المعقول واللامعقول

الدكتور موفق الدين الكزبري*

إن الأمور المعقولة هي الأمور التي يتقبلها مجتمع ما وفق مقايسسه وعاداته وأعرافه وتقاليده. وإن الأمور غير المعقولة (اللمعقولة) هي المخالفة لما ذكر.

لكن تطور الآلة المتسارع في العصر الحاضر لم يرافقه تطور فكري مماثل يشمل الاداب والفلسفة والفنون وهذا ما أحدث في الغرب هوة كبيرة بين الفكر التقليدي والفكر المعاصر المرافق للتطور الكبير للآلة والتقنية.

مما حدا ببعض رجال الفكر الغربي للثورة على جمود فلسفتهم وإعدادهم وفنونهم ومن هنا نشأت حركة المعقول واللامعقول وبدأنا نقرأ ونسمع بفلسفة المعقول واللامعقول وفنه وادبه. وغاية هذه الحركة الفكرية وإن شئنا القول هذه الثورة الفكرية ظهرت لتضع الإنسان أمام محاسن ومساوئ فكرة ما، ليزنها الإنسان ويوازنها على ضوء معطيات العصر.

وعلى كل حال لم نسمع لهذه الحركة ذكر في القانون، لم نقرأ مثلا المعقول واللامعقول في القانون لأن القانون لا يمكن أن يتبع الهوى ويتغير بتغير الأهواء وإنما يتطور بتطور المجتمع ولا يقفز ولا يتحرك حركات بهلوانية، وإنما غايته وهدفه تحديد معالم الطرق للوصول إلى الحق وبقدر سهولة الوصول إلى الحق بقدر انتشار السلام والطمأنينة، والتغير لا يتم كيفماً لأمر فرد أو فئة وإنما يتم بالتطور الاجتماعي الذي يوجب التغيير.

والتطور هو حصيلة قناعة تولدت عند الإنسان بعد نقاش وجدل بارد أو ساخن ولا تتولد هذه القناعة لدى الفرد والمجتمع إلا بالحوار الذي تسوده الحرية بين سائر فئات المواطنيين.

وإن رأينا مجتمعنا متوقف عن التطور عندها يتوجب تنشيط المؤسسات الفكرية والسياسية والاجتماعية لإيجاد الجو الملائم للحوار المؤدي إلى التطور.

وعندما يتطور مجتمع ما يأتي القانون لينظم ويحدد معالمه وبهذا لا يمكن أن يكون القانون سابقاً للتطور لأن التطور حصيلة الحوار في جو تسوده الحرية بين سائر المواطنيين بمختلف منظامتهم وفعاليتهم وكل محاولة لإيجاد تطور بالقوة والعنف والإرهاب برسم قوانين قد لا يؤمن بها حتى واضعوها قد يحدث تغيير سطحي والتغيير أيها السادة غير التطور.

لهذا لم نر ولم نسمع في المجتمع الغربي عن المعقول واللامعقول في القانون لما للحق من قدسية ولما للقانون الموصل للحق نصيب من تلك القدسية.

أما عندنا فلم نسمع بالمعقول واللامعقول ولكننا نعيشه في الدستور والقانون وحتى في حياتنا اليومية.

المعقول أن يكون الشعب مصدر السلطات واللامعقول أن يوضع الشعب في الزجاجة، المعقول في الدستور أن يحمي كرامة الانسان وأن يكون المؤدب الرابع للسلطان والمرجح بين القوانين وما يتفرع عنها بشكل يؤمّن العدالة والاستقرار والطأنينة للمجتمع، ومن غير المعقول أن يسحق الدستور ولا يؤمّن إلا مصالح أفراد أو فئة ما.

المعقول في الدستور على ما نص عليه أن يكون مرعي الاجراء واللامعقول أن يكون معطل التنفيذ.

من المعقول أن توقّع على الإعلان العالمي لإعلان حقوق الإنسان وعلى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فتصبح هذه المعاهدات والمواثيق لها صفة الإلزام الدستوري ولكن من غير المعقول أن نمنع الإنسان من استعمال عقله في قناعاته ونزج بهم المعاقل لأنهم مخالفون البعض في الرأي ويحاكموا محاكم استثنائية غير قضائية لاتتوفر فيها الضمانات القانونية المتوفرة للمتهمين بالجرائم العادية.

في القانون المعقول أن يحقق عدالة ولكن اللامعقول أن يؤدي إلى ظلام وظلمات.

المعقول أن يكون قانون الطوارئ مدخراً لحالات الهلع والفزع والمصائب والكوارث الطبيعية وفي مواقع القتال وعندها يكون لساعات أو أيام، وغير المعقول أن تطبق على مخالفات الدراجات والسيارات ولمخالفة بعضهم في الرأي أو المعتقد أو الأحاسيس الشخصية.

من المعقول أن تحقق هذه القوانين الأمن والطمأنينة أما أن تكون هي مصدر الهلع والفزع فذلك هو غير المعقول.

من المعقول أن تنظم العدالة الأصول الموجزة وتوجد لها محاكم خاصة وقضاة من القضاء العادي الطبيعي لبعض مخالفات السير والقمامة ومن المعقول أيضاً أن تخضع أحكام الأصول الموجزة للاعتراض والاستئناف والطعن بالنقض،   ومن غير المعقول أن تؤسس محاكم أمن الدولة من قضاة لا تتوفر فيهم صفة القضاء مع إعفائهم من تطبيق قانون الأصول. وأن لاتخضع أحكامهم لطريق من طرق الطعن وحتى لقد أعفي أحكام الإعدام الصادرة عنها من مرسوم تنفيذ حكم الإعدام.

في الإنسان من المعقول أن يكون كل بني آدم إنسان وله كرامته القائمة على الحرية ليميز بها الخير عن الشر واللامعقول أن يسمى إنسانا من لا كرامة له.

في المحاماة من المعقول أن يلاقي القرار رقم (1) الصادر عن هيئتكم التأييد الكامل في سوريا والمحاكم القانونية العربية والدولية، ولكن من اللامعقول أن يصيبه ما أصاب الدستور أن يكون حلية نتغنى بها وأن نكون سجّلنا موقفاً ولم نحدد ونثبت موقعنا.

من المعقول أن نسمع الأقوال والخطب والألفاظ المدغدغة ومن اللامعقول أن يمضي عليها التقادم بعد التلفظ بها كأنها ولدت ميتة.

من المعقول أن نقتنع وأن نؤمن وأن نقرر واللامعقول أن لا نطبق ولا نعمل ولا نلتزم.

السادة الزملاء :

إن استمرار اللامعقول لا يمكن أن يتحول إلى معقول كما لا يمكن أن يصبح المعقول لا معقول... ومن المعقول.... واللامعقول...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الدكتور موفق الدين الكزبري مؤسس ورئيس أول رابطة سورية لحقوق الإنسان في 1962. توفي في 1999.