الاعلام المرئي و أثره على التحول الديمقراطي في سورية

 

كميل أسعد إعلامي سوري *

 

كم من الناس كان يدرك مطلع التسعينات أن انطلاق قناة CNN الفضائية حدث هام في تاريخ الانسانية ؟ و كم منا كان يدرك – بعد ذلك بوقت قصير – أن انطلاق قنوات فضائية عربية هو حدث جلل في تاريخ الأمة العربية و أن هذه الفضائيات أحدثت ثغرة لن تتوقف من التوسع في جدار الاستبداد العربي المتراص من المحيط الى الخليج ؟.

أعترف أنني لم أكن من الذين أدركوا أهمية الحدثين فلقد استقبلت بالكثير من الحذر و الترقب و شيء من البهجة الساذجة البريئة نبأ وصول التقنيات الى مستوى البث الفضائي ، و كان ذلك في حوار على شاشة التلفزيون السوري أواخر الثمانينات أجراه الزميل المجتهد مروان صواف مع مثقف من المغرب العربي . تحدث الرجلان برعب عن الغزو الثقافي الذي سيأتينا قريباً من السماء فالتقنيات وصلت الى امكان البث لكل دول العالم دون حدود . يومها تجاذبني خوف – لأنني صدقت أن الغزو الثقافي خطير جداً و أنه لن يبقي و لن يذر – و فرح و بهجة و ترقب غامر لأن مجرد تخيل أن يطل علينا العالم من التلفاز كان أمراً يثير الخيال الجامح ، خاصة و أن برامج محطتنا الوطنية كانت تمثل نوعاً من العقوبة أو التعذيب ، كانت – ولا زالت – شباكاً محاطاً بالأسلاك الشائكة يضطرنا بلا هوادة و لا رحمة لرؤية وجوه من قتلوا الفرح في حياتنا .

و لم يكن حالي أحسن حالاً – في عدم ادراك أهمية الاعلام الفضائي – في مطلع التسعينات عندما رأيت لأول مرة قناة فضائية عربية ، كانت صدمة عنيفة تلك التي أصابتني من إسفاف الـ ART و الـ MBC و دعايتها لأنظمة متخلفة بائسة لا تقل تشويهاً للإنسان عن النظام الذي أردنا الهرب من إعلامه إليها ، تذكرت حينها ما قاله شاعرنا نزار قباني عمّا يفعله العرب بتقنيات العصر و كيف يستغلونها أبلد استغلال . حزنت جداً لأن ما رأيت من فضائيات كان يعني نشر التخلف و السخف و الظلام على ساحة أوسع و لا شيء غير ذلك .

و مضت سنوات قبل أن أكتشف بعض فوائد هذه الفضائيات :

1.     أنها تطلعني على أحوال – أو بعض أحوال – الأشقاء في الأقطار العربية . لم يكن إعلام النظام البعثي " القومي " " الوحدوي " في سورية ليسمح لنا بأن نرى أو نسمع شيئاً عن أحوال من يفترض أننا و إياهم جسد واحد و شعب واحد ، و هذه مفارقة تستحق التوقف عندها إنما في غير هذا الموضع العجالة .

لم تكن ذاكرة المواطن العربي السوري لتختزن شيئاً يذكر عن الدول العربية ، لا صور و لا أسماء و لا لهجة ، لا شيء مطلقاً تقريباً .

2.     حسنة أخرى في الفضائيات العربية – و خاصة المملوكة للقطاع شبه الخاص مثل Orbite و ART و MBC أو المدارة بعقلية قريبة من عقلية القطاع الخاص مثل دبي و أبو ظبي .. انها اضطرت و بحكم أن جمهورها هو كل العرب في كل مكان ، أن تخاطب كل العرب ، فتزحزحت عن اقليميتها المقيتة السابقة و لو مكرهة أو بطرف اللسان . و باتت الفضائيات العربية تقوم ( دون شعارات ايديولوجية ) بتقريب اللهجات العربية و التعريف بها ، و توحيد الثقافة العربية و كنس الحواجز الاقليمية من طريقها ، و أخيراً تعزيز الفصحى باعتبارها القاسم المشترك بين الجميع – جميع الزبائن بالنسبة لبعض هذه الفضائيات -.

المفاجأة الكبرى التي كان يجب أن أتوقعها ( و كثيرين غيري ) منذ البداية حصلت في تشرين الثاني نوفمبر من عام 1996 حين انطلقت قناة الجزيرة الفضائية . فإذا كانت CNN فتحت عصر الاعلام الفضائي الذي لا يعرف الحدود ، و غذا كانت دبي و MBC و ART قد نقلت العرب الى هذا العصر ( و إن بإعلام سطحي تقليدي المضمون ) فإن الجزيرة دشنت عصر الاعلام الفضائي العربي الجاد . إن ما جرى بعد ذلك يسمح لي بالقول دون تردد : لا تنسوا هذا التاريخ نوفمبر تشرين الثاني 1996 فلن تكون الأمة العربية بعده أبداً كما كانت قبله.

لقد رأى الجميع عبر الجزيرة ما يمكن للفضائيات أن تحمل غير الغناء الممجوج و المسلسلات البائسة و الأفلام الأشد بؤساً و مقابلات أشباه الفنانين و أشباه الرجال . و رأى الجميع عبر هذه القناة مثالاً على الامكانات الهائلة التي توفرها الفضائيات لإزعاج بل و زعزعة أركان أنظمة الفهر و الصمت و الاستعباد . هذه المعجزة غير المنتظرة صنعها بضعة اعلاميين محترفين يدعمهم أمير شاب لبلد صغير يقول البعض أنه خائف من جيرانه و يريد أن يحدث جلبة تؤنسه في خوفه ، و يقول آخرون أنه أمير ديمقراطي و منفتح بكل بساطة ، و يقول فريق ثالث أنه يبحث عن سلاح يشهره بوجه من يزعجه و وجد هذا السلاح في الجزيرة ، و يقول فريق رابع أنه تفاجأ بالجزيرة مثله مثل الآخرين لكن اللعبة أعجبته فتمسك بها و دعمها .

كل هذا لا يهم و لا يقلل من أهميتة ما فعلته ، و الطريق الذي شقته تلك العلبة الصغيرة  - على حد وصف الرئيس المصري للجزيرة عندما زارها و فوجئ بصغر حجم بناءها .

منذ تشرين الثاني نوفمبر 1996 أصبح في الوطن العربي إعلام حقيقي ، و هذا الاعلام يدخل كل بيت دون استئذان . و منذ ذلك التاريخ بدأت ملايين الأسر في الوطن العربي تستدعي التقنيين ، ليلغوا نهائياً من لائحة القنوات في جهازي التلفاز و اللاقط لديهم ، محطة إعلامهم الرسمي . لقد بدأت الأنظمة العربية تفقد أقوى أسلحتها – الاعلام – و بدأت تفقد ميزة الصمت – عدم الحديث عما لا يريد النظام الحديث عنه – و ميزة النسيان – نسيان الناس لما اقترفته الأنظمة – و ميزة التعظيم و التقديس عبر تكرار المديح بلا انقطاع للحاكم الفرد ، و ميزة الصوت الواحد . كم هو مؤلم لحاكم مستبد أن يصبح بلا صوت ! أو أن يصبح صوته مجرد صوت بين أصوات كثيرة !!.

ليست قناة الجزيرة قناة حرة تماماً ، و هي قناة تملكها دولة تقليدية صغيرة و لذلك لا تقوم بالتحريض و لا تتبنى التبشير بالديمقراطية و لا تريد اسقاط أي من الأنظمة المستبدة العربية ، و هي قناة تسكت عن كثير و تغمض العين عن كثير . لكنها جعلت المواطن العربي يسمع لأول مرة و يرى ما يراه أولي الأمر في بلده . أدخلت الجزيرة الى غرف نوم الطغاة أصوات و صور و أنفاس معارضيهم و ضحاياهم بعد أن كان إعلام الطغاة يدخل القتلة الى غرف نوم كل مواطن .

و اذا كانت الجزيرة بقيودهاو عيوبها و حدودها قد فعلت كل ذلك فكيف اذا قامت قناة – أو قنوات – تتجاوز كل هذه القيود و الحدود و العيوب ! اذا كانت الجزيرة بحالتها هذه قد شغلت الأنظمة و هزتها و جعلت واحداً من أكثر الأنظمة العربية استبداداً يعلن عبر مستشار زعيمه أن الجزيرة " أخطر على بلاده – يقصد نظامه – من دول الجوار و من الدول العظمى و من اسرائيل و أي خطر آخر . إذن فكيف سيكون الحال و كيف ستكون الهزة اذا انطلقت قناة أو قنوات تفتح الباب واسعاً و دون أي قيد لكل الأفواه المكممة في الوطن العربي ؟ كم ستكون مثل هذه القناة أو القنوات الحرة مؤذية لأنظمة القهر و الصمت ؟ ماذا لو امتلكت أحزاب المعارضة قنوات فضائية ؟ ماذا لو امتلكت جماعات حقوق الانسان قناة خاصة بها ؟ ماذا لو أصبح انشاء الفضائيات بمتناول الجميع مع استمرار أسعار البث الفضائي و تقنياته بالانخفاض السريع ؟ .

و لأن الأنظمة كانت أول من فهم خطورة الخرق – أو الاختراق – الذي مثلته الجزيرة فإن محاولات خنقها لم تتأخر . خنق اقتصادي ثم سياسي ثم أمني لكن الأمير الشاب فاجأ الجميع و وقف مع هذه القناة . و أياً كان دافعه لذلك – و حتى لو كان التسلي بتخويف الآخرين من قبل حاكم بلد صغير مرفه لا معارضة فيه ولا تذمر كما يقول البعض – فإن صمود الجزيرة و بقائها فرض تحدياً كبيراً على الفضائيات العربية الأخرى التي و بعد إعلاميوها أنفسهم مهمشين و رغم كفاءة الكثير منهم مهنياً – يعملون في نشرات أخبار لا أحد يسمعها و برامج لا تجذب أحداً فضغطوا لتوسيع هامش حريتهم ، و أصبحت دول لا تختلف ظروفها كثيراً عن قطر بالفكرة فسعت لتقليدها ، و أدركت قوى و جهات حجم تأثير الاعلام فهرولت نحو امتطاء هذا الجواد الفضائي الرائع .

و هكذا توسعت ظاهرة الجزيرة بدل من أن تذبل و تحاصر بل و تقتل ، و أدرك الجميع أن الاعلام الرسمي يحتضر و أن لا دواء لإنقاذه إلا بالحرية ، و الحرية سم قاتل للمستبدين لا يمكن أن يتجرعوه فكان الشقاق بين إعلام حر يجذب الجماهير و إعلام رسمي يكلم نفسه أو يكاد .

و من انطلاق عصر الاعلام المرئي الفضائي الى دخول العرب هذا العصر شكلياً ، الى دخولهم إياه جدياً عبر الجزيرة ، الى توسع ظاهرة الجزيرة يبدو الثقب في جدار الصمت و القهر و التضليل العربي يتوسع باستمرار ، و لا يملك أحد أن يحول دون انهيار هذا الجدار – أو ما تبقى منه – كلياً .

كيف عاش المواطن السوري كل هذه التطورات ؟

لم يعرف السوريون الفضائيات إلا منتصف التسعينات أي بعد إنطلاقها عالمياً بست سنوات ، و عربياً بأكثر من أربع سنوات ، و هي بذلك تحتل مرتبة متأخرة جداً بين دول العالم تزيد من المئة و الخمسين . فكعادته يميل النظام السوري للمنع بشكل فطري ، و لا يزول المنع إلا متأخراً أو متأخراً جداً .

و بالنسبة للأطباق اللاقطة فهي ممنوعة – ولا زالت ممنوعة حتى الآن رسمياً – لكن غض الطرف عنها منتصف التسعينات بجهد استثنائي من ولي العهد الراحل " باسل " أكمله ولي العهد المتوج فيما بعد " بشار " لإقناع الأسد " الأول " بالسماح بهذه الأطباق فكيف قبِل "الأب" الذي يعتبر الاعلام ركناً أساسياً من أركان بقاء نظامه بهدم هذا الركن ؟ .

أول الأسباب على ما نعتقد هو إحساس النظام بل يقينه – و خاصة أولياء العهد – باستسلام الشعب السوري و خموده لدرجة الموت . لقد قتل النظام المعارضة المسلحة و اقتلع جذورها و جذور الهوامش القريبة أو البعيدة عنها ، و خفف منابعها ، و هو مندهش – بفرح – لأن سنين و سنين تمر دون أن يقوم أحد في سورية ، بعمل معارض ذي شأن .

ثاني الأسباب تمثلت بما رآه النظام من القنوات الفضائية العربية ، انها ترفيهية سطحية و هي في السياسة مؤدبة و منضبطة لا تخرج عن الانسجام العربي ، و لا تخدش الاجماع العربي في مجاولات الحريات و حقوق الانسان و الديمقراطية – هذا في النصف الأول من التسعينات و قبل انطلاق الجزيرة – أما الفضائيات الأجنبية ففيها الكثير من التسلية ، و من يفهم لغاتها من المواطنين السوريين قليلون ، و هم عموماً جزء من النخبة المثقفة المستأنسة أو المنطوية أو اليائسة أو الخائفة و هي بكل أحوالها لا تخيف النظام و لن تعمل لها الفضائيات الأجنبية معلومات أكثر مما تعرف هي عن نظام بلادها . و هذه الفضائيات الأجنبية لا تكثر من الحديث عن سورية ، و إن تحدثت فليس بلغة تخيف النظام كثيراً ، أما ما تعرضه بعض هذه الفضائيات بعد الثانية عشرة ليلاً فلا يزعج النظام البعثي ، و إن كان بعض شديدي الخبث يقولون أن النظام يهمه أن يتأخر المواطنون قليلاً في النوم ، و يسعده أن تنال برامج ما بعد الساعة 24 بعضاً من اهتمامهم .

ثالث الأسباب تمثل باعتقاد السلطة أن ثمن اللاقط المرتفع جداً – حينها – و الفقر الذي كان – و لا زال – يضرب ملايين السوريين سيؤديات الى دخول اللاقط بيوتاً قليلة . و بالتالي سيكون أثره محدوداً للغاية أولاً و سيكون ممكناً سحب الأطباق إن ثبت ضررها أو جد ما يوجب سحبها ثانياً .

كل هذه الأسباب جعلت وليا العهد ينجحان باقناع حافظ " الأول " بأن يقبل – على مضض شديد كما يقال – بغض الطرف عن – و ليس السماح بـ - الأطباق اللاقطة باعتباره مؤشراً مجانياً – غير خطر و غير مكلف – على انفتاح النظام و ثقته بنفسه و مجاراته للعصر ، و باعتباره أيضاً دعاية رخيصة لولي العهد الأول ثم لولي العهد الثاني – و تغذية للوهم الذي يغذي بصورة منهجية بأن الشباب القادم يحمل معه الحرية و الرفاه و الانفتاح و كل ما هو جميل – حتى و لو كان هذا الشيء بالنسبة للبعض برامج ما بعد الساعة 24 - .

و أطلت الصحون البيضاء الكبيرة المتوجهة نحو السماء فاغرة الفاه من سطوح المسؤولينأولاً ثم فيلات الأغنياء و المترفين ثم الطبقة المتوسطة – أو ما بقي منها – ثم كرت السبحة و خلال أشهر قليلة أصبحت الأطباق تنتشر في كل مكان ، و لا أنسى قط زيارتي لقلعة حلب قبل إتمام العام الأول للسماح – الضمني – بالأطباق ، فمن تلك القلعة الشامخة العالية رأيت حلب الممتدة في الأفق و هي مزروعة بالأطباق بصورة مذهلة كأنها بيوت تستند على الأطباق ، لا أطباق تستند على البيوت . كما لا أنسى منظر " الدشات " الموضوعة فوق الخيام ، نعم فوق خيام البداوى في أطراف الرقة و حمص . و باتت الفضائيات حديث الناس و همهم و اهتمامهم كيف لا و هي النافذة القادمة من السماء لتكسر ليل سورية الطويل و ظلام أيامها المطبق .

و مضى عام أو عامان و " الدشات " لا تحمل للناس إلا التسلية و المتعة البصرية و بعض المعرفة التي لا تزعج " الأسرة الحاكمة " كثيراً و إن كانت لا تريحها لأن تلفازها بات منسياً و احتكارها لعيون الناس انتهى تماماً ، و جرعات الدعاية المتلفزة باتت تذهب هباءً .

لكن حتى بالتسلية المحضة كسب الشعب السوري كثيراً لأنه تحرر من إعلام سقيم حاصره لعقود طويلة مضت ، و حتى بالتسلية المحضة خسر النظام السوري كثيراً . لقد خسر ركناً من أركان بقائه " جهاز الدعاية و سجن الاعلام " .

و مع العام الثاني من سورية ما بعد الأطباق و الفضائيات بدأت الأمور تسير في منحى شديد الازعاج بالنسبة للنظام .

أولاً : اشترى قطاع واسع من المواطنين – المتعطشين بلا حدود للخروج من سجن الاعلام الرسمي – الأطباق رغم غلاء ثمنها – حينها - ، ثم و بسبب الطلب الخيالي بدأ التصنيع المحلي لمعظم أجزاء الأجهزة المطلوبة لاستقبال الفضائيات فبدأت الأسعار بالانخفاض المتسارع . فتوسعت دائرة ذوي الدشات و هو ما ألغى أحد أهم مبررات التغاضي عن هذه الأجهزة السحرية و هو توقع النظام أن قلة فقط ستقتني اللاقطات مما يعني قلة تأثيرها و يعني أيضاً سهولة نزعها إن تطلب الأمر .

ثم و مع انطلاق قناة الجزيرة حصل المحذور و خاب التوقع الثاني للنظام و هو أن الفضائيات العربية ستستمر على نمط التسلية الفارغة و السياسة التقليدية غير المشاغبة .

و لأول مرة يشاهد السوريون على شاشة تلفاز رجلاً يتحدث بغير ما يمليه زعيم سورية " المؤله " ثم شاهدوا و لأول مرة معارضين يتحدثون عن الحرية في بلادهم – سورية – و يكشفون جرائم النظام القائم فيها دون أن تفصل رؤوسهم عن أجسادهم ، و دون أن ينقطع البث لأسباب فنية أو غير فنية .

على قناة الجزيرة شاهد السوريون لأول مرة على الشاشة رجلاً يقول أنه مدافع عن حقوق الانسان في سورية ، بل لأول مرة يرون كيف تكتب باللغة العربية ، كيف هو رسم عبارة " حقوق الانسان في سورية " المكتوبة تحت اسم المتحدث .

لا أنسى قط وجه أخي الخائف و هو يشاهد ما تعرضه الجزيرة عن سورية ، و لا أنسى منظر شوارع مدينتي الفارغة أثناء عرض الجزيرة برنامجاً من صراع الأخوة الأعداء حافظ و رفعت . لا أنسى انطباع الناس بعد مشاهدة علي صدر الدين البيانوني على شاشة الجزيرة ، كان أحدهم مندهشاً من أن الاخوان المسلمين بشر ، و يتحدثون لغتنا بل لهجتنا ، و أكثر من ذلك يتعرقون ، يغضبون ، و يسامحون ، لقد دخل زعيم الاخوان المسلمين – المحظور التفكير باسمه أو باسم جماعته – دخل كل بيت سوري و جالس أهله لمدة ساعتين !! يا لهول الكارثة – بالنسبة لأجهزة القمع و الاسكات – و لكن هل يمكن تدارك الأمر ؟ هل يمكن نزع الأطباق ؟ .

لا شك في أن النظام فكر بذلك و أدرك بسرعة أن مطالبة ملايين السجناء المحررين بالعودة الى السجن سيكون طلباً مراً قد يدفع الملايين لأن تعبر معاً و بنفس الوقت عن رفضها و هو خطر كبير لا يتحمل النظام مواجهته .

و من استضافة معارض أو صحفي أو مدافع عن حقوق الانسان من وقت لآخر تطورت الأمور الى فتح القناة باب التعبير عن الرأي – عبر الهاتف و الفاكس – لكل مواطن ، ثم استضافة محسوبين على النظام للمناظرة مع المعارضين ، مناظرات انتهت جميعاً بخسائر فادحة لممثلي النظام المتعودين على الصوت الواحد و الرأي الواحد و حوار المونولوج . و قد يكون من الأحداث التي ستترك أثرها على سورية مقابلة دامت ساعتين على قناة الجزيرة واجه فيها أحد أكثر أبواق النظام السوري تقعراً و خطابية مذيعاً في القناة و هواتف المشاهدين ، و كيف غرق مدعي الخطابية هذا في عرقه و تلعثم و ارتعد و بان للجميع إفلاس النظام كلياً و عجز عباقرة إعلامه و خطابته عن ستر عورة واحدة من عوراته الكثيرة ، في ذلك المساء الدافئ من مساءات صيف سورية رأى الجميع هزيمة إعلام الظلام و عباقرة الظلام عندما يصعدون الى النور و لو لوقت قصير .

و مع توسع ظاهرة الجزيرة تابع السوريون جنازة رئيسهم على وقع انتقادات خمس قنوات فضائية عربية هي الجزيرة ، و أبو ظبي التي تسير بسرعة على خطى الجزيرة ، و MBC السعودية التي ما كان يتخيل أحد أن تبرز عورات نظام صديق ، و حتى ART صاحبة الرقم القياسي في الاسفاف و السطحية خصصت ساعات من بثها للتهكم على تحول الجمهوريات الى وراثيات ، و أخيراً قناة ANN قناة رفعت الأسد و أولاده و التي و رغم أنها موجهة لهدف محدد ضيق معروف و رغم أنها تمثل مجموعة تذكر المواطن السوري بأسوأ صفحات تاريخه و أسود أيامه ، فإنها تكسر الصمت و الصوت الواحد و هما ( الصمت و الصوت الواحد ) أوكسجين كل نظام مستبد .

أثناء و بعد جنازة الأسد ، و بينما كانت حشود المواطنين تقاد لتركع أمام قبر " القائد الى الأبد " و بينما كان مذيع في التلفزيون السوري – الفضائية السورية – يقول " ليس البشر وحدهم يبكون عليك يا سيدي ، فحتى الشجر يبكي عليك " في هذه الأثناء كان المواطن السوري يستمع الى المحللين و المعارضين و المثقفين السوريين و العرب يقولون الحقيقة المفجعة ، و يرسمون الصورة الكارثية لسورية التي تركها الأسد " الملهم " و تحولت لحظة الموت – التي تستغلها الأنظمة المستبدة عادة لتوطيد حكمها – الى لحظة محاكمة لنظام عاش على الخداع و الكذب و تزوير الحقائق .

لقد كسر الستار الحديدي الذي كان يحيط بالشعب السوري و يحول بينه و بين قواه و طلائعه السياسية و الفكرية . كسرت الفضائيات العربية ما بنته أجهزة الأمن المتوحشة طوال عقود ، و هزم بضعة إعلاميين ألوف رجال الأمن المتربصين لكمّ الأفواه و قطع الأنفاس .

هل كان زعيم حزب معارض في سورية يحلم بأن يدخل كل بيت في بلاده و دون أن يورط أصحاب البيت ؟ هل كان الديمقراطيون السوريون و دعاة حقوق الانسان يحلمون بأن توزع بياناتهم على ملايين المواطنين في المدن و القرى و الأحياء و الشوارع في كل سورية و في الحال ؟

و لكن هذه ليست نهاية المطاف فإذا كان النظام عاجزاً عن العودة بالناس الى حجرة الظلام ، فإن استغلال الفضائيات العربية بل و قيام فضائية سورية حرة يجب أن يدفع هذا النظام للإنكفاء و التراجع . يجب أن يجبره على وقف اغتصابه لكل شيء في سورية ، و هذا ممكن بل مطلوب بإلحاح .

ـــــــــــــــــــــــ

* اعلامي سوري.