سوية النظر

في اساسيات الكلام المباح

مشعل التمو – سوريا

 "( أني تركت لك الناس ثلاثة أصناف , فقير لا يرجوا إلا غناك , وخائفاً لا يرجوا إلا أمنك , ومسجوناً لا يرجوا الفرج إلا منك )" – من وصية المنصور للمهدي -

  في الأفق عناوين كثيرة بعضها استمرار لنمط قديم متجدد وهو ما حمل اسم العولمة وفضائها الاقتصادي والمعرفي الرحب , والآخر حملته أحداث أيلول الأخيرة وفي الحالتين هناك تحولات سياسية وتغييرات جيواستراتيجية , اعتقد بأنها ستكون مفصلية وستنعكس سلبا أو إيجابا على العالم الثالث عموما وعلى منطقتنا خصوصا ,  ويمكن اعتبارها لحظة تاريخية مفرقية من حيث التصنيفات والتعريفات الجديدة التي تشكل راهنا خطوط متضادة وثنائيات حدية لا تقبل الجدل والمواربة , فالتصنيفات الأمريكية التي باتت دولية فيما يخص الإرهاب ومعانية والفهم الغرب " الحضاري " له وهو ما يتجلى بشكل كبير في المواقف السياسية لأغلبية الدول الغربية وبشقيها المؤيد للحملة ضد الإرهاب أو التضييق وملاحقة العرب /المسلمين  ؟

 هذه الأحداث المتلاحقة التي اعتقد بأنها ستكون أو يجب أن تكون حافزا للكثير من الدول وحركات التحرر الوطنية لإعادة النظر في مجمل برامجها وممارساتها العملية وأساليب نضالها , حتى وان كانت القضية , قضية حق ووطنية لكن ببساطة يمكن اعتبارها إرهابية أن هي تجاوزت التعريف الأمريكي أو لامست أحد مفاصل المصلحة الحيوية الأمريكية الفضفاضة ؟ السمة الوحيدة الجانب التي أطلقتها الأحداث الأخيرة لتشكل الذراع الضارب للعولمة الاقتصادية وهو ما اصطلح على تسميته بالعولمة الأمنية الأمريكية الذي اغلق مجالات المناورة والمواقف المحايدة أو الضبابية أمام الدول العالم ثالثية ووضعها في موقف لا تحسد عليه كنتيجة طبيعية أصلا لأزماتها الداخلية وصيرورة تعاطيها الشمولية والفردية مع شعوبها ومع قضايا حيوية ومهمة كالديمقراطية والحرية والتنمية والفساد الإداري والسياسي والحق الإنساني بكل أبعاده وتلاوينه , وهي أنماط مختلفة ومتباينة من أشكال السيطرة وقمع الشعوب منها ما راكمته الأيديولوجيا ومنها ما زرعه الفرد/العشيرة حيث المستند القانوني لا يتعدى منطق القوة النسبية سواء العسكرية أو الأمنية  وهو منطق رافض لأي منطق خلافي آخر أو أي تباين في الرأي والتوجه من لدن أبناء الشعب ذاته , الذي فرض عليه ليس فقط التخلف والجهل وإنما التقوقع ضمن حدود وأستار حديدية تمنع وتعيق الاتصال المعرفي أو الفكري وبالتالي الابتعاد عن أي تطور حضاري أو تقني إلا إذا تسامح الرقيب وبعده الأمني بالبعض من التقنيات الحديثة وذلك بعد غربلتها واختزالها لتواءم النهج وثوابت السيطرة والتحكم في المجتمع بكل ما فيه .

   أن الأنماط المتعددة الملموسة في الشرق الأوسط سواء في الدول أو الأحزاب مبني على قدرات فردية خارقة أن صح التعبير مع إحاطته بهالة أسطورية ولذلك فهي تفتقر إلى مرجعيات سياسية , هيكليات تصنع القرار وتعمل على تنفيذه , وليس هياكل اسمية صنعت على مقاس الفرد ذاته ووفقا لشروطه وديمومته وبالتوافق مع قواعد اللعبة السياسية الفردانية في ذلك المجتمع , وهذا متواجد أو هو نمط تفتخر به الدول والأحزاب الملحقة أو المعارضة على حد سواء ؟

     إذا ما نفتقر إليه في مجتمعاتنا عدم وجود مؤسسة قادرة على إنجاب البديل السياسي المستند إلى هيكليات داخلية مبنية على الشفافية والمدنية وليس على جرعات الشحن الأيديولوجي وشعارات الوحدة الوطنية ووحدة الحزب أو متانة الدولة وصحة توجه القائد ؟ وبعيدا عن التوتر يمكن أن أتساءل أين هي الوحدة الوطنية لمجتمع مغيب شعبا وفكرا ؟ هل نفهم الوحدة الوطنية في استمرار نظام حاكم أم في ديمومة أمينا عاما أو سكرتيرا مؤبدا ! ومتى يتم الكف عن نعوت الخرافة , خرافة الوحدة الوطنية (دولة كانت أم حزبا سياسيا ) المنافية للبناء المادي الشعبي ومواجهته على الدوام بمنطق المؤامرة والذهنيات الأحادية ! هل تعتبر سياسة كم الأفواه ونفي الإنسان ونهب المال العام وحدة وطنية , تهدم وتخرب أن فُتحت أوراقها وأدينت من قبل الآخر ! لماذا أية فكرة أو رأي تدان وتوضع في مواجهة الوحدة الوطنية أن هي خالفت المصلحة الحيوية لفرد أو مجموعة أفراد ! أليس هذا ما دفع بمجتمعاتنا إلى تدني المستوى المعرفي والفكري واهتراء في نمط العلاقات العامة السياسية والاجتماعية , وأية وحدة وطنية هذه جعلت الدول القائمة والكثير من الأحزاب العاملة أو التي تحتضر ولا تريد الاعتراف بذلك أن تكون ليس فقط خارج دائرة الفعل المؤثر وإنما حتى خارج دائرة رد الفعل أيضا ؟ وهو ما تجلى في أوضح صوره في تعثر وتبعثر المواقف إزاء الأحداث الجارية في إطار الحملة الأمريكية ضد الإرهاب .

 بغض النظر عن ماهية هذا النظام أو ذاك أو هذا الحزب  والفصيل المؤيد والموالي أو المعارض , فقد انحصرت المواقف من الأمير إلى الملك إلى الرئيس والسكرتير ومن اليمين إلى اليسار الراديكالي , ما بين الوجود الفعلي والهالة الإعلامية , بين الواقع والحقيقة وبين الكلام المعسول , بانت هوة سحيقة من عمق التهاوي في لجة النفاق الاجتماعي والبؤس السياسي ليت هذا فحسب وإنما في خضم التنائي والابتعاد عن حركة الفعل العالمي تزدهر في الأسواق والدكاكين السياسية الشرق أوسطية , حركة نفي وإبعاد وإصرار على السير في ذات الطريق المسدودة بكل تجلياتها وتداعياتها ! مع إغماض العين قسرا أو عمدا عن استشفافات مستقبلية وما تطرحه من كتلة          مستجداتها , بينما المفروض بداية التوقف عن لعبة القط والفار وسياسة الثنائيات الضدية , مع أو ضد ! مؤيد أو متآمر ! ما نفعله حلال وناصع البياض وما يفعله الآخر حرام وضد الوحدة الوطنية ! ما نفعله حرص وما يقوله المختلف تشف لاعقلاني ..الخ وكل ما يرفل به خطاب المؤامرة الذي أرهق الفعل السياسي في المجتمع ومنع عليه تنظيم نفسه في انساق اجتماعية أو سياسية تحيي  تفاعل المجتمع مع حركة الفكر والعمل المدني والحضاري .

 اعتقد بان التغليفات التغييرية لثقافة الاتجاه الواحد لم تعد تستجيب للحد الأدنى من صيرورة العمل الوطني , ما لم تستند إلى الثقافة والقيم السياسية للبنى المجتمعية والفعل الإنساني المختلف والمتمايز والمتفق في أطر مؤسسية ناظمة لأفق التغيير ومؤسسة له بذات        الوقت , وبمعنى آخر يخضع التغيير لقوانين مؤسسية بمنظومتها الفكرية والثقافية وما توجده من علاقات سياسية واخلاقيات اجتماعية تنظم الفعل السياسي انطلاقا من قبول الاعتراف بالاختلاف والتباين , وما عدا ذلك فالمشاريع الفردانية لا تتجاوز مشاريع استبدادية جديدة .

 أن ما نلحظه من تواتر الخطابات السياسية في الآونة الأخيرة – ليس الرسمي – والصادر عن أحزاب سياسية مختلفة المواقع , لا يخرج عن إطار الأصل السلطوي ؟ وهو بذلك أما يدافع عنه أو يتماهى معه ليكرر الأفعال والممارسات التي أوجدت حالة الانسداد المراد نقدها وتغييرها أولا, والدوران حول إثبات أحقية أو مصداقية ما يراد الانتساب له ثانيا , ومثل هكذا خطاب يصفه المفكر اللبناني علي حرب بقوله (( اسطره غيبية وغبية بالوقت ذاته )) ففي الوقت الذي نحتاج فيه إلى وقفة فعلية مع الذات والى مزيد من الانفتاح وفهم الآخر والبحث سوية عن موقع قدم في تداعيات مستقبل قادم ووصفات أمريكية جاهزة , نجد أن البعض يتلبس أشباه حقائق ليعيد رسم الدوائر والطواطم ويزج المجتمع بكل فعالياته في آتون متاهات ودهاليز أحادية , فقط ليديم الراهن المتفسخ ويرفل بنعمه ؟؟

 أن قراءة الواقع السوري بكل متغيراته وآفاقه المترافقة مع بعض الأفعال الإيجابية , غاية في الأهمية كمعبر عن عمل فكري إبداعي يقف بكل وضوح وصراحة على الانسدادات النظرية أولا والعملية تاليا , مع تبيان سبل تجاوزهما وتصحيحهما بدون الترفع بالخطاب أو الفعل وإعطائه صحة كينونية وقدسية كهنوتية , لان الكثير من خطابات النسق الواحد ما هي إلا محاولات إثبات صحة لواقع ينخر فيه الفساد الفكري وبامتياز ؟ ناهيك عن تفشي كل ما هب ودب من الأمراض السارية والمعدية ؟؟ وهذا بالذات ما أجد فيه امحاء للآخر ونسف للوحدة الوطنية ؟ رغم تغليف الخطاب بالكثير من جمل التغيير وتعبيراته , لكنه يبقى أفقا مغلقا مترددا وبالأحرى مستلب الهوية والوجود (وهو ما يلمسه المرء وبقوة في مقالات العديد من مثقفي التيار الباحث عن آنياته وحيثيات شخصيته وكمثال مقالة الدكتور مازن محمد المنشور في جريدة الزمان العدد 1044 تاريخ 11 أكتوبر 2001 ) أو ( جرائد ومجلات أحزاب الجبهة السورية القائمة أو مؤتمرات أحزابها التي يستطيع المرء أن يقف وبوضوح على هشاشة الرؤى واختراقات المواقف وبعدها عن الواقع الإنساني المعاش !  ) وهؤلاء كانوا دائما سلطة الثقافة التي تبيح وتنظر للاستلاب الإنساني وإنكار حق الآخر في إبداء رأيه أو حتى التجرؤ ببعض الكلام المخالف لنسق الإلهام ورؤيته الكينونية ,   ولعل الدكتور خالد الكركي أبدع في وصف مثل هكذا ثقافة بقوله (( الثقافة التي تريد سلطة ما أن تقررها  قد تكون في باب الحرية والوعي أو في باب الاستبداد والاستلاب , المميز فيها إنها معلنة وتجد لها سلطة تنظر لها وتدافع عنها وتفرضها على الناس )) وهي سلطة أحزاب تملك الاسم وتبيع الوهم والشعارات والخواء السياسي , ناهيك عن قدرة البعض على توليف الواقع وادلجته ليتوافق مع الرؤية التي يدافعون عنها وان تطلب الأمر اختزال المجتمع في أطر فردية لهم فيها بعض من مصالح حيوية وحياتية ! وفيهم أيضا يقول الدكتور خالد الكركي ( المثقف المتميز للسلطة وهو واقعي وخائف يغلف حديثه بأهمية الاستقرار وضرورة الإصلاح التدريجي والوقار الزائف واللغة الحافلة بالإطناب والحشو الغريب ) ؟؟.

أن التغيير ليس منة وإنما واجب وضرورة لصيانة مجتمعنا وهو ليس ارتجالية سياسية , يوما هنا واخر هناك ! ليس باعتقال رموز ثقافية وسياسية من جهة وإطلاق سراح البعض الآخر من جهة ثانية , وإنما حقيقة أن التغيير يخضع قبل كل شيء لآليات قانونية ومنظومات فعل دستورية , أي موسسة جماعية تبنى على دستور يتوافق مع المرحلة الراهنة وتخرج قرارات التغيير من بوتقة النظرية وتقلباتها إلى حيز الفاعلية الجماهيرية عبر فتح الحوار الشامل والعريض مع كل النخب والفعاليات السورية وليس إغلاق الباب وعلى الشعب أن ينتظر قرارات مكتبية أو سنوية , وان يدفئ أمانيه وطموحاته على شعارات رنانة طنانة يتحفنا بها الكثير من البطانة السياسية والثقافية , اعتقد جازما بان المطلوب راهنا هو امتلاك القدرة على تحديد العلاقة الناظمة بين ما حدث سابقا وما يحدث حاليا أو ما يراد له أن يحدث ! بين حقيقة ما جرى وما وصلت إليه الحال في المجتمع وحقيقة الذي جرى للمواطن السوري ! لنتوقف بروية وموضوعية بين الصدح الإعلامي الرسمي واللقيط وبين حقيقة الحرية الإعلامية ومدى المصداقية التي يحملها الأثير ومدى بعدها وابتعادها عن الواقع ! بين حقيقة الشعارات الوحدوية والاشتراكية وبين حقيقة النهب الاشتراكي لخيرات البلاد ! بين الراهن الذي نتخبط فيه وبين حقيقة ما يخطط لنا وما نحن عليه مقبلون ..الخ .

لعله هناك الكثير ليتم مراجعته ونقده وهذا لا يخلق استبدادا وإنما مساهمة في وضع التصورات والرؤى ونقد الظاهرة من الموقع الآخر بدلا من التعتيم عليها بحجة أولويات صراع مديد ؟ ندعو من قلوبنا أن يحسم وان ندفن معا قميص عثمان وبراءات ذمته ؟  لقد سئمنا خطابات حداثية بذات الذهنية المعتقة وبنفس الوسائل الكارثية , ومؤسف أن الكثير لا زال يجادل بعقلية اصطفائية أو فوقية وما على قطعان البشر سوى الإطاعة وانتظار تباشير المطر ؟ بينما السيل الأمريكي قادم لا زلنا نصفق ونصفق ولا نعلم لم نصفق ومتى نصفق ؟ أما ماذا نستطيع أن نفعل ؟ وكيف ننأى بمجتمعنا ونصون أنفسنا , فهي أمور تخص  أصحاب الشأن ليبتوا بها وعلينا أن نبقى صامتين او مصمتين ؟ كي لا نتهم بأننا ضد الوحدة الوطنية !! 

 أن المستقبل في ظل العولمة الأمنية القادمة سيكون موسوما بانبلاجات حديثة تتطلب الكثير من اليقظة والكثير من نقد الذات وتصحيح المسار بدلا من الاضمحلال والثبات على ادعاءات صحة النهج ودقة الرؤية وهو ما أثبته التاريخ الذي لا يعترف به أحد وبالأحرى ليس تاريخا لاحد ولا حتى لأصحابه ؟؟.

  

1/12/2001