"الإرهاب العربي": بعض الأصول والمحددات

ياسين الحاج صالح

من 2 آب 1990 إلى 11 أيلول2001

    في الثاني من آب 1990 كان كاتب هذه السطور يقضي العام العاشر من توقيف عرفي في سجن المسلمية بمدينة حلب. في ذلك السجن، الذي ضم شيوعيين وناصريين وبعثيين موالين للجناح العراقي (أو من يسمون باليمين المشبوه في البلاغة الرسمية للسلطات السورية) و عددا قليلا من الإسلاميين، كنا نملك مذياعاً واحداً أو مذياعين يتيحان لنا متابعة معتدلة لأحوال الدنيا؛ فلا نحن منقطعون عنها غافلين عما يجري فيها ولا نحن مهددون بتخمة إعلامية تشوش الذهن وتعطل محاكمته. كنا نعرف شيئاً عن المفاوضات العراقية الكويتية حول المشكلة النفطية العالقة بينهما، نعرف شيئاً أيضاً عن التركيز الإعلامي الغربي على قوة العراق العسكرية ووضع "حقوق الإنسان" فيه: قضية المدفع العملاق، التهويل من قوة الجيش العراقي، إثارة قضية قصف سلطات بغداد لمواطنيها الأكراد بأسلحة كيميائية بعد صمت جميل عنها دام سنيناً، قضية الجاسوس البريطاني .. الخ . ومع وجود هذه الخلفية الملائمة فقد بدا لنا الاجتياح العراقي للكويت مفاجئاً جداً وإحدى السماجات المخزية التي لا يشكو أحد منا من قلتها في السياسات الرسمية العربية. اعتبرنا ذلك الاجتياح من صنف قصف الطيران المصري لمواقع ليبية عام 1976، أو حشد قوات سورية وعراقية على الحدود المشتركة عام 1975، أو الاشتباك الجزائري المغربي المديد في الصحراء الغربية، أو بالطبع الوجود السوري المزمن في لبنان الذي تقلبت أدواره ووظائفه وشرعياته إلى درجة تعيي العقل.

قلت مازحا لصديق من موقوفي "اليمين المشبوه" حين سمعنا بالاجتياح: الظاهر أن معلمكم (اعني صدام حسين) قد انهبل. وافقني الرجل دونما تردد. إذ رغم تعاطفه مع الحكم العراقي وولاءاته السياسية الثابتة وعقيدته القومية الأكيدة لم يجد في الفعلة العراقية إلا إفراطاً يصعب تبريره أو الدفاع عنه. وخلال الأيام  الأولى التالية للاجتياح بقي المزاج العام في جناح السياسيين في سجن حلب المركزي (المسلمية) فاتراً معتدل الأهواء والانفعالات. لربما أيدت قلة منا "دخول العراق إلى الكويت" إما بسبب كرههم للنظام الذي يسجنهم وبينه وبين نظام بغداد ما صنع الحداد، أو لنفورهم من أنظمة الخليج التي لم تفلح في اكتساب ود واحترام أحد من "المجتمع السياسي السوري السجين"، أو في القليل تحت تأثير حماس للقوة العسكرية و"الصناعية" العراقية. وفي جميع الحالات يتدخل عامل تحت سياسي يصعب الاعتراف به رغم قوة تأثيره: أعني عامل القرابات والأهواء المذهبية والفئوية الذي أفسد السياسة والوعي في البلدين البعثيين الشقيقين؛ لكن هذا خارج موضوعنا. وكما نلاحظ فإن ما حدد المواقف المؤيدة والإيجابية من الاجتياح هو مواقف أصحابها السلبية من أطراف أخرى. قلما نالت الخطوة العراقية في تلك الأيام الأولى تأييداً صادراً عن اعتبارات مبدئية أو أخلاقية أو حتى سياسية بمعنى الملاءمة والنجوع والعقلانية السياسية. لقد أيدها من أيدها على مبدأ عدو عدوي صديقي. لكن الطابع العام للتأييد بقي فاتراً يعوزه الحماس والعصبية.

 ولربما عارض بعضنا ذلك "الاحتلال العراقي الكويت" وأنكروه، وقلما كان السبب هنا أيضا مبدئياً أو أخلاقياً أو حتى سياسياً أيضاً. فيما عدا العامل تحت السياسي المذكور، كان السجناء الأكراد من بيننا معارضون بشدة لكل ما يفعله نظام صدام (وهو ما يمكن فهمه والتعاطف معه). كما نلاحظ فإن موقفي التأييد والاعتراض يصدران أصلاً عن موقف مسبق،موال أو معاد، من النظام العراقي لا من فعلته الكويتية؛ ثم إنهما يتساويان في الفتور (باستثناء موقف الأكراد). وعلى كل حال بقيت أكثريتنا، وأكثرية نفس كل واحد منا، مبالية بصورة سلبية بالحدث، أعني مشمئزة و "قرفانة". لا ننسى أننا، وإن كنا معتقلين سياسيين و مثقفين بصورة ما، فإننا ورثة إحباط مديد ومتكرر، وفي نفوسنا الكثير من أشلاء العواطف المهدرة والآمال المغدورة. إن فتورنا ولامبالاتنا هما وسيلتان دفاعيتان ضد المزيد من الإحباط  والأذى. ففي السجن يتعلم المرء بالتدريج أن خير وسيلة للتحرر من اليأس هي التحرر من الأمل. فيبني حول الداخل الطري سهل الإنجراح في روحه جداراً سميكاً وقاسياً من الحياد الوجداني، إن لم نقل من التبليد المتعمد للعاطفة. ولا أستطيع هنا أن أقاوم إغراء الإدلاء بملاحظة خارجة على الموضوع، وهي أن السجناء الذين سوّروا قلوبهم بهذه الجدران يواجهون صعوبات حقيقية أو حتى استحالة في تحطيم هذه الأسوار واستعادة قدرتهم على الحب والأمل. فلم يعد هذا التسوير نتيجة لسبب ترتفع بارتفاعه. لقد أصبح عقدة ثابتة، وهم يُسمون "معقدين" .

فقط في الأسابيع القليلة التالية أخذت المواقف تتحول تحولاً عميقاً باتجاه المزيد من التجذر الانفعالي والشحن العاطفي. والسبب واضح: فقد بدأت تتوافد الحشود وحاملات الطائرات الأمريكية، وأخذت تتكشف بالتدريج نوايا الحرب والإصرار على إحباط أي حل عربي أولاً، أو أي حل دولي سياسي ثانياً. وبموازاة هذه التطورات (لم نكن نعرف أن بوش الأب اتخذ قرار الحرب منذ 6 آب 1990 ) تحولت العواطف الشعبية وعواطف أكثرية السجناء لمصلحة العراق. لم يقتصر هذا التحول على "جماعة العراق" كما كنا نسمي المعتقلين على حساب حزب البعث العربي الاشتراكي القيادة القومية(ومعظمهم في الحقيقة من غير  المنظمين)، بل امتد إلى العدد القليل من الإسلاميين الموجودين معنا (معظمهم كانوا في  تدمر وسجون دمشق) والناصريين جميعاً، وقسم قد يكون الأكبر بين الشيوعيين من التنظيمين الموجودين في السجن (وإن يكن بتوزيع غير متكافئ عليهما). كان موقفنا والموقف العام الذي كنا نتلقى أصداءه في الزيارات الشهرية مركباً أكثر مما يبدو في الظاهر. فبينما كان هناك بعض التعاطف الفاتر مع العراق أو بعض الأسف من أجل الكويت (بفضل سلسلتي "عالم المعرفة" و"المسرح العالمي" أساساً) أو اشمئزازاً غالباً كما قلنا، فإن الموقف ضد الأمريكيين سيتخذ لنفسه مظهر التأييد الحماسي للعراق ولصدام حسين شخصيا مشفوعا بعداء غير حماسي للكويت التي ستبقى، ربما بصورة غير عادلة، عاملاً ثانوي الأهمية في خلفية اللوحة. وسيستصلح هذا الموقف لذاته اعتبارات"مبدئية"،دينية وقومية واشتراكية،كما سيحاول تبرير نفسه بحجج عقلانية،استراتيجية واقتصادية. 

ما هي النتيجة الأولية التي تفرض نفسها على ضوء ما سبق؟ وما الذي يوحد بين المواقف المتقابلة ـ في السجن وخارجه ـ التي انتهت إلى التعارض مع تطور المواجهة؟ إنه باختصار موقع المنفعل السلبي الذي تتحدد مواقفه بمواقف الآخرين والذي يستغني بمناهضة خيارات الغير عن تطوير وتوضيح خياراته الذاتية. وبموازاة ذلك ثمة العجز عن المبادرة والاستسلام لمبادرات الآخرين حتى لو كان ذلك عن طريق رفضها. لا يزال هذا هو الطابع العام للوعي والسياسة في بلادنا: نقص العزم ووهن الإرادة والتشوش العقلي والانفعالي العميق. لعله لذلك يبدو للبعض أنه لا يمكن  الخلاص من هذا العالم الواهن الغارق في غيبوبته إلا بالعنف. لعله لذلك أيضا استبعد الكثيرون منا في الأيام الأولى التالية لـ 11 أيلول أن يكون من قاموا بالهجوم، وهو ينبئ عن عزم واقتناع وتخطيط صبور وحزم، من العرب.

  

نصر مذلللمستقبل

ليس الغرض من هذه المقدمة تقديم فكرة عن التفاعل المتنوع للمعتقلين السياسيين المتنوعين مع القضايا العامة، ولا استكشاف تركيبات المواقف الممكنة حيال هذه القضايا، وهي بالفعل أعقد بكثير مما صورت وتكمن خلفها عوامل أعقد بكثير أيضاً.

القصد هو الفصل بين اجتياح القوات العراقية للكويت والموقف منه (دخول أم احتلال؟) من جهة، وبين الموقف من الاجتياح الأمريكي لدول الخليج العربي والموقف منه(دخول أم احتلال أيضا؟) ثم تكوين التحالف الدولي وضرب العراق من جهة ثانية؛أي سلسلة الحوادث التي أسفرت عن تدمير لا يبدو أنه على وشك الانتهاء للعراق وعن فرض حماية أمريكية على دول الخليج وبترولها وموقعها. ليست العلاقة بين هذين الأمرين محتومة وبديهية؛ هذا أقل ما يمكن قوله (وسنعود إلى هذه النقطة). ما يجعل هذا الفصل التحليلي ممكناً ومشروعاً هو أن الارتباط لم يتحقق إلا بعد قدوم الأمريكيين. هنا فقط تكون المنعكس الشرطي الثابت بين احتلال الكويت والحرب الدولية ضد العراق.

 القصد الآخر من استعادة حوادث جرت منذ أحد عشر عاماً ماضية هو أن آثار تلك الأحداث لم تمضِ بعد وأن فصول بعض منها لا تزال تتعاقب أمام عيوننا، وقد تكون مرشحة للدخول في منعطف خطير النتائج على العراق وعلى العرب جميعاً بعد انتهاء المرحلة الأفغانية الحالية من "الحرب على الإرهاب". نقول: على العرب جميعا لأننا لا نزال نراهن على بناء كتلة عربية مشاركة إيجابيا في صنع ماديات ومعنويات عالم اليوم. ليس هناك رهان منافس بقدر ما نرى. وعلى كل حال لم يساعدنا الجنرال شوارزكوف على نسيان هذا الرهان. فبعد تحقيق نصره قال قائد قوات التحالف الذي هزم العراق إن العرب جميعاً، وليس العراق وحده، هم الذين هزموا. هذا مع العلم أن العرب قدموا أراضيهم وأموالهم وعساكرهم وغطاءَهم السياسي ومشاركتهم المباشرة وفتاوى "علمائهم" في هذه الحرب؛ أي أنه يفترض أن بلداً عربياً واحداً هزم فيما انتصرت ثماني أو تسع دول عربية مشاركة. لكن أحداً في سوريا أو مصر أو المغرب أو حتى دول الخليج (ربما باستثناء الكويت) لم يشعر بالنصر ولم يفخر به. كان الجميع مقتنعون بصدق ما قال شوارزكوف حتى قبل أن يقوله: لقد هزمنا أنفسنا هزيمة ساحقة ومذلة وتحت قيادة من اعتبرنا أعداء فحقّ له أن يحتفل بنصره ويعلن هزيمتنا. ربما لم تلتبس القيادة بالقوادة في تاريخنا الحديث أكثر مما التبست بها في تلك الشهور الأخيرة عام 1990 وما تلاها حتى يومنا هذا.

 

شبه الماء بالماء

أحاول في الحقيقة طرح بعض المقدمات السياسية والنفسية لتفسير الهجوم الانتحاري على مراكز حيوية في الولايات المتحدة قبل شهرين من الآن، كما لردود الفعل العامة في بلادنا عليها وعلى "الحرية الدائمة" التي تهطل على بلاد الأفغان منذ أكثر من شهر.

ثمة وجه شبه لافت بين تحولات مواقف الرأي العام في بلادنا مما جرى بُعيد الاجتياح العراقي للكويت وما جرى بُعيد أحداث 11 أيلول الماضي. فبينما كان يمكن أن يتطور موقف أكثر تعاطفاً مع المحنة الكويتية لولا اختطاف الأمريكيين للقضية كلها واستئثارهم بالحرب والنصر والغنيمة، فإننا لمسنا بوادر تعاطف وتفهم مع المحنة الأمريكية في الأيام الأولى التالية لـ"لثلاثاء الأسود". لقد ميز الناس في بلادنا بكل سهولة بين الجانب الإنساني والجانب السياسي من الحدث الأمريكي. ولم ينسوا كرههم للسياسة الأمريكية، ولم ينسوا أن معظم الضحايا الفلسطينيين والعراقيين من المدنيين الأبرياء من أجل يذكروا أن ضحايا مركز التجارة العالمي هم من الأبرياء الذين لا ذنب لهم.

بيد أن بوادر التعاطف الإنساني في تلك لم تلبث أن ذبلت وتراجعت بقدر ما تكشف أن الأمريكيين لا يهمهم مما جرى إلا استغلاله كفرصة لتنفيذ جدول أعمال قديم لم تسنح الظروف سابقاً لتنفيذه. وسيدرك معظم الناس في بلادنا أن الأمريكيين محتاجون إلى خوفنا لا إلى تعاطفنا.  وسيعيدون الاعتبار بمفعول رجعي لضربات 11 أيلول ولمنفذيها. وكما سعى الأمريكيون قبل أكثر من عقد من اليوم إلى تثبيت رابطة سببية محتومة كأنها قانون طبيعي بين الاجتياح العراقي وتدمير العراق واحتلال دول الخليج، مصادرين بذلك رزمة كاملة من الخيارات والمبادرات والاقتراحات العربية والسوفيتية والدولية الهادفة إلى منع الانحدار نحو حرب مدمرة مطلقة؛ أقول كما حاولوا تثبيت هذا الرابط يحاولون اليوم أيضاً ترسيخ قانون طبيعي محتوم بين ضربات 11 أيلول والتدمير الجاري لأفغانستان وما سيأتي بعده من مراحل قد تدوم سنيناً أو حتى أطول من حياة بشرية حسب تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين. تبدو معادلات الفيزياء السياسية الأمريكية بالشكل التالي: احتل صدام الكويت فطردناه منها وجردناه من أسلحة الدمار الشامل وأبقينا قواتنا هناك لمنعه من الاعتداء على جيرانه ولتثبيت الاستقرار في المنطقة. تتسلسل الأحداث مثل الفعل ورد الفعل في علم الميكانيكا بما يضفي عليها الحتمية والمعقولية، وبما يخفي الخيارات والاستراتيجيات و "الحريات" الكامنة خلفها. والمعادلة اليوم هي: ضرب إرهابيون أمريكا فرددنا بتدمير قواعدهم وقررنا تخليص العالم كله من الإرهاب. وغالباً ما يصوغ القسم لعربي في الـ BBC أخباره عن الانتفاضة الفلسطينية كما يلي: قتل كذا فلسطيني وجرح كذا حين ردت القوات الإسرائيلية  على إطلاق نار قام به مسلحون فلسطينيون...

يستحق هذا العنصر من الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي (خطاب السلطة في كل مكان في الواقع) اهتماماً لم ينله حتى اليوم. سنكتفي هنا بالإشارة إلى القلب الفعلي للحقائق الذي هو الوظيفة الحقيقية لهذا  الخطاب. فالطرف الأضعف يبدو حراً في مبادرته بالاعتداء والشر وإن تكن حريته هذه غير عقلانية. لا تاريخ يسبق اعتداءه ولا أسباب. هكذا فجأة قرر صدام أو أسامة بن لادن أو انتحاريون فلسطينيون ضرب طرف مسالم يصدف دائماً أن يكون من أصدقاء الولايات المتحدة. بالطبع هذه الوثبة الشريرة اللاعقلانية هي حصيلة تنقيح ومراجعة مستمرة للسجل الوقائعي على الطريقة الأورويلية التي لطالما كشف تشومسكي النقاب عن آلياتها. فبخصوص المسألة العراقية مثلا يذكر تشومسكي أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تغط المبادرة العراقية الخاصة بانسحابات متوازية:إسرائيلية من أراضي ال67 وعراقية من الكويت. وبما أن هذا الكلام لم يرد في وسائل الإعلام فهو لم يحدث ولا مكان له في التاريخ. ثم إن كلام ما بعد آب يمحو ما قبلها، بما في ذلك التحرشات الأمريكية والبريطانية المستمرة بالعراق، وبما في ذلك "سرقة" النفط العراقي التي اعترف الرئيس المصري شخصياً بصحتها في ذلك الوقت، وبما في ذلك طبعاً دور الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والخليجيين في دعم نظام بغداد عسكرياً ومالياً ودبلوماسياً ضد إيران الخمينية. وبالمثل يحرص اليوم دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، على الفصل القاطع بين الضربات التي تعرضت لها أمريكا وبين "أزمة الشرق الأوسط"، أي الاحتلال الإسرائيلي المدعوم دعماً أمريكياُ مطلقاً لأراض فلسطينية وعربية.

بالمقابل يبدو الطرف الأقوى مضطراً للرد وعقلانياً. فهو في حالة دفاع عن النفس أو عن الشرعية الدولية أو عن أمن شعبه. ومن الواضح أن هذا الدفاع عادل ومشروع وعقلاني،فالبادئ أظلم بالطبع. قد تقع أثناء القيام  بهذا الواجب الدفاعي بعض الآثار الجانبية، نصف مليون طفل عراقي مثلاً حسب مادلين أولبرايت بالذات، لكن ماذا نفعل؟ هل هناك دواء دون بعض الآثار الجانبية التي لا بد منها؟

 

ذاكرة مسمومة

أفادنا الحدث العراقي الكويتي قبل أكثر من عقد السنين كإطار لمقارنة التحولات المتوازية للوقائع والمواقف والعواطف المرتبطة بذلك الحدث مع نظيرتها المتصلة بالحدث الملحمي في 11 أيلول الماضي (لا يضر الحديث عن الطابع الملحمي للحدث، وقد يفيد).

من ناحية أخرى يمثل الشأن العراقي خلفية تفسيرية تسهم في فهم جانب من أسباب ضرب الولايات المتحدة على أيدي عرب مسلمين. وأخيراً فإن استذكار أيام الحرب الأولى تلك هو بالنسبة لي مناسبة لاستذكار بعض أحلام اليقظة التي استسلمت لها بمتعة يائسة في تلك الأيام الفظيعة: حلمت مراراً بتدمير جميع حاملات الطائرات الأمريكية في كل مكان من العالم، وأحياناً بأسر هذه الحاملات والاستفادة منها ضد الأمريكيين. حلمت بتحويل كل الأسلحة النووية الأمريكية إلى خردة من الحديد أو بانفجارها لحظة إطلاقها. حلمت بالاستيلاء على الأقمار الصناعية الأمريكية التجسسية وتسخيرها ضد أمريكا أو مشاركة الأمريكيين دون علمهم كل أسرارهم والمعرفة المسبقة لكل قراراتهم. حلمت بإذلال الطبقة السياسية الأمريكية وإهانتها بإحباط خططها وإلحاق هزائم مشينة بها. حلمت كثيراً بتدمير البنتاغون، والبيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية. وحتى وقت قريب كنت أحلم بتخليد إذلال ريتشارد بتلر بالتحديد!

أريد من ذكر هذا التعويض الفصامي والمستحيل أن أساهم في إنارة جوانب من النفسية العربية التي طفح كيلها بالذل منذ عام 1967 مروراً بـ1973 و1978 الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان و 1981 قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي و 1982 احتلال بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا، و 1985 قصف مقر منظمة التحرير في تونس، و 1987-1993 الانتفاضة الأولى، و 1990 1991 بالطبع، ثم "عملية السلام" والتلاعب الأمريكي بالاتباع العرب، ثم ثعلب الصحراء 1998، ثم قصف معمل الشفاء في السودان وعدم الاعتذار أو التعويض عنه.. وما لا يحصى. لا شك أن ذاكرة تختزن كل هذا السجل الفظيع ممتزجا بإرادة للانتقام هي التي دفعت عرباً ومسلمين إلى توجيه تلك الضربات الموجعة إلى الأمريكيين. لعل من المناسب القول هنا إن المقاربة العقلانية التي تنكر على النفس العربية  شرعية غضبها، ولا أقول جدوى هذا الغضب، وتكاد تنسبه إلى جوهر عربي ثابت هي أولاً قبل كل شيء مقاربة لا عقلانية نظرياً وعنصرية بوعي أو بدونه عملياً.

لم يفاجئني أن كثيرين من معارفي وأصدقائي ممن يبدون راجحي العقول وأسوياء نفسياً قد حلموا الأحلام ذاتها أو "أجمل" منها. ومنذ أيام فقط شهد ميشال كيلو، وهو مثقف سوري مرموق وليس أصوليا إسلاميا بالطبع، أنه بالرغم من أساه على ضحايا برجي مركز التجارة العالمي وتألمه وحزنه لمصيرهم "كان شعور بالشماتة يجتاحني،في الوقت نفسه، لأن رجال البنتاغون يموتون بالطريقة التي كثيرا ما استخدموها في قتل الآخرين. وأصارحك أنني تمنيت لو أن الهجمات وفرت المركز واستهدفت البنتاغون وحده، ولو أدت إلى قتل عدد كبير من "موظفيه" ودمرته وجعلته أثرا بعد عين"(الفقرة مقتبسة من"رسالة إلى الرئيس الأمريكي:بلدكم سيخسر الحرب"،(النهار،2/11/2001 ).  

 

لا علاقة بسيطة بين الدين والصراع السياسي

كيف حصل أن وصلنا إلى هذا "الموصول"؟ كيف أمكن أن نستسلم للحقد إلى هذه الدرجة،وأن نقبل دون وعي بالهزيمة الأخلاقية أمام الأمريكيين؟ باختصار كيف أمكن أن يقوم أحد منا بهجوم 11 أيلول؟ نتساءل بالطبع عن الإمكان الأخلاقي لا الإمكان التقني والتخطيطي هنا. وننطلق في هذا التساؤل من مبدأ  يجب أن يكون بديهيا:أن تكون صاحب حق لا يعني أنك محق في كل ما تفعل، فشرعية القضايا لا تضمن في شيء شرعية الوسائل.

فلنميز بين الأسباب الأمريكية لهجوم أيلول أو أسباب "استيراد"  الأمريكيين لـ "الإرهاب العربي"، وأسباب "تصدير" الدول العربية له.

تناولنا الأسباب الأولى في الفقرات السابقة .لكن قد يلزم أن نضيف هنا قضيتين قبل أن نتناول الأسباب الثانية. القضية الأولى هي أن الاستهداف الأمريكي للعراقيين أو الأفغان لا علاقة له بالدين أو بالقومية بل بتحدي السيطرة الأمريكية والتمرد عليها ومعاندتها. قد يصدر التحدي والتمرد عن عقيدة دينية أو عن مبدأ قومي ومن رجال(ونساء؟) لا شك في إيمانهم، وهو ما يحصل في هذه الأيام بالفعل؛لكن العقيدة الدينية تلعب هنا دور إيديولوجية للتعبئة والكفاح  (الجهاد بالمعنى الشائع للكلمة)،وبهذه الصفة تدخل كعنصر في الصراع العربي الأمريكي. يجب أن ندرك هذه الحقيقة لا لأنها تؤكد البديهي الذي كثيرا ما يضيع في جلبة الراهن، اعني أن للمواجهة بين القوى الإسلامية، العربية وغير العربية، والأمريكيين أو الدول الغربية تاريخ متقلب لم يتسع لغياب المواجهة أحيانا فحسب، بل ولحالات من التعاون كان من أبرزها التعاون طوال عقد الثمانينات ضد العدو السوفييتي بين أعداء اليوم المطلقين. وهو بالتأكيد لا يخضع اليوم ولم يخضع يوما لترسيمة مبسطة من نوع العمالة أو العداء الأبدي. إن أسامة بن لادن أكثر عقلانية من خصومه "العقلانيين"حين تحدث عن لقاء مصالح مع الأمريكيين في العقد المذكور. لا نقول ذلك دفاعا عنه (رغم أن بازار النفاق العالمي وافتعال كل أصناف القتلة ومجرمي الحرب للعفة حيال "فعلته الإرهابية" يغريان كثيرا بالدفاع عنه)، ولكن لأن إنكار المصالح والتقاء المصالح يقود إلى استحالة الفهم العقلاني للتاريخ  لمصلحة تفسيره كمؤامرة أو كـ"صراع حضارات".  وما يهمنا هنا هو أن لقاء المصالح هذا قد يتجدد، وقد تكون المصالح حقيقية وليست على حسابنا بالضرورة.

والأهم على كل حال هو أنه لا مصلحة لنا، سواء من الناحية العقلانية أم من الناحية المبدئية، في صراع ديني. فالعرب شعب متعدد الأديان أصلا، وفي الغرب الحديث ملايين المسلمين الذين سيكونون ضحايا إثارة المشاعر الدينية لدى الغربيين.

غير أن ما سبق لا ينفي وجود عنصر ديني في المواجهة العربية الأمريكية. هناك مقاربة "عقلانية" شائعة لشؤون الثقافة والسياسة والعلاقات بين الأمم تحاول أن تتكتم على هذا العنصر كأن مجرد وجوده فضيحة عقلية. لكن هذا الموقف لا يعجز عن فهم تنوع أشكال اندراج الدين في الحياة المعاصرة فحسب، بل ويحط بالعقلانية إلى مستوى تصور وضعاني فقير للمجتمع وتصور سلوكي فقير بدوره للإنسان. بإيجاز مخل نقول إن هذا العنصر( المسيحية الغربية أو اليهودية ـ المسيحية) يندرج بالنسبة للأمريكيين أو الغربيين عامة في الثقافة. هذه الثقافة منفتحة على التجارب العلمية والجمالية والروحية، وهي أكثر انفتاحا على الثقافات الأخرى من غيرها. إنها قوية متماسكة ومنتجة، وتشكل اليوم طبقة مستقلة بذاتها من المعاني والقيم والمفاهيم والرموز وليس مجرد قشرة رقيقة. وهي تلبي مطالب الهوية والتغيير معا، الحاجات الروحية والفاعلية العملية معا. لم يعد الدين ثقافة في الغرب بل مجرد عنصر من عناصرها. بعبارة أخرى للعنصر الديني دور تكميلي وغير مباشر هنا. وهو لا يكاد يستنفر ويبرز إلى السطح حتى في أوقات الحرب والأزمة.

 الحال مختلف بالنسبة لنا في الواقع، دون أن يعود هذا الاختلاف إلى طبائع جوهرية لثقافتنا كما تحب أن ترى الأمر تيارات عنصرية في الغرب،وـ يا للمفارقة ـ تيار "عقلاني" لدينا. فالطبقة الحديثة من الوعي لا تزال رقيقة وهشة القوام، وهي لذلك سهلة التحطم في أوقات الأزمة والحرب. ولا يعود ضعف تماسك هذه الطبقة إلى حداثة عهدها فقط (قرن أو قرن ونصف مقابل أكثر من خمسة قرون في الغرب،وهذا عامل هام بحد ذاته)، بل بسبب ترافق هذه الطبقة الحديثة مع رض ولادي خطير ثم مع ترضيض متكرر بحيث لم تمر على بلادنا منذ الاستقلال عشر سنوات متواصلة دون نكبة أو نكسة أو أزمة خطيرة. وفي الأوقات العصيبة يزداد الطلب الاجتماعي على العصبية ويستدعى الدين كمصدر تفضيلي لتلبيتها خصوصا في ظل غياب أية مصادر أخرى(لا نتحدث هنا عن الدين كإيمان واعتقاد،بل كميثاق تماسك وعقيدة قومية ودولة وشرعية) .

الغرب يخوض حروبه باستنفار قيمه الحديثة التي يثوي في عمقها شيئ من الدين، بينما يتجند الدين مباشرة لدينا بسبب عدم تبلور مؤسسات وقيم حديثة تفسح مكانا ملائما للدين وتحتويه( بالمعنى المزدوج للكلمة:تتضمنه وتتحكم به). من البديهي أن هذا الحضور غير المتكافئ للمكون الديني يعكس لا تكافؤ القوة والقدرة والسيطرة على المصير.

القضية الثانية هي أنه ليس من الضروري أن يكون الصراع بيننا وبين القطب الأمريكي أبديا وعقديا ومطلقا حتى يكون صراع حقيقيا. نعم، هناك صراع متعدد الأشكال يصدر عن دوافع سياسية واستراتيجية واقتصادية، ويكتسب لبوسا دينيا بقدر ما يكون جذريا ويائسا. من الطبيعي أن نعتقد أننا على حق وأن الأمريكيين معتدون، دون أن يكون هذا الاعتقاد جزءا من هويتنا أو منبثقا عنها انبثاقا ضروريا. فليست مواجهة الغرب مكونا أصيلا لهويتنا؛ بل إن هاجس الهوية الطاغي في وعينا هو نتيجة لمواجهة عسيرة ومخفقة مع الغرب المسيطر والمهيمن. غير أنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن تكرر هذه المواجهة وتكرر إخفاقها منذ أكثر من قرنين قد حول الغرب إلى عقدة مستحكمة في وجداننا، أي إلى عنصر ثابت من عناصر هويتنا. إذ ما الهوية إلا مجموع مركب من العقد التي أضفيت عليها قيمة إيجابية. وكما أن المكون الاستعماري والعنصري قوي في الثقافة الغربية المعاصرة بحكم طول التجربة الاستعمارية الغربية والتحكم المديد ب" الأجناس الدنيا" (هذا ما نستخلصه من كتابي إدوارد سعيد الكلاسيكيين: الاستشراق والثقافة والإمبريالية)، فإن المكون العدائي تجاه الغرب يزداد قوة في ثقافتنا ويؤصل نفسه باستدعاء سوابق المواجهة كالحروب الصليبية والخروج من الأندلس.

الشرط الإرهابي

ما الذي يدفع عربا ومسلمين إلى شن "حرب غير متوازية" على الولايات المتحدة حسب المفهوم الأمريكي الاستباقي الذي وفر له يوم 11 أيلول الواقع المناسب؟ سنركز هنا على الجانب العربي من القضية، قضية "إنتاج" الإرهاب و"تصديره".

هناك ثلاثة عناصر في هذا الصدد:

  يخلو الوطن العربي بدرجات متفاوتة من النظام الديمقراطي الذي لا منافس له في عالم اليوم. وحتى اليوم لم تنجح المجتمعات العربية على العموم في ترويض الدولة والسيطرة عليها. وفي بنية هذه بقي عنصران مشكلان متأصلان: العنصر الاستعماري بما فيه من فوقية و"رسالة تحضيرية" ونظرة إلى المجتمع كموضوع ، ثم العنصر السلطاني بما فيه من اعتباطية وتعسف واعتماد على العصبيات الموروثة. النتيجة مسخ مفترس يتوزع ضحاياه إلى رعايا مجردين من الحقوق ولاجئين متناثرين في أربعة أقطار الأرض، وخصوصا قطري الشمال والغرب.

 من ناحية أخرى تعاني الدول العربية من مصاعب تنموية مزمنة رغم ما تيسر لها من أموال في عقود سابقة. وهي لا تشكل بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية، إن لم نقل إنها طاردة لها، بسبب الفساد والعراقيل البيروقراطية أو عدم الاستقرار. والأهم من ذلك هو أن الدول العربية لم تظهر فرادى أو مجتمعة إرادة سياسية منسجمة  لتحسين موقعها وتعظيم دورها في هذا العالم. لا تكاد بلداننا تستمد وزنها الدولي إلا من عوامل لا تعبر عن إرادة أو فاعلية: ثرواتها الطبيعية وخصوصا النفط، موقعها الاستراتيجي، ووجود إسرائيل في وسطها. يتجسم الوضع العربي الراهن في حقيقة أن الناتج القومي الإجمالي للدول العربية مجتمعة يقل عن ناتج دولة أوربية متوسطة كإيطاليا. لذلك من المسوغ لنا اعتبار الوطن العربي قطبا دوليا سلبيا، أي مجالا لتنافس الأقوياء على النفوذ، وخصوصا بالطبع القطب الدولي الإيجابي الوحيد.

2 ـ مارست إسرائيل طوال أكثر من خمسين عاما تأثيرا مخربا لا يمكن المبالغة فيه في التضييق على فرص البلاد العربية في مجالات الديمقراطية والتنمية والاندماج الإيجابي في العالم. ولدت إسرائيل من تناقضات الحداثة السياسية الأوربية بوجهيها الداخلي والخارجي، بناء الأمة والتوسع الإمبريالي. لكن سيَثبُت مع الزمن أن إسرائيل ركن أساسي في الاستراتيجية الغربية للسيطرة على منابع النفط والتحكم في منطقة ثقافية تحمل إمكانيا طموحا للهيمنة العالمية. تتكفل الولايات المتحدة كما هو معروف بتفوق إسرائيل العسكري  النوعي على الدول العربية مجتمعة؛ لكنها، وكي لا تنام إسرائيل بين القبور وترى منامات موحشة، تتكفل أيضا بألا تجتمع هذه الدول أبدا. لا مجال لاستعراض ما فعلته إسرائيل بالشعب الفلسطيني وبالدول العربية المجاورة مع فوزها دوما بالحصانة والنجاة من اللوم، بل ونيل التصفيق على بطولاتها، خصوصا في الولايات المتحدة. يعرف العرب جميعا في قلوبهم وفي ضمائرهم وذاكرة أجيالهم هذا السجل المرير من الإذلال والتحقير الذي ساهمت فيه أمريكا بسخاء عجيب ، هذا فضلا عن التدمير الثأري والحقود لبلد عربي آخر هو العراق ، فضلا أيضا عن سلاح التدمير المعنوي الشامل الذي هو تشويه السمعة وتصوير العربي مثالا للدناءة والغدر والبلادة والجشع فيما لا يحصى من الأفلام والروايات والقصص.

3ـ العرب ورثة الإسلام رسالةُ عالمية ومجدا حربيا وحضارة زاهرة وإمبراطورية عظمى. ولا يزال الوجدان الإسلامي المعاصر يختزن شعورا بالعزة والتفوق والاقتدار رغم انقلاب الأيام ووقوع المسلمين تحت سيطرة إمبراطوريات جديدة هي التي تشكل اليوم وجه العالم. إن شعور الاعتزاز هذا بحد ذاته شعور صحي إذا نجحنا في استثماره وإنارته بالعقلانية والسداد، وبالعكس فإنه يمكن أن يغذي شعورا فصاميا لا يستعيد استقراره واستواءه إلا عبر تدمير كل ما يقف في وجهه وصولا إلى التدمير الذاتي.

 لا يمكن بالفعل بناء شيئ عظيم على أيدي من استسلموا للذلة والمسكنة ففقدوا ثقتهم بأنفسهم أو اكتسبوا الثقة بعجزهم وهوانهم؛ هذا بينما يمكن للشعور الداخلي بالعظمة أن يصبح رصيدا معنويا هائلا للإبداع الحضاري والفكري والسياسي. ولعل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي النظر إلى هذا الرصيد العظيم كرصيد قابل للحياة لا كحياة مقبولة جاهزة، كرأسمال روحي ورمزي يمكن الانطلاق منه لبناء السياسة والنهضة والتنمية لا كثروة سائلة أو كسياسة مباشرة. إن اتساع الفجوة بين الفكرة أو القيمة المجردة والواقع هو الذي يولد الإرهاب حسبما أثبت هيغل في تحليله لعهد الإرهاب التالي للثورة الفرنسية.

إذن يجتمع في الحال العربي الراهن مزيج من وضع القطب السلبي الذي ينجذب ولا يجذب ، وجرح مادي ومعنوي نازف في فلسطين والعراق، ثم حساسية فائقة إزاء كل أشكال التعالي والهيمنة من قبل الغير بفضل شعور العزة الإسلامية الحي. وبالتقاء هذا المزيج مع الاندفاع الأهوج للقطب العالمي الوحيد يتكون مزيج جديد سريع الاشتعال وشديد الانفجار. نسمي هذا المزيج الشرط الإرهابي، أي الوضع المنتج للتطرف والانتحارية والإرهاب.

على أن الانفجار ليس محتوما ولم يكن كذلك. لقد وقع بسبب تقاطع سلاسل متعددة من الوقائع والتقديرات والقيم كما حاولنا أن نبين. ومن هذه السلاسل والتقاطعات يتكون ما يسميه تشومسكي "المثلث المصيري" : الفلسطينيون(وقد نضيف إليهم الآن العرب جميعا) والإسرائيليون والأمريكيون. والقضية التي تفرض نفسها على الذهن بمناسبة "تضحية" نيويورك وواشنطن هي أن هذا المثلث قد يكون أكثر مصيرية بكثير مما تصور تشومسكي أو أراد؛ أو أنه بصدد الدخول في طور تضحوي و"قدري" جديد. يعتقد عموما أن الدين، وخصوصا الإسلام، ينتج القدرية؛ ألا يحتمل أن تحول التاريخ إلى قدر، أي خروج شروط حياة الناس عن متناول أيديهم وعقولهم ، هو الذي ينتج الدين. بل ويغلق كل الدروب الأخرى لتجديد شباب الدين القديم تاركا طريق التشدد الديني هو الوحيد المفتوح. وكأنه قدر للمنطقة التي أنتجت الأديان ألا تنتج شيئا آخر.

 قد تكون الرسالة التي أراد "الإرهابيون" تبليغها هي الرسالة التي لم يخطئ أحد في فهمها في بلادنا (وربما في الغرب أيضا): نحن أيضا بشر، وإذا دفعنا إلى الهاوية فلن نكون وحدنا!