدمير المراكز النووية مع توفير حماية أمريكية للهند، وتشديد الخناق على الحكم العسكري ودعم خصومه، وكان الترغيب مغرياً حيث تضمن إلغاء كافة العقوبات على الباكستان وإسقاط ديونها، وحماية مصالحها في أفغانستان أو على الأقل إعطاءها حصة في النظام الجديد الذي سيفرض على أفغانستان .

2- الجمهورية الإسلامية الإيرانية:

فقد اختارت إيران أن تقف على الحياد فلا هي تقر العدوان ولا هي تدعم معارضه، وكان الثمن المطروح أيضاً المحافظة على المصالح الإيرانية، مقابل التلويح باحتمال زيادة فرص ضرب مراكز حيوية في إيران المدرج أصلاً على قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ورأى التيار الإصلاحي القومي والتنامي الفرصة مواتية للتقرب من الولايات المتحدة الأمريكية .

3- الاتحاد الروسي :

في الوهلة الأولى أبدت الحكومة الروسية إدانتها للهجوم على الولايات المتحدة، وأيدّت ضرب طالبان ومعسكرات تدريب الشيشان، لكن روسيا تراجعت بعد ذلك فهي أدركت أن الأهداف الأمريكية لن تتوقف عند حدود القضاء على القوى الداعمة للمشاغبين "الأصوليين" بل هي تشمل أبعاداً استراتيجية تتمثل باقترابها أكثر من منطقة وسط آسيا الحديقة الخلفية لروسيا، وهو ما دعا إلى اتباع سياسة أكثر براغماتية فقالت بضرورة عدم الاستعجال، وكانت هذه الدعوة تخفي طلباً ضمنياً للمساومة  تماماً كما فعلت في يوغسلافية، ويبدو أن الثمن هو مساعدات مالية مطلوبة وضمانات بمصالح استراتيجية.

4- الدول العربية:

كانت استجابة معظم الدول العربية للائحة المطالب الأمريكية سريعة جداً، فقد أبدت الدول العربية فيما عدا العراق- استعدادها للمشاركة في الحرب الأمريكية، وتضمنت لائحة المطالب الأمريكية:

1- تقديم كشوف عن المعلومات الأمنية المتعلقة بالمنظمات الإرهابية.

2- تسليم قادة المنظمات "الإرهابية".

3- إغلاق المكاتب والقواعد.

4- المساهمة المالية .

5- تقديم مساعدات سياسية وإعلامية ومشاركة عسكرية حين الطلب.

6- التوقف عن التحريض الإعلامي على الإرهاب.

الملاحظات الوحيدة التي قدمت هي عدم مشاركة"إسرائيل" في هذا التحالف الدولي المطروح، وإيجاد حل سريع للقضية الفلسطينية، ووافقت أمريكا فوراً على هذين الطلبين، فقد تم الاتفاق على عدم المشاركة "الإسرائيلية" العسكرية المباشرة في عمليات التحالف، والاكتفاء بالدور الأمني والإعلامي، كما دعت إلى عقد لقاء بين عرفات وبيريز على أن يسبقه قرار فلسطيني واضح بإنهاء الانتفاضة .

رغم ذلك التأييد السريع إلا أن هذا لم يمنع من حذر وقلق وربما هذا الحذر والقلق هو الذي دعا الرئيس المصري إلى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، وأسباب الحذر والقلق العربي واضحة فهي تخشى أن يكون الكيان الصهيوني هو المستفيد الوحيد من هذه الحرب المعلنة، كما أنها تدرك صعوبة أوضاعها الداخلية في ظل نقمة شعبية واسعة ضد الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الشريك الفعلي للعدوان الصهيوني، أما دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية فقد تحسست على جيوبها حيث خبراتها السابقة في تحمل التكاليف المالية للحملات العسكرية الأمريكية.

رابعاً الأهداف البعيدة للحملة الأمريكية:

مع اكتمال تحضير ساحة المعركة، ومع إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على عدم تحديد الأهداف المحددة للضربات العسكرية المقررة في خطتها "للعدالة المطلقة" وهو ما يجعلها معركة مفتوحة على احتمالات كثيرة غير واضحة لمعظم الشركاء المفترضين في التحالف الذي تدعو إليه الإدارة الأمريكية، يبقى السؤال عن الأهداف البعيدة للإدارة الأمريكية وهي أهداف  تتجاوز معركتها مع منظمة أو منظمات تمارس العنف كان من الممكن احتواءها بعمل سياسي دؤوب، وفي محاولة للتعمق في السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة نجد أنها استكمال لسياسة بوش الأب وهي تقوم على:

1- إعادة الحيوية للنظام الدولي الجديد القائم على الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، وهي حيوية افتقدت وفق ما يقوله المتشددون في الإدارة الحالية خلال عهد الرئيس السابق بل كلنتون، فبفضل سياسته التي تميل إلى حجم أكبر من الدبلوماسية وأقل من التلويح بالقوة العسكرية تمكن العراق من تحدي السياسة الأمريكية وإفشالها في بعض الأحيان، واستعاد بعض مكانته في أمته العربية وأصبح فك الحصار عن العراق مطلباً شعبياً عربياً ودولياً في تحد صارخ للولايات المتحدة الأمريكية، وتمكنت الجماهيرية الليبية من فك الحصار عنها بشكل فعلي قبل تلك التسوية التي أرغمت عليها الإدارة الأمريكية مما جعل من دولة صغيرة ذات نفوذ في أفريقيا يفوق النفوذ الأمريكي ذاته، وبات العقيد القذافي رمزاً لأفريقيا التي راحت  تتحدى الغرب كله، فتدخله إلى موقع المطالب بالحقوق وبالاعتذار بدلاً من المستجدي للمعونات، وعلى المستوى العالمي استعاد الدب الروسي بعضاً من توازنه في عهد رئيسه الجديد بوتن، وراح يطالب بشراكة وحصة في النظام  الدولي الجديد بعدما كان معرضاً للانهيار والاندثار، أما الصين فأخذت بالتحول إلى قطب دولي مرشح بدل الخوف من الانقسام، وفي أوروبا عادت فرنسا للتحدث عن استقلاليتها ضمن الشراكة الغربية وأخذت تبرز دعوات لتشكيل قوة أوروبية مستقلة عن  "الأطلسي" وبموازاته .

كل ذلك كان مؤشراً على أن المستقبل لم يعد مضموناً كما كان مقرراً له في ظل حرب الخليج الثانية، وهو ما يدعوه إلى إعادة تذكير العالم بحجم القوة الأمريكية  وقدرتها وإعادة الهيبة الضرورية للرضوخ لإدارتها وإعادة الإمساك بأوراق النظام الدولي ومفاصله الحقيقة.

2- بسط النفوذ المباشر على منطقة وسط آسيا: مع انسحاب القوات الروسية من أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفياتي بدا أن هناك فراغاً قد حدث في هذه المنطقة من العالم، وحاولت عدة قوى إقليمية استغلاله، فتوسعت أحلام تركيا بجعل الجمهوريات الإسلامية "السوفياتية" السابقة مجالاً حيوياً لها، وبذلت الكثير من الجهود من اجل تحقيق هذا الهدف مستندة إلى روابط ثقافية وأثنية مع شعوب تلك المنطقة، إلا أن تركيا بسبب غياب هويتها "الإسلامية" افتقدت مدخلها إلى تلك الجمهوريات التي أخذت تظهر أهميتها الاقتصادية الواعدة باعتبارها خزاناً احتياطياً للنفط والغاز الطبيعي، أمام الفشل التركي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية أخذت قوى إقليمية جديدة بملء الفراغ، وفي المقدمة منها التحالف الباكستاني الصيني، فالباكستان الحليف التقليدي لأمريكا ضد التحالف السوفيتي/ الهندي السابق، أخذت بالتحول الاستراتيجي نحو الصين، بعدها تفكك الاتحاد السوفيتي وتحولت الهند إلى الحلف الأمريكي/ الصهيوني، ورغم أن أفغانستان أضحت في قبضة القوى والأحزاب الإسلامية "المتصارعة" إلا أن استيلاء طالبان عليها وبسبب من التحالف الاستراتيجي الصيني/ الباكستاني أضحت بشكل ما تحت تأثير الحلف الجديد، مما قوّى من الوزن الدولي للصين، كما أن انتشار الحركات الأصولية الإسلامية في هذه المنطقة واتخاذ هذه الحركات سياسات معادية للولايات المتحدة أدى إلى وجود بؤرة معادية للولايات المتحدة شكلت عمقاً استراتيجياً لمنطقة "الشرق الأوسط" المضطربة أصلاً بسبب الصراع العربي الصهيوني والمشبعة بالعداء الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يشكل تهديداً مستقبلياً للمصالح الأمريكية وخصوصاً مع فشل إقامة نظام إقليمي "شرق أوسطي" جديده تهيمن عليه "إسرائيل" الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، مما يستدعي إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما يكفل الهيمنة الأمريكية عليها.

3- وليس بعيداً عن ما يجري في أفغانستان، فإن الولايات المتحدة الأمريكية التي سكتت وشجعت بدايات التسلح الباكستاني الذري في مواجهة التسلح الهندي المدعوم سوفياتياً، بدأت تستشعر مخاطر القنبلة الذرية الباكستانية التي أطلق عليها الغرب القنبلة الإسلامية، وراحت "إسرائيل" بالذات تضغط لإبراز مخاطر هذه القنبلة عليها باعتبارها شكلاً من أشكال توازن الرعب بين المسلمين  وبين الصهاينة، وزاد من المخاوف الأمريكية والصهيونية نمو التيارات الإسلامية الأصولية في  الباكستان، وتهاوي الحكومات الليبرالية بسبب الفساد الداخلي، وهو ما يجعل من الأحزاب الإسلامية قوة صاعدة مرشحة لاستلام الحكم في أي وقت من الأوقات، وعندها تصبح القوة النووية الباكستانية "عصية على التحكم" وهو وضع يفرض أحد أمرين.

الأول: تدمير القدرة النووية الباكستانية وهذا ما هددت به الولايات المتحدة حكومة الباكستان عبر إطلاق أيدي الهند وإسرائيل لتحقيق هذا الهدف  دون تحمل نتائجه الأخلاقية .

الثاني: احتواء النظام الباكستاني، وتحويله عن التحالفات الاستراتيجية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصاً الصين، وفرض الوجود العسكري والسياسي والأمني الأمريكي على غرار السعودية  والخليج، مما سيعطل قدرة التصرف المستقل للباكستان ويضعف من احتمالات قفز الإسلاميين إلى السلطة.

4- التحكم اليومي بالسياسات المحلية للدول باسم متابعة الحرب ضد النشاطات والهيئات "الإرهابية" المنتشرة في ستين دولة من دول العالم وفق تقديرات وكالة الاستخبارات ، وهو تحكم يشمل نشاطاتها الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية وإعادة  صياغة مجمل قيمها الثقافية بدعوى منع التحريض على الإرهاب، ويبدو أن المنطقة العربية هي المعنية الأكبر في هذه المسألة ولعل هذا ما يفسر أن تكون أحد أبرز المطالب الموجهة إلى الدول العربية منع التحريض والدعاية المؤيدة للإرهاب مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة إسقاط مفهوم "الجهاد" الإسلامي، و "المقاومة" الوطني / القومي، وهو ما يمهد لفرض الاستسلام والخضوع للهيمنة الأمريكية/ الصهيونية .


 

القسم الأخير

اســـتخلاصات عامة

على ضوء ماتم استعراضه في الفصول السابقة يمكن استخلاص بعض النتائج الأساسية كدروس مستفادة من هذا الحدث .

1- الخلاصة الأولى :

سقوط نظرية الأمن بالردع، وهي النظرية التي جرى تداولها كثيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الكيان الصهيوني، وتقوم هذه النظرية على إظهار معالم "القوة" وأبرزها من أجل ردع الخصم عن مجرد التفكير في استخدام القوة المعاكسة تخوفاً من نتائج الخلل الكبير في ميزان القوة بين الطرفين.

وقد أدت هذه النظرية في السابق إلى سباق التسلح الذي خلق نوعاً من توازن الرعب إلا أن الولايات المتحدة أعادت خرق هذا التوازن من خلال خطة الدرع الصاروخي التي قررت تنفيذها بعد الانهيار الذي حصل في الاتحاد السوفياتي، ومن خلال القوة الاقتصادية التي دعمت تفوقها النوعي  في مجال التسليح .

فقد أثبتت أحداث نيويويوك أن قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تطمئن إلى القوة وحدها في فرض أمنها.

2- الخلاصة الثانية :

أن الحرب في السنوات القادمة ستتخذ شكل "الحرب الخفية" عوضاً عن الحروب التقليدية أو إلى جانبها، وإذا كانت القنابل الجرثومية والكيماوية هي المعادلة لدى  الفقراء للقنابل الذرية التي تملكها الدول الغنية، فإن "الحرب الخفية" هي قوة ردع القوى المظلومة والمنظمات مقابل القوة العسكرية الضخمة للدول، والحرب الخفية ليست سلاحاً لطرف واحد فمن المعروف أن الدول القوية كانت قد استخدمت هذا السلاح  إلى جانب الحرب المعلنة، وهو ما يؤدي إلى الاعتراف الضمني بمشروعية هذا النوع من الحروب بعيداً عن القيم الأخلاقية والإنسانية.

3- الخلاصة الثالثة:

أن الإرهاب  كمفهوم ابتعد عن التوصيف الأخلاقي ليصبح سلاحاً معترفاً به، ومما ساهم في هذا الاعتراف الضمني على الأقل أمران:

1- عدم وجود مفهوم محدد للإرهاب ومتفق عليه مثله مثل فعل العنف بشكل عام، فرغم أن الإرهاب يعني ممارسة العنف على هدف ليس مقصوداً بذاته وإنما يقصد تحقيق هدف آخر عبر شل إرادة الطرف الذي يقصده الإرهاب، ودفعه لاتخاذ مواقف أو الامتناع عن اتخاذها لولا ذلك الفعل العنفي، إلا أن الإرهاب المنبوذ يتعلق بالغايات النهائية وبمجمل المنظومات الحقوقية، فالعقوبات هي في أحد مقاصدها لإرهاب أصحاب النوازع الإجرامية وردعهم عن ارتكاب الجرائم، ومن هذه القاعدة اعتبرت مقاومة العدوان، رغم أنها شكل من أشكال العنف  إلا أنها عنف مشروع مثلها مثل الدفاع عن النفس .

2- تكرار ممارسته من قبل معظم القوى والدول، فأغلبية الدول تمارس أنواعاً من الإرهاب الداخلي على مواطنيها، وهو إرهاب يأتي أحياناً باسم القانون، وأحياناً بغيابه، وإرهاب خارجي تمثله الدول الكبيرة والقوة ضد خصومها، وفي مقدمة الدول التي تمارس العنف الخارجي  والداخلي معاً هي الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

إن هذه الحالة أدت إلى صعوبة تحديد "القوى الإرهابية" وبالتالي أصبحت المعركة ضد الإرهاب انتقائية وتدخل في إدارة الدول والقوى لصراعاتها مع خصومها ومنافسيها.

4- الخلاصة الرابعة:

أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الصهيونية والغرب عموماً قد اختاروا العرب والمسلمين كخصم رئيسي وأطلقوا عليهم الإرهاب بشكل انتقائي، واستثنوا من هذه الخصومة والتوصيف من العرب والمسلمين من يلتحق بمنظومتهم الفكرية والثقافية ومن يخضع لإرادتهم ويلبي مصالحهم، وهو استثناء "ضيق وغير مستقر" فقد شاهدنا أنه رغم تصريحات الإدارة الأمريكية بوجوب التفريق بين العرب والمسلمين وبين الإرهابيين الأصوليين، إلا أن الممارسة الفعلية كانت تسير باتجاه معاكس بسبب الخلفية الثقافية والنفسية والتعبئة الإعلامية للقوى صاحبة التأثير الفعلي .

5- الخلاصة الخامسة :

افتقاد العرب والمسلمين القدرة على اتخاذ قرار جماعي حول القضايا التي تشكل الأمن المشترك، وعطالة مؤسسات القرار جماعي " الجامعة العربية" و "منظمة المؤتمر الإسلامي" ولعل هذا منشأه عدم وجود دولة أو مؤسسة أو قيادة جامعة من جهة وتابعية معظم النظم العربية والإسلامية للخارج من جهة أخرى، وغياب مثل هذه الدولة/المؤسسة الجامعة أدى إلى اتخاذ كل دولة سياسات وفق ما تراه حماية لمصالحها القطرية الخاصة، دون الأخذ بعين الاعتبار للمصالح القومية العليا ودون الاحتماء بمظلة أوسع وأقدر على تحقيق المصالح الوطنية ذاتها، ويبدو هنا الموقف الذي اتخذته الحكومة الباكستانية، وهو نموذج معمم، نموذجاً يقوم على تغلبة المصالح القطرية الآنية على المصالح القومية و "الإسلامية"، وعلى المصالح الاستراتيجية البعيدة المدى أيضاً.

 6- الخلاصة السادسة:

افتراق الموقف الرسمي العربي والإسلامي عن الموقف الشعبي، فعلى سبيل المثال أبدت معظم الدول العربية والإسلامية عن تعاطفها مع الولايات المتحدة الأمريكية وعن استعدادها "المبدئي" للتعاون معها في "مكافحة الإرهاب" في الوقت الذي كانت فيه القوى الشعبية العربية والإسلامية تدين أي تعاون مع العدوان الأمريكي على أي شعب أو دولة إسلامية بعيداً عن الموقف من سياسات حكوماتها، وهذا الافتراق الذي يتكرر في معظم المواقف المفصلية يؤكد على عدم مشروعية السلطات العربية وضعف آليات اتخاذ القرار الديمقراطي فيها.

7- الخلاصة السابعة :

أن الحركة الصهيونية هي المستفيدة الأساسية من الأعمال العنفية التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب قدرتها الإعلامية والمالية التي يجري توظيفها بفاعلية كبيرة، على عكس النظم  والمجموعات العربية التي لم تحسن استخدام الوسائل الإعلامية التي لديها، والتي تبين أن بعض وسائلها  الإعلامية يجري توظيفها لخدمة خصومها، وبسبب من قدرات الصهيونية وحلفائها وسوء استخدام القدرات العربية أصيبت القضايا العربية بمجموعة من الأضرار الكبيرة منها:

1- تراجع الانتفاضة وإعطاء العدو الصهيوني مجموعة من المكاسب السياسية والنفسية: فقد تحمل ياسر عرفات مهانات شارون في رفض الاتصال مع القيادات الفلسطينية، واستجداء القيادة الفلسطينية للقاء شيمون بيريز، وإعلان بعض المنظمات الفلسطينية تراجعها عن ممارسة العنف الثوري في العمق الصهيوني، والقبول بوقف إطلاق النار من أجل تهدئة الغضب الأمريكي، وإشاعة آمال كاذبة عن إمكانية تحقيق مكاسب سياسية (على غرار مؤتمر مدريد) في حال التعاون  مع العدوان الأمريكي أو توفير مناخات له عبر تهدئة الجبهة الفلسطينية، وفصل العدوان عن الصراع العربي/ الصهيوني في الوقت الذي ألغيت فيه زيارة السيد عرفات لدمشق، وهي الزيارة  التي كان متوقعاً أن تؤدي إلى انعطاف هام في مسيرة المفاوضات .

2- ضعف الموقف العربي من ضرورة تحديد مفهوم واضح للإرهاب، فقد تسرعت بعض الدول العربية في إبداء استعدادها للمشاركة في "الحرب الأمريكية على الإرهاب" قبل قيام الإدارة الأمريكية بتحديد العدو المقصود بدقة، وكان في مقدمة المتسرعين "الجزائر والكويت" بينما حاولت دول عربية أخرى ربط استعدادها بتحديد هذا المفهوم مثل سوريا والسعودية ومصر.

3- ربط بعض الدول العربية مشاكلها مع "الإرهاب الداخلي" مصر والجزائر بالحرب الأمريكية المعلنة، وهو ربط غير موفق نظراً لتأثيراته السلبية على وحدة الموقف الشعبي من هاتين المسألتين المختلفتين، فقضية العنف الداخلي والموقف منها سيتأثر سلباً حيث أن القطاعات الشعبية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية والتي لها مواقف سلبية من العنف الداخلي ستتأثر مواقفها بسبب دخول عامل العداء للولايات المتحدة في صنع مواقفها وانطباعاتها .

8- الخلاصة الثامنة :

أن الأهداف الحقيقية للحرب المعلنة على " الإرهاب" تتجاوز الرد على عمليات العنف التي  تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية وردع قيام عمليات أخرى إلى أهداف استراتيجية تتعلق باستعادة الحيوية للنظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية بسيطرتها المباشرة على العالم.

9- الخلاصة التاسعة :

أن الحرب الإرهابية على ما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية "الإرهاب الأصولي" ليست معركة سهلة، فالقوى الخفية ليست صعبة المنال فحسب وإنما هي قابلة للتفريخ والولادة ما دامت تجد مناخات مساعدة وفي مقدمة تلك المناخات حالة الظلم والاستبداد الناشئ عن استخدام القوة المفرطة للدول والأنظمة الإرهابية .

طلال الخالدي/صحفي سوري